الثقافــة والتربيــة
د. علي
وطفة

توطئة:
يتكيف الإنسان مع الطبيعة،
ويكيفها لحاجاته، وهو في سياق ذلك يغيرها، ويتغير معها في آن
واحد. وإذا كانت الكائنات الحية الدنيا تتكيف وفقاً لقانونية
الغريزة فإن الإنسان يتفرد في تكيفه، عبر أدوات أوجدها بنفسه،
وصنعها بيده وعقله، أنه يتكيف وفقاً لمعطيات ثقافته.
وهذا يعني أن الإنسان
يتكيف مع الطبيعة ومع المجتمع وفق نسق منظم من المعايير والقيم
الثقافية التي تتمثل في منظومة العادات والمفاهيم والأفكار
والتصورات وضوابط السلوك التي تحقق له خصوصيته الإنسانية.
لقد استطاع الإنسان، خلال
مراحل تاريخية مديدة، أن يحقق هيمنة شاملة على مقدرات الوسط
الطبيعي الذي يعيش فيه، عبر سلسلة من الاختراعات المتواترة
التي بدأت مع اكتشافه للنار وتدجينه للحيوانات ثم اكتشافه
للمحراث والقوس وهي أدواته الأولى في السيطرة على البيئة
الأولى التي عاش فيها.
وكان لهذه الاكتشافات
الرائعة أن تسهم في تكوين الإنسان وتطويره، وفي صقل طاقاته
وإمكانياته نحو آفاق تتجاوز حدود التصور الإنساني نفسه. ولم
يكن لعبقرية الإنسان الثقافية أن تقف، عند حد من الحدود أو
مرحلة من المراحل، إذ ما زالت هذه العبقرية تتفجر إبداعاً
وتتوهج بالعطاء الذي لا ينقطع، لتدفع الإنسان إلى غزو عوالم
بعيدة دون توقف أو تردد. وهاهو إنسان اليوم يعيش انطلاقة ثورات
متفجرة في مجال التكنولوجيا والاتصال والانفجار المعرفي وهي
ثورات لا يفصل بين إحداها والأخرى سوى سويعات، وما يتحقق منها
اليوم، يصبح عتيقاً في زمن الغد، لأن كل شروق يحمل في طياته
ولادات جديدة، تتجاوز حلم الإنسان وتصورات العقل. وهي ثورات
تسعى، فيما تسعى إليه، إلى اكتشاف قانونية الكون ومجاهله
البعيدة.
لقد أصبح إنسان اليوم يعيش
بفضل ثقافته واختراعاته واقعاً سحرياً يتجاوز خيال الإنسان
العبقري نفسه. وإذا كان الإنسان قد وصل إلى عوالمه السحرية هذه
فإن ما حققه حتى اللحظة لن يكون إلا ومضة تتوهج في عالم يترقب
أن تتوهج فيه شمس المعرفة العلمية التي لا تغيب.
تعريف الثقافة:
يعيد مفهوم الثقافة
Culture من أكثر المفاهيم تداولاً وشيوعاً ومن أكثرها غموضاً
وتعقيداً (1، 6). وهو المفهوم الذي تساقطت أمامه جهود الباحثين
الذين حاولوا تعريفه وتحديد ملامحه. لقد وقع كلكهون Kluckhon
على مئة وستين تعريفاً للثقافة. وذلك منذ خمسة وعشرين عاماً.
ولفظه ثقافة Culteure قديمة في اللغة الفرنسية، إذ ظهرت في
القرن الثاني عشر، للدلالة على فعل العبادة، وبدأت تشير إلى
فعل حراثة الأرض وزراعتها في القرن السادس عشر (10، 93). ولكن
هذه الكلمة بدأت تأخذ أبعاداً اجتماعية، وتكتسب مضامين ثقافية،
منذ بداية القرن الثامن عشر (2، 436). وبعد تعريف تايلور Tylor
للثقافة، في كتابه الثقافة البدائية Culture Primitive عام
1874، من أكثر تعاريف الثقافة شيوعاً وتواتراً في أدبيات
الثقافة المعاصرة، وقوام ذلك التعريف أن الثقافة "كل ما يشتمل
على المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات
والتقاليد والاتجاهات والاستعدادات التي يكتسبها الفرد بوصفه
عضواً في الجماعة" (3، 75).
ويجمع الباحثون على أن
التعريف الذي قدمه تايلور يشتمل على عنصري البساطة والشمولية.
وتظهر هذه البساطة وتلك الشمولية عند كيلباتريك Kilbatrik الذي
يعرف الثقافة بأنها "كل ما صنعته يد الإنسان وعقله من أشياء
ومظاهر في البيئة الاجتماعية" (4، 147).
ولقد شكلت نماذج التعريفات
الشمولية الواسعة ينبوعاً للتعاريف التي تميل إلى الدقة
والتخصص التي تنزع إلى التركيز على جوانب بنائية أو وظيفية أو
نفسية في مفهوم الثقافة الواسع.
ومن هذه التعاريف يبرز
تعريف كلكهون Klukhohn الذي يركز على الجانب السلوكي في
الثقافة إذ يعرفها بأنها "طرق الحياة المختلفة التي توصل إليها
الإنسان عبر التاريخ، السافر والمتضمن، العقلي واللاعقلي، التي
توجد في وقت معين، والتي تشكل وسائل إرشاد موجهة لسلوك الأفراد
الإنسانيين في المجتمع (7، 71).
