حداثـــــتنا الشعرية
وسؤال الإبداع
د. كاظم
فاخر حاجم الخفاجي(*)
(خاص
للمعهد)

"إن كل ثقافة أو كل أدب
وفن في عالمنا اليوم يتبع وظيفة معينة وخطا سياسيا معينا، وليس
هناك في الواقع فن من اجل الفن أو فن فوق الطبقات أو فن مقابل
للسياسة أو منفصل منها " ماو تسي تونك
أيمكن لأي تقييم متقص
للنص الشعري المعاصر أن يتوفر له من الموضوعية واستقامة النظرة
نصيب ما ، بغير رؤية واضحة لبنى الثقافة التي ينطلق منها ؟ ان
الموقف الجديد يحمل الشاعر والناقد مثل هذه المسؤولية دون
تردد ..
الإبداع رؤيا لا تأتي من
فراغ، بل من امتداد لا يعرف الحدود: الماضي، الحاضر، المستقبل،
تمثل الماضي، معاناة الحاضر.. والتنبؤ بالمستقبل .. وهو بوصفه
سؤالا . يفتش عن إجابات غير محددة ، تصاحبه المعرفة دوما ،
تنتهي به .. او ينتهي اليها ، لا فرق كبيرا .
الصيغ المختلفة التي يضعها
المبدع أمام (( الآخر)) هي انعكاسات أصيلة تنطلق من إدراك شامل
لعلائق متباعدة أحيانا ، ومتناقضة كثيرا في واقع يأبى أن يعترف
بها ، او يستخلص منها مجرياته يقول غولدمان : (( يتضمن كل عمل
ادبي عظيم رؤية للعالم موحدة ، تنظم جملة معانيه من اجل ان
يكون هذا العمل عظيما حتما فان من الضروري ان تقدر على ان تجد
داخله انواع الوعي بالقيم الاخرى المرفوضة بل والمقصودة من طرف
الرؤية . التي تؤسس وحدة العمل نفسه ))[1]
الوعي هذا يشكل ارتفاعا معجزا فوق معطيات الواقع. بالدرجة التي
يكون فيها انسحابا وارتدادا غير معرف يستمد كل إمكانات ((
الآخر )) المستلبة في ايجاد قيمه ومرتكزاته والعودة بها طروحا
متمايزة . تأصل مغزى عميقا للنص ، يقع بعيدا عن رؤية ( الآخر
) السطحية . فيستغلق عليه ، لينتهي بالرفض والإقصاء . ولكنه
يظل حاضرا وغير ملغى ، يطرح نفسه بأشكال جديدة وبصيغ
متبدلة مع كل محاولة للتمثيل والاستعادة ..
وعلى هذا الاساس فان
الحداثة الشعرية رجعة الى التراث بمعناه العام أي التراث
الإنساني . التجربة التي خلفتها حضارة الانسان متأملة أحيانا
، ومحاكمة ما قدمته ، ناقدة مفكرة أحيانا أخرى فهي رجوع واع
متميز رجوع فيه ابعاد وكشف وطرح جديد ، ابداع بعبارة اصح .
التجربة تصهر وتصاغ صياغة مختلفة تتناسب ونوع العلاقات
الموضوعة المباينة في الزمان للأصول الجامدة تلك التي اوجدتها
ظروفها ومعطياتها السابقة .
الحاضر جزء من الماضي لا
يمكن ان يقدم نفسه ( للآخر ) بغير تصور تام وبغير استرجاع صحيح
، التجربة بحرفيتها غير صالحة ابدا للانطباق على الواقع المعاش
، فليست العلاقة بينهما علاقة مماثلة ، بقدر ما هي علاقة
تمثل وإبداع.. وهنا يبرز التأويل ضرورة لا بد منها لرسم حركة
زمانية مبررة كانت عاملا من عوامل الآن أوصلته لما هو عليه من
تأخر وتدهور .. الأمر الذي يتطلب معرفة معاصرة ، ولِنًقَل
متطورة سابقة لنا ، استخلصنا بوضوح كل معالم تجربتها وحققتها
بصياغات ملائمة .. لا اعني الغرب فقط كما يفهمه الكثيرون من
حداثة الغرب كما لا اعني بالتأكيد القبول والتسليم المطلق بما
تمدنا به الثقافات الغربية من أفكار ومفاهيم لا اعني التبعية
المحدثة ، يجب ان نقف هنا أيضا موقف التأمل والتمثل لتكون
أصالتنا هي الطابع المميز لكل فكر طارئ .. ومن هنا يكون
التعامل مع التراث بشموليته اقترابا من (( الآخر )) وتفاعلا
معه وإضافة لابد منها لشخصيته وأفق فكره..
