الحضارية «ثقافة ومجتمع»
 السبت: 21/08/2010

 

 

 

 

 

من غريب الاتفاقات بعد وفاة الشيخ محمدعبده

 

بقلم ناجي محفوظ(*)

(خاص للمعهد)

 

 

 

 

 

من غريب الإتفاقات وعجيبها:

ما حدث من وفاة جميع الذين شاركوا في تأبين المغفور له العلاّمة الشيخ محمد عبده، في الاحتفال الذي أُقيم في اليوم الأربعين بعد وفاته، وفق تسلسلهم في إلقاء مراثيهم تماماً، لم يشذّ عن ذلك أيّ واحد منهم، وكأن ترتيبهم في ذلك الاحتفال، كان مستوحَياً من آجالهم، وكان عدد أولئك الأشخاص ستة.

وقد كانت وفاة الشيخ محمد عبده في الإسكندرية، ونُقل الى القاهرة فدفن فيها، في يوم 11 تموز من سنة 1905م. وقد تقرر الإحتفال بتأبينه في اليوم الأربعين، فتقدّم الكثيرون وتزاحموا للمشاركة في ذلك التأبين، يدفعهم: حبهم للشيخ، وإعترافهم بفضله، وتقديرهم لجهوده. فقد كان الرجل – علاوة على سعة علمه، وصواب آرائه، وصادق جهاده – منصفاً، عادلاً في أحكامه، لم ترهبه أو تُخِفْه قوة، ولم تبهره أو تخدعه دعاوة.

ولم يكن بالإمكان أن يشارك – فعلاً – في التأبين، كل ذلك العدد من المتقدمين، فكان لابدّ من الاختيار، فاختير ستة منهم فقط، وهم:

1)     الشيخ حسن أبو خطوة

2)     حسن باشا عاصم

3)     حسن باشا عبد الرازق

4)     قاسم أمين

5)     حفني ناصف

6)     حافظ إبراهيم

وهكذا كان ترتيبهم في إلقاء المراثي، وعلى هذا التسلسل والنسق تخطّفهم الموت أيضاً، فكما أن الشيخ حسن أبو خطوة كان أولهم في رثاء الشيخ الإمام، فقد كان أولهم في الوفاة، وكما أن حسن باشا عاصم كان ثانياً في الرثاء، كذلك كان ثانياً في الوفاة، وهكذا كان شأن حسن باشا عبد الرازق وقاسم أمين...

وبعد وفاة هؤلاء الأربعة، لم يبق من أولئك الستة إلا إثنان، هما: حفني ناصف وحافظ إبراهيم. ففطن حفني الى ما كان من حدوث وفيات أولئك الأربعة وفق تناوبهم على المنصة في حفل التأبين تماماً، وأدرك أنه لا بد من أن يكون هو الخامس، وأنه سيسبق حافظ ويموت قبله، فكان لهذا الانتباه نصيب من شعر حفني، ثم من شعر حافظ...

وكان حفني معروفاً بالدعابة، حتى عُد علَماً من أعلامها في أيامه. وكان للنكتة في ذلك العهد دولة ورجال، وكان حتى كبار الكتّاب والأدباء يستعملون النكتة، وقلّما كان أديب في مصر – في ذلك الوقت – لا يستعمل النكتة، وكان حفني في مقدمتهم، لِما كان يتمتع به من صفات ومعارف أهّلته لذلك. فقد كان ذكياً سريع الخاطر، خفيف الروح، متمكناً من الفصحى والعامية، وينظم في كليهما. ثم إنه كان مختلطاً بمختلف الأوساط، ذا نظرة ثاقبة، خبيراً بما يدور حوله من أحداث، الى غير هذا من خصائص وصفات، وقد ساعدت كل هذه على أن تكون نكاته حيّة حارة، فيعجب بها الناس، ويحفظونها ويرددونها ويتناقلونها.

كتب حفني الى حافظ قصيدة، ذكر له فيها موت أولئك الأربعة: أبو خطوة وعاصم وعبد الرازق ثم قاسم أمين، وأنه (أي حفني نفسه) سيكون الخامس، ثم يقول لحافظ: لا تخشَ الهلاك، ولا تَخَف المخاطرة، فإرمِ نفسك تحت القطار، ونَمْ في البيت الوقَفْ الخرِب، وأدخل الحرب أعزلاً بلا سلاح؛ وكن مطمئناً، فإن الموت لا يأتيك، بل سيجري ويهرب منك، ما دمتُ (أنا) حيّاً، فإذا متُّ، فترقّب الموت:

أتذكر إذ كنا على القبر ستة
وقفنا بترتيب وقد دبّ بيننا
أبو خطوة ولّى وقفّاه عاصم
فلبّى وغابت بعده شمس قاسم
فلا تخشَ هُلكاً ما حييتُ فإن أمُتْ
فخاطرْ وقَعْ تحت القطار ولا تخفْ
وخضْ لجج الهيجاء أعزل آمناً
 