وتبرز القيمة التخصصية
لتعريف كلكهون في إبراز جوانب معقدة في تعريفه للثقافة حيث
يؤكد على الجوانب الصريحة أو الضمنية في الثقافة، وأنها أسلوب
حياة، كما يعطي أهمية للجانب التعليمي والإرشادي في بنية
الثقافة. ويتصدر تعريف لنتون Ralph Linton التعريفات الهامة
للثقافة، وهو الذي يعرف الثقافة بأنها "ذلك التشكيل أو الصيغة
من السلوك المكتسب ونتائجه حيث يتقاسم أفراد المجتمع عناصره
المكونة ويتناقلونها في إطار مجتمع محدد" (8، 78).
فالثقافة في تعريف لنتون
"ليست مجموعة من المعارف فحسب بل تشتمل على القيم وطرق الحياة
والتفكير الخاص بأفراد المجتمع كافة" وتؤكد بعض محاولات تعريف
الثقافة على القيمة الرمزية للثقافة ومن هذه التعريفات تعريف
وسلرنك (1964) الذي يقول بأن الثقافة "هي كل شيء يتم إنتاجه عن
طريق الخبرة الرمزية المشتركة وله القدرة على مساندتها" (9،
29).
ويركز هذا التعريف، كما هو
مبين، على أهمية الجانب الرمزي في الثقافة وخاصة اللغة
والإشارات الرمزية التي ينفرد بها الإنسان بالمقارنة مع
الكائنات الحية الأخرى.
ولا بد لنا من أجل تحديد
مفهوم الثقافة أن نستطلع الحدود المتداخلة لذلك المفهوم مع بعض
المفاهيم الأخرى كالحضارة، والطبيعة، والمجتمع.
الحضارة
Civilisation والثقافة Culture:
تطرح العلاقة بين هذين
المفهومين إشكالية تداخل يندر مثيلها في مجال التداخل الذي
يظهر بين المفاهيم المتداخلة. وتظاهر إشكالية التداخل هذه في
مستويات عديدة وفي جوانب مختلفة ومتنوعة. ظهرت كلمة حضارة
Civilisation في القرن الثامن عشر كمفهوم للمقابلة بين الرجل
المتحضر والرجل البربري (وكان ذلك المفهوم يغطي دلالة التقدم
المادي الواسع الذي حققته بلدان أوربا الغربية (10، 93). وفي
هذا الخصوص يقول جان كازنوف Jean Cazaneuve " إن مفهوم الحضارة
قد استخدم في البداية من أجل التمييز بين الشعوب المتحضرة
والشعوب المتخلفة، وكانت هذه الكلمة تعبر عن انتماء هؤلاء
الذين يستخدمونها في العهد الكونيالي من أجل الإشارة إلى
السيادة المطلقة لثقافة أوربا" (12، 32). ويقع جزء من إشكالية
التداخل بين المفهومين في حدود إشكالية الترجمة التي تجري عادة
من لغة إلى أخرى. ومثال ذلك ترجمة كتاب الثقافة البدائية
Primitive Culture من الإنكليزية إلى الفرنسية بعنوان الحضارة
البدائية Civilisation Primitive ويبدو ذلك التداخل بين
المفهومين جلياً عند تايلور، الذي يعتبر مرجعاً أساسياً في
أنتربولوجيا الثقافة، حيث يستخدم تايلور المفهومين بمعنى واحد
ويبدو ذلك في تعريفه الذي أوردناه سابقاً، والذي يقول فيه "إن
كلمة ثقافة أو حضارة، بمعناها الأنتربولوجي، تشير إلى كل معقد
يشتمل على العلوم والفنون والعقائد والأخلاق والقوانين
والعادات وكل ما يكتسبه الإنسان بوصفه عضواً في الجماعة" (12،
25). ولكن تايلور نفسه يعود ليميز بين المفهومين وذلك في سياق
التطور الإنساني وذلك حين يتحدث عن الحالة البربرية والحالة
الوحشية ثم حالة الحضارة. والحضارة هنا تشير إلى درجة تطور
ثقافي متقدم، فالحضارة هنا هي الثقافة حينما تصل هذه إلى درجة
عليا من التطور.
وغالباً ما يميل المفكرون
إلى التمييز بين المفهومين على النحو التالي: الثقافة هي
الجانب الروحي في حياة الإنسان كالأفكار والأساطير والدين
والفن والآداب، بينما تعني الحضارة الجانب المادي والتي يشار
إليها من خلال المنجزات المادية للإنسان، كالتكنولوجيا والعلم
والمنشآت المادية (13، 8). وغالباً ما يوجد ذلك التمييز في
أدبيات علم الاجتماع الكلاسيكي الألماني الذي ينظر إلى الحضارة
بوصفها الجانب المادي من ثقافة الإنسان (13، 77).
يميز فيبر A- Webar، مؤسس
السوسيولوجية الثقافية، بين الحضارة والثقافة، فالحضارة كما
ينظر إليها "تشكل جملة من المعارف النظرية والتطبيقية غير
الشخصية تلك التي يعترف إنسانياً بصلاحيتها ويمكن تناقلها، أما
الثقافة فهي جملة من العناصر الروحية كالمشاعر والمثل والقيم
المشتركة التي ترتبط في خصوصيتها بجماعة معينة وزمن معين" (1،
7).
ومن أجل التمييز بين
المفهومين يمكن التعويل على المقارنة بين مفهومين متعارضين من
حيث الدلالة هما الوضعية والدين، إذ يشكل هذان المفهومان
مثالاً نموذجياً ينطلق منه للتمييز بين الحضارة والثقافة
كمفهومين متداخلين. فالثقافة ذات طابع شمولي تناشد العقل
الإنساني وليس الإرادة أو العواطف وهي ضرورية بالنسبة إلى
الإنسان وتشمل المعارف الوضعية كافة (علوم وهندسة وتكنولوجيا)
والتي تتجسد في طاقة إنتاجية (8، 77).
