الحضارية «ثقافة ومجتمع»

الثلاثاء : 12/05/2009

 

الخوف والإرادة /2

 

د. يسرى تركي سعيد
 

 

المنظور النفسي : ويمكن التطرق ضمن هذا المنظور إلى:

1- النظرية الكلاسيكية:

        قدم (Bachanon) عام 1812 نظرية قامت على تفسير الفعل الإرادي بأنه فعل مكتسب وليس فطرياً. وإن الاكتساب الذي دُرس مختبرياً (كان في ضمن) ربط الأفعال العضلية مع المفهوم النشيط لتلك الأفعال والرغبة القوية في الأداء. وإن كل عملية تعرف فيها الإرادة تقوم على ثلاثة مبادئ وأجزاء أساسية هي: الفكرة في تنفيذ بعض الأفعال، والرغبة في التنفيذ، وأخيراً الفعل نفسه. وقد طوّر عدد من الباحثين هذه النظرية ومنهم (Sechenov 1863) و(James 1890) و(VonHolst 1935) و(Kimble, 1970, p. 363). فقد قدم (Sechenov) توجهاً تجريبياً لمحاولة توضيح مفهوم الإرادة على قاعدة تجريبية. وإن الأساس لوجهة نظره تظهر في مفهوم الارتباط الذي وصفه بين عناصر الإثارة في الأفعال المنعكسة. وهو يرى أن كل الحركات المدركة (عادة تسمى إرادية) وقد استخدم مفهوم التغذية الراجعة وصممه ليأخذ دوره في السلوك الإرادي (Kimble, 1970, p. 364).

        أما (James 1890) فيرى أن الفعل الإرادي مغاير للفعل الآلي للغريزة وذلك لأن الفرد يريد ويقصد قبل أن يتحرك وأنه يتم الشروع بالأفعال نتيجة لتصور نتائجها الحسية (Atkinson, 1976, p. 190)، إذ إن الإفعال تنبثق من أفكار حركية أو من صور شعورية بالحركة وتحدث الحركات الإرادية نتيجة لتشكل صورة عقلية واضحة عن التغذية الراجعة للإحساس بالحركة (تايلور، 1996، ص36).

        فالسلوك الإرادي في رأي (James) يختلف عن السلوك غير الإرادي في نوع المثير الذي يحدثه، إذ إن السلوك الإرادي هو السلوك الذي تكون نتائج الفعل مؤدية بشكل تلقائي إلى ذلك الفعل (Kimble, 1970, p. 365). أما (Von Holest) فيرى أن السمة البارزة في السلوك الإرادي هي القدرة على كبح السلوك.

        إن الهدف من النظرية الكلاسيكية في الإرادة هو تقويم مفهوم الإرادة مع الأسلوب الذي يمكن تقديمه للاختبار التجريبي وإن هذه النظرية تقوم على ثلاث فرضيات أساسية هي:

أولا: إن الفعل الإرادي يبدأ مع فكرة أو تكوّن الاستجابة. وقد أطلق عليه (James) التصور.

ثانيا: إن السلوك الإرادي دائماً سلوك مكتسب.

ثالثا: وجود وسائل للاستمرار في مراقبة الاستجابة. وإن هذه العملية توجه الاستجابة وتقدم ميكانزم التوقف أو قاعدة تسمح للشخص بمواصلة السلوك. (Kimble, 1970, p. 368).

2- النظرية الدينامية النفسية:

        وفقاً لنظرية فرويد ينقسم العقل إلى ثلاثة أقسام هي: الهو والأنا والأنا الأعلى، ويذهب إلى أن الهو يشمل الغرائز التي تكون مصدر الطاقة، وهو يعمل على مبدأ اللذة في مواجهة مبدأ الواقع عند الأنا وإن المهمة التي توجه الأنا تبعاً لذلك هي حفظ التوازن بين السعي نحو اللذة وبين الالتزام بقاعدة سلوكية. وفي أحيان كثيرة يتحقق حفظ التوازن بين الهو والأنا الأعلى، إذ يحقق المحيط إمكانية الاختيار بشكل يقوي حق الأنا على انتقاء السبيل المناسب للعمل وتوجيه السلوك نحو موضوع يكون بمثابة هدف ملائم انطلاقاً من قرارات شعورية وعقلانية وهكذا يتبين أن قدراً عظيماً من السلوك البشري يتحدد ويتوجه بفعل العمليات الثانوية للأنا (تايلور، 1996، ص230).

