الحضارية «ثقافة ومجتمع»
 السبت: 12/06/2010

 

 

 

 

 

واقع الإعلام العراقي بعد التغيير السياسي

المحددات المنهجية والموضوعية للإعلام الوطني

 

د. محمد سعيد الأمجد

 

 

 

 

هدف البحث

لكل رسالة إعلامية هدف خاص يراد تحقيق من خلال منهج مرسوم إذ تلتقي أهداف هذه الرسالة في محصلة اجتماعية وطنية عامة وذلك بإيجاد بيئة تلق تسعى لتحقيق الانسجام بين الأهداف في سياق توجه فكري وطني معتدل يحقق الشخصية الاجتماعية الإنسانية المتكاملة عند متلقي الرسالة.

وأما مدى التأثير في تحقيق الهدف المنشود فهو منوط بمقدار استجابة المتلقي نفسه وبمقدار تأثير المرسل بالمتلقي حتى يجعله متكيفا أكثر مع الاستقبال.. فان كان إعلاما وطنيا هادفا معتدلا في طرحه خلق لنا متلقيا فاعلا مؤثرا في البناء ومحاربة كل الآفات التي تهدد أمن المجتمع وتعايشه السلمي وان كان إعلاما متطرفا أو سطحيا خلق لنا فردا هامشيا غير فاعل في البناء الوطنيان لم يكن متطرفا.

وقد مضت سيرة الحياة الإنسانية ضمن سلسلة علاقات متعددة تقوم على اتصال الإنسان بالإنسان أفرادا وجماعات وأمما حتى أمكن التنظير لهذه الفطرة وكشف فلسفتها المتوزعة على نواحي الحياة العامة ضمن سلسلة من العلوم والمعارف كان منها الإعلام.

أن طرح هذا الموضوع في هذا الوقت بالذات وفي العراق بالتحديد يكتسب أهمية خاصة لأنه أصبح يثير إشكاليات جديدة تتجاوز ما كان مطروحا في السابق من إشكاليات.

وسنسعى من خلال هذه الدراسة إلى تقييم أداء الإعلام العراقي بعد التغيير الذي حصل في العراق عام 2003 وتحديد الإشكاليات الجديدة التي تطرحها العلاقة بين الإعلام والواقع العراقي الجديد وصولا إلى دراسة سبل حلها وإحلال البديل الموضوعي المرتكز على الوطنية وروح الاعتدال.

ولهذا أيضا يحاول هذا البحث أن يعالج موضوعة الإعلام العراقي الراهن ويكشف عن أثره ودوره المحوري في صنع الإنسان وتحريك طاقاته الإيحائية والإبداعية من خلال إعادة رسم الهياكل والأدوار والأهداف للإعلام الهدف الوطني المعتدل وبيان قدرته على تحريك المتلقي باتجاه بنائي واسع الأفق.                   

تأثير الاختلالات العربية على الإعلام العراقي

نستطيع أن نقول إن العالم العربي والعالم الإسلامي أصبحا منذ سبتمبر 2001 في قلب السياسة العالمية والاستتراتيجية العالمية بمعنى أنه قبل ذلك كان العالم العربي والشرق الأوسط موجودا ومهما ومؤثرا ولكن لم يكن القضية المتصدرة للقضايا العالمية فقد كانت القضية الإستراتيجية الكبرى على المستوى العالمي في ذلك الوقت هي الصراع بين الشرق والغرب (الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية).

وكان قلب هذا الصراع موجودا في أماكن معينة من أوربا الشرقية وبرلين إنما هذا العالم القديم تغير تماما وحدثت ثورة حقيقية في نهاية الثمانينات مع سقوط الاتحاد السوفيتي ومع التدهور الذي حدث في الكتلة الاشتراكية ثم بروز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة واحدة في علم اليوم ابتداء من أوائل التسعينات والتي واكبتها جهود أكاديمية وعلمية وثقافية.

فالتطورات التي تحدث هنا لها علاقة مباشرة بالإستراتيجية الكونية كلها فليس مصادفة في هذا مكانها للتنافس مع القنوات الفضائية الكبرى وبدأ المواطن في الولايات المتحدة وأوروبا والعالم كله يشاهد قنوات عربية وهذا لم يحدث من قبل بل كان الإعلام الموجود في المنطقة خارج سياق المشاهدات العادية للعالم وأصبحت بعض القنوات العربية في مقدمة القنوات التي تقدم أخبارا وينظر إليها وأصبحت قنوات عالمية نتجه التطورات السياسية والإستراتيجية التي ذكرت من قبل.

