أطفالنا والتخلف الدراسي .. الأسباب والعلاج
د.عامر
صالح
" ليس اليتيم الذي قد مات
والده إن اليتيم يتيم العلم والأدب "
علي بن أبي طالب(ع)

" أطفال
المهجر "
تحتل الطفولة مساحة كبيرة
في أبحاث العلوم التربوية والنفسة , نظرا إلى أهميتها في بناء
شخصية الفرد لاحقا, وعليها يعتمد الكثير من عطاء الإنسان في
حياته مستقبلا . بل إن تشخيص حالة الفرد الصحية والنفسية
الحاضرة كثيرا ما تدفع المتخصصين في العودة إلى البحث في
طفولته, بل أكثر من ذلك العودة الى ماقبل الولادة للتعرف على
مسار الحمل, كي تكتمل عملية فهم الأسباب التي تكمن وراء حالته
ألان. وتستحضرني هنا في الذاكرة ,الطريقة الصينية في حساب عمر
الطفل, حيث يحتسب العمر منذ البدايات الأولى للحمل, ولعل في
ذلك إدراكا منهم لأهمية هذه المرحلة وما يجري فيها من تفاعلات
داخل الأرحام, أم هو جزء من أعراف عامة !!!.
أما على صعيد المواثيق
والالتزامات الدولية, أصبحت الطفولة ضمن أولويات العمل العالمي
المشترك, تجسدها المطالبة المستمرة بالحقوق المختلفة للطفولة,
من تعليم إلزامي وصحة وحماية لأرواحهم إلى ضمانات إجتماعية
مختلفة.وأن هذه المطالبات لها مايبررها,بأعتبار أن الأطفال
وبسبب من عدم نضجهم البدني والعقلي, وعدم المقدرة على الدفاع
عن أنفسهم , لذلك يحتاجون الى إجراءات وقائية ورعاية خاصة,بما
في ذلك من حماية قانونية مناسبة , قبل وبعد الولادة. أن الحاجة
إلى توفير رعاية خاصة للطفل قد ذكرت في إعلان جنيف لحقوق الطفل
لعام 1924 وفي أعلان حقوق الطفل الذي إعتمدته الجمعية العامة
في 20 تشرين/ 1959 والمعترف به في الأعلان العالمي لحقوق
الإنسان, ثم عملية إقرار قانون الطفل.
إن المطالبة بتربية وتعليم
نوعي أصبح هاجسا للمنظمات الدولية والأقليمية ذات الصلة
بتحقيقه ,على سبيل المثال لا الحصر, المنظمة العالمية للتربية
والثقافة والعلوم ( اليونسكو ), والمنظمة العربية للتربية
والثقافة والعلوم ( اليكسو ) , وغيرها من المنظمات.ولعل من
المشكلات التي تقف حائلا دون الاستفادة من الخدمات التربوية
والتعليمية بشكل نوعي, هو التخلف الدراسي , والرسوب , والتسرب
وغيرها من المشكلات ذات الصلة بما يسمى أصطلاحا في التربية "
بالكفاءة الداخلية " للنظام التعليمي,والذي يشمل من ضمن أمور
عديدة ,مشكلات المناهج ,والأدارة التعليمية وأعداد الكادر
التدريسي, وغيرها.
....
إن أطفالنا في الشتات ودول
المهجر يعانون من مشكلات كثيرة , أجتماعية , وثقافية , وتربوية
, وتكيفية عامة, وهي في مجملها انعكاس لحالة الهجرة القسرية
بأسبابها المختلفة ,وما يسببه التغير المفاجئ من البيئة الأم
إلى البيئة المضيفة, وما يترتب على ذلك من اختلافات جذرية بين
البيئتين . والتخلف الدراسي أحد إفرازات هذه المشكلة , على
الرغم من أنهم يعيشون في ظل نظم تربوية متطورة وتتمتع بكفاءة
عالية في ظل المعايير الدولية ( وأقصد هنا الدول الأوربية
,كالدول الأسكندنافية ,وكذلك في امريكا وأستراليا وغيرها),
وأطفالنا هنا يتمتعون بحقوق تربوية وتعليمية لامثيل لها !!! في
بلدان الأم, بالأضافة إلى أن الهاجس الإقتصادي والامني
والخدماتي لايشكل ثقلا على الطفل ووالديه.
