مبدأ الفصل بين السلطات مفهومه، مركزه في الدستور العراقي
إعداد: د.
بشرى العبيدي

لم يكن مبدأ الفصل بين
السلطات معروفاً في التشريعات القديمة . ونتيجة لتطور
المجتمعات ومطالبتها بالحريات والحقوق تم إقرار هذا المبدأ في
معظم الدساتير وفي مبادئ حقوق الإنسان .
فقد نصت المادة (6) من
مبادئ حقوق الإنسان الذي نادت به الجمعية الوطنية غداة قيام
الثورة الفرنسية على أن ((كل مجتمع لا يوجد فيه مبدأ الفصل بين
السلطات يكون خلواً من الدستور)) . كما نصت المادة (10) من
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 على أن (( لجميع
الأفراد على السواء الحق في محاكمة عادلة علنية أمام محكمة
مستقلة محايدة تقرر حقوق الفرد وواجباته)) أي سلطة قضائية
مستقلة وغير خاضعة للسلطات الأخرى .
كذلك فأن هذا المبدأ قد
استقر في معظم دساتير العالم وأصبح النص عليه من مظاهر السيادة
القومية(1).
هذا وقد استقر الأمر اليوم
في كل دولة من دول العالم على أن وظيفة الحكومة تتفرع إلى
مهمات ثلاثة هي التشريع، التنفيذ والقضاء. وقد كانت من قبل
تتجمع في يد واحدة هي يد الحاكم المطلق ، وما من ضمانة للحكومة
في تحديد هذه المهام أو أمكانية التعسف في ممارستها على حساب
حقوق المحكومين وحرياتهم بلا معقب أو حسيب أو رقيب(2) واستمر
الأمر على هذا النحو إلى أن دخلت فكرة الفصل بين السلطات التي
خرج بها في الأصل المؤرخ ورجل القانون الفرنسي ( مونتسكيو )(3)
حيز التطبيق على يد الثوار الفرنسيين من ابرز خصائصه توزيع
السلطات وضمان استقلالية سلطات الحكم الثلاثة (4). وهذا الفصل
يحول دون الاستئثار بهذه السلطات من قبل شخص واحد أو جهة واحدة
، ويوفر في الوقت ذاته عملية توزيع في هذه المهمات بين جهات
ثلاثة تستقل الواحدة منها عن الجهتين الاخريتين استقلالا"
عضويا" و وظيفيا" وبذلك يمكن ضمان عدم التعسف أو الاستئثار
باستعمال السلطات وكذلك تكون كل جهة بمثابة الكابح إزاء عدم
خروج السلطات أو الجهات الأخرى على ما هو مناط بها من مهام
فيكون الفصل في امرين:
1-
فصل في الجهات / الذي يعني وجود ثلاث سلطات في الحكومة
تتأسس كل سلطة على نحو يتناسب مع طبيعة تكوينها ،وتمارس
اختصاصات تتناسب مع ذلك التكوين فتنشأ السلطة التشريعية (البرلمان)
لممارسة مهمة التشريع والسلطة التنفيذية لممارسة مهمة التنفيذ
والسلطة القضائية (المحاكم)لممارسة مهمة القضاء. وهذا التكوين
هو الذي يمكن أن ينصرف أليه الفصل المراد تحقيقه وهو المظهر
الذي لا يزال شاخصا للدلالة على مبدأ الفصل بين السلطات والذي
يجب أن يكون موجود في كل نظام من أنظمة الحكم مع أمكانية أيجاد
تفاوت في الاستقلال بين هذه الجهات من دولة إلى أخرى .
2-فصل في المهمات / أو الفصل الوظيفي الذي يعني أن
تمارس كل مهمة من المهمات الثلاث من قبل السلطات أو الجهات
المعنية على سبيل الاستقلال أيضا . فتنفرد السلطة التشريعية (البرلمان)
بعملية التشريع، وتنفرد السلطة التنفيذية (الوزارة ورئيس
الدولة )بعملية التنفيذ، وتنفرد السلطة القضائية (المحاكم)
بعملية الفصل في المنازعات التي تنشأ بين مختلف الأشخاص)5)
لذلك عرف الفقيه الفرنسي (اسمان) مبدأ الفصل بين السلطات بأنه
(المبدأ الذي يقضي بإسناد خصائص السيادة التي يختلف بعضها عن
بعض إلى أفراد أو هيئات مختلفة، ومستقل بعضها عن بعض كذلك،
ولما كانت الأمة (الشعب) هي مصدر السلطة فهي التي تسند هذه
الخصائص المختلفة والمستقلة إلى الهيئات المختلفة والمستقلة)(6).