وقد شهدت البيئة الإعلامية العربية والإسلامية في السنوات القليلة الماضية تغيرات نوعية نتيجة ما فرضته متطلبات العمل الإعلامي في ظل فضاء مفتوح يزخر بفيض هائل من الأخبار والبيانات والمعلومات في كل لحظة ومن كل بقعة في العالم دون أي اعتبار للحواجز الجغرافية والحدود الوطنية.

لقد أسهمت ثورة الاتصال والمعلومات في أحداث تحول على المشهد الإعلامي العربي في العقد الأخير من القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين فقد استجاب الإعلام العربي لتأثير هذه الثورة الكاسح واستطاع أن يطور قابليته للاستفادة من بعض فرصها فنشأ ما يسمى بإعلام (الموجة الجديدة) المتمثل في القنوات الفضائية العربية والصحف والمجلات الالكترونية والموقع الإخبارية على شبكة الانترنت.

ويرى البعض أن الإعلام العربي حقق تطورا نوعيا وكميا في السنوات القليلة الماضية وذلك من خلال المحطات الفضائية العربية وخاصة الإخبارية وكذلك المواقع العربية على شبكة الانترنت والصحف العربية ذات النسخ الدولية مما جعل له دورا كبيرا في التأثير في الأحداث الدولية.. وأنه على الرغم من هذا الانجاز فان المشهد الإعلامي العربي مازال ينطوي على اختلالات بنيوية ونواقص.(1)

ويرى الدكتور صباح ياسين أن المأزق الحقيقي لوسائل الإعلام العربية في الوقت الذي تطورت فيه القدرات التقنية وتنوعت واتسعت عوامل التأثير المتبادل بين المرسل والمتلقي أن تلك الوسائل عادت تخسر يوما بعد آخر صدقتيها ودورها.

وبرأيه فانه ليس من المبالغة القول إن أجهزة ومؤسسات الإعلام العربية – حالها كحال السلطة السياسية قد تم خطفها وتكميمها والمساومة على حريتها فالتراجع في أداء المؤسسة الإعلامية العربية لم ينحصر في قدراتها على التعبير عن حاجات التغيير والإصلاح في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي بل تعدى ذلك إلى مساهمتها بشكل أو بآخر في تكريس واقع التشرذم والتفكك وتسويق القيم والمفاهيم السلبية في الحياة وانتقال جزء أساسي من البرامج الموجهة ضد المصلحة القومية لتجد لها موقعا في تلك الوسائل.(2)

وفي هذا الإطار يكشف تقرير الحريات الصحفية أن البلدان العربية في ترتيب مستوى الحريات الصحفية في العالم تحتل المواقع 85 إلى 162 من مجموع الدول البالغ عددها 167 أي أنها تتخلى عن نصف القائمة الأول وتقف في إطار النصف الثاني .

ومن هنا فان الوطن العربي قد انكمش جغرافيا وعمليا إزاء زحف الثورة الإعلامية أي أنه لم يتجاوب مع الدلالات الفكرية والاجتماعية لتوسع مساحة الفعل الإعلامي في الوقت الذي يبدو فيه متجاوبا مع حجم الاستثمارات المالية في هذا المجال إذ يشهد ولادة محطة فضائية جديدة كل أسبوع تقريبا.

ومن جهة أخرى فان التطور الكمي والوعي الهائل والتسارع في ميدان الاتصال قد ألقى بظلاله على الأداء الإعلامي العربي فذهبت بعض وسائل الاتصال العربية وبشكل خاص القنوات الفضائية إلى اعتماد البرامج الترفيهية التي تقلد البرامج الأميركية والأوروبية أو تستنسخها.

وعلى مستوى الفاعلية الرسمية والشعبية في الوطن العربي فان الإعلام العربي ما زال منقسما بين خطابين منعزلين ومتباعدين: خطاب حكومي رسمي نمطي مثقل بها جس الخوف من الرأي الآخر وخطاب إعلامي معارض متواضع من حيث الإمكانات المادية والتقنية ولكنه متخم بالضجيج من دون أن يعرض برنامجا بديلا أو يكسب تأثير وقوة جماعات الضغط لصالحه.(3)

ولم يكن العراق بمنأى عن تأثير هذه المعادلات العالمية خصوصا بعد سقوط نظامه القمعي وحصول القوات متعددة الجنسيات وما رافق ذلك من انفتاح على السوق العالمية ومنتجاتها التقنية وهوامش الحرية المتعددة ثقافيا وإعلاميا وما صاحب هذا الانفتاح من بعض القراءات الثقافية والاجتماعية الخاطئة وسلوكيات إعلامية مغلوطة من هنا برزت الحاجة إلى تسليط الضوء عليها وتقديم مقاربات لمعالجتها وتجاوز معوقاتها وعلى رأسها التطرف والفوضى في الخطاب الصحفي والنتاج الإعلامي تمهيدا لحلها في بلد أنعتق للتو من ربقة الاستبداد والإرهاب وبدأ ببناء مؤسساته سلميا..

