الحضارية «ثقافة ومجتمع»

السبت : 20/06/2009

 

مفهوم المجتمع المدني

 

مثال عبد الله غني العزاوي
(خاص للمعهد)

 

 

                 

مفهوم المجتمع المدني :   Civil Society

كثيرة هي التساؤلات التي تثار حول المعنى الحقيقي والمفهوم الواقعي للمجتمع المدني .  كيف ، ومن ، وأين ، ومتى ، ولماذا ؟ المجتمع المدني . يقول البعض المجتمع المدني هو مجتمع المدينة ... وأهل المدينة سكان مقيمون ، وهي أيضاً " تمثل نظاماً سياسياً يقوم على مشاركة أعضائها في تدبر شؤونها وكانت المدينة ونظامها السياسي عنصرين متلازمين في المفهوم اليوناني(City) والذي أشتق منه مفهوم المجتمع المدني"(1). وهناك عدة تسميات أطلقت على المجتمع المدني في الكثير من  "الادبيات العالمية والمحلية منها المنظمات غير الحكومية ، أو غير الربحية ،أو مؤسسات المجتمع المدني ، القطاع التطوعي ، جمعيات النفع العام ،* القطاع الثالث والجمعيات الأهلية ، ويؤكد المطيري ، أن جميع تلك التسميات تتفق على أنها تمثل النشاط الأجتماعي والممارسات العامة الفردية والمؤسسية خارج نطاق القطاع الحكومي وقطاع الأعمال الموجهه للصالح العام" (2).

إن مفهوم المجتمع المدني فكرة وممارسة تم أحياؤها في عصرالتنوير وقد استعمل أول مرة في سنة 1594 مرادفاً لكلمة مجتمع محلي ، حيث كان يشير الى مجموعة من الناس الذين يسكنون المدن. ولهذا يرجع البعض بدايات هذا المفهوم الى الحضارة الغربية الحديثة وخاصة " الدائرة السياسية ،الدولة ،العالم الواقعي فضلاً عن العلمانية"(3). ونتيجة التحولات والتطورات  التأريخية التي مر بها مفهوم المجتمع المدني ظهرت تعاريف عدة منها تعريف **الفلاسفة الأخلاقيين الذين جعلوه مؤشرا رئيسا للتطور من حالة الطبيعة  الى حالة الحضارة . فوصف بأنه " كل تجمع بشري أنتقل وخرج من حالة الطبيعة الفطرية الى حالة المدنية  التي تتمثل بوجود هيئة سياسية قائمة على أتفاق تعاقدي"(4).

إن المفاهيم والتعاريف المتعددة للمجتمع المدني تعبر عن عدد من القضايا والمفاهيم والآليات السياسية والفكرية والأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية حيث يحاول أصحاب هذه التعاريف أعطاء صورة للمجتمع المدني كلا حسب رؤيته وفهمه ونظريته..

1- جون لوك فقد كان له رأي  أخر في مفهوم المجتمع المدني فهو" ميدان وحيزيتكون من فاعلية أناس يتمتعون بحرية الأنتخاب ، ويمارسون هذه الحرية في أطار القانون والقواعد العامة وبشكل مستقل عن أرادة وقرار السلطة السياسية أو الحاكم" (5) .

ويعني هنا بأن المجتمع يتألف من عدد من الناس  تكون جماعة واحدة يتخلى  كل منهم عن بعض  مصالحه الخاصة ويتنازل عنها من اجل المجتمع وأن يبتعد عن قواعد الطبيعة ليدخل ضمن القانون الذي يفرضه التعاقد الأجتماعي ولكن بشرط أن يكون بعيدا عن تدخل السلطة الحاكمة ، وتمارس فيه الحرية والقدرة على الأختيار، حينذاك ينشأ عندنا مجتمع مدني.

2-  أبو حلاوة " أنه المجتمع الذي يقوم على المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة في. أستقلال نسبي عن سلطة الدولة لتحقيق أغراض متعددة "(6).

3- أماني قنديل أن المجتمع المدني يمثل" مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملآ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها ماتلزمه في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والأدارة السليمة للتنوع الخلاق" (7).

4- متعب مناف يوصف المجتمع المدني بأنه " المجتمع الذي يَحْكُم ولايُحْكَمْ ، أنه  المجتمع الذي يمارس السياسة بدون ان تسيس" (8).

5- تعريف البنك الدولي للمجتمع المدني " فهو مجموعة واسعة من المنظمات غير الحكومية غيرالربحية التي لها حضورها في الشأن العام، تعبرعن قيم أعضائها ومصالحهم أو غيرها إستنادا الى إعتبارات ثقافية ، سياسية ، علمية ، إثنية دينية أو خيرية . ويمكن أن يشير المفهوم الى مجتمع المواطنين المؤطرين ضمن هيـئة تنظيمية ثابتة ( منظمة غير حكومة ، نقابة تعاونية ، نادٍ،...إلخ) أوممن تجمعهم قضية ظرفية ( حركة احتجاج أو تعبير(lobbying )  أو حملة إغاثة طارئة.. ألخ " (9) .

