الحضارية «ثقافة ومجتمع»

الثلاثاء: 07/04/2009

   

المرأة في ظل التشريعات العراقية

(دراسة قانونية مقارنة)

 

                                                                                               د.علاء عزيز حميد الجبوري

 

                                       

 

 تمــهيد

     لم تعد الدراسات التي تبحث التنظيم القانوني لحقوق المرأة والتزامها، مجرد مطلب لبيان حالها وواقعها طبقا للتشريعات المتعاقبة، بل أضحت ضرورة اجتماعية واقتصادية وسياسية لابد منها لتحليل دور المرأة في المجتمع. ذلك أن للمرأة دورا، فعالا وأساسيا في عملية بناء وتطوير نسيج المجتمع،فهي تلك المدرسة اللازمة لأعداد الأجيال التـي تقـود المجتمــع.

     من هنا كان على المشرع المقارن ومنه المشرع العراقي، أن يعمد إلى الاضطلاع  بدوره المطلوب لتنظيم ورسم ملامح النظام القانوني الذي يستوعب شؤون المرأة ويوفر الضمانات الكافية لممارسة حقوقها، وهو بذلك لا يأتي بتنظيم أو تقرير منشئ، وإنما سيكون عمله ذلك كاشفا للنظام الدقيق الذي جاءت به الشرائع السماوية، وبناءا على ذلك فالواجب الملقى على المشرع أن يضع من التشريعات ما يساعد على النهوض بواقع المرأة وتنميته، لهذا فقد برز اهتمام المشرع العراقي ومنذ نشوء الدولة العراقية الحديثة بتدارس هذا الموضوع ومعالجته بقواعد قانونية وتنظيمية متعاقبة كما سنرى، هذا وقد حاولنا في بحثنا لهذا الموضوع الاستفادة من المصادر العلمية المتوفرة رغم ندرتها عموما، وقلة الحديثة منها بوجه خاص، كما أخذنا بنظر الاعتبار المقارنة مع قواعد الشريعة الإسلامية فضلا عن بعض من التشريعات المقارنة. ولغرض الوصول إلى الهدف من هذا البحث فقد تم تقسيمه إلى مبحثين اثنين، يتناول الأول منهما:المفهوم القانوني لحقوق المرأة والتزامها، في حين خصصنا المبحث الآخر لبحث صور الحماية القانونية لحقوق المرأة .

 

الـمبحـث الأول

المفهوم القانوني لحقوق المرأة والتزامها

     تتسم الحقوق الواجبة للمرأة ابتداءً أو تلك التي تكتسبها خلال مراحل حياتها، بأنها حقوقا تقع في عموم حياة المجتمع وتجاربه لا في عرض تحليله، إذ إنها حقوق جوهرية، قد أجبل المجتمع على احترامها ورعايتها وتوفير الحماية لها، من هنا فان مفهوما دقيقا لتلك الحقوق لا يمكن ربطه وتحديده عبر فقرات محدودة وباستخدام وسائل بحثية بسيطة، بيد أننا نؤكد على أصل مفهوم تلك الحقوق سواء ما كان منها متعلق بالحقوق التي فطر الناس عليها والتي لا تقبل السلب أو المكتسبة منها، وتأسيسا على ذلك سيكون بحثنا في هذا المبحث مقسماً إلى مطلبين .

أولهما التعريف بحقوق المرأة والتزاماتها طبقا للتشريع العراقي، وثانيهما يتناول دراسة نطاق تلك الحقوق.  