ومما لاشك فيه أن زخم النشاط الإعلامي في العراق ازداد خلال السنوات الست الأخيرة بعد التغيير السياسي الحاصل فيه عام 2003 كما أن مكوناته اتسعت على نحو غير مسبوق فبرزت فضائيات عراقية وسعت هامش الحرية والتعدد وامتد نطاق تأثيرها إلى ما وراء الحدود الوطنية وقدمت خطابا بديلا عن الخطاب الإعلامي الرسمي.

ولما كان العراق جزءا لا يتجزأ عن العالم العربي والإسلامي ولا يختلف كثيرا في تأثره عن غيره من الدول والمجتمعات التي تعرض لما يبث من برامج إعلامية مختلفة فقد كان طبيعيا أن يتأثر كثيرا بمضامين وأهداف الرسائل الإعلامية الصادرة من أجهزة الإعلام المختلفة ولا سيما بعد سيطرة الشبكات الإذاعية والأقمار الصناعية وحيث لم يكن هنالك بديل عنها تقدمه الدول والمؤسسات العربية والإسلامية والتي كانت بل وما زالت لا تمتلك تقنيات الاتصال الحديثة أو التنظير أو تأصيل الحالة الإعلامية فتأخر الإعلام عندنا بالقياس للدول المتقدمة وكرس في ذهنية الجيل كثيرا من رواسب التطرف والانتماءات الفئوية والحزبية والطائفية.                 

تقرير إشكالية الإعلام العراقي

من المؤكد أن العهد الإعلامي الجديد لا تمكن مقارنته بإعلام الحقبة البائدة ففي تلك الحقبة لا يمكن القول انه كان يشكل ظاهرة تستحق التأمل أو الدراسة فقد كان سلطويا بامتياز أي انه كان مكرسا للسلطة الحاكمة بكل خطوطه وفي السنوات الأخيرة أصبح مكرسا لشخص واحد وعائلته المالكة.

كان إعلاما موجها ابتداء من انتقاء الكلمات والمواضيع وانتهاء بالكتاب والصحفيين ألذي يرشحون للكتابة في المواضيع الحساسة بالخصوص.

وهذا أيضا تجلى في عدد المنابر إذ لم يكن هناك سوى ثلاث أو أربع صحف ومحطتي إذاعة وثلاث محطات تلفزيونية أحداها مملوكة لابن الرئيس عدي صدام حسين مع الأخذ بعين الاعتبار حقيقة أن كافة المنابر تلك لا تختلف كثيرا في مضمون الرسالة الإعلامية أو التحليل أو حتى أحيانا أسماء الكتاب مما جعل ذلك الإعلام يصنف في خانة الإعلام الموجه المراقب والخالي من الروح الإبداعية سواء على صعيد الفكر السياسي أو على صعيد الإشكال الفنية التعبيرية في البرامج والمقالات والآراء والتحليلات والصورة واليات العمل.

كل ذلك لم يعد موجودا في إعلام العراقي اليوم على العكس انه يشكو من كثافة التنوع والفوضى المهيمنة عليه وتباين الاساليب والاراء الفكرية والمهنية أو عدم مهنية الصحف والفضائيات والاذاعات.

هناك اليوم أكثر من عشرين فضائية وعشرات الصحف اليومية والأذاعات وعشرات المجلات الثقافية والفكرية في بغداد وحدها عدا الوسائل الاعلامية في المحافظات ما يلفت النظر اليوم في الاعلام العراقي مقارنة مع الإعلام العربي عموما وجود حقيقتين

الأولى: هي عدم وجود وزارة إعلام عراقية وبذلك تخلصنا من عبء مؤسسة بيروقراطية متوارثة ذات ماض سلطوي.

والثانية: غياب الرقابة الحكومية المسلطة على رؤوس المفكرين وأحرار الإبداع والصحفيين وهذا ما أضفى صبغة من التميز على الحقبة الإعلامية الحاضرة وهي تعكس بشكل مباشر واقع ما يمر به العراق حاليا لا على الصعيد الإعلامي فقط ولكن على كافة الأصعدة.(4)

لكن غياب وزارة إعلام ورقابة على المطبوعات لا يعني بالمحصلة إن هذا الإعلام صار حرا بشكل كامل فثمة خطوط حمر غير مرئية يستشعرها معظم الكتاب والصحافيين ورؤساء التحرير في تلك الصحف والإذاعات والفضائيات.

وهي من زاوية معينة تمتلك جانبا ايجابيا ومن زاوية أخرى تمتلك جانبا سلبيا على اعتبار ان غياب أي فحص لمستوى الخطاب يؤدي إلى الفجاجة والسطحية والابتذال غالبا.