إنها مشكلة مركبة ذات طابع
ثقافي/ لغوي , قد يتفاجئ ذوي الطفل فيه , ويرون فيه إنتكاسة
لمشروعهم الكبير في حصول أطفالهم على شهادة تعليمية أو مهنة ما
,كما يرغبوا ويطمحوا إليه في أن يكونوا أولادهم ,بل في أحيان
كثيرة يتمنوا لو تسنح الفرصة إلى العودة إلى البلد الأم لتحقيق
ذلك, وهي رغبة تعكسها غرائز الأمومة والأبوة دون فهم
الأسباب!!!.
إن اللغة هنا بأعتبارها
نافذة العقل على العالم الخارجي ووسيلته المثلى لنقل الأفكار,
وهي أداة التعليم الأساسية , وعلى إتقانها ومستوى ادائها يعتمد
إتقان الطفل لمختلف المواد الدراسية . ونظرا للمرونة العقلية
التي يتمتع بها الأطفال في اكتساب اللغة , من السهل علينا
"وللوهلة الأولى " أن نلاحظ الطلاقة اللغوية لديهم ,وكأنها هي
اللغة بعينها !!! إلا إن ذلك بالتأكيد ليست كافي لتقيم آدائهم
اللغوي.
إن اللغة ذات أبعاد مختلفة
وأجادتها ليست عملية سهلة قياسا بأكتساب طلاقتها, فاللغة تتكون
من عمليات متصلة هي : الفهم , والتحدث ,والقراءة , والكتابة
وخزين المفردات ( المستودع اللغوي ), وأخيرا استخدام هذه اللغة
في إطار ثقافة المجتمع الذي يحمل هذه اللغة ( ثقافة اللغة ) .
وعلى أستيعاب ذلك كله وأجادته يعتمد بشكل كبير مستوى التعميم
والتجريد اللغويين, والذي يحدد بدوره أداء العمليات العقلية من
فهم , وأدراك , وتصور , وتخيل , وتذكر , واسترجاع للخزين
المعلوماتي عند الحاجة , وكل ذلك يشكل أسبابا قطعية وشروطا
لازمة للتحصيل الجيد.
إن التخلف الدراسي القائم
على خلفية ضعف أكتساب المهارات اللغوية, هو تخلف دراسي عام ,
أي يشمل جميع المواد الدراسية تقريبا, لأن اللغة هي الوعاء
الناقل للمادة الدراسية, وبالتالي فإن التخلف اللغوي = تخلف
دراسي عام. وهنا يجب الحذر من الخلط بين التخلف الدراسي العام
الناتج من تدني مستويات الذكاء ( كما تقيسه اختبارات الذكاء ),
والتخلف الدراسي العام للأسباب لغوية.وهنا بودي الإشارة إلى
مخاطر هذا الخلط في الممارسة الميدانية من قبل إدارات
المدارس,و الاختصاصي النفسي ,أو المرشد التربوي في البلدان
المضيفة ,حيث يتصور هؤلاء أن مشكلة هؤلاء الأطفال هي مشكلة
تدني الذكاء, فيتم أجراء الاختبارات لهم وتصنيفهم وفقا
لنتائجها.كما يجب التأكيد هنا على أن مصداقية هذه الاختبارات
تتأثر بشكل كبير بعامل اللغة,فكيف يمكن إجرائها أصلا على أطفال
لديهم مشكلات من هذا النوع !!!!. ولتلافي أوجه القصور في مثل
تلك الحالات هو اللجوء إلى تقنيات أخرى ,كالملاحظة الميدانية
للتلاميذ من قبل الأخصائيين أو الكادر التدريسي ومتابعتهم عبر
بطاقاتهم المدرسية..الخ.
إن تخلف لغة الوالدين وضعف
أجادتهم للغة البلد المضيف,ثم الفروق اللغوية التي تنشأ بينهم
وبين لغة أطفالهم تلعب دورا سلبيا في عملية التحصيل الدراسي
للأطفال,بسبب عدم مقدرة الأهل في مساعدة الطفل في إنجاز
متطلبات المواد الدراسية المختلفة. ويرتبط بذلك أيضا ضعف
المقدرة على التواصل مع الإدارة المدرسية , في أطار العمل
المشترك بين البيت والمدرسة لتحسين أداء التلميذ .
