العنف في المجتمعات العربية: آليات تكوينه وإعادة إنتاجه / 1
الدكتورة
فيوليت داغر

مـدخــــل:
تعطي اتفاقية مناهضة
التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو
اللاإنسانية أو المهينة التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم
المتحدة وفتحت باب التوقيع والتصديق والانضمام إليها في القرار
39/46 المؤرخ في 10/12/1984 لكلمة التعذيب التعريف التالي: "أي
عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسديا كان أم عقليا يلحق عمدا
بشخص ما بقصد الحصول منه أو من شخص ثالث على معلومات أو على
اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه أنه أرتكبه هو أو
شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث، أو عندما
يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على
التمييز أيا كان نوعه أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه
موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية. ولا يتضمن ذلك
الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه
العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها".
إن قراءة متفحصة لهذا
التعريف ومراجعة مدققة لجملة النقاشات التي أوصلت إليه تقودنا
إلى ضرورة تجاوز المفهوم السطحي والاختزالي لهذه الكلمة إلى
مفهوم شامل ومتعدد الميادين. فالتخلص من التعذيب لا ينحصر في
منعه القانوني، كما لا يمكن اختزاله بممارسات أجهزة الأمن. من
هنا حرصنا على تناول جملة أشكال عنفية تمارس بحق الإنسان تجعل
من كلمة التعذيب، ليس فقط الجسدي وإنما أيضا العقلي والنفسي،
معاناة يومية تسلك طرقا مختلفة وتترك آثارها السلبية بشكل
مباشر وغير مباشر على الفرد والمجتمع والدولة.
من هذا المنطلق، مفهوم
العنف كما نفهمه هو كل ضغط لا يُحتمل يمُارس ضد الحرية الشخصية
ومجمل أشكال التعبير عنها بهدف إخضاع طرف لصالح طرف آخر في
إطار علاقة قوة غير متكافئة سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا أو
غيره، أكان هذا الاختلاف قائما على الجنس أو المنشأ أو العرق
أو السن أو ما عدا ذلك. إنه مساس بالشخصية الإنسانية وبالتالي
عائق لنموها وانعتاقها ولأنسنة الوجود البشري.
لكن هناك ضروبا من الإكراه
لا تسمى عنفا وتعتبر طبيعية في مجتمع ما بينما ينظر لها كعنف
في مجتمعات أخرى، حيث أن تعريف العنف نسبي. ألا يطالب المجتمع
أفراده بالرضوخ لمعاييره ويمارس الإكراه بفرض قواعد سلوكية
تلزمهم بالتلاؤم معها، معتبرا من يرفضها منحرفا ؟
ما نود التشديد عليه هنا
خاصة هو أن الإكراه والقمع لا بد أن يولّدا بالمقابل حالة
عدوانية قد تتحول عنفا عند من يتحسسها كعنف ممارس ضده. فإلى
جانب آليات التصعيد المختلفة التي يلجأ لها المرء لتصريف
العدوانية، يمكن لهذه أن ترتد على الذات بحركة مازوشية أو على
الغير بحركة سادية وتصبح مرضية محدثة حالات عصابية. فالعنف
إذاً لا بد وأن يستدعي:
1- عملية رد فعل لإعادة شئ
من التوازن بحكم "مبدأ الثبات"،
2- إن آلية رد الفعل لا
تكون بالضرورة آنية وميكانيكية حيث قد تخضع لقانون التراكم،
3- يمكن لرد الفعل أن يتخذ
أشكالا مستترة ومنحرفة تبدو أحيانا دون علاقة مباشرة وواضحة
بالمنشأ.
يأخذ العنف الممارس على
الآخر وردود الأفعال العنفية إزاءه أشكالا متعددة نتطرق لها
من خلال دراسة نظرية حول تشكل آليات العنف وإعادة إنتاجه
(القسم الأول)، مدعومة بنماذج عيانية من عدة بلدان عربية
(القسم الثاني) لثلاث فئات مستضعفة (الطفل والمرأة والعمال
الأجانب). نرى هذه الأشكال العنفية بتعبيراتها الأكثر حدة في
بلدان الخليج العربي التي ستحتل مساحة لا بأس بها من بحثنا،
نظرا لأهميتها كنموذج ولندرة ما ينشر عنها خاصة باللغة
العربية.
القســـم
الأول أنماط العلاقات الأسرية
تعيش مجتمعاتنا العربية
منذ عقود مراحل انتقال تدريجية من ثقافة تقليدية لأشكال ثقافية
أكثر معاصرة. فالعولمة الزاحفة اليوم والتداخل مع ثقافات
العالم الصناعي أدخلا تغييرات وظواهر جديدة تتسارع تعبيراتها
الحالية. ينتج عن الاختلاط هذا وتداخل الجديد بالقديم غالبا
محاولات توفيقية بين مرجعيات متناقضة تتراوح المسافة من كل
منها باختلاف الأفراد ومعاييرهم الشخصية والاجتماعية. فتغدو
قيمة الفرد أقل تعلقا بالدور والمكانة الاجتماعية والجنس
والعمر. كما ويتراجع دور الدين وما هو غيبي مع ازدياد
العقلانية واحتلال القوانين مساحة أكبر على حساب الأعراف
والتقاليد. مما يحوّل تدريجيا ولو ببطيء الفرد لمواطن ويخفف من
حدة التمايز الاجتماعي (1).
لكن عملية التثاقف
(Acculturation) هذه تحدث اختلافات وتضاربات يسفر عنها أزمات
في النمو وإختلالات في السلوك والمعايير والقيم تختلف حدتها من
بيئة ثقافية لأخرى. فالمعاناة النفسية التي ترافقها قد تكون
مؤلمة، حيث من تعبيراتها ظواهر العنف المختلفة وانقطاع قد
يكون كبيرا بين الأجيال. فالأجيال الجديدة تعيش ظروفا وأنماطا
تربوية مختلفة عما عاشه جيل الأهل الذي يجد صعوبة بالتعرف على
نفسه من خلال أبنائه.
لا بد من الإشارة إلى أن
هذا الاختلاط بين الثقافات لم يحصل بشكل متكافئ وإنما عبر
أشكال مختلفة من التبعية والاستلاب وعلاقات إنتاجية مشوهة
فرضتها السيطرة الاقتصادية والسياسية للنظام الرأسمالي
الاستعماري بشكليه القديم والمعاصر. كذلك تفرض الأنماط
التربوية والتقاليد وممارسات المؤسسات السلطوية نفسها عبر
عملية التكييف المستمرة للأفراد بشكل يجعل من الصعوبة بمكان
مقاومة التقليد كلية لصالح التجديد. لهذا تأخذ عملية الجمع بين
الأضداد على حساب الحفاظ على وحدة الذات الشكل الأكثر بروزا.