وتتوزع المنابر الإعلامية على أنواع متعددة تبعا لجهاتها الممولة لها ولحد ألان لم يصبح هناك قانون يحدد الشروط المتوفرة لفتح الوسيلة الإعلامية مع إن الدستور حدد خطوطا عامة لتنظيم الإعلام.

وعلى صعيد آخر جاء العراق  في طليعة الدول التي قدمت ضحايا في حقل الصحافة والإعلام إذ قتل أو اختطف مئات الصحافيين والإعلاميين العراقيين والأجانب خلال السنوات الست السابقة بعضهم قتل أو اختطف بسبب كتاباته والبعض بسبب الهوية المذهبية.

وهذا أحد جوانب المعركة الدائرة على المستويات كافة في ساحة العراق مع التنويه إلى أن الأداء العراقي الحكومي والشعبي والمؤسساتي ونتيجة لضعف المهنة والتشرذم الموجود ومحلية الأفكار والطروحات لم يستطع إيصال رسالته إلى الجمهور العربي ولا الوقوف بندية تجاه الإعلام التخريبي الموجه.

والملاحظ أن الهبة الإعلامية التي بزغت بعد سقوط النظام مرت بتحولات عديدة وهذا أمر بديهي ضمن بكورة الحرية الإعلامية التي يعيشها العراق ففي البدء كان المهم هو تأسيس الوسيلة الإعلامية لكي تنطق باسم هذه الجهة أو تلك وكان التأسيس عادة ما يترافق مع تدني المستوى والخطاب المباشر وعدم تقدير وقع الخطاب على القوى السياسية الأخرى أو على الجماهير.

لكن المشاكل التي يسببها هكذا نمط من الإعلام سرعان ما بدأت تظهر إلى السطح وجعلت القائمين على وسائل الإعلام تلك يستفيدون من الأخطاء وردات الفعل تلك فيعدلون أو يلطفون من المباشرة ليصبح الخطاب أكثر دبلوماسية وأكثر دقة.(5)

أثر التطرف في تكريس إشكالية الخطاب

وكان للتطرف اثر بالغ على الخطاب الإعلامي العراقي فالمتتبع للأحداث في العراق يرى بجلاء أن بعض خطابات تلك الفترة سواء حزبية أو مناطقية قد لبست لباس الوطنية أو الدين وأخذت تطور اتجاها سياسيا يستند إلى هذه المتبنيات وجعلت من ذلك مسوغا لها إلى المتلقين.

وقد ألقى التطرف بظلاله على الشأن الإعلامي العراقي حينما جاء مساوقا لبعض المتبنيات الحزبية والسياسية فطرحها على أنها من ألوازم الدينية أو الوطنية التي لا يمكن إنكارها فزاد الأمر تعقيدا وقد خلق نوعا من الطائفية البغيضة التي جاءت متذرعة بالمقدس تستوطن العقول وتوغل من أنتج أنساق مختلفة من التحزب السياسي والطائفي والمذهبي الذي الحق ويلحق أفدح الأذى بوحدة التاريخ والمصير العراقي. (6)

وكان من خلال شدة وعمق اثر الإعلام في صيغته المتطرفة نرى ونسمع بشخص يلقي بنفسه إلى التهلكة أو أن شخص يدخل على شخص فيقتله أو أن مجموعة تهدد بالتهجير أشخاصا آخرين أو إن يفجر احد نفسه في سوق شعبي لأنهم عرضت أمامهم فتاوى من يفتي بذالك وإنهم يدخلون الجنة لممارستهم أفضل الأعمال!!.

وكنا نرى ذلك على مسرح حياتنا كل ساعة وكل يوم ويقوم الإعلام بعرضه والترويج له كرسالة إعلامية هادفة!!.

وكانت التغطية الإعلامية المتواصلة للأنشطة الإرهابية وعرض مواقف أصحابها قد عزز الاستخدام المتداول لأساليب العنف والاغتيال وسهل على الحركات المتطرفة تمرير خطاباتها وتنظيم شبكاتها ودعم وسائلها مستفيدة في ذلك من قيم الغرب في حرية الرأي..

إشكالية التمويل والدور الحكومي

أن الإشكالية المذكورة أسست لإعلام يجري وراء رغبات الجمهور وان كانت متدنية أحيانا أي إن الدور ينعكس تماما في هذه ألعبة حيث لم يعد الإعلام معلما بل أصبح هو الطالب في مدرسة الشارع ونزواته ومزاجه.

وبتحليل هذه الحقيقة نكتشف إن السبب في هذا التحول هو انعدام الحالة الوسطى النموذجية المعتدلة في العلاقة بين الإعلام والحكومة فان هناك تطرفا في هذه العلاقة أما أن يقع الإعلام أسيرا للسلطة أو يخرج من تحت عباءتها بشكل انفصالي كامل كأية شركة أهلية لتكون الحكومة خرساء بلا إعلام وتكون المؤسسة الإعلامية سائبة وتجارية ومتدنية الدور وبلا مرجعية سياسية.