ونستخلص من ذلك أن الثقافة
ترمز إلى الفن والآداب والأخلاق وكل ما يتصل بحياة الإنسان
الروحية والمعنوية أما الحضارة فهي الثقافة عندما تتعقد هذه
وتأخذ أبعاداً مادية وتكنولوجية (13، 80).
الثقافة
والطبيعة الإنسانية:
تجري عادة المفكرين على
المقابلة بين مفهومي الطبيعة Nature والثقافةCulture ، وتعد
هذه المقابلة تطويراً لمفهوم التعارض القديم بين الإنسان
والحيوان (3، 74).
إن ظهور الحياة البيولوجية
يشكل معطى من معطيات الوجود الطبيعي للإنسان، وبالتالي فإن
ظهور الحياة الاجتماعية الثقافية لم يكن على حد تعبير سلفادور
جيني "سوى مرحلة من مراحل تطور الإنسان البيولوجي" (5، 74).
والإنسان هو الوحيد الذي
استطاع أن يطور حياته البيولوجية نحو آفاق ثقافية اجتماعية.
وهذا يعني أن الحياة الاجتماعية تتضمن جانباً بيولوجياً.
فالناس يعيشون في إطار ثقافة، ليس لأنهم أناس فحسب، بل لأنهم
كائنات حية. والإنسان يستطيع دون شك أن يكامل بين جوانب حياته
البيولوجية والاجتماعية في إطار نماذج ثقافية محددة.
ولا بد للتمييز بين
المجتمع الحيواني والمجتمع الإنساني من إبراز السمة الثقافية،
وهي سمة خاصة بالإنسان، تختلف عن طبيعته البيولوجية الفطرية.
وبالتالي فإن كل ما يقوم به الإنسان بعيداً عن تأثير حياته
البيولوجية يقع في إطار الثقافة. فعندما أكتب باللغة العربية
فإن ذلك لم يكن مسجلاً في فطرتي البيولوجية، فاللغة هنا عنصر
ثقافي يتمايز عن عناصر الوجود الطبيعي للإنسان. وباختصار يمكن
القول بأن الطبيعة كل معطى لا تخضع وظائفه وبنيته للتغير
الجوهري، وعلى خلاف ذلك فالثقافة هي نتاج للفعل الذي يحدثه
الإنسان في إطار الواقع عبر أدواته المحددة. وهي على حد تعبير
هرسكوفتش "ما يصنعه الإنسان في البيئة" (1، 13).
الثقافة والمجتمع:
يصعب على الباحث أن يفصل
بين المفهومين، وأن يعين الحدود القائمة بينهما. وبالتالي فإن
التمييز بينهما أمر بالغ الصعوبة وفيه الكثير من المجازفة،
وهذا من شأنه أن يبرر شرعية استخدام أحدهما مكان الآخر حيث
يتبدى الاجتماعي في الثقافي ويندرج الثقافي في إطار
الاجتماعي.
ويلاحظ أن هناك تلازماً
بين المفهومين على مستوى النظرية وعلى مستوى الفعل الاجتماعي.
حيث لا يمكن لنا أن نتصور مجتمعاً من غير ثقافة أو ثقافة من
غير مجتمع. فالاجتماع الإنساني يمثل خصوصية ثقافية، وعندما لا
توجد هناك ثقافة لا يمكن لنا أن نتحدث عن اجتماع أو مجتمع، بل
يمكن أن نتحدث عن تجمع وهو ما يحدث في مستوى الحيوانات الدنيا
إذ يجري الحديث عن تجمعات وليس من مجتمعات. إن الشرط الأساسي
للوجود الاجتماعي يتمثل في وجود ثقافة أي في وجود معايير
ثقافية تجعل من التجمع جماعة أو مجتمعاً. وهذا يعني أن الروابط
الثقافية لأفراد الجماعة تعطي للتجمع صفة المجتمع أو الجماعات
المترابطة ثقافياً.
فالجماعة ليست وجوداً
مادياً فحسب بل هي قبل كل شيء وجود ثقافي. وتتجسد الثقافة في
نموذج من السلوك الذي يتم تعلمه ونقله وتحويله. ونحن لا ندرك
الثقافة إلا من خلال آثارها الملموسة والتي تتمثل بالفعل
وآثاره. إذ لا يجب أن نؤمن، على حد تعبير سلفادور جيني "بوجود
سحري للثقافة فالثقافة نفسها كما يرى هايري جونسون تجريد غير
محسوس ولكن نتائجها قابلة للملاحظة" (5، 75).
وعلى الرغم من التداخل
الكبير بين المفهومين توجد محاولات سوسيولوجية للتمييز بينهما.
وفي هذا السياق يميز غي روشير Gwy Rocher بين نظامين حيث يشتمل
النظام الثقافي على نسق من القيم والمعارف والإيديولوجيا أي
على منظومة من العلاقات الرمزية التي توجه أي فعل اجتماعي. أما
النظام الاجتماعي فيتمثل في جملة من الشروط التي تحيط بعملية
التفاعل بين الناس الواقعيين الذين يشكلون جماعات معينة وهي
جماعات تتكون من أعضاء محددين (14، 210).
فالثقافة في عناصرها
المختلفة، من قيم وأفكار ورموز تتجسد في حياة، وذلك حينما
تنتقل إلى حيز الفعل العياني، المجسد في إطار الأدوار والمواقف
الاجتماعية، وعندما تمارس تأثيرها على عملية التفاعل القائمة
بين أعضاء الجماعة. فمفهوم العدالة رمز ثقافي، ولكنه يتجسد في
فعل القاضي ونشاط المؤسسات القانونية القائمة في المجتمع.
ومن أجل بيان أفضل نستطيع
أن نتحدث عن الثقافات الكلدانية والكنعانية والمصرية القديمة
التي تتمثل آثارها في منشآت ثقافية مادية، ولكننا لا نستطيع أن
نتحدث الآن عن وجود مجتمعات كلدانية أو كنعانية لأن هذه
المجتمعات اندثرت بينما تركت آثارها الثقافية.