        أما (كارين هورني) فهي تعزو الضبط الذاتي وقوة الإرادة (الاتزان) الانفعالي إلى ميول قوية كامنة للاحتفاظ باندفاعات متصارعة تحت السيطرة، وهي ترى أن الميل نحو الضبط الذاتي تتمثل وظيفته في كونه يؤلف حاجزاً ضد إفاضة الانفعالات المتناقضة. وعلى الرغم من كونه يمثل في الغالب عملاً من أعمال قوة الإرادة الواعية لكنه يصبح عادة تجعل الشخصية متزنة متماسكة ويحافظ عليها من الانجراف حتى في أصعب الظروف (العبيدي، 1991، ص36).

        أما (آدلر) فقد اهتم بالقصدية وبإرادة الشخص عند بناء نفسه وبخلاصة من شعوره بالدونية. ذلك أن هذا الشعور يدفع الإنسان للأمام نحو السيطرة والتفوق. إن قانون الصراع والتغلب هو (إرادة القوة) وهو القانون الرئيس في حياة الفرد. فبدلاً من إرادة التمتع أو مبدأ اللذة عند فرويد، وضع آدر الإرادة التي تحدد كل السلوك وتحتمه (زيعور، 1984، ص259). فالإنسان لديه إرادة القوة بدرجة كافية بحيث يمكنه أن يهيء وينظم حياته الخاصة (غنيم، 1975، ص544).

        أما جوهر نظرية (أوتو رنك) فهي تكمن في صدمة الميلاد، إذ إن الإنسان يشعر في جميع مراحل نمو شخصيته بخبرات متتالية من الانفصال. إن (رنك) يرى أن القوة الكامنة في الشخصية السليمة هي الإرادة، وأن الإرادة ليست رمزاً غامضا إنما هي نتيجة لبداية الحياة والميلاد والتطور الضروري للتنظيم الإنساني وإنها أساس وجود الإنسان وعلاقته الفعالة مع نفسه (Munroe, 1955, p. 578).

        واتورنك كان يتوق دوماً لدراسة استقلال الأنا الأعلى وعملية إبداع بناء الذات، وإن مصطلح الإرادة الإنسانية عند رنك يحتل مكانة كبيرة في نظريته. ففي رأي رنك أن فكرة الفرد عن ذاته وإيمانه بذاته وقدرته للسلوك بثقة ليس هي وحدها التي تعطي الفرد هويته وإنما تساهم في تكوين شخص استثنائي مفترضاً أن الإرادة هي تمثيل لقوة الحياة (Menaker, 1982, p. 39).

        وقد أشار أريكسون في نظريته الت يتدخل في ضمن ما يسمى بالفرودية الجديدة اهتماماً بسياق الأزمات التي لا بد من أن يواجهها الفرد ويعمل على حلها وذروة النمو النفسي للفرد كما يرى أريكسون مرهونة بالكيفية التي يمكن بها الفرد من حل الصرعات التي يوجهها في مراحل العمر (ويتنج، 1977، ص259) وقد حدد أريكسون مراحل النمو هذه بثمان مراحل تبدأ من الطفولة إلى الرشد وإن كل هذه المراحل تعطي فرصاً لنمو قوى خاصة أطلق عليها أريكسون الفضائل الأساسية، والتي يعتقد أنها تنشأ عندما تواجه أزمة وتنجح في حلها (شلتز، 1983، ص223) وهناك ثماني فضائل أساسية تقابل مراحل النمو، كل واحدة من الفضائل تقابل مرحلة نمو معينة. ففي مرحلة الطفولة تظهر أربع فضائل هي: الأمل والإرادة والهدف والكفاية. وفي مرحلة المراهق يظهر الاخلاص. أما في مرحلة الرشد فيظهر الحب والاهتمام بالآخرين والحكمة. والفضائل تتوقف في نموها على بعضها البعض حيث لا ينمو أي منها ما لم يتم نمو السابقة، حيث ينمو الأمل على الثقة الأساسية بأن الرغبات يمكن أن تشبع. وهو الاحساس بالثقة الذي نبقيى عليه بالرغم من الاخفاقات وتنشأ الإرادة عن الاستقالية وهي تصميم لا يمكن تغييره لممارسة كل من حرية الاختيار وضبط النفس، أما الهدف فهو مشتق من المبادرة ويتضمن شعوراً بالشجاعة لتحصيل الأهداف المهمة والسعي لتحقيقها. أما الجدارة فهي مشتقة من الكد والمثابرة وتتضمن ممارسة المهارة والذكاء في مواصلة وإكمال المهام.