إذا كان المعنيون في العراق من سياسيين وإعلاميين حريصين على نجاح تجربتهم الحالية فالمفروض أن يفكروا بابتكار حالة جديدة من التعاطي بين السلة والمؤسسات الإعلامية بعيدا عن الاستحواذ الكامل أو القطيعة الكاملة.

والقضية تبدأ من التمويل إذ يمكن للحكومة أن تتحمل جزءا من تمويل وسائل الإعلام تمويلا غير مشروط باعتبار أن هذه المؤسسات هي جزء من المجتمع المدني الذي تسعى الحكومة لتنميته وتطوير مؤسساته.

ويمكن أن تسد هذه الحلة ثغرة في الأمن الوطني خاصة عندما تجد جهات معادية الفرصة سانحة لشراء الصوت الإعلامي الوطني مستغلة أزمته المالية لكي يتحول إلى مروج لسياساتها.

وبعد مشكلة التمويل تظهر مشكلة الحقوق الإنسانية للإعلاميين وهو دور حكومي أيضا فالجميع ألان يعانون من فقدان الأمن المهني أو المعيشي بسبب عملهم في مؤسسة تبدو وكأنها بائع متجول لا يفكر إلا بقوت يومه.

وكما هو معروف لا يمكن لأية صنعة أو مهنة أن تزدهر وتتطور ما دام القائمون عليها يعيشون قلقا متواصلا يخص مستقبلهم المعيشي فان الضمانات المعيشية والمساعدة الحكومية في التمويل ستجعل وسائل الإعلام تشعر بالانتماء إلى وطنها وتجربته وتبذل جهدها لخدمة هذه التجربة من موقع الهادي والموجه للرأي العام والمساهم في أعادة بناء المجتمع بعد هذه التجربة من التفكك الاجتماعي الخطير.

تطور اهتمامات الإعلام العراقي الراهن

في هذه الأيام التي أنحسر فيها الإرهاب وبدأ عهد جديد من الاستقرار والأعمار والتداول السلمي للسلطة سوف تظهر استحقاقات الاستقرار على جميع الأصعدة ومنها استحقاقات القطاع الإعلامي الذي بدأ يفكر بنهج أكثر عمقا واحترافا باحثا عن الهوية الإعلامية المميزة لعراق حر تعددي وهنا يأتي دور الحكومة لإسناد هذه المؤسسات واحتضانها لتؤدي دورها الحضاري بالشكل المطلوب.

ومع هذا التطور المهم للإعلام برزت الكثير من القضايا التي تهم الإعلام العراقي ولها صدى كبير في العالم كله وهناك حديث مهم عن الصور المتبادلة بين العراق وبين الآخرين في العالم وأثير ذلك في العديد من المناسبات مثل كيف ينظر العراقيون إلى العرب والأمريكان والأوروبيين وكيف ينظر الأوروبي والأمريكي والعربي إلى العراقيين وهو ما أصبح محل دراسة لدى باحثينا اليوم باعتبار إن الأمر يؤثر على الشعوب والعلاقات السياسية.

والصور المتبادلة النمطية أصبح سهلا أن نرصدها في ظل التطور في الإعلام لان الإتاحة الهائلة لهذه الصورة لدى قطاعات واسعة من الشعب لم تكن موجودة قبل ذلك فالعائلات الفقيرة ألان لديها الفضائيات حتى في القرى وهناك شغف بمشاهدة هذه الفضائيات من قبل طبقات شديدة الفقر من الناحية الاقتصادية.

وهذه الصور المتبادلة المتكونة للعراقيين وللعرب والمسلمين إزاء الآخرين يجب أن تكون محل اهتمام الإعلام وهناك قضايا أخرى أصبحت محل تركيز واهتمام مثل قضايا المرآة وقضيا الأقليات وقضايا البيئة والخدمات والأمن والإرهاب وغيرها.

والصورة النمطية التي تحاول مصادر إعلامية عربية وغربية أن تلصقها بالعراقيين والإسلام والمسلمين تمثل إحدى القضايا الجديدة المطروحة علينا وأهم تطور يحدث في عالمنا اليوم ويتصل بالإعلام هو ما تتعرض له المجتمعات العربية والإسلامية من رياح حقيقية للتطوير وخاصة التطوير الديمقراطي.

والواقع أنه لا يوجد إعلام حقيقي دون ديمقراطية وهذا الوضع الجديد هو الذي يمثل التحدي الأساسي للإعلام في العراق وكلما استطعنا أن نوفر مناخا ديمقراطيا حقيقيا استطعنا أن نتوصل إلى إعلام حقيقي وفعال.