فالبناء الاجتماعي مركب
معقد من الثقافة والمجتمع ولا يمكن الفصل بينهما إلا في إطار
رؤية نظرية نقدية خالصة.
بنية
الثقافة:
يمكن النظر إلى الثقافة
بوصفها نظاماً متكاملاً من العناصر الثقافية المتكاملة. وتتميز
الثقافات الإنسانية فيما بينها بمستوى التعقيد الثقافي ودرجته.
والثقافة المعقدة هي الثقافة التي تتكامل فيها السمات الثقافية
لتشكل وحدة ثقافية مستمرة عبر إطاري الزمان والمكان. وفي هذا
الصدد يميز سوروكين Sorokin بين ثلاثة مستويات تركيبية في بناء
الثقافة وهي:
1ـ القيم والمعايير
والتصورات الاجتماعية.
2ـ الوسائل الفيزيائية
التي تجسدها.
3ـ الكائنات الإنسانية
التي تنتجها وتوظفها في إطار العلاقات الاجتماعية القائمة (5،
80).
فالسوط هو أداة فيزيائية
وسيلة للاستغلال الطبقي في العصر العبودي وهو يرمز اليوم إلى
معنى الذل والعبودية ويشير إلى السلطة.
ويرى جونسون Johnson أن
الثقافة تشتمل على جوانب متعددة أهمها:
الجوانب المعرفية والعقائد
والقيم والرموز وأنماط السلوك (5، 76).
ـ الجوانب المعرفية:
ويشتمل هذا الجانب على المعارف الموضوعية التي تتعلق بالطبيعة
والمجتمع.
ـ العقائد: وهي أنماط
إيمان تتصل بالحياة والكون ولا يمكن تحديد درجة وموضوعية هذه
العقائد أو زيفها لأنها تشكل في أغلب الحالات فرضيات لم تختبر
على المستوى العلمي أو فرضيات غير قابلة للاختبار ولكنها تؤثر
في الفعل الإنساني وتوجهه.
ـ أما القيم والمعايير فهي
العناصر الثقافية التي تحدد اتجاهات الجماعة. والقيم هي أحكام
رفض أو قبول أو أحكام تتعلق بالخير والشر والجيد والحسن وهي في
كل الأحوال تحدد موقف الإنسان من الوسط الذي يعيش فيه ومن
الأشياء التي يشتمل عليها. فالهنود يعتقدون أن لحم الأبقار
محرم أي أنه ذو قيمة سلبية مرفوضة، بينما تنظر مجتمعات أخرى
إلى لحم البقر بوصفه قيمة غذائية واقتصادية. وبالتالي فإن هذه
القيم تتجسد في معايير سلوكية تحظى بقبول أفراد الجماعة بعضهم
أو جميعهم.
ـ الرموز الثقافية: وتتمثل
العلاقات الرمزية القائمة بين أفراد المجتمع وهي علاقات رمزية
ذات دلالات اجتماعية. ويرى بعض المفكرين أن الثقافة الإنسانية
نظام من الرموز، حيث تحتل اللغة المكان المحوري في العلاقات
الرمزية. واللغة كما يذهب المفكرون هي عنصر الثقافة ومنطلقها،
والإنسان هو الذي يستطيع وحده أن يستوعب العالم في إطار رموز
ومفاهيم.
وإلى جانب اللغة توجد
الرمزية الاجتماعية، التي تتمثل، على سبيل المثال، في إشارات
المرور. ويبدو أن الحياة الاجتماعية غير ممكنة، من غير الإطار
الرمزي، حيث تلعب الرموز دور الميزان في تحديد مستوى تطور
ثقافة المجتمع ودرجة تقدمها (5، 76).
ـ العادات والتقاليد:
وتشتمل على نظام من الأفاعيل الاجتماعية المعتادة والتي يجري
أفراد المجتمع على احترامها، وتشكل نمط السلوك الاجتماعي
السائد، ويتجسد ذلك في عادات الزواج وعادات الطعام والطقوس
الاجتماعية المختلفة.
خصائص الثقافة:
تكمن خصائص الثقافة في
تعريفاتها المتنوعة ويمكن أن نميز بعض الخصائص والسمات الهامة
التي تعرف بها وهي:
1ـ الثقافة إنسانية وهذا
يعني أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي اتبع الثقافة.
2ـ الثقافة نظام متكامل،
إذ تشتمل على نسق من التفاعلات التي تقوم بين عناصرها الروحية
والمادية. فالتكامل يتحقق في إطار القيم والمعايير والاتجاهات
وأنماط السلوك القائمة التي تتكامل في مناحي ثقافية متمايزة.
3ـ الثقافة مكتسبة ويشير
ذلك إلى أن وجود الثقافة واستمرارها أمر مرهون بمدى قدرتها على
التواصل عبر أجيال متلاحقة. وتتم عملية الاكتساب هذه عن طريق
التعلم والممارسة والتنشئة الاجتماعية.
4ـ الثقافة تراكمية أي أن
الثقافة تنمو بشكل دائم، ويضاف إليها عن طريق مساهمة الأجيال
المتلاحقة ولذلك فإن خاصة التراكم الثقافي هذه تؤدي إلى تطور
الحياة الثقافية، وإلى اتساع قدرات الإنسان في السيطرة على
المحيط الذي يعيش فيه (7، 74).