أما بما يخص البطريركية
(الأبوية) العائلية تتوزع السلوكات عامة بين الرضوخ لها
وللجماعة من جهة وبين تحقيق الذات ومواجهة المجتمع بالإمكانات
الفردية والخيارات الذاتية من جهة أخرى. لكن بما أن التغييرات
التي دخلت على الهيكلية الأبوية للأسرة العربية بقيت سطحية ولم
تمس مضمونها وجوهرها، فهي إن أثرت على شكل الأسرة ودورها
الاجتماعي والثقافي لم تؤثر على نوعية العلاقات داخلها. ففي ظل
ظروف التخلف الاقتصادي والاجتماعي والقهر السياسي كرس العنف
تهميش فئات واسعة لصالح الطرف الذي يملك موازين القوى.
على صعيد علاقات الجنسين
كان التقدم في العديد من معالمه لصالح الرجل الذي فُتحت أمامه
إمكانات جديدة وحصل على حريات لم يُسمح بها للنساء. مما كرس
سيطرته على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
والقانونية والسياسية. في هذا الوضع لم تحظ المرأة بقدر كاف من
التعليم والعمل المهني بما يسمح لها بتحقيق ذاتها وبتغيير
موازين القوى بشكل أكثر تكافئا. مما زاد من التفرقة بالمستوى
بين الزوجين وبين أفراد العائلة ومن التوتر في العلاقات التي
يحكمها منطق القوة والسيطرة والاستغلال التي يكرسها الدين
والثقافة والقانون (2).
عندما تضاعف عمل المرأة في
المنزل مع عمل آخر خارجه بسبب الأزمة الاقتصادية لم يشارك
الرجل المرأة بالأعمال المنزلية. كذلك لم يسمح لها العمل
المأجور بتحقيق نفسها بقدر ما كان من أجل مساعدة الأسرة على
تحسين مستوى معيشتها. وتجسد المرأة الريفية التي تؤدي أدوارا
عدة، منها الإنتاجية الزراعية، ذروة واقع القهر والاستغلال
الذي تتعرض له النساء في إطار تقسيم العمل.
لقد بقيت العلاقات داخل
الأسرة العربية محكومة ببقايا من علاقات العبودية التي نشأت
تاريخيا في ظل سيادة النظام الأبوي. هذا النظام الذي أعطى
السلطة المطلقة للرجل وفرض على المرأة والأبناء الخضوع له
بالقوة. فكونهم امتداد طبيعي لملكيته يحق له أن يتصرف معهم
كيفما شاء، مكرسا لديهم الشعور بالتسامح تجاه بعض أفعاله غير
المقبولة باعتبارها سلوكا طبيعيا. والرجل إن أخطأ بحق المرأة
لا يتعرض بسهولة للعقاب كونه "وقع ضحيتها". فهي فقط التي تدفع
الثمن أو أكثر منه.
واليوم، رغم أن فرص
التعليم والعمل بالنسبة للفتيات قد أصبحت أكثر شيوعا، فهي
للأسف لا تهدف في غالب الأحيان لأكثر من تحسين فرصها في الزواج
ورعاية الزوج وتربية الأبناء. فهي تعد منذ طفولتها لهذا الدور
وتشجع على إبراز أنوثتها وتعيش في الوقت نفسه حالة قمع واستلاب
نفسي وجسدي في ظل أسرة الأب ومن ثم أسرة الزوج.
يحصل ذلك ضمن قوانين صارمة
في ظل التحريم الديني والقانوني وجو من القهر الاجتماعي. ويكون
للرجل أبا أو أخا أو زوجا أو ابنا الحق بالتحكم بحريتها
وحركتها وكيانها حفاظا على شرف العائلة كونه يُنظر لها كأداة
للجنس والمتعة والإنجاب. ذلك رغم أن المعاملة المهينة للفتيات
وتفضيل الذكور عليهن وتدجينهن على القبول بهذا الواقع يترك
أثارا جد سيئة على تكوينهن النفسي وبالتالي على مستقبلهن وعلى
ذريتهن من بعد. وهذه الظاهرة أكثر بروزا عند الشرائح
الاجتماعية الأكثر فقرا والأقل مكانة اجتماعية، ما يجعلها أقل
حماية قانونية واجتماعية وأكثر تأثرا بالثقافة السائدة.
أما الإيديولوجية الرسمية
للدولة فلا يمكن إلا أن تكون على صورة منظومة القيم السائدة في
المجتمع الذي تنبثق عنه. ما يسهل تلمسه من خلال تعامل أجهزتها
ومؤسساتها بما يخص موضوع النساء والفئات المستضعفة وما تعكسه
وسائل إعلامها التي تهدف لخدمة أغراضها. ويكون هذا بتزييف
الوعي وتعميق فكرة دونية المرأة بالتركيز على دورها كأم
متفانية وزوجة خاضعة أو كأنثى وكموضوع تشيؤ وجنس وإثارة في
خدمة الملكوت الرجالي (3).
لقد غدت العدوانية
والفحولة والتسلطية والقوة البدنية واستعباد الآخرين وحب
الامتلاك والتبجح بالمقتنيات والمظاهر وممارسة الرياء والزيف
والتناقض بين ما هو معلن وما هو مبيت سمات بارزة تغرس جذورها
في الثقافة السائدة والتراث الشعبي والدين والقوانين. ذلك، ضمن
علاقة جدلية بين العنف السياسي والمجتمعي والأسري وإعادة
إنتاجه وتوزيعه تبع موازين القوى. مما عمق عند الفئات
المستضعفة حالة الشعور بالدونية والاغتراب على جميع الأصعدة
وخلق أجواء محمومة من الكبت والعنف والعنف المضاد.
العنــف
السيــاسي:
قبل التطرق لأشكال عنفية
أخرى تمارس من قمة الهرم الاجتماعي، تجدر الإشارة لأنواع من
العلاقات الدولية التي تترك تأثيراتها على الشعوب برمتها. فإلى
جانب الهيمنة في العلاقات الاقتصادية، هنالك الهيمنة السياسية
لدول على أخرى، بما يأخذ شكل عقوبات اقتصادية وإحتلالات عسكرية
قد لا تسمى باسمها. هناك خاصة الاحتلال الإسرائيلي لأراض عربية
والعنف الواقع على شعوبها وبشكل خاص على الشعب الفلسطيني. يضاف
لهذه الأرضية تزايد سكاني هائل وتفاوت لا يطاق في توزيع
الثروات ومظالم صارخة في ظل تواطؤ المصالح الفئوية للشرائح
الحاكمة. ذلك ضمن أنظمة استبدادية ذات طبيعة تقليدية أو زعامية
أكثر منها عقلانية وديمقراطية.