أن المنافسة الجارية ألان بين القنوات الفضائية هي نوع من المنافسة التي يستحيل تجنبها فالمشاهد العربي في أي بلد ما عليه إلا إن ينظر الى مئات المحطات المعروضة عليه ويتجه إلى أكثرها صدقا وهذا المناخ الجديد سوف يفرر في النهاية الفضائيات الناجحة التي تتناسب مع العصر وتلك الفاشلة التي لا تزال تعيش في عصر مضى فالإعلام الذي يستطيع أن ينجح في أن يتعامل ويلبي متطلبات التطوير الديمقراطي الحقيقي هو الإعلام الذي سوف يستمر وسوف يزدهر أما الإعلام العاجز عن ذلك التطوير مهما رفع الشعارات سوف يضمحل ولا مكان لإعلام ناجح إلا في مجتمع حر.(7)

البديل الوطني: إعلام الاعتدال وروح الحوار

ينبغي أن يعرض الإعلام الهادف المعتدل ما تختزنه القيم الاجتماعية من قدرة رائعة على إرساء ملامح التعايش والتسامح واللاعنف في المجتمع العراقي بكافة أطيافه وانتماءاته وتوجاته كما يدلل على ذلك بشكل واضح تاريخ التجربة العربية والإسلامية في الحكم منذ قرون عديدة يعضد ذلك كله حركة العقل الإنساني والوجدان الجماهيري الذي يأبى بطبعه حالات التطرف والعنف والإرهاب والتخريب والعبثية والتجهيل كوسائل أولى يعالج الواقع على ضوئها.

والاعتدال في الخطاب الإعلامي هو عدم الميل يمينا أو شمالا بحيث يكون خطابا غير متمرس أو متخندق خلف أطروحات سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية معينة وهذا بطبيعة الحال يؤثر في المتلقي حيث لا يميل به بحسب الوجهة التي أرادها صاحب القراءة سواء كانت دينية ايديولوجية أم علمانية ليبرالية أم غير ذلك بل يطلقه كمتلق واع يفكر ولا يكفر يختزن قدرة على استيعاب وجهات النظر المختلقة دون أن يعني هذا بالضرورة محاكمتها ايدولوجيا أو عقائديا كما لا يعني بالضرورة أيضا تأثره بكل ما يلقى إليه من ثقافات وأفكار..

وهو الإعلام الذي ينطلق من أسس فكرية وطنية واجتماعية وعالمية تحقق له أهدافا سامية في التعايش والانفتاح والحوار فيرقى بلانسان في جميع الجوانب التي يحتاج إليها في الجانب الفكري والعقدي والثقافي والاجتماعي والنفسي والاقتصادي والترفيهي.

ويذكر الدكتور محمد بن شكري أن كل إعلام منضبط يستخدم الأساليب والوسائل المتاحة لإيصال الرسالة فهو إعلام أنساني هادف.. بينما هناك مؤسسات إعلامية تنسب للإعلام الإسلامي وقد تكون تقدم برامج بعيدة عن الإعلام الإسلامي الهادف.. ويوجد إعلام هادف في مجالات الحياة المختلفة وليس إسلاميا بالمصطلح السائد ولكنه هادف من حيث أن من يتابعه يستفيد منه استفادة عملية في أمور معاشه فهو بهذا ينضم إلى الإعلام الهدف(8)

الإعلام الوطني: أهداف وأساليب مقترحة

ويسعى الإعلام الوطني المعتدل والملتزم بالقيم الإنسانية الخيرة الى تحقيق أمور هامة نذكر منها:

1.توفير المعلومات عن الظروف المحيطة بالناس (الأخبار) ونقل التراث الثقافي من جيل إلى جيل والمساعدة على تنشئة الجيل الجديد من الأطفال أو الوافدين الجدد على المجتمع ومساعدة النظام الاجتماعي وذلك بتحقيق الاجتماع والاتفاق بين أفراد الشعب أو الأمة الواحدة عن طريق الإقناع في لم شمل الجماهير وضمان قيامهم بالأدوار المطلوبة.

2. مواجهة حالة الضياع والتطرف التي يعيشها المجتمع المعاصر عامة والمجتمع العراقي خاصة بما يعيد التوازن السليم بين القيم والمتغيرات السياسية التي يمر بها العراق وهو يتجه إلى بناء دولة القانون والمؤسسات مع الأخذ بنظر الاعتبار مستحدثات العصر الفكرية منها والمادية.

3. تحقيق مواجهة ايجابية فاعلة أمام حملات غير المسلمين ممن يعادون الإسلام أما جهلا به أو حقدا عليه وذلك من خلال أجهزة ووسائل متطورة تواكب مطلوبات العصر بما يحقق إعلاما قادرا ومتميزا يقوم على المنهج العلمي الحواري الصحيح.