        أما الاخلاص أو الوفاء فينمو من هوية الأنا (الذات). ويتضمن الشعور بالمسؤولية والصدق والأصالة في العلاقات مع الآخرين. أما الحب فهو مشتق من الألفة والاهتمام بالآخرين. فهو اهتمام واسع وقلق من أجل الآخرين والفضيلة الأخيرة هي فضيلة الحكمة، وتنشأ من تكامل الذات (شلتز، 1983، ص224) وفيما يأتي المراحل والأزمات التي تقابلها والفضائل الأساسية لها، وهي:

المرحلة العمرية

الازمة

الفضيلة

مرحلة الطفولة

الثقة مقابل عدم الثقة

الأمل

مرحلة الطفولة المبكرة

الاستقلال مقابل الاكراه

الإرادة

مرحلة اللعب

المبادرة مقابل الاحساس بالنقص

الهدف

مرحلة المدرسة

المثابرة مقبال الاحساس بالذنب

الاحساس بالجدارة

مرحلة المراهق

الاحساس بالهوية مقابل اختلاط الأدوار

الاخصلاص

بداية الرشد

الاحساس بالألفة مقابل الاحساس بالعزلة

الوفاء

الرشد

الانتاجية مقابل الاستقرار حول الذات

الاهتمام بالآخرين

الشيخوخة

التكامل مقابل اليأس

الحكمة

(Erkison, 1982, p. 32)

        إن فضيلة الإرادة كما يرى أريكسون تظهر في المرحلة الثانية من النمو والتي تبدأ من عمر 18 شهراً وتستمر حتى اسن الثالثة ويوضح أريكسون أن قدرات الطفل التي تتمثل في مسك الأشياء والاحتفاظ بها أو رميها يعد هذه الانواع من السلوك مهمة لأن الطفل لأول مرة يستطيع ممارسة درجة من الاختيار (محمد، 195، ص36).

3- النظرية السلوكية:

        يرى واطسن أن المهمة الفكرية للنفسانيين هي التنبؤ بالسلوك وضبطه والتحكم به (ديرز، 1981، ص162) وأن المنظور السلوكي يؤكد أن الشخصية قائمة أساساً على مبادئ التعلم، وبما أ، كل شخص لديه ماضٍ شرطي مختلف، فإن كل واحد منا تعلم أساليب سلوكية مختلفة، ومن أنواع مختلفة من الاستثارات. وهذا يعني أن الناس يفتقرون إلى الإرادة الحرة وفرصة الاختيار. ويرى سكنر بأن كل سلوك يمكن التنبؤ به وفق قوانين النظرية السلوكية وانظمتها. وفي هذا السياق فإن فكرة الإرادة الحرة غير مستخدمة وإن جميع السلوك يمكن تفسيره من دون وجودها (Wright, 1975, p. 541).

        والنظرية السلوكية ترى أن بالإمكان التنبؤ والتحكم والسيطرة على السلوك الإنساني. وسكنر يدعو إلى استخدام طاقة التحكم في السلوك البشري لخلق عالم أفضل. وهو يؤكد أن المعرفة العلمية هي القوة للتحكم والسيطرة إذ إننا نتدخل في تصميم الظروف المحطة وبنائها التي تؤثر في السلوك إذ إن هذه الظروف المتغيرة شرط لتحسين الأنماط الحضارية الثقافية. إذ يؤكد سكنر على أن أول الخطوات العملية لتشكيل المجتمع والحياة البشرية تقوم على اختيار الأهداف وإن من أهم أهداف علم السلوك هي (دع الإنسان يكون سعيداً، وذا معرفة، وماهراً وحسن السلوك، ومننتجاً) ويرى سكنر أن المعرفة العلمية بالعلوم السلوكية تساعدنا في تحديد نوع النتائج السلوكية والشخصية التي نتمنى أن تتحقق (Rogers, 1995, p. 388) أما العنصر الثاني في هذه العملية فهو بعد وضع الهدف، ولا بد من وسائل لتحقيق هذا الهدف، وإن الوسائل العلمية تصحح نفسها بنفسها عن طريق التجريب من ا<ل الوصول إلى وسائل مؤثرة لتحقيق الهدف الذي تم اختياره. أما العنصر الثالث للتحكم بالسلوك الإنساني فهو يتضمن مسألة الطاقة (القوة) فلا بد من أن يمتلك الشخص أو المجموعة المؤثرة القوة اليت تمكنهم من تحقيق هذه الظروف أو استخدام هذه الوسائل. والخطوة الرابعة في هذه العملية فهي تعريض الأفراد للظروف والطرائق التي تم ذكرها وعند تعريض الأفراد لهذه الظروف فإنهم سوف يتصرفون حسن ما هو مطلوب ومن ثم يكون البشر منتجين لو كان هذا هو الهدف أو خاضعين أو حسب ما هو مقرر لهم فمن خلال هذا البناء نستطيع أن نتحكم ليس فقط بالسلوك النهائي بل بالدوافع والرغبات والأماني. وإن أهم ما في هذه النظرية أنها لم تشر إلى حرية الإرادة في هذه العملية لتشكيل السلوك (Rogers, 1995, p. 389).