ومن جهة أخرى ، فان رفض
التصور ذاك أمر مستحيل التحقق لأننا ببساطة غير مخيرين فيه ،
لاننا مشدودون بخيوط فكر آخر ، انتزع منا الاعتراف به .. يقول
ادونيس : (( ان الامبريالية الثقافية تخلخل اليوم جذريا هذه
التلفيقية ، بحيث تقذف بالمجتمع العربي في مفترق حاسم ، لا
يبدو اكثر من ملحق اقتصادي- ثقافي ، بالغرب وعلى الأخص بمركزه
الامبريالي المهيمن - الولايات المتحدة - انه الآن بتعبير آخر،
في مرحلة انشقاق على مستوى الأصل ولئن قدرنا في الماضي ان (
نلغي) او( نعلق) بمعنى ما ، الغرب ، ممثلا باليونان ، فان
الغرب اليوم يقيم في عمق أعماقنا فجميع ما نتداوله اليوم فكريا
وحياتيا يجيئنا من هذا الغرب ))[2]..
اذن فنحن لسنا مخيرين في العودة الى الصحراء، الماضي (
الأنموذج ) والتعامل معه بأمان.. انهم يضعون في ايدينا الغامهم
الموقوتة بعد ان يأخذوا ثمن إبداعها من جيوبنا فنفجرها نحن
بعجزنا عن معرفة اسرارها والتعامل معها لنقتل بها انفسنا
نظريات ومفهومات ومناهج تفكير ومذاهب ادبية ..الرأسمالية
الاشتراكية الديمقراطية الجمهورية الماركسية الشيوعية القومية
.المنطق ، الديالكتيك العقلانية .. الواقعية الرومنطقية الر
مزية السوريالية ..في الوقت الذي يستبعد الجمهور الأعظم –متذوق
الفن خاصة – من أي اتصال بجوهر تلك الافكار او تقارب معها
سواء بربطه الى عملية المكسب اليومي المتواصل الشاق ، الذي
ينقطع اليه ، وسواء بما يذقه المثقف العربي نفسه من حواجز
الغربة بين الثقافة الاجنبية واسرارها وبين تصورات ذلك الجمهور
المتواضع - لانه عاجزاصلا عن استيعاب وفهم ما يتصل به من حداثة
، وبالتالي فهو عاجز عن إفهام (( الآخر )) والوصول اليه ...
إذن فليست المشكلة ثقافة
غربية ، ولا هي كذلك مشكلة مجتمع قديم نعيش في اجوائه اليوم
كما يحاول يوسف الخال تجديدها وتضييقها بقوله : (( هذا التناقض
بين كوننا شكلا في العالم الحديث ، وبين كوننا جوهرا في خارجه
، يضطرنا الى معاناة قضايا مجتمع قديم في عالم حديث ومعاناة
قضايا مجتمع حديث في مجتمع قديم ، ففي التعبير عن معاناتنا تلك
نعرّض أنفسنا لإنتاج أدب يجده القارئ الحديث بعيدا عن قضاياه
ومشكلاته ، وفي التعبير عن معاناتنا الأخرى نعرض أنفسنا لإنتاج
أدب يجده القارئ العربي مستوردا غربيا ))
[3] .. التبرير
هذا تجاوز لأساس الإشكالية التي يعاني منها الشعر الحديث بوصفه
خارج بعدي الزمان والمكان كقضية ومن الخطأ بالتالي النظر إليه
من منظار القديم والجديد الغريب .. الابداع - كما قلنا أولا -
هو تساؤل وهو إعلاء ينتظر القراءة والفعل وليس شكلا منتميا
االى جهة او مشكلة في ذات ذلك الشكل كما انه ليس عرضا على
(الآخر ) ينتظر الموافقة او النفي .. إنها مواجهة فكر غربي ،
النص بوصفه إبداعا متجاوزا لا يمكن التحكم به او تفسيره بدقة ،
ولكن من السهل عزله وبالتالي قتله ، وذلك بإيجاد هوة بينه وبين
( الآخر ) ومن ثم القضاء على كل إدراك جديد لطبيعة الفكر ذاك
ولصيغة الواقع المفروض تصفية الأصوات المعارضة او الداعية الى
التغيير الأصوات التي تقف على حقيقة الموقف والقضاء على الوعي
العميق بطبيعة المخطط وبيد المجتمع الذي يظهر فيه المبدع ذاته
، ومن ناحية ثانية الترويج لكل ثقافة سطحية تعمل بشكل مباشر او
غير مباشر على التمويه وإخفاء اصل المشكلة والانصراف عنها الى
القشور والظواهر فترى مثلا(( ان ثمة ازدواجية لغوية تفصل بين
تفكيرنا وأحاسيسنا وحياتنا ، وإننا نعيش اليوم الحياة اليومية
بلغة ونحس ونعبر بلغة اخرى ))[4]
او (( كنت شديد الحماسة الى عدم التنازل عن التفعيلة ولكن
إيماننا بالحداثة وقبولنا التنازل عن القافية ووحدة السطر قد
يجرنا الى التنازل عن التفعيلة ايضا لان كل مبررات الشعر
الحديث اذا سرنا بها الى النهاية قد توصلنا الى اكتشاف عدم
وجود قواعد ثابتة في الشعر ))
[5] .. ونظل في
احيان كثيرة نواجه النص كنقاد بخواء فكري ، وبفهم سقيم (( ورأى
- حاوي في المجنون احد اعمال جبران - ان فكره ينصب في تيارين
أولهما تحطيم القيم الموروثة في الحضارة والثاني إخفاء الذات
الصغرى وتحقيق الذات الكبرى وهي الله .. ويقول حاوي ان هذين
التيارين يكمل احدهما الآخر لأنهما يهدفان الى تحرير الإنسان
من الأشكال الخارجية التي تستعبده ، ومن القيود الداخلية التي
تستبد به )) [6].