6- " المجتمع المدني  يتكون من منظمات نشاط وعمل غير رسمي وتطوعي هادف ، يضم جماعة من الأفراد أو الفئات الأجتماعية التي تتمتع بوعي متقدم للدفاع عن حقوق وقضايا إنسانية عامة " (10).

في إطار ما تقدم نجد أن المجتمع المدني يمثل مجموعة من المنظمات والهيئات التطوعية المؤسسية التي تقوم على قاعدة التعاقد والمستقلة عــن سلطة الحكومة التي يتبنى أعضاؤها أهدافا مشتركة ، يحققونها عن طريق العمل الجماعي ، المشاركة الواعية في مجالات مختلفة أقتصادية وثقافية ودينية وفنية وأجتماعية وأنسانية وغيرها بالأعتماد على أنفسهم دون الأعتماد الكلي على الدولة . الى ألحد الذي تصبح فيه " تلك المنظمات والهيئات والجمعيات بمثابة قوى إجتماعية لاتنفصل عن الدولة ولكنها بمثابة عين عليها "(11).

7- المجتمع المدني هو عبارة عن "تجمعات من أشخاص ومن جمعيات ، ولها هيكلة شكلية الى حدٍ ما رسمية ، ولكنها لاتنسب لاللقطاع العام ولا للقطاع الخاص المربح" (12).

8- المجتمع المدني " مفهوم يشير الى مجموعة من الأبنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية تنتظم في أطارها شبكة معقدة من العلاقات والممارسات بين القوى  والتكوينات الاجتماعية في المجتمع . ويحدث ذلك بصورة دينامية ومستمرة من خلال مجموعة من المؤسسات التطوعية، التي تنشأ وتعمل استقلاليـة عن الدولة"(13).

9- ويشير أيضاً الى فئة أو كتلة أجتماعية يفترض أن يتوفر فيها مقدار من التجانس، وتقع في منزلة بين منزلتي المجتمع الأهلي والمجتمع السياسي أو الدولة . وهنا التأكيد على وصفه بأنه "الحلقة الوسيطة التي تحقق التوازن الضروري مابين سلطة الدولة من جهة ومكونات المجتمع بجميع طبقاته من جهة أخرى" (14).

10- أما (غرايم جيل ) فقد عرف المجتمع المدني بأنه" يضم جماعات حرة مستقلة يلتقي أفرادها حول أراء وضروب أنشطة ويعملون من أجل تأكيد مصالحهم والدفاع عنها ، حتى لو كان  ذلك  ضد السلطة "(15).

11- كما ان المجتمع المدني يضم النقابات المهنية والعماليـــة  وتنظيم المنتخبين من أصحاب المشروعات لصغيرة او الكبيرة ، في ميادين الزراعة أو الصناعة أو الخدمات ، كما يضم المؤسسات شبه التقليدية والتي تشمل المؤسسات الدينية الأسلامية والمسيحية واليهودية حيثما وجدت " (16).

فالمجتمع المدني أذاً قوة لاسلطوية يتماسك باندفاع منظماته التطوعية ويستمد قوته من إيمان رواده بمبادئه الحقيقية والصميمية متطلعين صوب أهدافهم في تحقيق المجتمع الأمثل بعيداً عن تسلط الدولة وأسهاماتها الرسمية والأدارية بمشاركة فاعلة بالاعتماد على الذات . واوسع إستعمال لهذا المصطلح يشير الى منظومة الإطر الأجتماعية الطوعية التي تتوسط بين الدولة من ناحية والمكونات الأساسية للمجتمع من الناحية الأخرى (الأفراد ، الأسرة ، الشركات) . أما وهنا لابد من التأكيد على أهمية التطوعية في عمل المجتمع المدني وعلى الوعي المتقدم للأفراد ويؤكد أخرون الدور الذي تضطلع به مؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي في ظل واقع متغير، فهو يمثل الأطر والنشاطات كافة الموجودة في دولة معينة خارج مؤسساتها الرسمية بعيداًعن التنظيم الحكومي،سواء على المستوى المركزي أو المحلي ، وبذلك " في أطار ما تقدم يمكن القول أن الأمر الأساس والحاسم في قيام مجتمع مدني هو الأعتراف المتبادل بين الدولة من جهة والمجتمع المدني من جهة أخرى ومشروعية حقه في العمل ومزاولة أنشطته كافة دون معوقات وضمن مجالات محددة ومعلومة وضمن أهليته وأختصاصه حتى أن هذه المجالات تمتد  لتشمل الجانب السياسي. ومهما كان التباين في وجهات النظر حول مفهوم المجتمع المدني . نجد أن الباحثين العرب حاولوا تقديم تعريف مرضٍ وهو). ولعل من الأستعراض السريع لمضمون التعريفات نجدها ترتكز على "الأسس الآتية: * (1).

1- التطوع الاختياري في العمل المجتمعي.