4- النظرية الإنسانية:

        إن السلوك الفكري المقصود هو ميزة السلوك الإنساني (Bolles, 1967, p. 841) وعليه يمكن أن يعرف علم النفس الإنساني بأنه علم يحاول أن يكشف الناس موقعهم ويجعلهم يعون بجميع السبل القوة التي تؤثر في خبرتهم ومن ثم في تصرفهم (جورارد، 1988، ص457(.

        إن المنظور الإنساني يقف في الضد من كل من المنظور السلوكي ومنظور التحليل النفسي في إخضاعهم للفرد لسيرطة الغريزة أو الاستجابة للمثير، إذ إن الفرد من وجهة نظر علماء النفس الإنسانيين يمتلك حرية كاملة وطاقة كبيرة للنمو وتحقيق الإنجازات الشخصية. فالفرد ليس ضحية للدوافع غير المقصودة أو استجابات بيئية معززة، ولكن هو قادر على تكوني الغايات والاتجاهات الذاتية. وإن كل فرد يمتلك شخصية فردية وأهدافاً مدركة يتعامل بها عندما يواجه خبرات تهدد شعوره باحترام الذات.

        إن فكرة الذاتية لكارل روجرز هي التي يؤكد فيها المظاهر الإيجابية للسلوك الإنساني والمميزات الضرورية للطبيعة البشرية (Wright, 1975, p. 484).

        فهو يركّز على الحدود التي تضعها الذات التي يمكن أن تمتد عادة. وهو يعتقد أن لدفع عملية النمو للفرد يجب أن يتقبل الآخرون كل جوانب الفرد ويقومونه وفي هذا الظرف يبدأ الفرد في تقبل نفسه. ويستمر في اتجاه تحقيق الذات (دافيدوف، 1983، ص595).

        أما مازلو فهو يؤكد أننا يجب أن نعرف لا ما يريده الإنسان فقط، ولكن كذلك ما سيصبح عليه. وفي ضوء ذلك سيقوم الفرد بالتعبير عن الحاجات البايولوجية والحاجات النفسية للحب والتلاؤم والاحترام الذاتي ومن ثم الحاجات الذاتية التي يكون الفرد فيها تلقائياً إبداعياً (Wright, 1975, p. 484). ويرى مازلو أن تحقيق الذات يتطلب أن يعبر الفرد عن هويته الشخصية من دون أن يغترب بذلك عن مجتمعه (لازاروس، 1989، ص133).

5- نظرية التناشز المعرفي Cognitive Dissonance

        قدم ليو فستنكر (Feastinger) نظرية في التناشز المعرفي عام 1957، وفحوى هذه النظرية أن الأفكار تعمل على أنها دوافع، وأنها يمكن أن تثير الدافعية بصورة قوية لدرجة أنها قد تتفوق في ذلك على حوافز أساسية جداً (صالح، 1988، ص143).

        وهذه النظرية تعنى بالفعاليات الفكرية (الإدراكية) عند الفرد، كالأفكار والاتجاهات، فهناك في العادة انسجام وتطابق بين الجوانب المختلفة لإدراكاتنا الباطنية، والقاعدة هي أننا لا نحمل معتقدات أو قيماً أو أفكاراً متناقضة في آن واحد، ولا نسلك طرائق تتناقض مع معتقداتنا.