وظائف الثقافة:
الإنسان، كما سبق لنا
القول، يكيف الطبيعة ويتكيف معها يغيرها ويتغير، وهذا يعني أن
الثقافة هي أداته في عملية التواصل والتكيف والحياة. ويذكر عبد
الله الرشدان خمس وظائف أساسية للثقافة هي:
1ـ تمد الأفراد بمجموعة من
الأنماط السلوكية لتحقيق حاجاتهم البيولوجية وضمان استقرارهم.
2ـ تتيح للأفراد التعاون
من خلال مجموعة من القوانين والنظم.
3ـ تساعد الأفراد على
تحقيق التكيف والتفاعل وتحقق لهم الوحدة الثقافية والتجانس.
4ـ تؤدي إلى ظهور حاجات
جديدة وتبدع وسائل إشباع هذه الاحتياجات والاهتمامات الثقافية
والجمالية والدينية.
5ـ تمكن الإنسان من التنبؤ
بالأحداث المتوقعة والمواقف الاجتماعية المشتملة ومن التنبؤ
بسلوك الآخرين في مواقف محددة (4، 159).
وفي هذا الصدد يقول
مالينووسكي Bronistaw Malinowski "أن الثقافة تلبي نظاماً
متكاملاً من الاحتياجات الإنسانية البيولوجية وتضمن له غطاء
وظيفياً يسعى إلى حماية الإنسان من المخاطر والكوارث الطبيعية
والبيئية" (15، 43). والثقافة "هي أداة الإنسان في حل مشكلاته
الحية والخاصة التي يواجهها في إطار البيئة. وبالتالي فإن لكل
عنصر من عناصرها غاية ووظيفة محددة" (15، 177).
التغير
الثقافي:
تشكل الثقافة نظاماً أو
وحدة عضوية تتكون من عناصر يرتبط كل منها بسائر العناصر الأخرى
ويتحدد بها (16ـ 223). وهذا يعني أن البناء الثقافي يتكون من
مجموعة من الأنساق والنظم التي ترتبط بمناشط الإنسان المختلفة
وكالأنساق الإيكولوجية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية
والدينية (16، 224).
والثقافة على حد تعبير
مالينوفسكي "كل غير قابل للتجزئة يتكامل في عناصره وأنساقه"
(15، 177). وإذا كانت الثقافة تشكل نظاماً متكاملاً من العناصر
الثقافية فإن ذلك لا ينفي وجود بعض التفاعلات الداخلية والتي
توجد بين عناصرها وسماتها المختلفة، وهي ككل نظام تشتمل على
مبدأ الوحدة والتناقض. فالتكامل ضروري من أجل استمرار الثقافة
ولكن التناقض ضروري من أجل تطورها وتكاملها. إذ لا وجود لثقافة
تستعصي على التعبير، فالتطور والحركة قانون الوجود بأشكاله
ومظاهره المختلفة.
إن قدرة ثقافة ما على
الاستمرار والتواصل عبر الزمن مرهون إلى حد كبير بمدى قدرة هذه
الثقافة على احتواء وتمثل التغيرات الجارية ودمج هذه التغيرات
في إطار حركتها الداخلية. وبالتالي فإن "الثقافة المرنة هي
أكثر الثقافات قدرة على الاستمرار والتواصل" (5ـ 79).
ومثال ذلك ما حدث للثقافة
الأسبرطية بالقياس إلى الثقافة اليونانية لقد قدر للأولى أن
تندثر لأنها كانت متصلبة وعلى خلاف ذلك قدر لثقافة أثينا أن
تعيش وتستمر في تأثيرها كانعكاس طبيعي لمدى المرونة التي
امتازت بها.
ويحدث التغير الثقافي تحت
تأثير جملة من العوامل الداخلية والخارجية.
ومن العوامل الداخلية
للتغيير الثقافي ما يأتي كنتاج لبعض التغيرات التي تحدث في
عناصرها المكونة، أما التحولات الخارجية فتأتي عن طريق
الاحتكاك الثقافي بالثقافات الأخرى القائمة.
إن أي تغير، في عناصر
المركب الثقافي، يؤدي إلى تموجات داخل النظام بكامله. ومن أبرز
عوامل التغير التغيرات التكنولوجية الجارية والتي تؤدي غالباً
إلى انقلاب شامل في مجال التصورات والمفاهيم والقيم والعادات
والتقاليد.
وذلك هو حال الإنسانية في
مرحلة الاكتشافات الكبرى كاكتشاف القوس والنشاب واكتشاف النار
وتدجين الحيوانات واكتشاف المحراث وأخيراً اكتشاف الطاقة.
حيث كانت كل مرحلة من هذه
المراحل تشكل انقلاباً شاملاً في مفاهيم الإنسان وفي تصوراته.
لقد أدى اكتشاف كوبر نيكوس مركزية الشمس إلى انقلاب واسع في
مجال التصورات والمفاهيم النفسية والعلمية التي سادت حضارات
الإنسان عبر مراحل تمتد بعيداً في تاريخه.
ومن أجل تقدم صورة عيانية
لذلك يمكن أن يسترشد بمثال دخول الكهرباء إلى المنازل والتي
أدت إلى تحولات عميقة وشاملة في عادات الناس وتصوراتهم.
لقد أدى دخول التلفزيون
إلى انقلاب في عادات الناس الاجتماعية وأدى إلى زوال بعض مظاهر
السلوك الاجتماعية الخاصة بالسهرات والاجتماعات التي كانت تتم
بشكل واسع. وأدى سابقاً إدخال التمديدات الصحية إلى المنازل
إلى اختفاء عادات وتقاليد خاصة بالينابيع حيث كانت تشكل
الينابيع مسرحاً لحياة الريفيين في سورية.
