الحضارية «ثقافة ومجتمع»
 السبت: 17/07/2010

 

 

 

 

 

تشريح الذاكرة : أحداث التاريخ وأضغاث المؤرخين

 

ثامر عباس(*)

(خاص للمعهد)

 

 

 

 

 

 

لكي تنجو الكتابة التاريخية من الإسفاف الخطابي المؤدلج ، وينأى المؤرخ بنفسه عن الأسلوب الوعظي المؤمثل ، لا مناص من الإقلاع عن مظاهر تحنيط التاريخ في الحالة الأولى ، وتنميط سيرورته في الحالة الثانية . إذ إن حقيقة التاريخ لا يمكن أن تختصر في وعي المؤرخ أو تبتسر في خطابه ، كائناً ما يكون عياره المعرفي ومستواه الأكاديمي وتفرده الفلسفي وتنوعه المنهجي . وربما لهذا السبب رأى الفيلسوف الألماني (هانز جورج غادامير) أن ((خبرة التاريخ التي نتمتع بها جميعاً ، لا تغطيها ما نسميه الوعي التاريخي إلاّ بدرجة ضئيلة فقط)). ومما يضاعف من إشكاليات التعاطي مع فحوى التاريخ ، ويضفي على وقائعه وأحداثه مغزى الاختلاف في الرؤية والتباين في التقييم ؛ ليس فقط كونه يكتب بوحي من إرادة الفاعل الاجتماعي – سواء أكان فاعل السلطة أو فاعل المعارضة – وينسج باستلهام معين تصوراته ويحبك بدواعي الإيثار لمصالحه فحسب ، بل ولأنه ، كذلك ، لصيق بمعطيات الأسطورة ومندغم بإيحاء سردياتها ، باعتبار أن ((الأسطورة تاريخ ما)) كما أوجز الانثروبولوجي الشهير (ماليونفسكي) ، أو كما قال الفيلسوف الفرنسي (فولتير) ((حين نقرأ التاريخ ، لنكن حذرين من الأساطير)) من جهة ، ورفيق لمخزونات الذاكرة ، من منطلق أن ((التاريخ - كما يقول المؤرخ اللبناني وجيه كوثراني – في جانب منه ذاكرة تاريخية حاضرة وثقيلة)) ، وقريب لهذا المعنى كما يشير المؤرخ الفرنسي (جاك لوغوف) إلى ((أن التاريخ يضيء الذاكرة ويساعدها على تصحيح أخطائها)) من جهة أخرى .

ولعل هذه ليست الصعوبات الوحيدة التي يمكن أن يواجهها الباحث في شعاب التاريخ والمنقب في مطمورات أحقابه . إذ إن هناك عوائق كثيرة ليس أقلها تلك المتعلقة بطبيعة العلاقة بين المجتمع المعني وأنماط التمظهر التاريخي ، التي تكثف وتعكس في الآن ذاته إرهاصات ذلك المجتمع وأنماط خياراته ؛ فكلما اتّسم الأول بقدم وجوده الإنساني ، واتّصف بعراقة إسهامه الحضاري ، وتفرد بأصالة حضوره الديني ، كلما تضخم تاريخه وتراكمت ذاكرته وتشعبت ثقافاته وتنوعت موروثاته . ولذلك فقد اعتبر المؤرخ الفرنسي (ميشيل فوفيل) ((إن التاريخ الحقيقي مثل الحياة الحقيقة يوجد بعيداً )).