        فالنفس عادة ي حالة انسجام، وهي على وفاق مع جميع جوانبها. والسؤال الأساس الذي أثاره (Feastinger) هو التأثير الذي يقع على الشخص إذا عرف أنه يأخذ بفكرتين أو معتقدين لا ينسجمان مع بعضهما، فما الذي يحدث عندما يظهر التناقض أو عدم الانسجام بين عملياتنا الفكرية (الإدراكية).

        وعلى هذا بدأ (Feastinger) بدراسة العلاقات غير المناسبة بين المدركات العقلية أو ما سمها التناشز المعرفي (شلتز، 1983، ص439).

تعريف التناشز المعرفي Definition of Dissonance

        إن التناشز أو الاتفاق، استخدام للإشارة إلى الارتباطات التي توجد بين زوجين من العناصر، وإن العناصر كانت تعرف بأنها معرفية. ومصطلح المعرفية يشير إلى معرفة رأي أو اعتقاد، أو الشعور بذات الشخص أو بيئة الشخص إذ إن العناصر هي المعارف التي يمتلكها الشخص عن عالمه النفسي.

        أما التناشز فهو حالة من التعارض أو التنافر بين ما يعتقد به الفرد وبين ما يقوم به من سلوك أو أي عنصرين يكونان في علاقة متنافرة (Shaw, 1982, p. 218).

        ويعتقد (Feastinger) أن التناشز الفكري يحدث حالة توتر لدى الكائن الحي ويصبح ذلك التوتر قوة دافعة. وكما يحدث في كل دافعية ناشئة توتراً فإن السلوك ينشأ ويوجه نحو خفض التوتر، وهذا يعني في هذه الحالة خفض التناشز وجعل المدركات في علاقة توازن وانسجام كما كان من قبل (شلتز، 1983، ص440).

        ولقد حدد (Feastinger) مصادر التناشز كالآتي:

1. عدم التوافق المنطقي.

2. الأغلبية الحضارية وما يتبع في ثقافة معينة ربما يكون مناقضاً لثقافة أخرى.

3. رأي الأغلبية عندما يطوق الرأي الشخصي.

4. الخبرة السابقة (يحدث التناشز إذا كانت الادراكات غير متوافقة مع خبرة سابقة).

حجم التناشز:

        بالرغم من أنه ليس كل العلاقات المتنافرة بنفس الأهمية فإن (Feastinger) حاول تحديد القوة في العلاقات المتنافرز بين عنصرين أو بين مجموعتين من العناصر.

        إن العنصرين اللذين تكون نتائجهما بسيطة لا يكونان مثيراً عالياً للتنافر بغض النظر عن كيف يكون عدم التوافق. ومن جهة أخرى فإن العنصرين المتنافرين اللذين تكون نتائجمهما مهمة يكونان مثيرين مهمين للتنافر.

        ولاحظ (Feastinger) أنه من النادر أن لا يوجد تنافر في مجموعة من العناصر، لذلك من الضروري الاهتمام بالتنافر الكامل بين أي عنصر والعناصر المعرفية المرتبطة (Shaw, 1982, p. 219).

        ويختلف التناشز الفكري في شدته، إذ يظهر التناشز قوياً عندما يكون على الفرد اتخاذ قرار أو الاختيار بين بدائل متماثلة الجاذبية أكثر مما لو كانت البدائل متباينة الجاذبية (Wolman, 1977, p. 25).

أساليب خفض التناشز:

        إن التناشز المعرفي يحفز الشخص للقيام بفعل يستبعد فيه الحالة المزعجة بصرف النظر عن مصدرها أو حجمها فيعمل الفرد بعدة طرائق للتخلص من حالة التوتر، ومنها:

1. تغير العنصر السلوكي وذلك عن طريق تغير العنصر المعرفي البيئي أو تحوير الاتجاه أو إضافة عناصر معرفية جديدة.

2. عندا يكون التنافر موجوداً فإن الشخص لا يحاول فقط تقليله ولكن يتجنب المواقف والمعلومات التي تعمل على زيادته (Shaw, 1982, p. 220) ويمكن أن يخفض التناشز يمكن أن تكون قوية بحيث ينساق الشخص كلياً وراء تشويه الواقع في محاولة لاستعادة التوازن الفكري، وفي هذا ثمة تشابه بين فستنكر وفرويد، فكلاهما أخذ بفعل الحيل الدفاعية التي تشوه الواقع في محاولة لتحصين الشخص من القلق. فهناك إذن عنصر غير عقلاني في الإدراك أو التفكير على الأغلب. كما إن للتناشز الفكري امتدادات في الشخصية لأنه لا يؤثر في السلوك فقط، وإنما أيضاً في الأفكار والقيم التي تكون جزءاً من الشخصية (شلتز، 1983، ص442).