أذن جوهر هذا المبدأ هو
تنظيم العلاقة بين السلطات العامة المختلفة ككيان سياسي
ويستهدف منع استبداد سلطة بأخرى لتستطيع كل هيئة من الهيئات
السياسية (البرلمان والوزارة) وقف الأخرى أذا ما تجاوزت الإطار
أو الغايات المحددة لها أو حاولت إساءة استعمال سلطاتها داخل
هذا الإطار، فالقاعدة الأساسية التي تحكم السلطات الثلاثة
وتمنع إساءة استعمال السلطة هي أن السلطة توقف السلطة(7).
ويمثل هذا المبدأ ضمانة
كبيرة وأساسية لقيام الدولة القانونية وضمان مراعاة المساواة
بين الإفراد واحترام حقوقهم وحرياتهم، ويعد أيضا من أهم ضمانات
حقوق الإنسان لأنه يترتب عليه -كما اشرنا - قيام الدولة
القانونية التي تتميز بتخصيص جهة مستقلة لكل من سلطة تنفيذ
القانون أو المشرعة له أو للقضاء مما يضمن حسن سير مصالح
الدولة وحماية حقوق الانسان ومنع التعسف او التجاوز في السلطة
وغالبا ما يتم توزيع هذه السلطات بنصوص دستورية واضحة (8).
وقد يعني ما سبق عرضه أن
الفصل بين السلطات يجب أن يكون مطلقا وان لا تكون هناك تبعية
من أحدى تلك السلطات أو الجهات بعضها للبعض الأخر وان لا يكون
هناك ثمة تدخل أو تعطيل أو أعاقة من جانب أي سلطة في أعمال
السلطات الأخرى، أو أن تكون هناك سلطة رئاسية لجهة على أخرى
عضويا أو وظيفياً.
ولكن هذا التصور الذي ساد
زمنا لدى الثوار الفرنسيين والأمريكيين لم يكن هو التصور
الصحيح للمبدأ، إذ انه يتضمن عيبا أساسيا في صورة الفصل المطلق
يتجسد بأنه يؤدي إلى العزلة بين السلطات والى نشوء صدام بينها
يؤدي إلى النتائج ذاتها التي تتحقق عن الأنظمة المستبدة(9).
لذلك يمكن أجراء تقسيم في
السلطات أو الهيئات وتوزيع المهام بين هذه السلطات اعتمادا على
وظائف الدولة عندها تسند هذه الوظائف إلى ثلاث هيئات أو سلطات
متميزة:
(1) الهيئة أو السلطة
التشريعية / للمداولة ووضع القوانين (يطلق عليها غالبا اسم
البرلمان).
(2) الهيئة أو السلطة
التنفيذية /تتولى تنفيذ القوانين.
(3) الهيئة أو السلطة
القضائية / وهي مجموعة المحاكم والقضاة الذين يقومون بتطبيق
القانون.
على أن تستطيع كل هيئة أو
سلطة منها أن توقف الأخرى . لا سيما السلطتين التشريعية و
التنفيذية، عند حدودها أذا ما تجاوزت حدود سلطتها القانونية .
أما الهيئة القضائية فان دورها يمكن أن يكون أوسع وأقوى في وجه
السلطتين التشريعية والتنفيذية فهي تستطيع بسط رقابتها على
السلطة التشريعية عن طريق بسط الرقابة على دستورية القوانين
وعلى السلطة التنفيذية عن طريق بسط الرقابة على دستورية
القوانين وعلى السلطة التنفيذية عن طريق بسط الرقابة على
مشروعية الأعمال الإدارية ، وعندها يتحقق قول (مونتسكيو) ((السلطة
توقف السلطة )) وبهذا يمكن الحيلولة دون الالتزام الحرفي
بالمبدأ والعزلة بين السلطات، بل يقوم بدلا عن ذلك نوع من
التوازن بين السلطات(10).