وأدى وجود الأفران الآلية
إلى تغيرات عميقة في القيم التي تتصل بالكرم والحفاوة التي كان
أبناء الأرياف يتميزون بها. وحالياً نجد أن دخول الحاسوب إلى
المنازل يؤدي إلى ثورة في مجال السلوك وفي مجال العمل وفي مجال
التصورات الإنسانية. فالسمات الثقافية لثقافة ما تتحدد بناء
على نسق من التغيرات التي تجري في القاعدة المادية لحياة
الناس.
وتشير الدراسات الجارية أن
بعض السمات الثقافية تزول عندما تزول الغاية من وجودها ولكل
عنصر ثقافي غاية ووظيفة، وعندما توجد سمة أخرى تؤدي الوظيفة
نفسها بدرجة أفضل فإن مصير الأولى هو الانقراض حيث تؤول إلى
إطار الرواسب الثقافية.
أما العناصر الثقافية
فتعيش في حركة دائمة من تبادل الغفل والتأثير وبالتالي فإن
المتغيرات التي تعتري نظاماً ثقافياً لا يضعف النظام الثقافي
بل يغني إخصابه.
الثقافات الفرعية:
يرى جيلبرت ديراند (D.)
Gilbert أن النظر إلى أنماط ثقافية في إطار الثقافة الواحدة هي
من قبيل النظر إلى مجتمعات محلية في إطار المجتمع الواحد (17،
30).
وتتميز الثقافة الواحدة
بدرجة عليا من التجانس في سماتها وملامحها. وهذا يعني أن
الثقافة الأساسية لمجتمع ما هي الثقافة التي تشتمل على المحاور
الأساسية المشتركة بين الفئات الاجتماعية كافة مثل: اللغة
الواحدة والتاريخ الواحد، والقيم المشتركة والقانون العام
والعادات المشتركة. وهي سمات ثقافية متأصلة في أفراد المجتمع
كافة.
ويمكن لنا مقابل ذلك أن
نتحدث عن ثقافات فرعية متعددة في إطار الثقافة الواحدة، وذلك
بمعيار تعدد الجماعات الفرعية في إطار المجتمع الواحد.
ويأتي ذلك التعدد وفقاً
لمستويات عديدة نذكر منها تعدد الفئات الاجتماعية مثل ثقافة
العمال وثقافة الفلاحين. ويقوم التعدد الثقافي على أساس التنوع
الجغرافي بين المدن والأرياف وبين الأرياف والأرياف وبين
المناطق الجبلية والمناطق السهلية والمناطق الساحلية بين ثقافة
الشمال وثقافة الجنوب.
وينظر إلى التعدد الثقافي
في إطار الواحدة على أنه نوع من الغنى الثقافي في إطار الثقافة
الواحدة. ويتحدد ذلك التعدد بدرجة تباين كل ثقافة فرعية عن
الثقافات الفرعية الأخرى، ودرجة تباين كل ثقافة فرعية عن
الثقافة الأساسية السائدة.
وتكمن درجة التباين
الثقافي في مدى تباين السمات الثقافية لكل ثقافة فرعية عن
السمات الثقافية للثقافة السائدة.
ومثال ذلك تباين العادات
والتقاليد بين جماعة وأخرى أو بين المجتمعات المحلية: عادات
الزواج في البادية تختلف عنها في المدن، وتختلف اللهجات
اللغوية بين منطقة وأخرى، ومثال ذلك التباين الملاحظ بين
اللهجة الدمشقية واللهجة الحلبية، واختلاف عادات الضيافة بين
الريف والمدينة.
وكذلك هو الحال فيما يتعلق
بأساليب التنشئة الاجتماعية التي تتباين بتباين الأوساط
الاجتماعية: ومثال ذلك أن أسلوب التنشئة الاجتماعية الذي يسود
في الأوساط الاجتماعية الميسورة يختلف عنه في الأوساط
الاجتماعية الفقيرة، وعلى الرغم من ذلك التباين فإن هناك عوامل
مشتركة بين الثقافات الفرعية المتنوعة.
ويلاحظ، في مكان آخر، أن
الثقافات الفرعية لا توجد في حالة توافق دائم مع بعض قيم
ومعايير الثقافة السائدة، وفي هذا الخصوص يلاحظ أن بعض السمات
الثقافية للثقافات الفرعية تتناقض مع هذه التي توجد في إطار
الثقافة السائدة، وعلى الخصوص في مجال العقائد والأساطير
والتصورات ذات الطابع الفلسفي. يقول سلفادور جيني، في هذا
الخصوص "يجب أن ندرك تماماً بأن كل جماعة تحمل نسقاً من
الأفكار والمفاهيم والتصورات حول الكون يتميز بطابع الخصوصية
والتي يمكن أن تختلف إلى حد كبير عما هو سائد في إطار الجماعات
الأخرى وما هو مقدس بالنسبة لجماعة ما قد يكون مباحاً ودنيوياً
بالنسبة للجماعات الأخرى" (5، 83).
وليس غريباً أن نجد بعض
العقائد التي تجعل الإنسان يموت جوعاً وهو بجانب بعض
الحيوانات، التي يضفي عليها طابع القدسية، بينما لا تتردد
جماعات أخرى مجاورة عن قتل هذه الحيوانات لمجرد متعة اللهو
والتسلية.
ويعود ذلك التنوع في
الأنماط الثقافية إلى تنوع في أنماط الحياة وأساليبها كما يعود
إلى ضرورات موضوعية تتعلق بعملية إشباع الحاجات الإنسانية في
إطار الإمكانات المتاحة. فالزواج المتعدد في الأرياف الزراعية
يؤدي وظيفة اقتصادية إنتاجية. وعلى خلاف ذلك فإن سكان المدن
ينظرون إلى الزواج المتعدد على أنه قيمة سلبية لا طائل منها.