خصائص النظرية:

        اهتمت النظرية بدراسة المضامين الآتية: القرارات، والإذعان للقوة، والإقبال على المعلومات والدعم الاجتماعي.

        القرار (Decision): إن الاستنتاج المباشر في نظرية التناشز هو أن التناشز يتبع عملية اتخاذ القرار (Sears, 1962, p. 69) ويعتقد فستنكر أن ثمة صراع بين بديلين أو اكثر في اتخاذ القرار. فإذا تم اتخاذ القرار اختزل الصراع، لكن يظهر بعدئذ التناشز، ويقول فستنكر إنه ستبقى درجة من التناشز بعد اتخاذ القرار، لأنك تعرف الجوانب الإيجابية في البديل الذي لم يختر والجوانب السلبية للبديل المختار. وسواء أكان التناشز معتدلا أم قوياً فلا بد أن يخفض وكطريقة مألوفة، لكن ليست مرضية جداً هي الغاء القرار، وهذا أيضاً يؤدي إلى إبدال تناشز مكان تناشز آخر. فإذا تم اتخاذ قرار آخر لإلغاء القرار السابق، فستكون في موقف ناشز ما بعد القرار الآخر، فيما إذا كنت قد اخترت البديل الصحيح هذه المرة، وربما كانت طريقة إقامة ما يسميه (فستنكر) التداخل الفكري طريقة أكثر تأثيراً لخفض التناشز ما بعد اتخاذ القرار، وهذا يتضمن البحث أو الابتكار عمداً لنقاط تشابه كثيرة بين البديلين بحيث تصبح مقتنعاً بأنه ليس ثمة قرار يتخذ وثمة طريقة أخرى لخض التناشز ما بعد اتخاذ القرار، وهي أن تقنع نفسك أن القرار كان صحيحاً بالحبث عن معلومات تبرر القرار (شلتز، 1983، ص443).

الإذعان للقوة Forced Compliance:

        إن الإذعان يحدث من خلال التهديد بالعقاب أو الوعد بالمكافأة. ونلاحظ أن مصدر التناشز هو وعي الشخص للسلوك العام بالطريقة التي تكنون فيها السلوكيات غير متفقة مع الآراء الخاصة، ففي هذه المواقف يحدث الخضوع للقوة تناشزاً بين معتقدات الفرد أو أفكاره الأصلية وأنواع السلوك الذي يجبر عليه. إن ثمة تعارض بين ما يطلب من الفرد عمله وما يعتقد أن عليه أن يفعله (شلتز، 1983، ص445).

        وقد وجد فستنكر أن أهمية التناشز يتوقف على أهمية ألاراء الخاصة وأهمية العقاب أو المكافأة وإن الآراء المهمة كثيراً ما تزيد التنافر وبالطبع أن المكافا’ أو العقاب يجب أن تكون كافية لإنتاج الإذعان المطلوب. إن التناشز الذي ينتج من الإذعان للقوة يمكن أن يخفض بالتغير المستمر للرأي الخاص أو بزيادة المكافأة أو العقاب (Shaw, 1982, p. 220).

الإقبال على المعلومات Exposure to Information:

        إن التناشز يؤدي إلى الانتقاء في المعلومات وإن الشخص يبحث عن معلومة تحدث التوافق ويتجنب المعلومة التي تحدث التناشز.

        ويذهب فستنكر إلى أن البحث الإرادي عن المعلومات يمثل محاولة لإضافة عناصر فكرية جديدة، يمكن أن تكون فعالة في خفض التناشز.