إن الكثير من الأطفال يعجز
عن استخدام اللغة في أطار وعائها الثقافي المستمد من المجتمع
الأكبر(القريب على لغة المدرسة), وهي لازمة للنمو المعرفي
الواسع,فيلجأ الطفل إلى تعلم لغات خليطة(غير صافية),أو لهجات
مناطقية أو لغة حارات, وجميعها بالتأكيد أقل شأنا من لغة
المدرسة ولغة الكتاب, وهي غير كافية لإنجاز المهمات الدراسية.
ومن مشكلات تدني تحصيل
أطفالنا في دول المهجر ,هو ضعف القدرة على التكيف السليم
والسلس مع الاتجاهات الثقافية والاجتماعية السائدة ,فتكون
الاستجابة أما بالإندفاع نحو الشللية الاجتماعية التي قد تأخذ
مظهرا منحرفا, أو اللجوء إلى العزلة الاجتماعية والإنكفاء وعدم
تقبل العلاقة مع المجتمع الجديد, وجميعها أسباب لاتسهل التحصيل
الجيد.
كما إن انعدام الجو الأسري
الإيجابي الذي ينتج من الفروقات الثقافية والأجتماعية التي
تنشأ مع مرور الزمن بين الأطفال وذويهم, والتي تقوم على خلفية
عدم المقدرة على حل المشكلات التي تنشأ بين الطفل وأهله من
جانب,وبين الطفل والمحيط الخارجي, والأختلافات هنا هو اختلاف
في تفهم طبيعة المشكلات, كما هو الحال اختلاف في تبني الحلول
التي تصدر من ذهنيات متباينة . إن مايسببه ذلك من ضعف التركيز
وتشتت الإنتباه والقلق الشخصي ,يلحق الضرر هو الأخر في التحصيل
الدراسي .
ولحل هذه المشكلات تلجأ
إدارات المدارس إلى البحث عن تسوية الوضع الدراسي للأطفال
المتدني التحصيل أو المتخلفين دراسيا, لغرض الارتقاء بهم إلى
مستويات التحصيل المعتمدة لدى المدارس أو الصفوف العادية.
وأبرز هذه الإجراءات هي مايأتي :
* قد تلجأ إدارة المدرسة
إلى إبقاء التلميذ في صفه أسوة بأقرانه, وإعطائه دروس
بمتطلبات اقل من السياق المعتمد في صفه ,وبخطوات تدريجية,
وملاحظة أدائه فيها وتقيمه باستمرار لحين دمجه كليا ضمن
متطلبات صفه.
* وضع التلاميذ ذوي
المشكلات التحصيلية المتقاربة في صفوف خاصة منفصلة داخل
المدرسة العادية, طبعا بعد اجراء الأختبارات النفسية
والتحصيلية لهم للتأكد من مستوياتهم , ويكون هذا الأجراء أشبه
بالمرحلة الانتقالية, وحال تحسنهم ينقلون إلى الصفوف العادية .
* نقل التلاميذ ذوي
التحصيل الدراسي المتدني المستديم إلى المدارس الخاصة , وتكون
الدراسة في هذه المدارس أقل حملا من حيث المتطلبات والمعايير
المتبعة والطرائق المستخدمة في التدريس, ومتابعة اداء التلاميذ
بأستمرار , ثم ترقيتهم تدريجيا , وبالأمكان أيضا انضمامهم
لاحقا للمدارس العادية حين التأكد أن إنجازهم المدرسي يسير
بوتائر عالية مطابقة لمعايير المدارس العادية .
* أحالة الأطفال بشكل دوري
ومنتظم إلى مراكز الأرشاد التربوي والنفسي والصحي, وأجراء
الفحوصات الطبية والنفسية, للتأكد إذا كانت هناك عوامل أخرى
تعيق التحصيل , للتمكن من حصرها وتشخيصها ثم إمكانية الحد من
تأثيرها السلبي.
إن حصر مشكلات تدني
التحصيل بالنسبة للأطفال في المهجر بعوامل ثقافية/ لغوية ,
لايعني بكل الأحوال عدم وجود عوامل اخرى تقف وراء ذلك غير
الواردة الذكر, بل قد تتقاطع مع عوامل وأسباب اخرى لاعلاقة لها
بالهجرة, الا ان تناول ذلك كظاهرة في اوساط " أطفال المهجر" هو
الذي دفعنا لأغفالها والتأكيد على ما هو عام ومشترك. والحلقة
القادمة ( أطفال الداخل ) سوف تضعنا امام تصور أشمل لطبيعة
الظاهرة. يتبع الحلقة الثانية .