هذا ولم تجر الدساتير
الحديثة على نمط واحد في طرق توزيع السلطات بين الهيئات
الثلاثة ، اذ جرى الاخذ به على انماط تتناسب والفكرة الدستورية
السائدة في كل دولة وحسب ظروفها السياسية والاقتصادية
والاجتماعية ، وقد حل محل فكرة الفصل التام بين السلطات صور
اخرى حديثة تقوم على فكرة التعاون بين السلطات وهي جميعاً نظم
تمثيلية تفصح عن اخذها بالديمقراطية على نحو يتناسب مع فكرة
الدستور السائدة لدى كل دولة وبحسب ظروفها ، وهي تتفاوت في
اظهار القوة او التوازن فيما بينها . ولكن هذا التفاوت لا يعني
ان للجهة القوية سلطة رئاسية على السلطات او الهيئات الاخرى
كأن يكونوا تابعين لها . واهم هذه الانماط:
1-نظام
حكومة الجمعية /
وفيه ترجح كفة السلطة
التشريعية ، اذ يجمع البرلمان بين السلطتين التشريعية
والتنفيذية ، اذ تنتدب السلطة التشريعية من بين اعضائها عدداً
من النواب لممارسة السلطة التنفيذية ويطلق عليهم تسمية الوزراء
وهم وكلاء عن السلطة التشريعية ( البرلمان ) ، اذ لا يملكون
ازاء البرلمان اية سلطات فلا يستطيعون حله او الدعوة لاجراء
انتخابات جديدة، فهذه مهمة البرلمان نفسه .وأما رئيس الدولة
فسلطته شرفية.
2-النظام
الرئاسي /
هنا ترجح كفة رئيس الدولة
والذي هو رئيس السلطة التنفيذية (الإدارة)وتسمى الإدارة باسمه
.ولا يوجد مثل هذا النظام ألا في النظم الجمهورية .واهم خصائصه:
آ- وضع مبدأ الفصل بين
السلطات : يتجسد بان الفصل بين السلطتين التشريعية التنفيذية
شبه تام مع كفالة التوازن بينهما بحيث لا تستطيع أحداهما أن
تسيطر على الأخرى على أن تكون السلطة القضائية مستقلة .
ب - سلطة تنفيذية قوية
ترتكز بيد رئيس الدولة : إذ يجمع بين رئاسة الدولة ورئاسة
الحكومة ولا يوجد مجلس للوزراء، ومسؤولية الوزراء تكون أمام
الرئيس الذي يملك سلطة تعيينهم وعزلهم ولا يملك البرلمان هذه
السلطة . ويتم انتخاب الرئيس من الشعب وهذا من دلائل قوته
وتحدد للرئيس دستوريا اختصاصات واسعة أداريا وعسكرياً.
ج- رجحان كفة احد مجلسي
البرلمان (السلطة التشريعية) وبالذات المجلس الذي يمثل أقسام
أو ولايات الدولة وليس المجلس الذي يمثل الشعب . ويشارك هذا
المجلس الرئيس في بعض المهام التنفيذية ذات الطابع الدبلوماسي
وما يتعلق بعقد المعاهدات . أذن، النظام الرئاسي يأخذ بمبدأ
الفصل بين السلطات بشكل كبير ولكن ليس فصلا مطلقا بل توجد فيه
مظاهر للتعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية تعاونا مرجعه
الدستور والعمل(11). ومع ذلك فمن الواضح أن كفة السلطة
التنفيذية مرجحة على حساب السلطة التشريعية وذلك استنادا إلى
أن مصدر السلطات التنفيذية هو الشعب الذي اختار رئيس الجمهورية.
وهنا أيضا يظهر أن للسلطة القضائية المستقلة القول الفصل أذا
ماخرجت احدى السلطتين على قواعد الدستور .
3-النظام
البرلماني /
هنا البرلمان (المجلس
النيابي) منتخب وهو صاحب الدور الأساسي في الحياة الدستورية
والسياسية في نظام حكم الدولة ولا يوجد ترجيح لكفة إحدى
السلطتين على الأخرى فهو نظام وسط . ومن خصائصه :
أ- إن السلطة التنفيذية
(الوزارة ورئيس الدولة) تنبثق من البرلمان على حسب الأكثرية
البرلمانية (أي الحزب الحاصل على الأغلبية) او أنها يتم
تشكيلها بشكل مؤتلف من الأحزاب المكونة للبرلمان، ويكون
الوزراء مسؤولين إمام البرلمان ( سؤولية فردية أو مسؤولية
جماعية تضامنية) ولا تكون الوزارة تابعة للرئيس لان وجودها
معلق على ثقة البرلمان التي يجب إن تحصل عليها، ومع ذلك فهي
ليست تابعة للبرلمان لان السلطة التنفيذية تملك حق تأجيل
انعقاد البرلمان وحق حل البرلمان وحق الاعتراض على القوانين
بواسطة رئيس الدولة . وهذه هي علامات استقلال الوزارة (السلطة
التنفيذية)عن البرلمان (السلطة التشريعية ) في هذا النوع من
الانظمة..