2- العمل الجماعي القائم على تجميع الطاقات الفردية .

3- النمط المؤسسي في العمل القائم على التنظيم والأدارة .

4- الاستقلالية في العمل والنشاط في الحركة بعيدا عن هيمنة الدولة .

5- الألتزام بمنظومة  القوانين  المرعية في البلاد ".

بعد هذا العرض السريع لإبرازمضمون مفهوم المجتمع المدني كما عرفه العديد من المفكرين والباحثين فإن التعريف الإجرائي لمفهوم المجتمع المدني يمكن أن يكون على النحو الآتي:

"المجتمع المدني هو عبارة عن مؤسسات أو منظمات طوعية تمول عن طريق إعمال البر والاحسان وتسعى الى تقديم شتى انواع الخدمات والانشطة والفعاليات للأفراد أو الجماعات التي تواجه صعوبات أو مشاكل اجتماعية وأقتصادية وقد يكون المجتمع المدني معتمداً على المساعدات الحكومية أو تعمل بدونها" .

 

 

الهوامش :
................

*  الأول حكومي والأخر خاص         

** الفلاسفة الأخلاقيون هم ( أفلاطون ، أرسطو طاليس ، كانط ، فردريك ، هربرت سبنسر ، وليم دوركهايم)

  (1) محمد عابد الجابري ؛  قضايا في الفكر المعاصر :( بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ،  1997) ص 14 .   

(2) بدر الدين المطيري ؛ مستقبل الوقف في الوطن العربي  في : أبراهيم بيومي غانم (وأخرون) ، نظام الوقف  والمجتمع المدني في الوطن العربي : ( بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 2003) ص 802 .

(3) وجيه كوثراني ؛ في سعيد بنسعيد العلوي( وأخرون): ( المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية (بيروت ، مركز الدراسات الوحدة العربية ، 2001) ص 120.     (4) ابي بكر أحمد باقادار ؛  تحولات علاقة الوقف بمؤسسات المجتمع المدني في بلدان شبه الجزيرة العربية ، في أبراهيم  بيومي،المصدر السابق  ، ص 750.

(5) جون لوك ؛ في الحكم المدني ، ترجمة  ماجد قخري نقلا عن كمال عبد اللطيف: ( المجلة العربية للعلوم الإنسانية) ، العدد 55 ،  1996 ،ص 66.

(6) كريم أبو حلاوة ؛ المجتمع المدني : ( مجلة عالم الفكر ،  العدد الثالث،  يناير/ مارس 1999 ) ص 12 .

(7) أماني قنديل ؛ المجتمع المدني في الوطن العربي: ( مجلة عالم الفكر  العدد الثالث ، يناير / مارس 1999) ص 9.                                                                                             

(8) متعب مناف ؛لماذا المجتمع المدني: (مجلة الحكمة، بغداد ، بيت الحكمة،العدد36، آيار/ مايو، 2004) ص 39 .                                                                                                   

(9) الامم المتحدة ، اللجنة الأقتصادية والأجتماعية لغربي أسيا /الاسكو ، معجم مفاهيم التنمية  ، 2004 ) ص 34.

(10) طالب مهدي عبود ؛ تفعيل وتنمية العلاقة بين منظمات المجتمع المدني: مجلة الحكمة، المصدرالسابق ، ص78.

(11) كريم محمد حمزة ؛  المجتمع المدني والدولة: أوجه التفاعل والتقاطع، مجلة الحكمة ، المصدر السابق  ، ص 73 .                                                                                      

(12) معهد الأمة المتحدة لبحوث التنمية الأجتماعية ، أياد مرئية تحمل المسؤولية من أجل التنمية الأجتماعية: ( بيروت ، لأسكو ،1  تموز ، 2002) ص 101. 

(13) حسين توفيق أبراهيم ؛  بناء المجتمع المدني ، المؤشرات الكمية والكيفية ، دراسة في سعيد بنسعيد وأخرين : (  بيروت ،  مركز دراسات الوحدة العربية ، 2001) ص 994. المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية.

(14) هيثم مناع ؛ الأمعان في حقوق الأنسان ، موسوعة عالمية مختصرة، ط1: ( دمشق ، الأهالي للتوزيع ، 2000) ص 433.  ججج                                                           

(15) غرايم جيل ؛ديناميات السيرورة الديمقراطية والمجتمع المدني، ترجمة : شوكت يوسف: (دمشق، منشورات وزارة الثقافية ، 2005) ص 11.

(16) مصطفى كامل السيد ؛  المجتمع المدني ودوره في الأصلاح ، ط1: ( الاسكندرية ، المنظمة العربية لحقوق الانسان،2004)  ص 101 .   

 

...........................
مستل من رسالة ماجستير بعنوان "الخدمة الاجتماعية في منظمات المجتمع المدني : الواقع والآفاق مقدمة إلى كلية تربية البنات ، جامعة بغداد ، بإِشراف الدكتور عدنان ياسين مصطفى .