" أطفال
الداخل "
إن مشكلة التأخر الدراسي
هنا تعبر عن تفاعل منظومة أو شبكة من العوامل المعقدة
والمتداخلة لأحداثها,منها ما هو ذاتي يتعلق بالتلميذ نفسه, وهي
منفصلة نسبيا عن البيئة , ومنها ما هو موضوعي يتضح أثره من
خلال دائرة تفاعل الفرد مع المنظومة التربوية والثقافية
والاجتماعية والاقتصادية المحيطة به. وبما أن الفرد هنا يحيا
بعمقه التاريخي الشخصي أو وجوده السايكوأجتماعي المتشعب عبر
تأثيرات التربية النظامية وغير النظامية ,فإنه من الصعب جدا أن
نحصر التخلف الدراسي في عامل, أو عوامل بسيطة تقف خلفه. عدا
ذلك يعتبر التخلف الدراسي مظهر من مظاهر الإهدار أو الفاقد في
التعليم , بما يسببه في أحيان كثيرة من رسوب وتسرب تؤدي إلى
مضيعة في المال المرصود لقطاع التربية والتعليم . ومن هنا تأتي
أهمية الخوض في تفاصيل الأسباب التي تكمن وراء الظاهرة وفرزها
في منظومة عوامل ذات أبعاد مختلفة .
وقبل ذلك نحن نعرف أن
التحصيل المدرسي هو جزء من الأداء العقلي للفرد داخل النظام
التربوي والتعليمي , وأن هذا الأداء ليست وليد دخول الفرد إلى
المدرسة , بل يتشكل باعتباره منظومة من الوظائف العقلية
الأساسية عبرعملية طويلة الأمد قد تبدأ طلائعها الأولى منذ
لحظة الولادة وحتى قبل ذلك ,أي في فترة الحمل متأثرا بعوامل
الصحة والمرض والتفاعلات التي تجري داخل رحم الأم . وقبل الخوض
في منظومة الأسباب التي تشكل ظاهرة التخلف الدراسي أرى من
الضروري تحديد مفهوم مصطلح التخلف الدراسي استنادا إلى ما
تتناوله وتحدده أدبيات علم النفس بهذا الشأن , حيث يعرف بأنه :
" حالة تأخر أو تخلف أو نقص أو عدم اكتمال النمو ألتحصيلي
نتيجة لعوامل عقلية أو جسمية أو اجتماعية أو انفعالية ,بحيث
تنخفض نسبة التحصيل دون المستوى العادي أو المتوسط ".وللأغراض
التربوية " يعرف التأخر الدراسي إجرائيا على أساس الدرجات
التحريرية التي يحصل عليها التلميذ في الاختبارات في جميع
المواد ". والتخلف الدراسي هنا نوعان: 1ـ تأخر دراسي عام
ويرتبط ذلك " بالغباء " حيث تتراوح نسبة الذكاء بين 70ـ 85 (
وفقا لهذه الأدبيات ). وإن هذا التعريف على ما يبدو يحصر
التخلف الدراسي العام فقط على ذوي الذكاء المتدني , ونعتقد فيه
إهمالا لحالات التخلف الدراسي التي قد تكن هي الأخرى عامة ,
ولكن ليست بسبب تدني الذكاء( كما سنذكره) , ناهيك عن محاذير
استخدام اختبارات الذكاء كوسائل وحيدة لتصنيف الأفراد
المتخلفين دراسيا, وضرورة هنا اللجوء إلى وسائل إضافية للتأكد
من ذلك ؛ 2ـ تأخر دراسي خاص( أو نوعي ) في مادة بعينها دون
أخرى كالحساب أو القراءة أو الفيزياء أو التربية الفنية مثلا
ويرتبط ذلك بنقص القدرات الخاصة المرتبطة بتلك المادة دون
غيرها, في حين يبدو التلميذ تفوقا في المواد الأخرى,( أو بعض
الأحيان لأسباب تربوية أخرى) . ونستطيع أن نفرز منظومة العوامل
التي تؤدي إلى التخلف الدراسي, لعل أبرزها هو :
* العوامل النفسية أو
الذاتية : وتتلخص في ضعف الميل للمذاكرة أو الكسل أو الفتور في
الرغبة للمذاكرة , الشرود الذهني وعدم تركيز الانتباه
والاستغراق الطويل في أحلام اليقظة , الذكاء ونقص القدرات
العقلية وما يرتبط بذلك من ضعف القدرة العامة في التحصيل ,
الخوف من الامتحانات , ضعف الميل إلى نوع من الدراسة أو تحبيذ
مواد دراسية دون أخرى ,الشعور في النقص وضعف الثقة بالذات
,اضطراب الحياة النفسية وسوء التوافق العام , المشكلات
الانفعالية والإحباط وعدم التوازن الانفعالي والقلق والاضطراب
العصبي , الاضطراب الانفعالي للوالدين وانعكاساته الخطيرة على
شخصية الطفل وأدائه المدرسي ,وكذلك اضطرابات النوم لدى الأطفال
وعدم تنظيم مواعيده.