المطلب الأول : التعريف بحقوق المرأة والتزاماتها طبقاً للتشريع العراقي

       يلاحظ  وبحق، أن الحق بما هو، لا يخرج عن كونه مصلحة ذات قيمة مالية أو معنوية محمية قانونا، وهذا ما تأخذ به اغلب التشريعات المعاصرة بتعريف الحق ومنها التشريع العراقي، بيد أن المسألة التي تثير التساؤل هنا، ويمكن أن تكون مدارا للبحث، تتعلق بماهية الحقوق التي يمكن أن تتمتع بها المرأة، كما يحق التساؤل عن اتساق تعريف الحق المذكور مع مفهوم حقوق المرأة، وما يرتسم لها في الذهن من صورة تنطبع لدى الباحث القانوني، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، هل يتوافق ذلك مع ما ينتزع من مصاديق ذلك المفهوم للحق، سيما وان هذه المصاديق تتغاير بحسب طبيعة تلك الحقوق، ومن سيتأثر بها؟ للإجابة عن هذه التساؤلات لابد أن نستعرض الفقرات التالية وبالتعاقب :-

أولا : أن حقوق المرأة من حيث المبدأ تتباين طبقا لاختلاف الأسس الاجتماعية والفلسفية(الأيدلوجية) للمجتمعات أو بعبارة أخرى يمكن القول أنها تختلف طبقا للمعايير أو الأسس التي تحكم النظم الأسرية وما تتضمنه هذه النظم من قواعد قانونية مكتوبة أو غير مكتوبة، لهذا يذهب بعض من الفقه إلى القول بان حقوق المرأة تنتج من حيث الأصل من الفطرة التي فطر الله سبحانه وتعالى الناس عليها، بحيث يلقي هذا التحليل بظلاله على المشرع لكي يعالج هذا الكيف الفطري لتلك الحقوق وذلك عن طريق إصدار قواعد تضمن احترام وصيانة تلك الحقوق التي تكفلها الشرائع السماوية ابتداءً، ولعل من الطبيعي أن تكون هنالك جهود فكرية عميقة، تحاول الحفاظ على جوهر تلك الحقوق في ذاتها إذ أن الغرض منها لا يشكل في الواقع سوى مصاديق منتزعة سنتطرق إليها في مقام لاحق، من هنا فان ما يكون للمرأة من حقوق وما يترتب عليها من التزامات سيتخذ طابعا أوسع من كونه مصلحة معينة وبالمعنى الضيق، إذ لابد من إضفاء طابع السعة على نطاق تلك الحقوق وبالقدر المنظم فكيف يكون ذلك؟ يتم استيعاب ذلك المعنى الواسع، كما يبدو لنا من خلال تنظيم أحكام معينة لتلك الحقوق بشقيها الفطري والمكتسب، ولعل ذلك من صلب حقوق الإنسان التي لا يستطيع المشرع أن يسلبها(1) . 

ثانيا : يكفي بعض التمعن بان دراسة المصاديق التي يتوافر عليها التشريع العراقي فيما يتعلق بتنظيم حقوق المرأة أو ما يترتب عليها من التزامات، تستدعي أن نبين أن هذا التشريع قد تناول تنظيم مصاديق تلك الحقوق لهذه الشريحة الأساسية من المجتمع سواء على مستوى القانون الخاص أم على مستوى القانون العام كما سنرى، فلابد أن يحرص المشرع مثلا على احترام الحرية التعاقدية للمرأة عندما تدخل في علاقة عقدية مع غيرها، أو ضمان تطبيق نظام استقلال الذمة المالية للزوجة عن زوجها أو حقها في أبرام عقد الزواج عند توافر سائر شروطه أو حقها في التقاضي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى نلاحظ أن غالبية التشريعات المقارنة ومنها العراقية تسعى إلى توفير فرص الترشيح والانتخاب إضافة إلى سائر الحقوق السياسية.

المطلب الثاني : نطاق حقوق المرأة والتزاماتها

       تتسم التشريعات العراقية الصادرة منذ أن أسست الدولة العراقية الحديثة 1921 وإلى الوقت المعاصر، بأنها كانت تأتي على تنظيم حقوق المرأة وما يتعلق بذلك من مفردات. وهذا لا يعني أن تلك التشريعات قد بلغت ذروة التنظيم، كما لا يعني أن كل ما تم تشريعه لهذا الصدد قد تم تطبيقه بشكل سليم. بيد أن التشريعات العراقية قد استقرت– وهو حال اغلب التشريعات العربية على أيراد قواعد لتنظيم شؤون المرأة وأحكامها ضمن مفهوم كلي يتفرع بدوره إلى أجزاء متعددة يمكن أن تنحصر بحسب نطاقها إلى موارد ثلاث :-