وباختصار يمكن القول أن كل
فئة اجتماعية واسعة تتميز بثقافة ذات طابع خاص ونعني بها أسلوب
الحياة ومثال ذلك أن الميل إلى الفردية كقيمة اجتماعية وقيمة
ثقافية في أوساط الطبقات الاجتماعية الوسطى بينما تعتبر قيمة
سلبية في الأوساط العالمية والشعبية.
الثقافة
والتربية:
يعد النسق التربوي من أهم
المكونات الأساسية للنظام الثقافي القائم في إطار مجتمع محدد.
وتكمن الوظيفة الأساسية للتربية في عملية التحويل الثقافي، أو
على حد تعبير بورديو Bourdieu "في معاودة الإنتاج الثقافي".
وتعمل التربية على نقل
الثقافة من جيل إلى آخر، وعلى عملية تطبيع ثقافي لأفراد
المجتمع الجدد. وينظر المفكرون اليوم إلى الثقافة كمؤسسة
للتنشئة الاجتماعية. ففي الوقت الذي يوجد فيه الأطفال في مناخ
منتظم متكامل من المفاهيم والتصورات والعقائد فإنه يتشربون هذه
القيم ويتمثلون هذه العناصر الثقافية عفوياً أو لا إرادياً عن
طريق المؤسسات التربوية القائمة كالأسرة والمدرسة وجماعة
الرفاق ووسائل الإعلام.
فالثقافة القائمة تمارس
نوعاً من الإكراه الاجتماعي على الأفراد على حد تعبير دور
كهايم الذي يبرز أهمية القسر الاجتماعي في تشكيل شخصية الفرد.
وفي هذا الخصوص، يقول محمد
هادي عفيفي "أن التربية عملية ثقافية تستقي مادتها وتنسج
أهدافها من وقائع الحياة الاجتماعية ومن ثقافة المجتمع...
والثقافة تستمر عبر عملية
اكتساب الأفراد لأنماطها ومعانيها بوساطة عمليات اجتماعية هي
تربوية في جوهرها" (18، 30).
ويشير ذلك إلى عملية
التفاعل العميق التي تقوم بين النظام التربوي والثقافة القائمة
"وإذا كانت التربية عملية ثقافية فإن الثقافة هي عملية تربوية
في جوهرها" (18، 30).
وتقوم الثقافة السائدة
بتحديد السمات الأساسية للنظام التربوي القائم حيث تعين له
طرائقه ومضامينه وأساليبه على هدى المعايير الاجتماعية
القائمة. ولا تعدو التنشئة الاجتماعية أن تكون إلا نسقاً "من
العمليات التي يتم بموجبها تمثل الفرد من العناصر الثقافية
والاجتماعية للوسط الذي يعيش فيه" (14، 32). وتشكل الثقافة، في
خاتمة المطاف الوعاء التربوي العام لعمليات التنشئة الاجتماعية
حيث يكتسب الفرد أنماط سلوكه من خلالها (18، 120).
الشخصية والثقافة:
تتحدد السمات الأساسية
للشخصية بطابع الثقافة السائدة في المجتمع. وترتبط بنية
الشخصية على تعبير بودون Boudon "ارتباطاً وثيقاً بالثقافة
المميزة لمجتمع معين" وفي هذا الصدد يقول كاردينر Kardiner "إن
كل نظام اجتماعي ثقافي يتميز بشخصية مرجعية وكتب يقول" الأنا
هي ترسب ثقافي (19، 228).
فالشخصية الثقافية تتباين
من ثقافة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر، وفي هذا الخصوص يرى
بارسونز Parsons "إن الأمريكيين يعطون أهمية للكمال أكثر من
الألمان بينما يعطون أهمية أقل منهم على المحافظة" (19، 229).
وتقوم افتراضات الشخصية
الثقافية على مبدأ أن "القيم والعناصر الأخرى للنظام الثقافي
تستبطن بأمانة من قبل الفرد وهي تشكل نوعاً من البرمجة الناظمة
لسلوكه" (19، 230).
وفي إطار هذه الصورة فإن
الشخصية تعكس إلى حد كبير السمات الثقافية لمجتمع محدد. ويبرز
ذلك في التباين السلوكي الذي يظهر بين شخصين ينتميان إلى
ثقافتين مختلفتين حيث يمكن تمييز رجل فرنسي عن رجل إنكليزي من
خلال بعض أنماط السلوك التي يقوم بها كل منهما. وهذا يعني أن
الشخصية تنطوي على السمات العامة للثقافة السائدة في مجتمع
ما.
إن الشخصية الأساسية
المرجعية التي تعكس نمط الثقافة السائدة تطرح إشكالية أخرى،
وهي تأثير الأنماط الثقافية للثقافة الفرعية على بنية الشخصية.
حيث يلاحظ الباحثون في هذا المجال أن المجتمعات البسيطة تؤدي
إلى وجود شخصية ثقافية مرجعية واحدة ويعود ذلك إلى البساطة
والتجانس الخبير بين العناصر الثقافية ونمط التنشئة الاجتماعية
السائدة. ففي مجتمع القبيلة يوجد تجانس كبير بين أفراد القبيلة
ويكاد يكون هناك تطابق كامل بين شخصية الفرد وشخصية القبيلة.