إذا كان أصلا مرمى المجتمع
السياسي السعي وراء الخير الجماعي، ففي البلدان العربية -كما
هو حال البلدان النامية - هو المولد الأول للعنف. فنشهد تآلف
السلطات السياسية البوليسية بالاعتماد على السيطرة الاقتصادية
وعنف أساليب القمع ووسائط الضغط المادية والقانونية والإعلامية
والى ما هنالك. ذلك، بهدف الحؤول دون أي اعتراض فعّال من أجل
الإبقاء طويلا على نفوذها الذي لا تتخلى عنه تلقائيا (4). هذه
السلطات تفرض نظامها هي لا النظام الذي يريده المواطنون، حيث
عند معظمها إن لم يكن جلّها كان لاستعمال العنف والقوة الفضل
بوجودها. هل من قبيل الصدفة أن تكون مدة البقاء في السلطة في
هذه البلدان أطول مما عداها في أنحاء العالم وأن تكون بالمقابل
نسبة الإنتاج الثقافي أقل بكثير من أي مكان آخر ؟
إن القوانين الوضعية التي
تعكس بشكل جدلي أنماط العلاقات السائدة في المجتمعات العربية
وعقلية القوى المهيمنة اجتماعيا التي تستعملها لتنفيذ أغراضها
ولخدمة مصالحها هي بالضرورة أبوية. نستبين ذلك من دراسة قوانين
الأحوال الشخصية السائدة، ذلك رغم بعض القفزات النوعية التي
حققتها أكثر من دولة عربية في هذا المضمار (تونس) وفي ظروف
استثنائية. مما يفسر حدة المعارك الدائرة حول تعديل أو وضع
قوانين جديدة للأحوال الشخصية (في الجزائر ولبنان مثلا) (5)
تكفل إعادة تنظيم وتحديد العلاقات بما يضمن تحقيق المساواة بين
الجنسين. ذلك تمشيا مع اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز
ضد المرأة ومن أجل تحقيق رفاهية الأسرة والنهوض بالمجتمع
والإسهام على قدم المساواة بعمليات التنمية الاجتماعية
والاقتصادية والسياسية.
أما مسألة حقوق الإنسان في
هذه المنطقة فما زالت تطرح إشكاليات للأجهزة الحاكمة والسلطات
التسلطية التي لم تحسن بعد التعامل معها ولا التغلب على
مخاوفها منها بالسماح للنشطاء بالوجود وبحرية الحركة. كأن
هؤلاء بدعة غريبة وغربية ينظر إليهم كدخلاء يجب تحجيم مكانهم
وتشويه دورهم. ذلك كون المبادرات التحتية غير الحكومية لمراقبة
التجاوزات السلطوية والتنديد بها تتعارض مع سياسات الحزب
الواحد والقبيلة الواحدة والزعيم الأوحد. إنها تخيف الطاغية
الذي يهمه من مؤسسات المجتمع التمجيد بشخصه وخدمة "عظمة
النظام" بدل بناء مجتمع مدني قائم على أسس سوية وعادلة
وديمقراطية.
إن الاعتياد والتدجين على
الطاعة والقبول بما يفرض من الأقوى يؤدي بدوره للأسف للإذعان
لمن يحتل قمة الهرم السياسي والخنوع لممارساته المرَضية وغير
العقلانية في سلبية لا تليق بالكائن البشري. فبهذه الممارسات
السلطوية والأشكال القمعية ما يشلّ الإمكانيات الفردية عن
القيام بعمل خلاق بهدف إحداث تغييرات جدية وبناءة. حيث تخضع
الحاجات الإنسانية العميقة للكبت والتحويل وتعلو لغة الكسب
وتقديم المصالح الآنية والحاجة للاشتراك في لعبة الأنظمة من
أجل الاستمرار.
تجاه الأبواب الموصدة
والمساس بكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية قد تتأجج فورات عنفية
غالبا ما تزداد بازدياد المقاومة التي تلقاها، تقوم بها فئات
ترفض العيش غريبة عن الواقع أو الاستسلام له. فهؤلاء يحلمون
بالمشاركة في تنظيم الحياة الاجتماعية على أساس التعددية
السياسية وممارسة الديمقراطية بما يسهم بضبط العنف وإنقاذ
المواطنين من ضياعهم الوجودي ويسمح بتطور المجتمع وإطلاق
فعالياته وإمكاناته الحبيسة. لكن غالبا ما يكون خيار هذه القلة
من المناضلين بين العمل السري أو شبه الشرعي في ظروف شديدة
الصعوبة أو النفي القسري عندما لا تختبر تجربة الزنازين أو
تنجو من التصفية الجسدية.
تظهر دراسة تناولت طفولة
شخصيات معروفة في التاريخ نشأت على كراهية وإهانة وقساوة أهلها
لها - حيث أن أية فكرة جديدة أو مبادرة لم تكن إلا لتقمع في
التربية على الطاعة والنظام والانضباط- كيف أن المعاناة التي
عاشتها في طفولتها لم تنتج سوى أشخاص مستبدين حاقدين على
الغير. لقد استغلوا فرصة وصولهم للسلطة لتدمير المجتمع
والتضحية بألوف الأبرياء لتحقيق مآربهم باسم الدفاع عن الوطن
والنهوض به (6). ربما لا توجد دراسات نفسية معروفة تناولت
شخصيات عربية تصلح كمثل في هذا المضمار. لكن بالنظر للتراث
الثقافي الذي هو غالبا محكي، هناك قصص تروى حول نشأة اكثر من
عسكري أو غيره استحوذ على مقاليد السلطة واصبح دكتاتورا في عدة
دول عربية مقترفا المظالم بحق الإنسان والمجتمع العربيين. لم
يكن تبوء هؤلاء سدة الحكم ليحل بالضرورة مشكلاتهم النفسية
ومعاناة طفولتهم بل على العكس. كان الاستيلاء على السلطة
العليا الفرصة التي سمحت لهم بمضاعفة أشكال التعبير عن هذه
العقد عبر آليات الإكراه في تكرار الممارسات
العدوانية(mécanisme de compulsion de répétition). يتم ذلك
بالانتقام ليس ممن كانوا المسبب المباشر لهذه الآلام، وإنما
نزولا لمنطق آليات النقل العاطفية (déplacement)، عبر عملية
التحويل على مواطنين بدائل ليس لهم أية علاقة بآلامهم سوى أنهم
قد يرمزوا لموضوع التركيز العاطفي الأول (premier objet
d’investissement) وبذلك يصلحوا أن يكونوا كبش المحرقة.
إن مجرد ممارسة العمل
السياسي أو التعبير عن الاختلاف مع نهج الحاكم هو مصدر قلق
لهذا الأخير وتهديد لشرعيته. ذلك ضمن عقلية اختزالية سائدة
تبرر الإنقضاض على الآخر عبر توجيه الأوامر بمس كرامته
والتنكيل به بوسائل لا يهم ان تجاوزت ما يقبله العقل والمنطق.