أولا: يلاحظ أن المشرع العراقي في القانون المدني النافذ رقم 40 لسنة 1951 يعترف للمرأة بالأهلية الكاملة عند توافر شروطها، وكذا يعترف لها بحرية التعاقد فلا يفرض عليها قيودا في أبرام ما تشاء من التعاقدات في أطار قواعد القانون الخاص باستثناء ما يتعارض مع قواعد النظام العام أو الآداب العامة.

ثانيا: أما في نطاق القانون الخاص ولكن لا في الأحوال العينية (المعاملات)، بل في مجال الأحوال الشخصية، فيتضح لنا بان نطاق حقوقها يتسع ليشمل حقها في الولاية على نفسها في الزواج وكذلك في أمكانية المطالبة بالتفريق عند الشقاق واستحكام الخلافات الزوجية كما يكون لها المطالبة بالنفقة على اختلاف صورها فضلا عما يوفره نظام الأحوال الشخصية لها من حقوق وما يرتبه عليها من التزامات . 

ثالثا: في نطاق القانون العام وعلى وجه التحديد، التشريع الدستوري فيمكن القول بان مجمل الدساتير العراقية منذ صدور القانون الأساسي–الدستور الأول للدولة العراقية الحديثة لعام 1925 وإلى صدور قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية المؤقت مرورا بدساتير الجمهورية، كانت تتضمن حقوقا للمرأة تتجلى في أمكانية الترشيح والانتخاب في العمليات الانتخابية وبدرجات متفاوتة. صفوة الكلام أن أي من الحقوق التي جبلت عليها المرأة بما هي أو تلك التي تكون مكتسبة لابد أن تخضع لتنظيم دقيق يشتمل على قواعد قانونية توضع ضمن نطاق محدد، وهذا بطبيعة الحال عندما تكون تلك الحقوق مستجيبة لإمكانية التنظيم القانوني.

بعبارة أخرى فان حق المرأة العراقية، وسائر بنات نوعها في الحياة أو الحرية أو الكرامة أو فرص العمل أو الزواج وغيرها من الحقوق المدنية والسياسية يجب أن يكون مضمونا ومحميا وذلك عبر تنظيمها بتشريعات محددة لأنها حقوق قابلة للتنظيم. ولعل من المناسب القول أن هنالك التزامات في المقابل تلقى على عاتق المرأة يتوجب أداؤها فعليها مثلا الوفاء بالعقود والالتزامات المترتبة عليها، من جهة، ومن جهة أخرى،احترام ما تعهدت به من وعود أو تعهدات أو اتفاقات ابتدائية ملزمة بطبيعة الحال، وكذا في نطاق الأحوال الشخصية فيجب عليها رعاية الحقوق الزوجية وحسن المعاشرة هذا فضلا عن عدم الإقدام على أي عمل أو امتناع عن عمل يؤدي إلى المساس بالمصلحة العامة.

وتأسيسا على ذلك فإن كثيرا من الأوضاع التي لا يمكن أن تندرج ضمن نطاق أي من تلك الحقوق، لا تكون قابلة للتنظيم. وليس ابلغ في الدلالة على ذلك،عدم إمكانية تنظيم حق للمرأة في عدم تحمل الخسارة في التعاقدات عموما. وينطبق نفس الحكم في عدم ضمان إمكانية تنصلها من المسؤولية الجزائية مثلا أو توفير ضمانات لها على حساب المصلحة العامة للدولة، إذ لا يمكن تنظيم أي وضع يترتب عليه خرق أو مخالفة قواعد النظام العام أو الآداب العامة(2) .