ب- إن التوازن والتعاون
بين السلطتين التشريعية والتنفيذية يظهر من خلال المساواة فيما
بينها فلا ترجح كفة أحداهما على الأخرى(12) : اما التوازن بين
السلطتين فيكون في مجموعة من السلطات يحكمها الطرفان، إذ تملك
السلطة التنفيذية حق الحل وفي مقابل ذلك تملك السلطة التشريعية
سحب الثقة بالوزارة بعد استجوابها وأجراء تحقيق معها . وأما
التعاون فيبدو من خلال اشتراك الوزارة في جلسات البرلمان
وتقديم مشروعات القوانين وإصدار القوانين ومن جانب السلطة
التشريعية عندما يقف البرلمان ويفوض السلطة التنفيذية القيام
بمهمات تشريعية، أو عندما تحيل السلطة التشريعية إلى السلطة
التنفيذية تنظيم أو تمكينها من تطبيق القوانين عن طريق الأنظمة
والتعليمات والتي هي من أعمال السلطة التشريعية. (13).
وفي كل هذه الأنظمة وما
ظهر فيها من رجحان كفة إحدى السلطتين أو التوازن بينهما فان
السلطة القضائية تبقى مستقلة تماما عن كلتا السلطتين. فاستقلال
القضاء يعني أن لا يخضع تحت تأثير السلطة أو شخص معين ولا
يلتمس رضاء احد وان لا تكون عليها سيطرة احد. ولا لحاكم ولا
لخصم، إذ لا يتحرى ألا أقامة العدل ولا يخشى في الله لومة
لائم. ويتطلب ذلك أن لا يعمل القاضي وفق توجيهات الناس وميولهم
وإنما وفقا لأحكام القانون.
ولضمان استقلال القضاء
يتعين أن توفر الدولة للقاضي عدة أمور منها:
أ- عدم تدخل أي من
السلطتين التنفيذية والتشريعية في شؤون القضاء ب- عدم قابلية
القاضي للعزل ج- توفير حياة كريمة للقاضي د - توفير الكفاية
المهنية للقاضي .
وإذ أن مبدأ الفصل بين
السلطات يطبق الضوابط والموازين، فان استقلال القضاء يمثل
الأهمية القصوى فيه. فإذا كان الدستور هو روح الأمة فان السلطة
القضائية هي القــيـمة على هذه الروح يودعها المواطنون ثقتهم
فيما يتعلق بحكم القانون . وبما أن حكم القانون هو جوهر نظام
الحكم الدستوري، فلا يمكن لهذا النظام ان يقوم بدون سلطة
قضائية تمارس وظيفتها باستقلالية . بكلام أخر، يشكل مبدأ
السلطة القضائية المستقلة اللبنة الأولى في النشأة الدستورية
وهذا يتعلق بشكل أساس بالحقوق الأساسية وحريات المواطنين . من
هنا، حين تكون السلطة القضائية مستقلة ومعزولة عن ضغوطات
المصالح القوية في المجتمع وتتمكن من إرساء العدل من دون خوف
أو مراعاة أو محاباة لأحد، تصبح أفضل ضامن ليعيش الناس ويعملوا
تحت مظلة الأمن والثقة في حكم القانون، إذ يعد حكم القانون
والقيم عليه المتخذ شكل السلطة القضائية المستقلة أساس السلام
والتطور(14) وفيما يتعلق بمركز هذا المبـدأ - أي مبدأ الفصل
بين السلطات - في دستورنا العراقي الجديد، فقد أقر هذا المبدأ
اذ نصت المادة(47) على (( تتكون السلطات الاتحادية من السلطة
التشريعية والتنفيذية والقضائية تمارس اختصاصاتها ومهامها على
اساس مبدا الفصل بين السلطات)).