وبرغم كل ما قيل عن المجتمع العراقي المجدول بالغرائب والعجائب ، وكتب عن فرادة تاريخه المكتنز بالأساطير والملاحم ، فإن الحاجة تبقى قائمة ، لا بل ملحة ، لأن يعاد النظر بتلك الأمور التي اعتبرت بداهات مقدسة في وعيه ، وان تستأنف المساءلة لتلك القضايا التي عدّت مسلمات محرمة في علاقاته . وهو الأمر الذي يتيح لنا إدراك دواعي إحجام البعض ، عن التورط في تناول الذهنيات والخلفيات والمرجعيات ، التي تشكل الناظم الأساسي للوعي الجمعي العراقي ، فضلاً عن تفهّم أسباب تهيب البعض الآخر من الانخراط في مناقشة الأصوليات والفرعيات والتحتيات ، التي تتحكم بمصادر السلوكيات ومصائر العلاقات . والغريب في الأمر انه بدلاً من أن تشكل مزايا من مثل ؛ الباع الطويل في الحضارة ، والقاع العميق في التاريخ ، والإبداع المتميز في الثقافة ، كمحفزات لإثراء الدراسات في حقول السياسة ، واغناء البحوث في ميادين الاجتماع ، وإنماء التنظير في مضامير الوعي . فقد استحالة ، من جهة ، إلى كوابح ذاتية تمنع المؤرخ من الولوج إلى مناطق الظل / الرخوة في الشخصية العراقية ، لتفكيك مكوناتها الأولية ، ونقد تصوراتها البدائية ، وتشريح معتقداتها الخرافية ، وانقلابها ، من جهة أخرى ، إلى مصدات موضوعية تلجم من يتجرأ على البوح بما لا يجوز الحديث عنه من عيوب كامنة ، أو التفكير فيه من مثالب قارة . بوازع من وهم الحفاظ على نقاء الصورة التي كونها الشعب العراقي عن ذاته ، وطهارة القيم التي يجتافها عن نفسه ، وخلود الرسالة التي يورثها لأجياله . ولذلك فليس غريباً أن تتزاحم الآراء وتتراكم الدعوات ، التي يتبارى من خلالها المؤرخين و(المتأرخين) -إن جاز لنا استخدام هذا الاشتقاق- لإظهار سخونة حميتهم الوطنية على صعيد القول دون الفعل، وعمق روابطهم الاجتماعية على مستوى الخطاب دون الممارسة.

وإذا كان من حق الشعوب على نخبها (مفكرين ، مؤرخين ، باحثين ، شعراء ، كتاب) أن يمجّدوا ماضيها ويشيدوا بمآثرها ويتغنوا بفضائلها ، فإن عليهم بالمقابل - كواجب وكضرورة - ألاّ يتردّدوا في الكشف عما تخلل تاريخها من نوازل سياسية ، وألاّ يتهيبوا في إماطة اللثام عما أفرزته قيمها من مهازل اجتماعية ، وألاّ يكلوا أو يملوا من تعرية عما استبطنته ذهنياتها من أباطيل دينية ، وألاّ يتهاونوا في هتك الحجب عما تواضعت عليه أعرافها من أوهام مناقبية . وعليه فلماذا – يتساءل أستاذ التاريخ بالجامعة التونسية الدكتور محمد الطاهر المنصوري – ((ما زلنا نتذكر فقط عصر هارون الرشيد ، ولماذا لا نتذكر إلاّ صلاح الدين الأيوبي أو غيره ؟ لا لشيء إلاّ لأنهم أشخاصاً ايجابيين ، ولكننا نتغافل عمداً في الوقت نفسه عن الفترات الحالكة من تاريخنا ، ولا نحاول فهما من الداخل ، بل ما زلنا دائماً نحمل مسؤولية ضعفنا التاريخي ووضعنا الراهن للأجنبي ، ونعلل ذلك بالغزو والحروب الصليبية التي لا تزال متواصلة في الأذهان ، وبالاستعمار وغيرها من أشكال الهيمنة ؟)) . والحال فقد أدمن المؤرخين أو الذين يشاطرونهم تخصصهم ويحايثونهم اهتماماتهم – حقاً أو باطلاً - على ترديد صيغ المديح المطلق للتاريخ العراقي ، كما لو كان مساره يجسد الاستقامة في أنقى صورها والمثالية في أرقى مراحلها . حتى ليظن المرء أن تاريخه كان أقرب إلى تاريخ الملائكة منه إلى الشياطين ، وأدنى إلى تاريخ الأبرار منه إلى الأشرار ، والأشبه  بتاريخ الأبطال منه إلى الجهّال ، بحيث يبدو وكأنه خال فعلاً من مظاهر الصدوع والشقوق والنتوءات ، إن لم نقل الكوارث والفواجع والمآسي . هذا في حين أنهم تحاشوا – كما الوباء – التطرق لأي حدث أو واقعة ، تفيد بأنه لم يكن بهذه الصورة الطوباوية المؤمثلة ، أو تلك اللوحة الهارمونية المؤسطرة ، التي لم يفتأ يغدقها عليه كل من واتته الفرصة ، للحديث عن تاريخ العراق القديم والحديث والمعاصر ، كما لو كان يسرد تفاصيل فلم سينمائي أطرت مضامينه الدرامية ، أو ينسج قصة / رواية قننت حبكتها الفنتازية . وهو ما يتعارض منهجياً ومعرفياً مع متطلبات البحث العلمي والكتابة الموضوعية ، لاسيما في مجال التاريخ الاجتماعي الذي عدّه المؤرخ (جاك لوغوف) ، بمثابة ((موسوعة يجب أن ندخل فيها كل شيء من علم الفلك إلى الكيمياء ، ومن الفنون المالية إلى التقنيات الصناعية ، ومن معرفة الفنان والنحات والمهندس المعماري إلى عالم الاقتصاد ، ومن دراسة القوانين الدينية والمدنية والجنائية إلى القوانين السياسية)) .