الـمبحـث الثاني

صور الحماية القانونية لحقوق المرأة

   لعل من المناسب القول أن الظروف القاسية التي تحيط بالمرأة، من جهة، والنظرة إلى طبيعة ما يترتب لها أو عليها في مواجهة الطرف الآخر ’’الرجل‘‘، من جهة أخرى، كان له الأثر البالغ في تبني سياسات مجحفة تجاهها وتكريس تبعيتها للرجل، وعدم اختصاصها بنظام يكفل لها قدرا من الحقوق الضرورية سواء ما كان منها لصيق بشخصها أم كان عارضا عليها . فلم يكن هنالك نظام واضح للزواج وتكوين الأسرة ومن ثم تنظيم العلاقات الأسرية. إذ أن ما كان يحكم تلك العلاقات في الحقب الزمنية الموغلة في القدم لا يخرج عن كونه أنظمة بدائية لا تكاد توفر أي صور لحماية حقوقها. لعل من أبرزها الأسرة الأمية(Martriarcat) وفيه تكون ألام بمثابة رب الأسرة   فهي صاحبة سلطة التدبير، ثم ما لبث أن تبع ذلك نظام سلـطة الأب (Partriarcat) (3). بيد أن هذا الوضع القانوني للمرأة لم يلبث أن أصبح موضع التهذيب والتشذيب عن طريق الرسالات والأديان السماوية، وتبعا لذلك فقد أخذت معظم التشريعات المقارنة دورها في معالجة ذلك الحال(4). ومن خلال الفقرات التالية نستعرض اهم ماتصدت له التشريعات العراقية من معالجات بهذا الصدد.

المطلب الأول : الحماية القانونية بموجب التشريعات المدنية والتجارية

      يلاحظ وبحق ، أن تشريعنا المدني النافذ رقم 40 لسنة 1951 وما سبقه من أحكام المجلة العدلية، يعترف للمرأة بالأهلية المطلوبة لإبرام مختلف الصفقات المالية على اعتبارها أهلا لذلك سيما وان المشرع يقر بذمتها المالية المستقلة لثبوت شخصيتها واحترام مركزها أمام القانون. من هنا فان الأصل أن تكون هذه الشخصية كاملة الأهلية ما لم يعتريها عارض من عوارض الأهلية التي بينها المشرع العراقي، بحيث قد تسلب هذه الأهلية أو تتقيد بحسب الأحوال سواء كان الشخص الطبيعي ذكرا أم أنثى. ويتمثل ذلك بالحجر على الشخص لذاته أو لغيره بحسب ما تنص عليه أحكام المادة/93 مدني عراقي(5).

      وهذا بدوره يثير جملة من التساؤلات، من أبرزها ما هي صورة الحماية المتوافرة عند الإقرار بثبوت الأهلية للمرأة في التشريعات العراقية؟ للإجابة عن هذا التساؤل نقول: تعد قواعد الأهلية والتمتع بها من النظام العام، لذا فلا يمكن الاتفاق على خلافها،إذ لا يمكن سلبها وتوسيعها بالاتفاق.

     عليه فان من يدعي أن شخصا ما ناقص الأهلية وعديمها، فانه  وحده من يتحمل عبئ الإثبات طبقا لما يأخذ به المشرع العراقي في قانون الإثبات المرقم 107 لسنة 1979. من جانب أخر لابد من القول أن المرأة على اعتبارها طرفا، قد تتصرف أصالة أو نيابة عن غيرها سواء كانت النيابة قانونية أو اتفاقية أو قضائية بحسب الأحوال.

      من هنا فقد أولى المشرع العراقي المرأة ثقة عالية لإدارة الأموال سيما للقاصرين لصغر أو لغيره، محيطا إياها بنظام دقيق لحمايتها هو نظام رعاية القاصرين طبقا لقانونه النافذ المرقم 78 لسنة 1980، هذا ولا يخفى أن ما يثبته المشرع في التشريعات التجارية المتعاقبة للمرأة من تمتع بحقوقها لا يقل أهمية عن ما بينه المشرع المدني، سواء على صعيد استقلال نظامها المالي رغم زواجها وهو بخلاف ما عليه الحال في الدول الانكلوسكسونية وعلى وجه التحديد النظام المالي البريطاني الذي يتصف بكونه يأخذ بالنظام المزدوج وفقدان المرأة لشخصيتها المالية المستقلة بل وحتى اسمها لصالح زوجها بحيث لا يعود لها بعد ذاك أن تتصرف تجاريا أو حتى مدنيا ألا بأذن زوجها.