ومن خلال المادة (1) من
الدستور والتي تقرر أن (جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة
مستقلة ذات سيادة كاملة) نظام الحكم فيها جمهوري نيابي
(برلماني ديمقراطي ...) يتبين ان نظام الحكم في العراق هو
النظام البرلماني، مما يعني انه يجب ان يكون ـــــ وكما اوضحنا
سلفا - هناك مساواة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية فيما
يتعلق بمبدأ الفصل بين السلطات أي ليس فصلا" تاما" بين
السلطتين بل هناك تعاون وتوازن بينهما، وهذا مايجب عكسه من
خلال مهام وصلاحيات كلتا السلطتين التي قررتها بنود الباب
الثالث من الدستور في فصليه الاول الخاص بالسلطة التشريعية
والثاني الخاص بالسلطة التنفيذية . فبالنسبة لصلاحيات السلطة
التشريعية المكونة من مجلس النواب ومجلس الاتحاد ، يختص مجلس
النواب (حسب المادة 61) بتشريع القوانين الاتحادية والرقابة
على اداء السلطة التنفيذية وانتخاب رئيس الجمهورية وتنظيم
عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية والموافقة
على تعيين رئيس واعضاء محكمة التمييز الاتحادية ورئيس الادعاء
العام ورئيس هيئة الاشراف القضائي والسفراء واصحاب الدرجات
الخاصة ورئيس اركان الجيش ومعاونيه ومن هم بمنصب قائد فرقة فما
فوق ورئيس جهاز المخابرات.
ولمجلس النواب ايضاً
صلاحية مساءلة رئيس الجمهورية واعفاءه بعد ادانته من المحكمة
الاتحادية العليا اذا ما حنث في اليمين الدستورية او انتهك
الدستور او ادين بالخيانة العظمى. ومن صلاحيات مجلس النواب
ايضاً ان يوجه لرئيس مجلس الوزراء و للوزراء اسئلة في أي موضوع
يدخل في اختصاصهم وله أيضاً ان يطرح موضوع عام للمناقشة
لاستيضاح سياسة اداء مجلس الوزراء أو احدى الوزارات. وله ايضاً
توجيه استجواب لهم لمحاسبتهم في الشؤون التي تدخل في
اختصاصاتهم وله سحب الثقة من أحد الوزراء ومن رئيس الوزراء،
وله ايضاً حق استجواب مسؤولي الهيئات المستقلة. أما صلاحيات
مجلس الاتحاد فحسب المادة (65) تنظم بقانون يسنه اعضاء مجلس
النواب. وفيما يتعلق بالسلطة التنفيذية تنص المادة (66) ان هذه
السلطة تتألف من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء. ولرئيس
الجمهورية صلاحيات متعددة بينتها المادة (73) بأصدار العفو
الخاص والمصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية ويصادق
ايضاً على القوانين التي يسنها مجلس النواب (من دون أن يكون له
حق الاعتراض عليها)، وله أيضاً دعوة مجلس النواب للانعقاد وله
اصدار المراسيم الجمهورية والمصادقة على احكام الاعدام الصادرة
من المحاكم المختصة .
ويمارس مجلس الوزراء
صلاحيات تخطيط وتنفيذ السياسة العامة للدولة والخطط العامة
والاشراف على عمل الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة وله
اقتراح مشروعات القوانين واصدار الانظمة والتعليمات والقرارات
بهدف تنفيذ القوانين واعداد مشروع الموازنة العامة والحساب
الختامي وخطط التنمية وله التوصية الى مجلس النواب بالموافقة
على تعيين وكلاء الوزارات والسفراء واصحاب الدرجات الخاصة
ورئيس اركان الجيش ومعاونيه ومن هم بمنصب قائد فرقة فما فوق
ورئيس جهاز المخابرات الوطني ورؤساء الاجهزة الامنية، وله
ايضاً التفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقات الدولية والتوقيع
عليها .
وبناء على نص المادة ( 64
) يستطيع مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية ان يطلب حل
مجلس النواب، عندها يدعو رئيس الجمهورية عند حل المجلس الى
انتخابات عامة ويعد مجلس الوزراء في هذه الحالة مستقيلا ً.