* العوامل الصحية :
الأمراض التي قد تصاب بها الأم أثناء الحمل وانعكاسات ذلك على
حياة الطفل الجسمية والعقلية قبل وبعد الولادة( كالتلف المخي
المحدود ) , وكذلك بعض الإشكالات جراء الولادة العسرة ,عدم
التمتع بنسبة عالية من اللياقة الصحية والبدنية العامة ,وما
تؤدي أليه من الشعور بالجهد والتعب والإرهاق,وهي عوامل مثبطة
لتركيز الانتباه ومتابعة المعلم في شرحه للدروس ,الأمراض
المزمنة كأمراض الكلى والقلب والقصبات, أو الأمراض المتوطنة
كالبلهارسيا أو الانكلستوما وما تسببه من حالات الانقطاع عن
الانتظام في الدوام المدرسي ,اضطرابات السمع والبصر وما تؤدي
به من صعوبات في استيعاب الأفكار والمعلومات واكتساب المهارات
بنفس السرعة التي يستطيع بها الأصحاء,سوء التغذية ,تأخر نمو
الطفل...الخ.
* العوامل الاجتماعية
والاقتصادية : العلاقات الأسرية المفككة , أسلوب التربية
الخاطئ الذي تمارسه الأسرة كالتدليل الزائد والرعاية المفرطة ,
أو النبذ والإهمال أو إشعار الطفل بأنه غير مرغوب فيه ,كبر حجم
الأسرة والظروف السكنية السيئة ,انخفاض المستوى التعليمي
للوالدين , فرض مستوى من الطموح من قبل الوالدين على الطفل بما
لايتناسب مع قدراته ,أو عدم الاهتمام بالتحصيل الدراسي
واعتباره مسألة ثانوية ضمن تقديرات الوالدين , تدني المستوى
الاقتصادي للأسرة وعدم قدرتها على إشباع وتلبية احتياجات الطفل
الأساسية من غذاء ولوازم ,وقد تلجأ الأسرة إلى دفع أطفالها إلى
العمل للاستعانة بهم كدخل إضافي لسد رمق العيش , مما يجعل قضية
التحصيل الدراسي والاهتمام به مسألة ثانوية ولاتأخذ حيزا
مناسبا ضمن اهتمامات الوالدين.
* عوامل تربوية : عدم
ملائمة المناهج الدراسية مع حاجات التلميذ وميوله ورغباته
واستعداداته ومستواه العقلي, واعتماد هذه المناهج وطرق التدريس
المتصلة بها على التلقين وحفظ المعلومات , استخدام العقاب
المدرسي بشكل مفرط وخاصة الجسدي منه أو ألاهانات اللفظية , مما
يؤدي بالطفل أو التلميذ إلى كراهية المدرسة أو بعض المواد
الدراسية بقدر ارتباطها بشخص المدرس المسبب لسوء المعاملة ,
عدم ملائمة المناخ المدرسي العام , تخلف نظم الامتحانات ,
الاعتماد المفرط على الغير في إنجاز المواد الدراسية أو
الواجبات البيتية مما يؤدي إلى إضعاف مبادرة التلميذ الذاتية ,
انعدام أو ضعف الإرشاد التربوي والنفسي الذي يسهم في توجيه
التلميذ وجه دراسيه سليمة وحل مشكلاته النفسية , التفاوت
الكبير في الخدمات التربوية والمدرسية المقدمة لأطفال المدن
وأطفال الأرياف أو المناطق النائية حيث تعاني الأخيرة من ضعف
في ذلك , وما يترتب على ذلك من تفاوت في التحصيل الدراسي....