      في حين أن المشرع العراقي في التشريعات التجارية الملغاة يثبت المساواة بين الرجل و المرأة كصورة من صور الحماية وضمانة لحقوق المرأة في أمكانية تمتعها بصفة (تاجره). ومن هذه التشريعات قانون التجارة رقم 60 لسنة 1943 المعدل وذلك في المادة الخامسة منه وكذلك القانون الملغى رقم 149 لسنة1970 في المادة/9 منه، تجدر الإشارة إلى أن الحماية تنسحب على المرأة ولو كانت أجنبية عند رغبتها في مزاولة الأعمال التجارية(6).

     وتنطبق هذه الأحكام مع ما ورد في قانون التجارة النافذ رقم 30 لسنة 1984 الذي بين بدوره شروط اكتساب صفة التاجر، ولم يقصرها على الرجل فقط. وفي ضوء ذلك فان المرأة ستتحمل مسؤوليتها الكاملة مدنية أو جزائية،  هذا وان جانبا من الفقه القانوني يذهب إلى عدم الاعتراف للمرأة بهذه الحقوق، وأنها لا تستطيع أن تواجه صعوبات وعراقيل النشاط التجاري.

    بيد انه اتجاه لم يجد له تأييدا على مستوى فقه القانون التجاري فضلا عن فقه القانون المدني، هذا ولا بد من استكمال البحث في هذا المورد من خلال التعرض إلى موقف تشريعات الأحوال الشخصية العراقية سواء كان القانون النافذ والمرقم 188 لسنة 1959 أو التعديلات الواردة عليه والتي استمد البعض منها أسسه من مبادئ الشريعة الإسلامية والآخر مما استقر عليه قضاء محكمة التمييز لدينا، وأياً كان الأمر فقد كرس القانون المذكور هذه الحماية من خلال النص على عدة محاور من أبرزها :-

     اشتراط ضرورة تمتع الزوجان بالأهلية اللازمة لإبرام عقد الزواج من حيث المبدأ ، بحيث يكتمل النضج العقلي والبدني لديهما وهو ما تقضي به المادة 17 من القانون المذكور، وما تشترطه شريعتنا الإسلامية بطبيعة الحال.

     بيد أن المشرع اكتنف هذه الجزئية من نظام الحماية بتفصيل أكثر إذ يبين بان التقاليد والأعراف الاجتماعية في المجتمع العراقي قد يفرض حالات من الزواج لمن هن دون السن القانونية المنصوص عليها في المادة 8 من القانون وهو أكمال سن الثامنة عشر من العمر، فأجاز أمكانية تصديق الزواج إذا وقع فعلا خارج المحكمة أو إبرامه لأول مرة بموافقة الولي لمن أكمل الخامسة عشر ذكرا كان أم أنثى. والمحكمة تمضي في هذا الأمر بعد التثبت من القيام بالإجراءات الاحترازية كافة من أي ضرر يلحق الطرفين فضلا عن ضرورة اخذ إذن الولي. ذلك أن موافقته معتبرة في هذا الصدد شرعا وقانونا(7)، من جانب أخر، فقد تواترت على هذا التشريع تعديلات عدة تضمنت في الواقع توفير نوعا من الحماية للمخاطب بها ألا وهي المرأة باعتبارها زوجة أو غيرها ومن ذلك ما يأتي :-

§  الاعتراف لها بحقها في المطالبة بالتفريق للضرر أو لغيره من الخلافات المستحكمة فالضرر تبعا لذلك قد يكون إراديا أو غير إرادي  كالإصابة ببعض الإمراض التي تجيز طلب التفريق(8) .

§  تحريم وتجريم ما يعرف اليوم بالنهوة أو حرمان المرأة من اختيار الزوج الذي تقترن به فلا يحق لأي شخص من الأقارب منعها من الزواج عند توافر شروطه ويعد ذلك المنع جريمة يعاقب عليها القانون .