من خلال ما تقدم نجد ان
الدستور لم يقرر مبدأ الفصل التام بين السلطات لاسيما
التنفيذية والتشريعية بل هناك توازن وتعاون فيما بينهما . الا
أن هذا التوازن غير متكامل بل ترجح فيه كفة السلطـــــة
التشريعيـــــــة (مجلس النواب)، اذ أن لمجلس النواب صلاحية
الرقابة على اداء السلطة التنفيذية ولا يوجد مثل هذه الصلاحية
لدى السلطة التنفيذية ، كذلك فأن السلطة التنفيذية اذا ما قدمت
طلب حل البرلمان وتم حله فأن مجلس الوزراء يعد مستقيلا ً
وبالتالي فأن هذا الامر - أي طلب الحل - لن يكون ذا جدوى كسلاح
بيد السلطة التنفيذية لكبح السلطة التشريعية بل انه لن يؤخذ به
ولن تلجأ له السلطة التنفيذية اذا ما تجاوزت السلطة التشريعية
حدود سلطاتها، وبالتالي لن يتحقق التوازن مابين سلاح المراقبة
الذي بيد السلطة التشريعية وسلاح المراقبة الذي بيد السلطة
التنفيذية .
فضلا ً عن أنه لم توضع
آلية دستورية لمساءلة مجلس النواب ومراقبة اعماله اذا ما تجاوز
سلطاته او تجاوز الدستور والقانون أو لم يعد يمثل مصالح الشعب،
ويفترض ان وجود مثل هذه الآلية تمنع السلطة التشريعية من
التجاوز ولكبح جماحها عند الحاجة، وكان يفترض ايضاً أن يوجد نص
في الدستور يقرر أن النائب أو مجموعة النواب الذين لم يعودوا
يمثلوا مصالح الشعب فمن حق نسبة معينة من الشعب أن يقرروا عزله
لاسيما وان المادة ( 5 ) من الدستور تقرر ان (( الشعب مصدر
السلطات وشرعيتها ))(15) ومن خلال نص المادة (93/ سادسا ) نجد
ان من اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا الفصل في الاتهامات
الموجهة لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء و الوزراء، وكان
يجب ان تشمل هذه المادة رئيس مجلس النواب ونائبيه واعضاء مجلس
النواب من اجل ضمان خير رقيب ومحاسب لاعمال مجلس النواب الا هي
السلطة القضائية. ولكن هناك تعاون بين السلطتين، فلرئيس
الجمهورية او لرئيس مجلس الوزراء دعوة مجلس النواب الى جلسة
استثنائية، ولرئيس الجمهورية او مجلس الوزراء تقديم مشروعات
القوانين الى مجلس النواب (وهذا امر غير منطقي ان يقرر الدستور
ان مجلس النواب يقدم مقترحات القوانين في حين يقدم رئيس
الجمهورية ومجلس الوزراء مشاريع القوانين- وهو عمل تشريعي بحت
- والمفروض ان العكس هو ما يكون أي ان يقدم مجلس النواب مشاريع
القوانين ويقدم رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء المقترحات لها )،
ولمجلس الوزراء تقديم مشروع قانون الموازنة العامة والحساب
الختامي الى مجلس النواب لاقراره، ولمجلس النواب اجراء
المناقلة بين ابواب وفصول الموازنة العامة وتخفيض مجمل مبالغها
وعند الضرورة ان يقترح على مجلس الوزراء زيادة اجمالي مبالغ
النفقات.
ومن صلاحيات رئيس
الجمهورية الذي هو احد اجهزة السلطة التنفيذية - المصادقة على
القوانين التي يسنها مجلس النواب ( دون ان يكون له حق الاعتراض
عليها).
ولمجلس الوزراء اصدار
الانظمة والتعليمات والقرارات بهدف تنفيذ القوانين - وهذا عمل
تشريعي -(16).
اما السلطة القضائية فهي
وبحسب المادة (87) مستقلة تتولاها المحاكم على اختلاف انواعها
ودرجاتها وتصدراحكامها وفقا للقانون. وتقرر المادة (88) ان
القضاة مستقلون لاسلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولايجوز
لأية سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة. وقد اعطى
الدستور للمحكمة الاتحادية العليا بموجب المادة (93-اولا) حق
الرقابة على دستورية القوانين والانظمة النافذة. وبذلك قرر
ضمانة لعدم خروج السلطتين على حدود سلطاتهما وعلى القانون .
ولها أيضاً حق الفصل في
القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات
والانظمة والتعليمات والاجراءات الصادرة عن السلطة الاتحادية،
ويكفل القانون حق كل من مجلس الوزراء وذوي الشأن من الافراد
وغيرهم حق الطعن المباشر لدى المحكمة. كذلك تفصل في المنازعات
التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم والمحافظات
والبلديات والادارات المحلية. كما تفصل في المنازعات التي تحصل
فيما بين حكومات الاقاليم والمحافظات وفي الاتهامات الموجهة
لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء. ولها صلاحية المصادقة على
النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب..