ليس ما تعانيه الحداثة من أشكال يرتكز في اللغة كدخيل على النص
او التفعيلة واللاتفعيلة ولا هي ازمة ذات مجردة تعاني في حالة
انفصال مرضي في واقع متفهم ، انها أزمة تغريب (( الآخر )) عن
النص .. (( ان الشعر اليوم يفتقر الى الأصالة والتحول من
الداخل انه تجاوز وعي الجماهير بشوط طويل ))[7].
إلغاء الآخر وتعطيل دور
النقد كفهم عميق لإشكالية النص وجدلية الخطاب وكوعي لا غنى
للإبداع عنه هو في الواقع تهميش لوظيفة الشعر وإبعاد له ،
فيصير كما يفضل البعض ان ينسبه الى (( الغموض )) او (( الغرابة
)) .. ويبقى شعر قراء محدودين لاشعر جماهير مهما بلغ من
الاتصال والثورية ، اذ لايتوفر في (( الآخر )) ولا يخرجه من
دائرة القول الى الفعل (( ان الشعب الذي يمكن ان يتوجه اليه
الشاعر العربي الثوري في المرحلة الى الحاضرة هو الذي يتكون من
فتات البرجوازية الصغيرة التقدمية وفي طليعتها الطلاب
والمعلمون والمثقفون ، الواقع اذن ان الشاعر الثوري العربي
الحقيقي ليس له جمهور وانما له قراء ))[8]..
وبالنتيجة فلن يكون ما دمنا بعيدين عن أصل المشكلة متوقعا
الخروج من هذه الازمة .. وسوف يظل في النهاية السؤال نفسه
قائما : كيف أوفق بين شق الطريق امام الكلمة لتمارس مفعولها
بين الجماهير بصفتها كلمة ثورية من ناحية وبين متطلبات الشروط
الفنية المتطورة لهذه الكلمة ؟ هل يترتب عليّ لكي لا ينقطع
التفاعل بين شعري وبين الناس ان أعود الى التعبير المباشر ؟ .
نستنتج :
- تخلف (( الآخر )) ثقافيا
سواء كانت الثقافة تقليدية ام عصرية ، في الوقت الذي صار فيه
الشاعر حريصا على إثبات انتمائه الى فكر او ثقافة معينة ، يجد
فيها فلسفته وموقفه من الاشياء ، ثم انه يحاول ان يجعل من النص
المكان الطبيعي للتعبير عنها ..
- لقد حتمت طبيعة المرحلة
وتحدياتها على الشعر ان يخرج من تقليديته البالية ويغير
توجهاته بعيدا عن جذوره الأصيلة في الغالب ،ليمارس صياغات
مغايرة إبداعية على مستويات عديدة ولكنها - أي المرحلة - أبقت
(( الآخر)) في الوقت نفسه بعيدا عن النص .
- انفصال (( الآخر عن بنية
النص وعدم قدرته على التفاعل معها واستنطاقها ، الأمر الذي جعل
الشعر واقعا في اسر الألفاظ الميتة ، دون ان يخرج الى محيط
الفصل ، ليظل في الواقع بعيدا عن اهتمام الجماهير وتوجهاتهم
...
.............................
* تدريسي في كلية الاداب ـ جامعة ذي قار
الهوامش :
.......................
[1] -
ظاهرة الشعر المعاصر ، محمد بنيس 339 .
[2] -
الثابت والمتحول ، ادونيس 3/9 .
[3] -
حداثة السؤال محمد بنيس 144 ، عن الحداثة في الشعر
للخال 60 .
[4] -
الاتجاهات الجديدة / عبد الحميد جيدة 335 ، راي نزار
قباني
[5] -
ادبنا الحديث ريتا عوض 65 راي محمود درويش .
[6] - م.ن
199 من كتاب جبران لحاوي 130 .
[7] -
مقالات في الشعر الجاهلي ، يوسف اليوسف 6 .
[8] -
الشعر في اطار العصر الثوري ، عز الدين اسماعيل 84 ،
النص لادونيس عن زمن الشعر 154.