§   تنظيم قواعد تفصيلية تضمن للمرأة حقها في النفقة ماضية كانت أو مستمرة لها ولأطفالها وكذلك المهر سواء كان مسمى أو مهر المثل. فضلا عن ضمان حضانتها للأطفال بعد التفريق بحيث لا يؤثر في ذلك زواجها من رجل أخر، على أن تتوافر فيها سائر شروط الحضانة المنصوص عليها قانونا.

المطلب الثاني : الحماية القانونية بموجب تشريعات القانون العام

      تنحصر دراستنا في هذا المطلب بالتشريعات الدستورية والعقابية من القانون العام. فنقول أن مختلف الدساتير المتعاقبة ومنذ صدور القانون الأساسي عام 1925 ودساتير الجمهورية لعام 1958 وإلى دساتير 1964 و 1968 وحتى دستور 1970 الملغى فقد كانت تتبنى بعضا من الخطوط العريضة للمرأة سيما ما يتعلق بالمساواة من حيث المبدأ وحقوق التقاضي وتكافؤ فرص العمل وحقوق الترشيح والانتخاب وغيرها ألا أن تلك القواعد الدستورية لم تكن أفضل حال من غيرها من القواعد المتعلقة بالمخاطبين بها ومنهم المرأة وذلك لعدم وجود المتابعة والتطبيق السليم لتلك القواعد كما سنرى. آما اليوم وبعد صدور قانون الدولة للمرحلة الانتقالية فانه وان اقر بكثير من الحقوق الأساسية ألا انه يظل قانونا مؤقتا. لذا فلا بد من توجيه الأنظار إلى الدستور الدائم للعمل على تضمينه مبادئ توفر صيانة كرامة المرأة بما حبتها الشرائع السماوية من رعاية وحماية .

     أما في ما يتعلق بالتشريعات العقابية، فنود أن نبين هنا، انه ومنذ صدور قانون العقوبات البغدادي الملغى وحتى صدور قانون العقوبات النافذ رقم (111) لسنة 1969، لم تمكن قواعد الأخير على وجه التحديد من تحقيق المساواة أمامه بشكل سليم بين الرجل والمرأة في التعامل في كثير من الأحوال ومنها على سبيل المثال حالة تنظيم زنا الزوجية وكيف انه يعامل المرأة بشكل يختلف عما عليه الحال مع الرجل. فالقانون يعاقب الزوجة على تلك الجريمة في أي صورة وحيثما وجدت، في حين أن مسائلة الرجل عنها لا تكون ألا إذا ارتكبت في بيت الزوجية، وإذا كانت معاقبة المرأة عند تلبسها بالزنى ثابتة، وان قتلها تبعا لذلك يعد عذرا مخففا لزوجها القاتل. فان الأمر ليس كذلك للزوج(9)، ولو كان محصنا، وهنا تمييزا بلا مائز وبلا مبرر شرعي أو قانوني. إذ لا بد من ضرورة التزام الطرفين الرجل والمرأة بقواعد القانون وأحكام الدين والأخلاق، فان وقع خرق منهما أو احدهما، فلا بد أن تكون المسائلة في مواجهتهما بشكل متساوٍ. بيد أن قانون العقوبات المذكور يكاد أن يكون الوحيد من التشريعات الجزائية العربية الذي ينص على أن علاقة المرأة المتزوجة بزوجها من حيث حقه بالتأديب مثلا، أنما هو مقيد بضمانات لصالح الزوجة تتمثل بما يأتي :-

أولا : أن يكون ذلك بما هو مقرر شرعا وقانونا.

ثانيا : أن يستعمل ذلك الحق على أساس كونه سببا من أسباب الإباحة .

ثالثـا: أن يكون هنالك افتراض حسن النية عند تطبيق هذا الحق والتمسك به.