كما قررت المادة (97)
كضمانة للقضاة انهم غير قابلين للعزل الا في الحالات التي
يحددها القانون.
تعد السلطة القضائية خير
رقيب لتحقيق حالة عدم تسلط احدى السلطتين على الاخرى أو خروجها
على القانون اذ ان السلطة القضائية سلطة مستقلة لاسلطان عليها
سوى للقانون اذا ماضمن لها الاستقلال الكامل.
أ_ الا ان الدستور العراقي
الجديد لم يعط السلطة القضائية الاستقلالية الحقيقية الكاملة -
كما نص هو عليها - بل سمح للسلطتين التشريعية والتنفيذية
بالتدخل في عمل السلطة القضائية.. أذ قرر في المادة ( 91 -
ثانياً) ان من صلاحيات مجلس القضاء الأعلى ترشيح رئيس واعضاء
محكمة التمييز الاتحادية ورئيس الادعاء العام ورئيس هيئة
الاشراف القضائي( وعرضها على مجلس النواب للموافقة على
تعيينهم) وهذا سماح للسلطة التشريعية بالتدخل في اختيارات
السلطة القضائية لاعضائها والذي يفترض ان يكون شأناً خاصاً بها
وحكراً عليها دون تدخل من أية جهة. كما قرر في المادة ( 61 -
سادساً) ان من اختصاصات مجلس النواب:
- ب - اعفاء رئيس
الجمهورية، بالاغلبية المطلقة لعدد اعضاء مجلس النواب، ( بعد
ادانته من المحكمة الاتحادية العليا ) في احدى الحالات الاتية
:
(- 1- الحنث في اليمين
الدستورية 2- انتهاك الدستور 3- الخيانة العظمى) بحسب هذا النص
فأن مجلس النواب اذا لم يقرر بالاغلبية المطلقة لعدد اعضاءه
اعفاء رئيس الجمهورية رغم ادانته من المحكمة الاتحادية بجرائم
خطيرة مثل هذه، فأن قرار المحكمة الاتحادية يصبح لاقيمة له
ويستطيع رئيس الجمهورية مواصلة عمله كرئيس لجمهورية العراق على
الرغم من ادانته بهذه الجرائم الخطيرة من اعلى سلطة قضائية في
العراق، يفترض ان قرار المحكمة الاتحادية بادانة الرئيس بهذه
الجرائم يتبعه آلياً اعفائه من منصبه دون الحاجة لموافقة مجلس
البرلمان لان يفترض ان السلطة القضائية في ممارستها لعملها
تتمتع بالاستقلالية.
ايضاً جاء في نص المادة
(73 - اولاً) ان يتولى رئيس الجمهورية صلاحية اصدار العفو
الخاص وبتوصية من رئيس مجلس الوزراء. وهذا بحد ذاته تدخل خطير
في عمل السلطة القضائية لانها، السلطة التنفيذية، بهذه
الصلاحية لها ان تعطل القرارات القضائية وبذلك تفقد هذه السلطة
استقلاليتها وميزة عدم التدخل في قراراتها القضائية .
ان وحدة السلطة ومبدأ
الفصل بين السلطات تتمتع بخصوصية استثنائية لا سيما في الدول
الفيدرالية وهذا مرتبط بالدرجة الاساسية بوجود منظومتين لاجهزة
الدولة. فبالاضافة الى المنظومة الهرمية لاجهزة السلطة
الفيدرالية، هناك منظومة اخرى لسلطات الاطراف ربما هي تكرار
لتلك الاجهزة ولكن على مستوى اقل من ناحية الضخامة والتركيبة
الداخلية وحجم الاختصاصات. وفي جميع الاحوال فأننا نقف امام
خطين متوازيين من اجهزة السلطة في بلد واحد، وهذه واحدة من
الصفات المميزة للدول الفيدرالية .
وقد حدد الدستور العراقي
في المادة ( 110 ) منه اختصاصات حصرية بالسلطات الاتحادية وقرر
في المادة (115) ان كل ما لم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية
للسلطات الاتحادية، يكون من صلاحيات الاقاليم والمحافظات غير
المنتظمة في اقليم، والصلاحيات الاخرى المشتركة بين الحكومة
الاتحادية والاقاليم، تكون الاولوية فيها لقانون الاقاليم
والمحافظات غير المنتظمة في اقليم في حالة الخلاف بينهما.