الخ .
وبقدر ما يتعلق الأمر بدقة
تشخيص الأسباب التي تكمن وراء التخلف الدراسي, فأن العلاج يجب
أن يكون هو الأخر مطابقا لذلك, ومن هنا يجب أن تأتي الإجراءات
التربوية والنفسية والطبية والاجتماعية منسجمة مع طبيعة التخلف
الدراسي وأسبابه لكي تأتي بنتائج إيجابية قدر الإمكان بما يخدم
الطفل ونموه ألتحصيلي والعقلي بصورة عامة . واستنادا إلى ذلك
يمكن العمل بالإجراءات الآتية :
* استنادا إلى بعض
المقاييس الخاصة بالذكاء يجب فرز ثلاث فئات من التلاميذ بهذا
الخصوص وهي : الفئة الأولى التي يكون ذكائها أقل من 80 درجة
ويفترض أن تحال هذه الفئة من قبل أدارة المدرسة إلى الصحة
المدرسية, أو إلى مراكز العلاج النفسي المتخصصة لأجراء المزيد
من الفحوص المكملة ,وعند التأكد من ذلك تماما يمكن وضعهم في
صفوف خاصة بمستواهم العقلي داخل المدرسة الاعتيادية ,أو
إحالتهم إلى المدارس الخاصة ( طبقا للتجارب التربوية المعتمدة
في البلد المعني). والفئة الثانية وهي التي يقع ذكائها بين 80ـ
90 درجة وهي تدخل ضمن فئة " متوسط الذكاء المنخفض " ولاتدخل
في أطار فئة ضعاف العقول ,وفي هذه الحالة يمكن للإجراءات من
قبيل تنويع طرق وأساليب التدريس التي تثير اهتمام التلميذ
وتجذب انتباهه ,واستخدام العديد من الوسائل التعليمية المساعدة
, والتوضيحات والأمثلة ألإضافية , وتقبل المعلم ومعاملته
الحسنة لهؤلاء وعدم الجزع منهم , وأحيانا يحبذ وضع هؤلاء
التلاميذ ذوي المستوى المتقارب في صف واحد لكي يتم التركيز
عليهم بشكل جيد,وجميعها وسائل يمكن أن تتأتي بنتائج إيجابية .
أما الفئة الثالثة والتي يكون ذكائها أكثر من 90 درجة ,أي
يكون ذكائهم متوسطا أو فوق المتوسط وما بعده , ولن يكون تخلفهم
الدراسي راجعا إلى انخفاض مستوى ذكائهم ,فينبغي البحث هنا في
البيئة التربوية والاجتماعية والصحية والنمو الانفعالي
للتلاميذ ذوي العلاقة والعمل على تقديم الخدمات المختلفة لهم.
وهنا نرى ضرورة المواصلة بما يأتي :
* ضرورة أجراء الفحوصات
الطبية الأساسية من قبل الصحة المدرسية بشكل دوري ومنتظم
للتأكد من سلامة السمع والبصر واضطرابات الكلام وعلاج الأمراض
المختلفة التي تؤثر على الصحة العامة للتلميذ وعلى أدائه في
التحصيل.
* العمل على نشر وتوسيع
شبكات الإرشاد النفسي والعمل بها كتقاليد ثابته وجزء من مؤسسات
النظام التعليمي , لكي تقوم بدور أساسي في ميدان تقديم المشورة
النفسية للوالدين وتصحيح أسلوب معاملة الأسرة للتلميذ في تقديم
الاستجابات الانفعالية المناسبة ليشعر التلميذ بالأمان وعدم
تعرضه للقلق والاضطرابات النفسية , وتنمية بصيرة التلميذ
بأسباب التخلف الدراسي وتشجيعه على التعديل الذاتي للسلوك.