ولكن المسألة في المجتمعات المعقدة المتطورة تأخذ وجهاً آخر
حيث يؤدي تقسيم العمل المتنامي إلى وجود طبقات اجتماعية
متمايزة جداً، وإلى وجود ثقافات فرعية متنوعة بتنوع الطبقات
الاجتماعية وتنوع مناشط الحياة في هذه المجتمعات وهذا من شأنه
أن يؤدي إلى وجود أنماط للشخصية المرجعية تختلف باختلاف
الأنماط الفرعية الثقافية القائمة. وذلك يقودنا إلى الافتراض
بأن هناك تجانساً أكبر بين الشخصية المرجعية للفلاح الفرنسي
والفلاح البلجيكي منه بين الفلاح الفرنسي ورجل الأعمال
الفرنسي. وعلى العكس من ذلك فإن التجانس بين الشخصيات الثقافية
المرجعية لرجال أعمال من جنسيات مختلفة يكون على درجة أكبر من
التجانس بين هؤلاء والفلاحين من الجنسية نفسها. أن الشخصية
المرجعية كما ينظر إليها كل من كاردينر ولينتون نوع من التشكيل
النفسي الخاص بمجتمع ما والذي يحدد أسلوب الحياة. أن أعضاء
مجتمع ما، غالباً ما يحملون نسقاً مشتركاً من السمات الثقافية
لمجتمعهم والتي تحدد نمط الشخصية الأساسية لهذه الثقافة (8،
91).
ويضيف دوراند Durand إلى
ذلك "أن نظام القيم والمواقف المشتركة بين أعضاء الجماعة يترجم
إلى أشكال متعددة من السلوك الصريح والذي يرتبط بمواقف معينة"
(8، 91).
ويترتب على ما سبق أن لكل
ثقافة شخصية أساسية مرجعية تعكس صورة القيم السائدة أو الصيغة
النفسية للحياة الاجتماعية والثقافية القائمة كما يمكن أن
نلاحظ وجود شخصيات مرجعية ثقافية لكل ثقافة فرعية أو مجتمع
فرعي في إطار المجتمع الكبير.
خلاصة:
لقد اقتصرنا في هذه
المقالة على استعراض بعض المحاور الأساسية لسوسيولوجيا
الثقافة. وذلك لأن التقصي الدقيق لمختلف جوانبها أمر بالغ
الصعوبة والمشقة. وغني عن البيان أن البحث في المسألة الثقافية
قد استهلك مئات من المجلدات الضخمة والتي ما زالت تتوالد في كل
مرحلة وفي كل مجال علمي. فالثقافة على حد تعبير جاك برك "هي
الماضي والمستقبل الذي رسم هذا الماضي معالمه في الوقت ذاته"
(20، 27).
وبيت القصيد في هذه
المقالة أن نعرف بالثقافة وأن نحدد اتجاه الدارسات الجارية في
ميادينها وأن نحدد التخوم التي تفصل بين مفهوم الثقافة
والمفاهيم الأخرى التي تتداخل معها. ويضاف إلى ذلك تحديد
العناصر الأساسية التي تكون النظام الثقافي والوظائف التي
يمارسها وطبيعة التغيرات الثقافية والتي تحدث في إطار النظام
الثقافي القائم. وأخيراً تحديد العلاقة الجدلية بين الثقافة
والتربية.
ونرجو أن نكون قد أسهمنا
في تسليط الضوء على المسألة الثقافية في جوانبها الأساسية وذلك
في إطار هذا العمل المتواضع.
المراجع :
................
1ـ الطاهر الليبي، "سوسيولوجيا الثقافة"، دار الحوار للنشر
والتوزيع، اللاذقية، 1987.
2- Daul Robert, "Petit Robert dictionnaire alphabetique et.
analogique de la langue francaise", Le rodert, Paris, 1984
3ـ Joseph sumpf, " dictionnaire de la sociologie" ,
Larousse, 1973
4ـ عبد الله الرشدان، "علم الاجتماع التربوي"، دار الشروق،
جدة، 1985.
5ـ Salvador de Giner, Initiation a lintelligence
sociologique", Privat, Paris, 1970
6ـ محمد لبيب النجيحي، "الأسس الاجتماعية للتربية" ، المكتبة
الإنجلو مصرية، الطبعة الثانية، القاهرة، 1965.
7ـ إبراهيم ناصر، دلال مجلس استيتية، "علم الاجتماع التربوي"،
جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان، 1984.
8ـ Gilbert Durand, les grands textes de la sociologie
moderne, Bordas, Paris, 1969
9ـ سعد جلال، "علم النفس الاجتماعي" الاتجاهات التطبيقية
المعاصرة، الإسكندرية، 1984.
10ـ Madeline Grawitz "Lexique des siences sociaies",
Deuxieme edition, Dallos, Paris, 1983
11ـ Jean Gazaneuve, Dix grandes notions de la sociologie,
Points, Paris, 1976
12ـ غانم مهنا، "فلسفة الحضارة"، أملية جامعية، جامعة دمشق،
كلية الآداب، 1979.
13ـ Guy Roger, Introducyion a lo sociologie generale,
l’organisation sociale, Point, Paris, 1968
14ـ Bronistaw Malinwiski, Ume theorie scientifique de la
culture Point, Paris, 1968
15ـ قياري محمد إسماعيل، "مناهج البحث في علم الاجتماع
التربوي"، مواقف واتجاهات معاصرة، إسكندرية، 1982.
16ـ علي وطفة، الانتماء الثقافي، الاجتماعي، والتحصيل المدرسي،
مجلة معلم، السنة الرابعة والأربعون، العدد الأول، 1991. وزارة
التربية، دمشق، ص(17ـ33).
17ـ محمد هادي عفيفي، "التربية والتغير الثقافي"، مكتبة
الإنجلو مصرية، الطبعة الثانية القاهرة، 1964.
18ـ د. يودون روف بوركو، "المعجم النقدي لعلم الاجتماع"، ترجمة
سليم حداد، الطبعة الأولى، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر
والتوزيع، بيروت، 1986.
19ـ ملكة أبيض، الثقافة قيم الشباب، وزارة الثقافة، دمشق،
1984.
...........................
مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب
العرب بدمشق - العدد 259 و 260 تشرين الثاني وكانون الأول 1992
من الموقع :
http://www.awu-dam.org/mokifadaby/259-260/mokf259-260-002.htm