إن ما يبرر أفعال السلطان من منطلقه إيهام نفسه ان كل تنظيم
مستقل خصم له وأن كل معارض فوضوي أو متطرف يريد إحداث الخراب
أو كذلك خائن ومأجور للأجنبي.
إنه نتاج المخاوف والشعور
بالقلق الكامن لدى هذه الفئة من الحكام. فهم بحاجة لأوهامهم
تلك حتى ولو أمكن القول أنهم في أكثر الأحيان واعين ما يفعلون.
هم يعتقدون أنهم المؤتمنون الوحيدون على مصير البلد بحيث تنزع
هيمنتهم لأن تشمل جميع الفعاليات. فيصبح الدستور قابلا للتأويل
وتعدّل القوانين على مقاسهم وتضحي السلطات الثلاث التشريعية
والتنفيذية والقضائية نموذجا نظريا للتدريس وليس للتطبيق. ومن
أجل التضييق على العدالة ومنعها من القيام بعملها بشكل طبيعي،
يتم اللجوء لإجراءات قانونية خاصة ولمحاكم استثنائية في أكثر
من نصف البلدان العربية حسب إحصاءات منظمة العفو الدولية.
إن في خوفهم المرضي هذا من
الآخر على سلطتهم وجنون العظمة لديهم ما يدفعهم لإطلاق آلة
القمع دون حدود مهيئين الأرضية للانفجار الذي ينتهي يوما
بالقضاء عليهم.
لو توقفنا لحظة وتأملنا
هذا "الأب -المثل الأعلى" وتفرسنا بملامحه وسبرنا أغوار نفسه
لاستنتجنا أنه لم يكن يصلح حقيقة أن يكون حاكما. لكننا تصرفنا
معه كما تصرفنا أطفالا تجاه آبائنا، فصدقناه وأغدقنا عليه من
الفضائل ما ليس له به صلة. لقد ربعناه على العرش وصفقنا له
ليفعل ما يشاء حتى ولو كان في ذلك قيادتنا نحو الهلاك. فعلنا
ما فعلناه ليحمينا، فما كان منه سوى الاستئثار بكل ما مكنته
سلطته للقضاء على كرامة الشعب وحقوقه والتمتع مع حاشيته
بمقدّراته وأقداره. لكن المصلحة العامة تستبعد الشك بالأب
الأكبر والتجاسر على من يمثل الدستور والشرعية بنقد نظامه
وزبانيته. أليس المعيار التسلطي لتعريف الوطنية هو مصادرة عصبة
السلطة للدولة وإلغاء المواطنة، مما يبرر الطعن بوطنية وشرف
وكرامة من يجرؤ على النقد ومن يعارض ؟ هذا الوضع يجعل من
التعدي على الحريات الأساسية وقمع الأفراد والمجتمع مسألة
مباحة بغياب مؤسسات الدولة وتجمعات المجتمع المدني الكفيلة
بحماية المواطن من عسف الحكام ومخابراتهم وأجهزة قمعهم
وتجمعاتهم المصلحية.
إن اليوم الذي تصبح فيه
نسبة المتعلمين من بنات وشبان مرتفعة وتعامل الأجيال الناشئة
باحترام وتجد مكانها الطبيعي كمواطنين لهم حقوقهم ويحق لهم
النقاش بأمورهم وإبداء آرائهم دون وجل وخوف، اليوم الذي يبدأ
العصيان فيه على من يرمز للسلطة المدمرة للنفس والوقوف بوجه
القوة والمطالبة بعالم يسمح بالحرية والتنفس والاختلاف والعيش
دون قمع وضغوط وإكراه، اليوم الذي تصبح فيه منظمات وجمعيات
المجتمع المدني متواجدة بشكل مستقل وفعلي وبنّاء، يومها يمكن
أن نؤسس لدولة حقوق ولمجتمع متنوع ومتنور تسعى به القوى الحية
نحو آفاق جديدة يطلق فيها الخيار الحر والواع وقوة الإدراك
والنظرة المستقيمة. مجتمع الانعتاق من الفساد والدجل والرياء
والخلاص من مستنقع التخلف والعبودية والانتصار على التبعية
والاستلاب وعدم الثقة بالنفس. مجتمع لا يبقى فيه المرء أسير
خوفه من القمع وغرائزه المكبوتة وتعقيدات تربيته المحافظة
التي ما كان منها الا أن تجمّد ملكاته العقلية وتمنعه من النمو
قابعا دهورا في ظلمات الجهل والتخلف.
إن تخلفنا هو نتاج تربيتنا
القائمة على تعطيل طاقات الإبداع لدينا وهدر كرامتنا
الإنسانية. فمنذ تفتّح أعيننا على الحياة تبدأ عملية التدجين
التي تطفئ النور في العيون وشعلة الحياة في النفوس. فإلى متى
نقبل استمرار القهر والاستبداد والاستغلال ونراوح ضمن منطق
التكرار في لعبة القامع والمقموع ؟ ضرورة التغيير تنبع ليس فقط
من حقنا بذلك، وإنما أيضا من واجبنا تجاه أبنائنا ومجتمعنا
ضنّاً بطاقات هائلة يمكن بدلا من إهدارها أن تساهم بنهضته إن
أطلقت أيديها للخوض بالتجربة من أجل مستقبل أكثر شروقا.
في
تربـيــة النا شـئـــة:
يقبل طفل الإنسان على
الحياة ولديه من الإمكانات الفطرية والكفاءات الذاتية ما يجعل
من الضرورة لكي تتفتح وتنمو الاعتماد على والديه ومحيطه ضمن
علاقة متميزة مع الأم (7). فيتطور من كائن لا يميز ذاته عن
العالم الخارجي- الموجود بالنسبة له من أجل سد حاجاته- الى فرد
مستقل له شخصيته الخاصة به. يتم ذلك عبر عملية تفاعل مستمرة
يؤثر فيها على من حوله كما يتأثر بهم ضمن قوانين حفظ التوازن
والثبات والحاجة للتغيير. يجتاز من أجل ذلك مراحل متتابعة
ومتداخلة يحقق خلالها قدرا كبيرا من نموه العقلي والجسدي
والنفسي والاجتماعي. فمن خلال سلوك والديه ونوعية علاقتهما به
ونمط تعاملهما معه تتكون الأنا لديه وصورته عن نفسه وفكرته عن
قيمته وشعوره بالأمن التي تحدد أشكال علاقته بنفسه وبالآخرين
فيما بعد.
من خلال اللعب أيضا يطور
الطفل عقله وجسده ويحقق التكامل بين وظائفه الاجتماعية
والانفعالية والعقلية التي تتضمن التفكير والمحاكمات وحل
المشكلات والحديث والتخيل وتكوين معايير خلقية. فينمي اللعب
مهاراته وطاقاته الخلاقة، ومن خلاله يكتشف نفسه ويصرف التوتر
الذي يعاني منه والانفعالات العدوانية المكبوتة لديه.