        واستعرض فستنكر أن المعلومة الحيوية التي يتم البحث عنها مرتبطة بأهمية التناشز إذا كان هناك تنافر بسيط أو لم يكن، فإن الشخص لن يبحث عن التوافق ولا يتجنب المعلومة المتنافرة. وإن مقدار التنافر المعتدل يقود إلى تقليل البحث عن المعلومة. والسلوك المتجنب يكون عند الحد الأقصى من التناشز. فإذا لم يكن باستطاعة الفرد تجنب رؤية المعلومات التي لا تدعم قراره فقد يقف موقفاً سلبياً من المعلومات مقللاً من صحتها، أو عاملاً على تجنبها. وعلى ذلك يمكن لمحاولة خفض التناشز (أو منع ظهوره) التأثير في الإدراك الحسي لتحديد ما يراه، وما يتجنب رؤيته عن عمد وكيف يفسر ما يرى فعلاً (شلتز، 1983، ص445).

الاسناد الاجتماعي Social Support:

        وهذا له علاقة بالدور الذي يؤديه الناس الآخرون في اكتساب أفكارنا ومعتقداتنا ومثلنا والمحافظة عليها ومما هو واضح أن الاتجاهات والمعتقدات نتعلمها من الناس الآخرين ونحافظ عليها في الغالب بسبب الدعم لتلك المعتقدات الذي نلقاه من أولئك الذين من حولنا.

        والتناشز يحدث من نقص الاسناد الاجتماعي، عند التمسك برأي يختلف عن تلك الآراء التي تتمسك بها الجماعة إذ لا يبقى مجال للدعم الاجتماعي فإن التناشز المتولد اجتماعياً يظهر وذلك عندما يكون:

أولا: قوة صلة الجماعة بالرأي أو المعتقد أو القضية، مسألة ذات أهمية.

ثانيا: درجة تماسك الجماعة، ويكون التناشز إذا كان لدى أعضاء الجماعة مستوى عالٍ من التجاذب المتبادل أكبر مما لو لم تكن الجماعة متماسكة بقوة، ويكون التناشز لدى الفرد المشدد بقوة إلى أعضاء الجماعة أكبر من تناشز آخر لا يهتم إلا قليلاً لأعضاء الجماعة.

        ويخض التناشز إما بتغيير رأي ليلاءم رأي الجماعة أو محاولة تغيير آراء أولئك الذين تتناقض وجهات نظرنا مع وجهات نظرهم، وأخيراً نستطيع محاولة إقناع أنفسنا أن أولئك الذين يختلفون معنا هو أناس يختلفون عنا في بعض الأبعاد بحيث لا يوجد أساس ذو معنى لمقارنة وجهتي النظر (شلتز، 1983، ص446).

تعديلات نظرية التناشز:

        من التعديلات المهمة على هذه النظرية ما جاء به (Cohen & Brehm, 1962) إذ أكدا على الالتزام والإرادة في إثارة التناشز. فإذا اتخذ شخص قراراً وكان حراً في نقضه فإن هذا يخلق تناشزاً ويؤدي بالتالي إلى عملية خفض التناشز. أما إذا أجبر على اتخاذ القرار فإن التناشز يكون ضعيفاً. إذ إن التناشز يحدث نظراً لإيمان الشخص بأنه يمتلك سلوكاً إرادياً.

        أما (Brehm & Wicklubd, 1979) فقد كون وجهة نظر شاملة تتفاعل مع النظرية وتتضمن التعديل الضروري وهو أن الفرد يحب أن يشعر بالمسؤولية عند حدوث التناشز نظراً لإدخاله إدراكات غير متوافقة مع ما هو موجود، وهذا يساعد على تحمل حالة التناشز والعمل على تخفيضه.

        وإن (Feastinger) أوجد بعض التعديلات على النظرية الاصلية، فقد افترض أن ما يسبق القرار للشخص هو مواجهة مواقف متصارعة وتكون المعلومة المرتبطة بالقرار قد بحثت وقومت موضوعياً. وبعد القار فقط يكون للشخص خبرة في التناشز ويحاول تقليلها.

        أما في حالة الإذعان للقوة فقد قادت نتائج (Cohen & Brehem) لاستنتاج أن الاختيار والإرادة حالة ضرورية لإثارة التناشز في حالة الإذعان للقوة، إذ لا يمكن أن يذعن الفرد للقوة ويبقى الاعتقاد أن أفعاله تمت بإرادته (Shaw, 1982, p. 221).

        وقد تبنت الباحثة نظرية التناشز المعرفي إطاراً نظريا للإرادة لما فيها من وضوح المفهوم واتساقه مع المتغير الثاني في البحث وهو الخوف، وعليه فإنها بنت أداتها على وفق نظرية التناشز المعرفي.