4. تقديم المادة التربوية والأخلاقية وفقا لأصول الثقافة العربية والإسلامية ونقد ما لصق بها من شبهات وافتراءات من خلال برامج تجمع بين قوة الحجة وفن الإقناع والتأثير إلى جانب الجاذبية وحسن العرض.

5. وله أهدافه الترفيهية فهو أيضا للتسلية والترويح ولتجديد النشاط من أجل أداء الواجبات والقيام بالمسؤوليات كما أنه أيضا للتدريب على معاني القوة ووسائل التقدم والمواجهة...(9)

ويتم ذلك من خلال الدعوة والترويج إلى اعتماد أفضل أساليب القول والأداء في ممارسة الإعلام ودعوة الآخرين: والتي تتمثل في

أولا: اللين والاعتدال في القول والخطاب والأداء واختيار المفردة.

ثانيا: البصيرة والتعقل والدقة في التوصيل والمواجهة والطرح.

ثالثا: الحكمة والحرفية في العرض واختيار الوقت والموضوع المناسبين.

رابعا: الجمالية والروعة في الأداء والابتكار.

خامسا: مناغمة ذوق العصر وأساليبه الفنية الحديثة.

سادسا: لا بد من هضم تجربة الإعلام في أوروبا واستعراض الخبرات الأوروبية في تطوير وسائل الإعلام وبصفة خاصة النموذج البريطاني والفرنسي والتشيكي... فقد قدم الإعلام الأوروبي المحلي نموذجا في نجاح محطات الخدمة العامة في تقديم بديل مجتمعي للإعلام الرسمي الحكومي من جهة وبكسره لاحتكار الإعلام الخاص من جهة أخرى.(10)

وهذا ما يتيح الفرصة للباحثين والعلامين العراقيين لاستكشاف الخبرة الأوروبية في مجال الإعلام المرئي والمسموع والاستفادة بمزايا في تحرير الإعلام العراقي وتنظيم وإعادة هيكلته.

وهذا يشمل كل أنواع الأداء الإعلامي المرئي والمسموع والمقروء وفي هذا المجال بالذات يمكن الاستفادة من التجارب والخبرات مهما كان مصدرها لان الأمر هنا يتعلق باستعارة الأساليب الجمالية المبتكرة والقوالب الفنية الحديثة لتمرير المضمون الخاص وهذا أشبه بالحكمة التي يأخذها الإنسان من أي مصدر كان..

الخاتمة والهدف النهائي

مع مستحدثات القرن التاسع عشر وما بعده امتد الغزو الإعلامي على نطاقه الواسع فاستيقظ العقل الإعلامي العربي والمسلم ليجد هذا التحدي الصارخ لحضارته وأفكاره ومبادئه مما جعل المواجهة بشتى الوسائل أمرا حتميا...

وفي العراق بعد زوال نظامه الدكتاتوري وجد الإعلام نفسه منقسما على جملة كبيرة من الإشكاليات والخطابات دون أن ينتظمها قاسم وطني مشترك يعين حالة الانقسام هذه بروز هويات فرعية وغياب رقابة حكومية وانفتاح مديات إعلامية واسعة الأمر الذي أدركه الإعلام الراهن وبدأ يبحث على خلفيته عن خطاب وطني معتدل وحق إعلامي ثابت في ظل بحث متواصل عن إنتاج صيغ قانونية ومهنية لذلك الخطاب وممارسيه.

للتأخر الإعلامي في العراق أسباب تعود للمختصين والحكومة والكتاب والمؤسسات والأنظمة والمنابر الإعلامية المعنية والعملين فيها ولنوع العلاقات التي يقيمونها والمعايير التي يحتكمون أليها وتحكم عملهم والصيغ التي يتعاملون بها ومن خلالها مع الآخرين ومنها ما يتصل بالمناخ العام الذي تتشكل فيه تلك العلاقات وتنمو وهو مناخ قد يكون صحيا وقد يصاب بعلل وتساهم في تكوينه سلطة وأجهزة وأحزاب وتنظيمات وشخصيات ذا نفوذ إعلامي ومنافع متبادلة وشلل متعددة الإغراض.

وينعكس هذا الوضع سلبا على حضور كتاب ومثقفين وسياسيين وعلى وصول أرائهم أو التعريف بهم وبتوجهاتهم وإنتاجهم والتعرف عليهم بموضوعية. (11)

وعليه فلابد من السعي إلى تشخيص واقع الإعلام العراقي وتقويم أدائه وخطابه ومضامينه واستقصاء وظائفه المجتمعية والتحقق من مدى تأثير وسائل العلام العربية في تشكيل الرأي  العام من جهة ودورها في صوغ المدركات الغربية إزاء العرب من جهة أخرى إضافة إلى التدقيق في تجربة القنوات الإخبارية العربية الحديثة العهد.