كذلك يطرح الطفل، خاصة
حوالي السنة الثالثة من عمره، أسئلة كثيرة على والديه وظيفتها
تحقيق توازنه النفسي وتكوين تفكيره الاستنباطي والتعرف على
المحيط والبيئة والقيم الخلقية والسلوكية المرتبطة بها. فيشعره
الإصغاء له والصدق بالإجابة على أسئلته والدقة باستعمال
التعابير المألوفة لديه بالاطمئنان وباحترامه ومشاركته همومه
بما يحقق له توازنه النفسي. لكن تشكل أحيانا كثرة الأسئلة وعدم
إدراك كيفية الإجابة عنها أو وعي أهميتها وعدم تيسر الوقت
الكاف المخصص للطفــل عوامــل لإهمال الأجوبة وعدم تشــجيعه
الاستمرار بطرحـها.
بالمقابل، قد يدرك الطفل
بعفويته وبراءته أشياء يمكن ان يعبر عنها بطرق مختلفة دون أن
ينتبه لها الراشد. ذلك نظرا لآليات الدفاع عن النفس والكبت
والتحوير وغيره التي تتحكم بهذا الأخير وتحول دون إدراكه الأصح
والأنسب. وهناك من المسائل التي يتكتم عنها الراشد أو ينقلها
محورة للطفل ما هو كفيل بخلق جو من القلق لدى هذا الأخير.
عادة ما يجهد الأهل في
سبيل تربية أبنائهم، لكن عدم إلمامهم بخصائص هذه المراحل
ومتطلباتها وبحقائق التكوين النفسي والتطور الاجتماعي الملازم
للنمو البيولوجي للطفل، يجعلهم يخطئون بالتعامل معهم. فيسلكون
سلوكيات تتعارض مع المبادئ التربوية، بينما هم في الوقت نفسه
مقتنعين بصحة ما يفعلون. فعبرهم يقدم المجتمع نماذج ثقافية
تخضع إمكانات الطفل الفطرية لعملية انتقاء عبر التربية تحتم
عليه تبنّيها كي يتبنّاه مجتمعه ويرضى به أهله.
قد يشكو الأهل مثلا من
حركة زائدة عند الطفل، لكن خوفا من الانقياد لنزواته ورغباته،
يلجئون إلى القمع والمعاقبة. في الحين الذي تدل فيه هذه
الظاهرة على وجود قلق كامن لديه ومعاناة نفسية تتطلب الحل.
بانتظار ذلك وفي جو من عدم التفهم والقمع، لا بد ان تأخذ
المشكلة أبعادا غير محسوبة وان تجد مسربا لها في سلوكيات تنحى
منحا غير مفهوما. فتكرر نفسها بشكل متواتر يظهر مع الوقت في
سلوكيات باثولوجية (مرضية) موجهة نحو النفس والآخر.
عندما يقبل الطفل على
الحياة في جو غير سليم من عدم الاحترام والتفاهم والانسجام
بين الوالدين وغياب العلاقات الديمقراطية وإشكاليات اجتماعية
واقتصادية وغيره، يُخشى حينها أن يطرأ خلل في البنية العامة
لشخصيته نتيجة الصدمات والأزمات التي يعيشها. وقد يكون التوتر
على درجة تتعدى قدرة الطفل على السيطرة عليه والتحكم به، مما
يمكن أن يكوّن عقدا تهدد نموه النفسي. نذكر على سبيل المثال
عقدة الذنب والرغبة في العقاب الذاتي أو عقدة النقص والشعور
المرضي بالخوف من مواجهة الآخرين بسبب اللوم والاستهزاء
والتحقير أو الحماية الشديدة، وعقدة التنافس التي تشيع البغضاء
بين الأخوة وتنعكس على العلاقات الاجتماعية، والى ما هنالك من
إشكاليات تترك آثارها السلبية على مستقبله إن لم تعالج في
حينها.
إن الحاجة للأم في تربية
أبنائها حاجة ماسة، يترتب على نوعية العلاقة القائمة معها (من
محبة وتفهّم وإرشاد أو عدم اهتمام وتعنيف وعدم احترام) نتائج
مستقبلية هامة (من تفاؤل وتوفيق وإقبال على الحياة أو انزواء
عن المجتمع وتشاؤم وفشل وغيره). إن قرب الطفل من أمه وسلطتها
المتناهية عليه قد تكون سيئة العواقب عندما يعتريها الخلل
والتشويه. فالأم تمرر عبر أطفالها كل القمع والعدونية
والمعاناة التي قاستها بحياتها(8).
نظرا للاعتبارات الثقافية
والتقاليد المتوارثة وكذلك لاختلال العلاقات الزوجية، غالبا ما
يوكل دور تربية الأطفال برمته إلى الأم ويتخلى الأب عن القيام
بدوره - أو يغيّب رمزيا من هذا الميدان من قبل الزوجة في عملية
رد فعل واعية أو لا واعية على التسلطية الرجالية والاستلاب
الذي تعاني منه ضمن دونيتها الاجتماعية -. مما يؤدي لخلل في
التعامل مع الأطفال ويعرّض صحتهم النفسية وعلاقاتهم ببعضهم
وبذويهم للخطر. إن أكثر من يقع عرضة لخطر اختلاط الأدوار بين
الأجيال الولد البكر وخاصة الصبي الذي يحل رمزيا مكان أبيه
بشكل لا يتماشى مع سنه وموقعه. بينما أظهرت الدراسات الحديثة
مدى أهمية دور الأب في تنشئة أطفاله وقربه منهم والتفاعل معهم
في بناء شخصيتهم بشكل أكثر توازنا (9)
عند الصغر يكون الآباء
موضع خوف وإعجاب من قبل أبنائهم الذين لا يضعون كلامهم موضع
الشك ويسبغون عليهم صفات الخلود والجبروت، بسبب غريزة الشعور
بالأمن والاطمئنان وصون الذات. فحرصا من الولد على محبة أهله
له، غالبا ما يؤثر إدانة نفسه من غير حق على إدانة أهله بحق.
فيحاول أن يكبح جماح نزعته الفطرية نحو الاستقلال الذاتي
والاستكشاف وحب الاستطلاع وأن يكبت مشاعره ومشاكله لحمايتهم.
فيأخذ تشويه النمو النفسي عند الطفل أشكالا عديدة من ضمنها ما
نراه في محاولته الدفاع عن أهله وتبرير سلوكهم والشعور بالذنب
تجاههم. وينقلب بنظر نفسه من ضحية إلى مسؤول عن سلوكياتهم
المرضية. فقواه النفسية والعقلية لا تسمح بعد بفهم مسببات
ومبررات سلوكيات الكبار ومحاكمة الأحداث. وعندما يكبر، يبقى
الطفل الذي لم يعش طفولته مغمورا بالعطف والحنان، قابعا في
داخله يستفيق عند كل اهتزاز وكل تجربة. فيعيشها كصدمة ويهتز
كيانه ووجوده منها دون أن يفهم كنهها وسببها ودون القدرة على
مواجهتها والتأقلم معها. إنه لا يدرك ان ذلك صدى لما هو مكبوت
ومنسي ضمن دائرة لا وعيه.