وبدلاً من أن يتم توجيه الذهنية العراقية المتماهية دوماً مع فكرة القوة دون قوة الفكرة ، والمسكونة بهاجس حق الغلبة دون غلبة الحق ، صوب إدراك حقيقة أنه لا يوجد – ولا يمكن له أن يوجد – تاريخ يخلو من ندوب الهزائم والانكسارات ، أو برئ من ذنوب الجرائم والقباحات ، فإن حدث ووجد مثل هكذا تاريخ ، فتوقع ، إذن ، أن يكون نتيجة لتهويمات الخيال والأساطير ، وليس حصيلة ترسبات دنيا الواقع الإنساني وزمان المعاش الاجتماعي . بحيث يتكون لدى العامة والخاصة انطباع يشي ؛ بان تاريخ العراق لا يختلف عن تواريخ الأمم والشعوب الأخرى ، إن من حيث البطولات والانتصارات والإنجازات التي اجترحها ، أو من حيث الانحرافات والتقهقرات والانقطاعات التي عانى منها ، وتبعاً لذلك فإن برامج الإصلاح الاجتماعي ومشاريع النهضة الحضارية ، التي تتبارى من خلالها تلك الشعوب والأمم لإظهار حيويتها وتأكيد فاعليتها ، لا تستقيم مع إشهار فضائل الأولى وإنكار رذائل الثانية ، بقدر تنسجم مع جرأة المبادرات وجسارة المحاولات الرامية لتسليط الضوء ، على ما يمنع التفكير فيه ، ويحرم النقاش حوله ، وتجرم الكتابة عنه . لا لشيء إلاّ ليقال بنبرة خطابية مؤدلجة إن من سمات ((أهل العراق – كما يكتب أحد المؤرخين العراقيين المعاصرين - عبر تاريخهم الطويل هي نظرتهم الواسعة وأفقهم الرحب الذي يتجاوز الأنانية المقيتة ، والعنصرية الضيقة ، والإقليمية المحدودة ؛ كل ذلك مع ثقة بالذات واعتداد بالخصائص المميزة ، قائم على الإدراك الفطن للمفيد لأبناء الأمة والإنسانية)) . هذا في حين يرى المؤرخ العراقي المبدع (سيار الجميل) أن العراقيين عاشوا ((طوال أحقاب تاريخية في جدلية صعبة جداً ، إذ كانوا متخندقين منذ قرابة ألف وأربعمائة سنة ضمن ثنائيات واضحة ، وخصوصاً بين خط شارع سياسي وخط مشروع حضاري ، ولم يلتقيا إلاّ لماماً . ومن المفجع أنهم بقوا يستلهمون الافتراق من أسس تلك الانقسامات الحادة ويعيشون على تشظياتها . وعليه فإن الثنائية ( أو الازدواجية ) في الذهنية العراقية والتفكير معاً ، قد ولدت كل مشكلات العراق الداخلية ، بل وولدت عنها كل الصراعات السياسية العراقية على امتداد تاريخ طويل جداً ، والتي تكمن من ورائها جملة هائلة من الأسباب والمسببات والدوافع والمعلولات ، التي قد تبقى خفية مسكوت عنها وهي تذكي تحت الرماد ناراً كي تندلع بين زمن وآخر ضمن مسميات شتى )) .