* العمل بنظام التغذية
المدرسية وتوسيع نطاقه ليشمل التلاميذ الذين ينحدرون من أسر
فقيرة ,وليسهم بدوره في الحد من حالات الحاجة المباشرة للطعام
والغذاء بما يسهم في تحسين أوضاعهم المدرسية وتكريس وقت أكثر
للمذاكرة والدرس بعيدا عن الاهتمام بإشباع حاجاتهم ألأساسية
التي تعتبر مسلمة في الكثير من نظم التعليم في العالم , عدا عن
ما يتركه إشباع الحاجات ألأساسية من أثر إيجابي في الصحة
العامة والتحصيل.
* تقديم الخدمات التربوية
والتعليمية المناسبة لحالات التخلف الدراسي ,كتنويع طرائق
التدريس بما تستجيب لخصوصية التلميذ , والبحث عن سبل لتحسين
التوافق المدرسي بما يسهم في تحسين التحصيل ,تنمية المهارات
اللازمة للتحصيل, من تخطيط للدروس وأساليب المذاكرة الحيدة
وتنمية للمهارات الذاتية في القراءة والإقبال على الكتاب
وزيادة التشويق له وغيرها.
* تحسين العمل المشترك بين
المدرسة والبيت وتعزيز اللقاءات الدورية بينهما والتهيئة
الجيدة والمسبقة للقاءات لكي تكون مثمرة ومحفزة لحضور الوالدين
عبر جداول عمل ملموسة , يكون محورها البحث عن سبل تطوير أداء
التلميذ ألتحصيلي.
* أما بالنسبة للتخلف
الدراسي الخاص أو النوعي والذي يرتبط بتخلف التلميذ بمادة
دراسية دون غيرها , فيجب البحث فيه بعلاقة التلميذ بمدرس
المادة من حيث قدرة المعلم ومهاراته الأساسية وقابليته على
تشويق التلاميذ لمادته الدراسية , فأن كره التلميذ للمعلم يعني
كره مادته الدراسية وعدم رغبته في الانجاز فيها ,الغياب
المستمر للتلميذ في دروس لمادة معينة لايساعده على استيعاب
المادة نظرا لترابط مفرداتها مع بعضها البعض , وبالتالي تؤدي
إلى تخلفه فيها . وقد يكون ذلك راجعا إلى انخفاض القدرة
العقلية اللازمة لإتقان هذه المادة دون غيرها ,فقد يكون
التلميذ متميزا في مواد أخرى دون غيرها , وهنا يجب البحث في
تنوع وأداء قدرات التلميذ المختلفة كالقدرات الموسيقية والفنية
والميكانيكية والفيزيائية وأين تكمن مواضع القوة والضعف
وتوجيها الوجهة السليمة , ويأتي هنا دور المعلم في أدراك
الفروق الفردية بين التلاميذ والكشف عنها من خلال تطبيق
اختبارات القدرات الخاصة والمتابعة الدقيقة والملاحظة
الميدانية المستمرة ومساعدة التلميذ بما يحقق انجازه لهذه
المادة أو تلك وفقا لإمكانيات التلميذ دون مطالبته أن يكون
متفوقا أسوة بالمواد الدراسية الأخرى .
وفي الختام فإن الكثير
يعتمد على كفاءة النظام التعليمي الداخلية ومرونته في أيجاد
الحلول لمشكلات التخلف الدراسي , من مناهج وطرق تدريس وإدارة
مدرسية وأعداد للمعلمين , وكذلك الاستفادة من خبرات نظم
التعليم العالمية في حل تلك المشكلات. ونشير هنا إلى ضرورة
تنوع أدوات الكشف عن التخلف الدراسي من مقابلات وملاحظات
ميدانية مستمرة والعمل بالبطاقة المدرسية أو السجل التراكمي
للتلميذ وعدم الاقتصار فقط على اختبارات الذكاء لما فيها من
محاذير نتيجة لتشبعها بعوامل ثقافية وتربوية من البيئات التي
أنتجتها ,وهي اغلبها من دول غربية , وقد يكون التلميذ العراقي
أو المصري أو العربي بصورة عامة لم يمر بها , فتكون نتائجها
محفوفة بالمخاطر في معرفة حقيقة تخلف التلميذ الدراسي , على
الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلت في تقنين وتكييف هذه
الاختبارات على البيئات العربية المختلفة .
.......................
المصدر : من موقع :
http://www.iraker.dk/index.php?option=com_content&task=view&id=11261&Itemid=1