غالبا ما يكرر المرء
الآليات السلوكية التي نشأ عليها. لكن كيف له أن يدرك أنه يكرر
رغما عنه ما عانى منه عندما ينجب أطفالا وأنه لن يكون بإمكانه
أن يعطيهم ما حرم هو منه ويربيهم على ما لم يتعرف عليه ؟ فيدخل
من جديد في دوامة العنف والعنف المضاد، حيث أن شعوره بالقلق
وعدم الاطمئنان يجعله يخاف من نفسه ومن الآخرين على نفسه.
وكائن كهذا لا يمكنه أن يتعرف على السعادة والاكتفاء الذاتي.
فالأنا العليا تكونت تحت ضغط المحرّمات والممنوعات والشعور
بالذنب ومفاهيم الخطيئة والحرام. مما حوّل طاقاته للخلق
والإبداع إلى سلوكيات سلبية وجعل نظرته للوجود يكتنفها التشاؤم
والحذر والحقد (10).
تتعدى سوء المعاملة الضرب
ومظاهر العنف الجسدية إلى سلوكيات قد تكون أكثر أذى كونها أقل
ظاهرية. يكون ذلك ليس فقط عبر استعمال قنوات الكلام وإنما
بتغييبها وبالإهمال وعدم الاهتمام. كما يمكن أن يكون عبر إعطاء
أجوبة والقيام بتصرفات لا تتناسب مع المطلوب وحاجة الطفل، وعبر
التدخل السافر بشؤونه وخصوصياته واغتصاب استقلاليته. كذلك،
وبسبب التشدد الجنسي ولإرضاء رغبات "الراشدين" بأقل كلفة لهم،
هناك حالات أكثر شيوعا مما نتصور من الابتزاز الجنسي للأطفال
من قبل ذويهم. مما يفقد الأمل بالخير والمستقبل ويحلل الشعور
بالعار والذنب والنقص ويبرر التشاؤم والتدمير الذاتي ويعرض
للأمراض والاضطرابات النفسية الشديدة.
جرى في عدة مستشفيات
فرنسية بحث (11) تناول عينة شملت (300) من الشباب والفتيات
تتراوح أعمارهم من 18 إلى 35 سنة تعرضوا لحوادث سير متكررة
كانوا هم سببها أثناء قيادتهم السيارة. وقد بانت العلاقة وثيقة
جدا بين الإصابة بهذه الحوادث وبين مدة وتواتر التعرض للضرب
والقسوة والتعنيف في طفولتهم. كذلك كشفت الدراسة عن وجود صلة
وطيدة بين هذه الحوادث وأمراض متعددة وأحيانا خطيرة عانوا منها
سابقا، وعن علاقة النتائج الدراسية السيئة بالضرب لمدة زمنية
أطول. في معرض تفسيرها للنتائج تتحدث الباحثة عن مسؤولية رد
الفعل المشروط. فقد تسبب التعرض للضرب وعدم إمكانية الهرب أو
الدفاع عن النفس بردع إمكانيات الجملة العصبية العضلية
المسؤولة عن رد الفعل في المواقف التي تتطلب ذلك، وحين التعرض
للحادث.
يمكن أن ننظر لحوادث السير
هذه باعتبارها أيضا عملية مفتعلة لاشعوريا غرضها اختبار حدود
الذات والتلاعب مع القدر ومقارعة الموت. كما يمكن أن تكون
أشكالا مساوية للمحاولات الانتحارية التي تفشل والتي هي غالبا
ما تكون صرخة استغاثة لطلب المساعدة والإنقاذ من الضياع يطلقها
غريق قدر لم يمنح من الحب والعطف ما يكفي للانفصال عمن
يجسّـــد شاطئ الأمان.
إن السلوكات المنحرفة عند
الأطفال غالبا ما تظهر أشكالها الأكثر حدة وخطرا في فترة
المراهقة، عندما يتصاعد التوتر بشكل استثنائي وتنقلب المقاييس.
فتجد التربية الصارمة محاسبة لها بضرب القوانين والقواعد بعرض
الحائط ورد الصاع صاعين. ويصل ذلك لأوجه عند غياب تفهم من
الأهل وخاصة لما يتعلق بهذه المرحلة من مراحل النضج. في حين ان
وظيفة هذه الأساليب بالتعبير هي المطالبة، التي قد تكون لا
واعية، بالحنان والتفهم والمساعدة في مرحلة انتقالية صعبة لها
متطلباتها النفسية والجسدية والاقتصادية والاجتماعية. فيمكن أن
تتحول النقمة والرغبة بالانتقام لثورة على كل ما ومن يمثل هذه
السلطة. وقد تلجأ أحيانا للسلاح عندما تسمح الفرصة بذلك، بما
يمكنها من تنفيس المكبوتات تحت ذرائع عقائدية.
إن إتباع قواعد تربوية
صارمة مع الناشئة وعدم التعامل معهم باحترام وكأفراد يتمتعون
بكيان خاص وحرية شخصية وحق بالاختلاف، والسماح بالقيام
بمبادرات فردية قد لا تستجيب بالضرورة لقواعد الجماعة، والنظر
إليهم كقاصرين يجب تنشئتهم وفق مقاييس تطالب بالتشبّه
والتقليد وتقوم على الإذعان والطاعة وعدم فتح المجال أمامهم
للتعبير عن مشاعرهم وما يراود ذهنهم من خواطر وتساؤلات، هو كما
نستنتج من أخطر ما يكون على صحتهم النفسية.
الإكراه والعنف في
السلوكات التربوية السائدة:
غالبا ما يُعدّ الأطفال
الذين يشكّلون أكثر من نصف عدد سكان مجتمعاتنا العربية ممتلكات
شخصية لأهلهم وبشكل اكثر تحديدا لرب البيت (12). فيما يعبر عنه
بحديث ينسب للنبي محمد "أنت ومالك لأبيك". ومن أجل "تنشئتهم
تنشئة صالحة" و"حسن تربيتهم" يعاملون معاملة قاسية تأخذ طابع
التطويع. يتم ذلك خلف أبواب موصدة وبغياب ضوابط وقوانين تمنع
ممارسة العنف على ممن هم أضعف. ويعتقد الآباء أن الأساليب
التربوية العنيفة التي استعملت معهم تصلح مع أبنائهم وينسون
الآلام التي سببتها لهم. فيعودون لتكرار ما خبروه دون الأخذ
بعين الاعتبار التغيرات الزمنية والتربوية ودون إدراك أن هذه
الطريقة تعرض علاقتهم معهم لأخطار شديدة، حيث أن المشاعر
المكبوتة أثناء الطفولة تبقى فاعلة طوال العمر.