 

نعدّد آثار الإمام ونندبُ
ممات على وفق الرثاء مرتّبُ
وجاء لعبد الرازق الموت يطلبُ
وعمّا قريب نجم مَحياي يغربُ
فما أنت إلاّ خائف تترقبُ
ونَمْ تحت بيت الوقف وهو مخرّبُ
فإن المنايا منك تجري وتهربُ

 

 

 

ويبدو أن قول حفني هذا، قد قرّ في نفس حافظ فإطمأن اليه وإقتنع به، وآمن بأن حفني هو السابق الى الله جلّ جلاله، ولكن الذي ظلّ يخافه هو أن يموت حفني، لأن حياته (هو) رهينة بحياة حفني، فكان يدعو له، وإذا ما دعا لأحد من الناس، فإنما هو حفني.

        وقد نوّه حافظ بهذا – بوضوح – في القصيدة التي ألقاها في حفل التكريم الذي أقيم لحفني في نادي طنطا، وذلك بعد أن تم نقله – في شهر تموز من سنة 1912م – من وزارة العدل إذ كان قاضياً، الى التفتيش الأول للغة العربية في وزارة المعارف، حيث قال:

أخشى عليك المنايا
إذا شكوتَ صداعاً
وإن عراك هُزال
وإن دعوتُ لحيٍّ
عمري بعمرك رهنٌ
نبقى وإبليس فيها

 

 

حتى كأنك مني
أطلتَ تسهيد جفني
هيّأت لَحدي وقُطني
يوماً فإياك أعني
فعش أعشْ ألف قرنِ
نبكي الليالي ونُفني

 

       

 وقد مات حفني في يوم 25 شباط من سنة 1919م، فحينذاك رأى حافظ المنية قريبة منه، فنجده يقول في قصيدة نظمها لإحدى الإحتفالات بوفاة الشيخ محمد عبده، وكانت قد أقيمت بعد وفاة حفني:

آذنت شمس حياتي بالمغيبِ
إنّ مَن سار اليه سيرنا
قد مضى حفني وهذا يومنا

 

 

ودنا المنهل يا نفس فطيبي
ورَدَ الراحة من بعد اللعوبِ
يتدانى فاستثيبي وأنيبي

 

 

ثم يعود فيردّد ما كان فطن اليه حفني وأخبره به، فيقول:

قد وقفنا ستةٌ نبكي على
وقف الخمسة قبلي فمضوا
وردوا الحوض تباعاً فقضَوا

 

 

عالِم المشرق في يوم عصيبِ
هكذا قبلي وإني عن قريبِ
بإتفاق في مناياهم عجيبِ

 

 

وعرف أن نوبته قد حانت، وأن يومه قد دنا، ففارقه الهدوء الذي تمتّع به أيام كان حفني حياً، فلما مات حفني عاد الحزن اليه، وصار دائم البكاء:

أنا مذ بانوا وولّى عهدهم
هدأت نيران حزني هدأةً

 

 

حاضرَ اللوعة موصول النحيبِ
وإنطوى حفني فعادت للشبوبِ

 

    

    وقد كانت وفاة قاسم أمين – آخر الأربعة الأوائل – في يوم 21 نيسان من سنة 1908م، أي أن أولئك الأربعة ماتوا في مدة تقلّ عن ثلاث سنين، بعد وفاة الشيخ محمد عبده، ولكننا لا ندري متى فطنَ حفني الى أن وفياتهم كانت متسلسلة وفق تسلسل رثائهم للشيخ محمد عبده في حفل تأبينه في اليوم الأربعين، وهل أنه فطن بعد وفاة قاسم أمين مباشرة أم بعدها بقليل.

        لم أقف على تاريخ ذلك، ولا على تاريخ نظم قصيدته التي ضمّنها إستنتاجه، ولعله فطنَ بعد وفاة قاسم أمين مباشرة، وربّما دبّ هذا الهاجس في نفسه قبل وفاة قاسم أمين، وتأكد له بوفاته، مما حداه أن يصرّح به ويعلنه.

        وقد تأخرت وفاة حفني، إذ كانت – كما ذكرنا – في يوم 25 شباط 1919م، أي بعد وفاة قاسم أمين بنحو 11 سنة، وهذا يبيّن لنا طول معاناته من ذلك الهاجس.

        وأما حافظ، فقد كان مدة معاناته أطول وأكثر مرارة، إذ توفي في سنة 1932م، أي بعد وفاة حفني بنحو 13 سنة، كان خلالها يترقب أجله ويبكي نفسه؛ وكأن قبلها ومنذ كتب اليه حفني بذلك الهاجس، يخشى على حفني من كل أذى، كأنه شخصه.

وأخيراً نسأل الله تعالى أن يرحمهم جميعاً، وأن يرحمنا معهم، إنه الكريم الرؤوف.

 

 

...........................

(*) شقيق العلامة الراحل الأستاذ الدكتور حسين علي محفوظ