والحقيقة أن هناك مآخذ أخرى لا يسع حيز الموضوع إيرادها هنا ، ولكننا آثرنا التطرق إلى واحد منها وهو أن كتابة التاريخ العراقي نحت عموماً باتجاه ماهو سياسي صرف ، دون أن تحفل بالأبعاد والجوانب الأخرى ؛ السوسيولوجية والانثروبولوجية والرمزية والمخيالية وسواها ، التي وان كان دورها لا يظهر بصورة مباشرة وعلى نحو آني ، إلاّ إن تأثيرها العميق واللامباشر أثبت انه يفوق بأضعاف تبعات نظيره السياسي . وهكذا فقد انصب اهتمام كتب التاريخ على الأحداث السياسية المتعلقة ؛ بحياة القادة المتميزين والحكومات القوية والدول المركزية والأحزاب المسيطرة ، بحيث خلت فيها الإشارة إلى طبيعة العلاقات الاجتماعية التي كانت سائدة بين العامة (= الجمهور) أنفسهم من جهة ، وبينهم وبين الطبقات الحاكمة والمسيطرة من جهة أخرى ، أو التطرق لماهية القيم الاعتبارية التي كانت تغذي وعيهم وتتحكم في سلوكهم . بحيث توصل المؤرخ العراقي (عبد اللطيف عبد الرحمن الراوي) من منطلق ماركسي ، إلى استنتاج مفاده إن الانهيار الاجتماعي الذي وقع في العراق خلال القرن الرابع الهجري (( لم يكن مقصوداً أدخلته أقوام أخرى أو فئات شعوبية بقصد تحطيم الدين أو العروبة – كما يدعي بعض الباحثين – فقد كان نتيجة طبيعية للبنية الاقتصادية الاستغلالية التي ارتكزت عليها الدولة العباسية ، ولم ننكر ما للغزو الحضاري وصراعه مع القيم العربية البدوية من تأثير في انحراف الأعراف والأخلاق)) . كما جرى طمس الكثير من الأحداث التاريخية ذات المنحى المحرج للذاكرة ، وإخفاء الأكثر من الحقائق الاجتماعية ذات المغزى المخجل للوعي ، إرضاء لرغبة هذا الحاكم أو ذاك ، واستجابة لنوازع هذه السلطة أو تلك ، دون أن يضعوا بحسابهم إن كل ما يغمط من أمور واقعية ، وكل ما يبعد من قضايا فعلية لا بد من أن يثأر لنفسه إن عاجلاً أو آجلاً بطريقة غالباً ما تكون مأساوية . والأنكى من ذلك كله ، أنه حتى البعد السياسي - الذي يعد في عرف المؤرخين قاصراً لوحده في تفسير التاريخ وتبرير أحداثه -  لم يؤخذ في إطار وحدته الكلية ولا ضمن سياقه الشمولي ، الأمر الذي يظهره كما لو أنه ممارسة وقعت خارج الزمن وحدثت بعيداً عن الواقع . وهكذا فالتاريخ السياسي – يكتب لوغوف – ((كان في الوقت نفسه تاريخ وقائع وتاريخ أحداث ، فهو عبارة عن واجهة يختفي وراءها الدور الحقيقي للتاريخ ، الذي تدور أحداثه في الكواليس وفي البنى الخفية ، التي يتوجب الكشف عنها وتحليلها وتفسيرها)) . أو بعبارة الفيلسوف (ميشيل فوكو) فإنه يظهر ((خلف ناريخ الوضعيات تاريخ أكثر تجذراً ، وهو تاريخ الإنسان . تاريخ يتعلق الآن بكينونة الإنسان ذاتها ؛ إذ يظهر انه ليس فقط محاطاً بتاريخ ، بل هو ذاته ، في تاريخيته الخاصة ، هو الذي يرسم تاريخ حياة البشرية وتاريخ الاقتصاد وتاريخ اللغات)) .

 

 الكمي لهذه التحليلات قد يكون مطلوبا، ولكن أمامه مهمّة تجاوز أنواع الخلط- العوائق التي ذكرناها.

 

 

...........................

(*) كاتب وباحث من العراق