وهو بهذا اعطى الصلاحيات
الاكبر والاوسع للاقاليم بل انه - الدستور - قرر في المادة
(121- ثانياً) اعطاء الحق لسلطة الاقاليم تعديل تطبيق القانون
الاتحادي في الاقليم في حالة وجود تناقض او تعارض بين القانون
الاتحادي وقانون الاقليم بخصوص مسألة لاتدخل في الاختصاصات
الحصرية للسلطات الاتحادية، وهذا امر خطير غير وارد في النظام
الفيدرالي اذ من مبادئ الانظمة الفيدرالية عدم جواز مخالفة
التشريعات الاقليمية للتشريعات الاتحادية.وقد قرر الدستور في
المادة ( 121 ) منه اعطاء الحق لسلطات الاقاليم في ممارسة
السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية وفقاً لاحكام هذا
الدستور باستثناء ماورد فيه من اختصاصات حصرية للسلطات
الاتحادية .
ان تحليلا ًبسيطاً لمبدأ
الفصل بين السلطات في الظروف المعاصرة ترشدنا الى مداخل نظرية
وعملية جديدة لهذا المبدأ من بينها، على سبيل المثال، فكرة
توازن السلطات من خلال منظومة الكبح والموازنة أي عن طريق
ايجاد اليات تمكن السلطة التشريعية من مراقبة نشاطات السلطة
التنفيذية فيما تمنح الاخيرة ممثلة برئيسها استخدام حق النقض
ضد قرارات السلطة التشريعية في حين تقف السلطة القضائية كحكم
بين الطرفين .
ولم يكتف المشرعون في دول
العالم بالسلطات الثلاثة المعروفة بل ذهب البعض منهم الى
الاشارة الى سلطة الرقابة المستقلة ( مفوضية حقوق الانسان أو
مراقب الدولة وغيرها من التشكيلات المختلفة ) وهناك دساتير
اعطت الصحافة سلطة الرقابة .
لذلك من الضروري تأمين
وحدة السلطــــــة فــــــي الدولـــة الفيدراليـة من خلال
الفصل الافقي للسلطات (تشريعية ، تنفيذية ، قضائية) ومن جهة
اخرى الفصل العامودي وذلك بتوزيعها الى سلطات مركزية واخرى
للاطراف مع تأمين تنفيذ قرارات السلطة المركزية من قبل الاطراف
في ظل قوانين تضمن مبدأ المساواة بين المركز والاطراف (17) لقد
شهد عالمنا في السنوات الاخيرة حدثاً تاريخياً غير اعتيادي فقد
قام الملايين من الناس في العديد من البلدان وفي أوقات متقاربة
باسقاط الاستبداد لاجل الحرية، فقد هدموا انظمة خنقت انسانيتهم
ومنعت فرصهم في التطور والارتقاء. ففي تاريخ الحرية لم يحصل
تطور كبير كهذا وفي مثل هذه المدة الوجيزة، فأي مأساة مرعبة
ستحصل الان اذا ما تأسست حكومات تعيد هؤلاء الناس ثانية الى
القمع الذي تخلصوا منه .
أن الحكومة يجب أن تكون
قوية الى الحد الذي يمكنها من حماية الناس من الاعداء من
الداخل والخارج وكذلك من مخاطر التجاوزات المحلية. ولاينبغي
لها أن تكون قوية بحيث تقمع الناس أو تمنع قدراتهم اذ يجب -
وفي كل الاحوال - تقديم المصلحة العامة واحترامها لان مصلحة
المجتمع برمته لايمكن ان تخدم بشكل افضل الا من خلال الحفاظ
عليه من القيود العشوائية المفروضة على حريات اعضائه المكونين
له. وكما قال العميد ديغي((Duguit)) ان الحق بغير قوة لا حول
له، ولكن القوة بغير الحق بربرية، فالقوة يجب ان يوجهها
ويقيدها الحق).
لذلك يجب أن تخضع الدولة
للقانون لتحقيق مصالح الافراد وحماية حقوقهم ضد تعسف السلطة
واستبدادها. فدولة القانون هي الدولة التي تخضع وتتقيد في جميع
مظاهر نشاطها باحكام القانون أي أن جميع سلطات الدولة لايمكنها
أن تتصرف الا في حدود احكام القانون .
................................
المصدر : من الموقع:
http://www.althakafaaljadeda.com/321/16.htm