باسم المبادئ التربوية
التي نشئوا عليها، يحاول الأهل أن يربّوا أولادهم بنفس
الشاكلة. فآليات الدفاع القوية التي كانت وظيفتها كبت آلامهم
جعلتهم ينسون أنهم عانوا من آبائهم ما يعاني أولادهم منهم. فهم
ربما لا يدركون أنهم بسلوكهم هذا يطفئون شعلة الحياة فيهم كما
أطفأها أهلهم فيهم من قبل. وبانعدام دقة التمييز والروح
النقدية يصبح كل شئ ونقيضه ممكن. ولا عجب أن تجتمع الأضداد في
سلوك يوهم بأنه متجانس لكسب الأشياء بالرياء والنفاق الاجتماعي
حيث يتفادى المرء المواجهة مع الحقيقة لأنها مؤلمة ولأنه غير
قادر على اجتياز هذا الامتحان العسير.
بالمقابل، هناك من الأهل
من يتجنب القصاص كرد فعل على سوء معاملته في طفولته، ويترك
الولد يتصرف حسب ما يحلو له دون إرشاد وتوجيه واضح أو ألفاظ
مفهومة وحركات دالة عندما يكون صغيرا. لكن الإفراط بالتدليل
وتلبية جميع الرغبات والتساهل بكل شئ ليس بديلا للتربية
الصارمة. فهو يمنع إدراك الحدود بين ما هو ممكن وما هو غير
معقول، ولا يلبث أن يولد تذمرا وتمردا عند الطفل.
غالبا ما يكون الأهل
متطلبين ويريدون أبناءهم في أعلى المستويات ليحققوا ما لم
يحققوه هم بهدف الصعود الاجتماعي. فيطلبون منهم ما هو فوق
إمكاناتهم النفسية والعقلية والجسدية. مما يجعلهم يتعرفون على
مرارة الفشل ويتذوقون خيبة الأمل ويضيفون حواجز داخل الأسرة
توتر أو تلغي التواصل بين أفرادها. ومن الآباء من يكون ضعيف
البناء النفسي، عديم الثقة بنفسه، ذو حساسية مفرطة للأمور، ما
يجعله ضمن علاقات القوة مع أبنائه يطلب الطاعة والإذعان لرأيه
ولا يتحمل أي تفرّد واختلاف بالرأي عنه. فالأب الظالم والمستبد
لا يأخذ برأي طفله بالأمر الذي يعنيه وإنما يقرر هو وحده ما
يتعلق به ولا يقبل مناقشة أو معارضة، دون تقدير الضرر الذي
ينتج عن هذه الطريقة بالتعامل.
تتخذ ردود الفعل على ذلك
مناحي متعددة منها عدم الثقة بالنفس والهرب من المواقف
الاجتماعية والفشل في الدراسة، كما تسفر عن نوبات غضب للتعبير
عن عدم الرضى عن القيود المفروضة على الحرية في العمل والقول
والحركة وعن الحرمان العاطفي والجنسي.
عندما تكون العلاقات
السلطوية لصالح فرد من هذا النوع لا بد وأن تكون مدمرة للآخرين
لأنه سيطارد ما يعتبره خطأ وما لا يتماشى مع رأيه. فهو يخشى
المعرفة ويتوجس من كل ما ومن يمكن أن يكشف له جوانب في شخصيته
ومن طفولته قد تؤلمه وتحرمه من أوهامه وشعوره بالطمأنينة. هذه
الآليات تتحكم بالمرء من أسفل الهرم الاجتماعي إلى أعلاه دون
تمييز، مع فارق أنها قد تكون مقنّعة وأن تسلك معابر أكثر
تعقيدا في أعلاه. فبقدر ما يمتلك من سلطات بقدر ما يمكنه ان
يحد من إمكانيات من عداه ويغيّب دورهم باللجوء للترغيب
والترهيب وللوسائل الأكثر قمعا وعسفا. إن علم النفس التحليلي
قد أوضح بما فيه الكفاية ان ممارسة السلطة، أية سلطة كانت، قد
تؤدي لاستعمالها كوسيلة للتصريف وللهرب إلى الأمام عبر تدمير
أو استعمال واستعباد الآخرين. بينما يبقى الحل في محاولة فهم
المسببات واكتشاف منابع الآلام التي تقبع في خبايا اللاوعي
وتجارب سنوات الطفولة الأولى (13).
من الصعب جدا أن يمارس فرد
ما أو جماعة أعمالا مهينة بحق آخرين، خاصة عندما يكونوا
أطفالا، دون أن يقدّروا مغبة ما اقترفت أيديهم. لكنهم يلجئون
لتبرير ذلك لسبب أو لآخر. والأسهل عندما يقدم لهم المجتمع هذا
التبرير حيث تصبح هذه الممارسات جماعية الطابع، عامة ومألوفة
وغير استثنائية. لكن عندما تأخذ التربية طابع الترويض وتسود
القوة العلاقات الاجتماعية ويصبح العنف مبررا من المجتمع
ومؤسساته باسم المحبة والغيرة على المصلحة، يختلط بذهن الطفل
الحب باللجوء للعنف. وويل له إن لم يجد من ينتصر له ويواسيه في
أحزانه ويفهم معاناته لينقذه من توجيه قوى التدمير ضد نفسه
والآخرين.
المجتمعات العربية لا
تتعاطى عموما بشكل واع مع مشاكل الناشئة ولا تواجه مواجهة جدية
مسببات هذه الممارسات السلوكية الباثولوجية. فتتكرر آليات
العنف ويعاد إنتاجها من جيل لآخر على قاعدة الهرب للأمام
والنفي والإلغاء واللجوء لآليات دفاع عن النفس فيها من التصلب
أو الخفة بالتعامل مع الأمور أو الشعور بالعجز والإخفاق عن
مواجهتها، ما هو كفيل بتأجيجها.
نظرا للمهمات الملقاة على
عاتق العائلة من ناحية تربية الناشئة في مجتمعاتنا النامية
وانعدام أو قلة تواجد مؤسسات السلطة السياسية المكلفة
برعايتهم، تبقى الأسرة هي الخلية الأساسية بالنظر للأدوار
المختلفة المناطة بها. فهي بالتالي مصونة ومقدسة وحرمتها لا
تمس. وهي حرة التصرف بأفرادها كما تشاء ولا يمكن أن يُنظر لها
بعين الشك والتجريح. لهذا يبقى جدار الصمت مطبقا طويلا على ما
يدور داخلها، وما من يعترض أو يشتكي أو يراقب أو يحاسب من
خارجها. وأين لرجال الشرطة أو المحاكم أن تقوم بأكثر من دور
رمزي في هذا المضمار طالما أنها ثقافة الجميع يتداولها ويربى
عليها جميع أفراد المجتمع ؟
من جهة أخرى، يوكل المجتمع
للمدرسة والمؤسسات التي تشرف على تربية الطفل - إن وجدت-
مسؤولية القيام بالدور المكمل للأسرة في عملية الترويض هذه.