إن الأزمة التي يمر بها الإعلام العراقي كبيرة ومعقدة خصوصا أنها تلتقي مع عدة خطوط متشابكة ومتعارضة بين السياسة ومصالحها والاقتصاد واستثماراته والقيم بين الثبات والتغير..

لذلك فالبحث عن حلول جزائية لازمة الإعلام الهادف المعتدل في العراق لن تكون مجدية فإننا مطالبون جميعا بالعمل كل على حسب إمكانيته واستطاعته ووفق المكان الذي يحتله من أجل حل شامل يعالج إشكالية التخلف في خطابنا الإعلامي فنيا ومضمونيا.

الحكومة العراقية مطالبة بدور جدي في المسالة لأنها طرف رئيسي فاعل في إيجاد الحل البديل الناجح وان عدم مسارعتها للعب دور ايجابي سينعكس سلبا بالتأكيد على مصالحها فيما بعد لأننا نعيش عصرا الكترونيا يفرض انفتاحا في كل يوم أكبر وأوسع من اليوم الذي يليه ولن يكون في المستقبل للحكومات سلطة عليا على الرقابة الإعلامية فالتطور في عالم الاعلام والاتصالات يتقدم بسرعة هائلة دون أن تكون للحكومات العربية القدرة على كبح جماحه.

والى جانب الحكومات يبرز دور أصحاب الأموال من تجار وغيره ويبرز دور الإعلاميين والمثقفين وعلماء الدين ودور الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني بكل فئاته ومؤسساته.

إننا بحاجة إلى حلول شاملة نابعة من تعميق وعينا بالعملية الإعلامية حينها سنتجاوز شيئا من أزمة التخلف التي تعصف بكل شيء وتنذر بتغيير بدأ على مختلف الصعد وهذا التغيير قد يكون ايجابيا ولكنه لن يخلو من الشوائب والسلبيات القاتلة إذا لم يتوفر والنقد والترشيد المناسب.

والخلاصة التي يجب التنبه لها هي أن الخطوط الواصلة بين الإعلام والحقائق ليست خطوطا مستقيمة على طول الخط وبأنه وقت الحروب والازمات يجب توحيد الصفوف وتأجيل الخلافات وعلينا أن نتمهل في إطلاق ألاحكم وإلا يحملنا الانفعال والحشد الإعلامي وأجنداته على هضم حقوق الآخرين وتناسي حقائق التاريخ والحقائق على الأرض أيضا.

وتنطلق هذه الحاجة من إعلام عراقي حضاري ممنهج يرتكز على استراتيجيات ووسائل واضحة وذات أهداف نبيلة ورسالة سامية ومن أهم هذه الوسائل العصرية هو الإعلام الوطني الهادف الذي يوصل المجتمع إلى الحالة الحضارية المنشودة.

 

 

المصادر والهوامش:

.......................

1. الإعلام العربي في عصر المعلومات، ط مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية نخبة متنوعة من الإعلاميين العرب والأجانب كتاب المؤتمر السنوي لمركز الإمارات – 2006م

2. د. صباح ياسين الإعلام.. النسق ألقيمي وهيمنة القوة، ط مركز دراسات الوحدة العربية بيروت – 2006م. ص47.

3. د. صباح ياسين المصدر السابق. ص58.

4. شاكر الانباري، الإعلام العراقي: بين المسموح والخطوط الحمر نشرة المستقبل الثقافية العدد 2436 الصادرة في 5 تشرين الثاني 2006م.

5. شاكر الانباري المصدر السابق.

6. تصريح لصحيفة الشرق الأوسط الدولية العدد 10277 الأربعاء 28 ذو الحجة 1427هـ 17 يناير 2007م.

7. د. أسامة الغزالي حرب الإعلام العربي والوضع الإقليمي: http://www. Afkaronline. Org/ Arabic / archives / mai- juin 2005 / harb. Html

8. حوار مع د. محمد بن شكري حجازي على شبكة إسلام اون لاين بتاريخ 4 يونيو – 2007م.

9. د. أحمد حسن مجمد الإعلام الإسلامي.. ضرورة عصرية مصدر سابق.

10. تجارب الإعلام المرئي والمسموع في أوربا مجموعة من المؤلفين ترجمة أشرف راضي ط مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان القاهرة – 2007م ص78.

11. علي عقلة عرسان في الإعلام والكتب مجلة أخبار الشرق الصادرة عن معهد الشرق العربي في لندن – 1 آذار / مارس 2007.

 

 

............................

المصدر : من الموقع :

http://www.afaqiraq.org/afaq/modules.php?name=News&file=article&sid=492