والمدرسة التي هي وليدة زمانها ومكانها ليست بأفضل حال. فهي
تأتي بعد الأهل لتعيد إنتاج نفس نمط الأساليب التربوية القائمة
على التطويع والتغييب والعنف. والأنظمة المدرسية لا تشجع غالبا
على الاكتشاف وتنمية الطاقات الإبداعية وتطوير القدرات الذاتية
بما فيه الكفاية. فيعوّد الطفل منذ الصغر على التلقين والقبول
بما يقدمه المدرّس دون تغليب حس نقدي والتعود على طرح الأسئلة
بما فيه الكفاية. إن بهذا ما يحدّ من قدراته العقلية بدل أن
ينميها ويجعله أسير أسلوب غير ديمقراطي في التعليم. فالإنسان
الذي تعود على الطاعة وعدم استعمال النقد وفقد قوة الملاحظة
لا يمكنه أن يبصر الأشياء إلا بشكل غير مستقيم. وهو حتى إن
أبصر شيئا ما جيدا فلا بد أن يشك بقدرته على التمييز حيث يكون
ذلك شيئا غير مألوف لديه.
هكذا وكما رأينا تتضافر في
السنوات الأولى الدراسية عوامل بيئية (ثقافية، اجتماعية،
اقتصادية) ونفسية-عاطفية مع عوامل جسمية (اضطرابات في النمو
وأمراض) لتكتمل السلسلة التي من شأنها أن تهدد مستقبل الطفل
وتدخله في حلقة مفرغة (14).
عبر مجموع الآليات التي
أوردناها سابقا يمكن أن نفهم كيف يوّلد المجتمع بهيكليته
ومؤسساته العنف ويعيد إنتاجه ويشرّع له ويبرر سادية "الراشدين"
وشذوذهم المسلكي ويجعله سمة بارزة له. فتتقونن تفاصيل الحياة
ويصبح كل فرد رقيب وحسيب للآخر ولا يفلت من رقابته وعدوانيته،
كما وتخضع حرية الفكر والجسد والجنس والتعامل مع الجنس الآخر
لضوابط صارمة. فتكثر بالتالي آليات الدفاع المرضية ويشتدّ
تطويع الأنا غير العادي تحت رقابة الأنا العليا التي تأخذ على
عاتقها مهمة الضبط والرقابة.
لحسن الحظ، توجد في
مجتمعاتنا العربية شرائح أكثر حظا من أترابها تعرف معنى
السعادة توفرها لها حماية أسرية ناجعة. لكن تبقى الحماية
الفعلية المجدية والعامة تلك التي يضمنها لأطفال العالم
الالتزام الفعلي بالاتفاقية العالمية لحقوق الطفل. فهذه
الاتفاقية تدعو الدول التي صدّقت عليها أن تتيح للأطفال الظروف
التي تسمح لهم بالمشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية
لبلدهم. وقد أقرّت بعدم إمكان الفصل بين الحقوق، مسلمة بوجوب
حماية الطفل من جميع أشكال الاستغلال. كما وفتحت مجالا جديدا
باعترافها بحقه في أن يكون عنصرا فاعلا في نموه وبأن تؤخذ
آراءه بعين الاعتبار عند اتخاذ القرارات المتصلة بحياته.
تشعرنا قراءة كهذه أن
الهوة مرعبة بين ما ذكرنا ووضع نسبة واسعة من الأطفال العرب،
خاصة أولئك الذين يعيشون ظروفا جد سيئة في ظل فقر مدقع معرّضين
للأمراض والإعاقة والحصار والتشرّد. فهناك منهم من يجبر على
التسوّل أو ارتكاب الجرائم أو استخدام المخدرات أو بيع
أجسادهم، وكثير منهم محرومون من التعليم والوقاية الصحية أو
مضطرون للعمل بشروط قاسية أقرب ما تكون للعبودية.
رغم كل التقصير والحرمان
بمختلف أنواعه يبقى الأطفال غير متساوين أمام الشدائد والشقاء.
فهناك من يجد بداخله من طاقات غير منتظرة ما يساعده على مواجهة
المحن دون إلحاق ضرر ذي قيمة على نموه. إن وجود دعامة اجتماعية
حقيقية له يمكن أن تساعده على مقاومة الوحدة والعنف والقابلية
للتأثر الشديد، كما وتدعم جهوده وتقديره لنفسه وتوجهه
الاجتماعي الإيجابي.
المراجع والهوامش:
...............................
1-Camillieri C., Vinconneau G., Psychologie et culture:
concepts et méthodes, Armand Colin, Paris, 1996
(2) هيثم مناع، المرأة في الإسلام، دار الحداثة، بيروت، 1980
(3) ليلى عبد الوهاب، العنف الأسري: الجريمة والعنف ضد المرأة،
دار المدى للثقافة والنشر، دمشق وبيروت، 1994.
(4) المجتمع والعنف، كتاب جماعي صادر بالفرنسية ومترجم للعربية
عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1985 .
(5) أنظر تقرير اللجنة العربية لحقوق الإنسان حول مشروع الزواج
المدني في لبنان من إعداد فيوليت داغر، 1998.
6- Miller A, La souffrance muette de l’enfant, trad.
française, éd Aubier,1990, p.63
7-Brazelton B., “Comportement et compétence du nouveau-né”,
in La psychiatrie de l’enfant, Vol.XXIV, 1981. 2
8- Martine Lamour, “Des nourrissons avec leurs mères
psychotiques”, in La revue de pédiatrie, T.XXI, N° 7, Sep.
1985. Voir aussi Favre D, “Pathologies de mères isolées, les
conséquences sur les interactions, mères-enfants”, in
Publications APAMI, 1989.
9-Lamour M. et Serge Lebovici, “Les interactions du
nourrisson avec ses partenaires”, in Encyclopédie
Médico-Chirurgicale, Paris, 10, 1989.
10- René Clément, Parents en souffrance, Stock, Paris, 1996.
11- Jacqueline Cornet, “Faut-il battre les enfants”, in La
Revue du praticien, n° 345, 1996
(12) الطفل العربي والمستقبل، كتاب جماعي، بيروت، إبريل 1989
13-Miller A, L’enfant sous terreur, traduit en français par
Jeanne Etoré, éd.Aubier, 1986
(14) ) الطفل العربي والمستقبل، المرجع المذكور سابقا.
.............................
المصدر: من الموقع:
http://www.achr.nu/art78.htm