      هذا ولابد لنا من الإشارة إلى أن القانون العقابي العراقي، يساوي في مسألة تحمل  المسؤولية الجزائية في سائر الجرائم المنصوص عليها في القسم الخاص منه بين النوعين، بحيث يكون مدار تحمل المسؤولية توافر الأركان المعروفة من خطأ وضرر وعلاقة سببية بينهما.

     أما فيما يتعلق بالتشريعات المختلطة وموقفها من قضايا وشؤون المرأة. فأبتداءا نقول، أن البعض من الفقه يذهب إلى إن هنالك تشريعات ذات طبيعة قانونية مزدوجة، فهي من جانب تتوافر على خصائص من القانون الخاص، فيستلزم أن تكون ، تبعا لذلك، قوانين خاصة. في حين أنها تتضمن مبادئ وقواعد من القانون العام. ولهذا ودفعا لهذا النزاع بين الطائفيتين، فقد اصطلح الفقه عليها بالتشريعات المختلطة (MIXTE).

ولعل من أبرزها قوانين العمل والضمان الاجتماعي. فقد تعاقبت التشريعات العمالية لدينا على تنظيم ومعالجة واقع المرأة العاملة باعتبارها عنصر فعال في مجمل العلاقات العمالية سواء كانت الجماعية منها أم الفردية. إذ تضمن التشريع الصادر 1958 بالرقم(1) أربعة عشر فصلا، يمكن ردها من حيث المضمون إلى قواعد تنظيم طبيعة أشخاص العمل، وساعاته، والأجور اللازمة لذلك، فضلا عن صور حل النزاعات ومنها التحكيم، والتعويض عن إصابات العمل، ثم تم تعديل ذلك القانون مرات عدة لعل من أهمها التعديل المرقم 53 لسنة 1963، الذي عالج مواضيع انقضاء علاقات العمل للعمال رجالا ونساءاً، وطبيعة عمل النقابات، فقد كان من المفترض أن تؤدي دورها في توفير قدرا من الحماية للعمال بما هم. ثم تلا ذلك صدور القانون المرقم 101 لسنة 1964، والذي اختار مبدأ مساهمة العمال و العاملات في أرباح الشركات والمشاريع الصناعية. وهكذا استمرت تلك التعديلات حتى صدور قانون العمل رقم 151 لسنة 1970، ومن ثم صدر القانون رقم 71 لسنة 1987 النافذ، الذي كان يهدف من خلال بنوده وفقراته إلى ضمان حق العمل والتدريب والأجر والتنظيم النقابي ومعالجة وضع المرأة، على التحديد، لاسيما تقييد أعمال المرأة ليلا أو في الأعمال الشاقة التي لا تتناسب وطبيعتها الفسيولوجية(10).

     بيد أن استقراءا للأحداث التي مر بها بلدنا في الثمانينات والتسعينات، يبين بان تلك المعالجة لم تكن بالمستوى الفعال من حيث التطبـيق، فقد كانت حياة المرأة العاملة شاقة بحيث تفرض عليها ساعات عمل أضافية أو أعمال لا تتناسب و طبيعتها ولا خيار لها لأنها قد تعيل عائلة فتعتمد عليها في معيشتها .

     من جانب أخر، فان قواعد الضمان أو التأمين الاجتماعي في الواقع العمالي العراقي وعلى وجه التحديد، فيما يتعلق بالمرأة، يمكن أن يرد بحسب السياسة التشريعية إلى مرحلتين:-

أولها: مرحلة صدور القانون المرقم 27 لسنة 1956 الملغى بالقانون المرقم 140 لسنة 1964 بما أرفق به من مذكرة إيضاحية. وحتى أن تم نقل أحكام هذا الأخير على علاته إلى القانون المرقم 112لسنة1969. ذلك أن هذه التشريعات لم تعمل على تطوير واقع ضمان المرأة العاملة وتنظيم حقوقها في هذا المجال، سوى بيان شروط معينة وردت فيها جميعا لدفع إعانات بسيطة عند حدوث إصابة العمل لاسيما ما تشترطه من ضرورة سبق دفع الاشتراكات وبعدد معين .

وثانيها: صدور قانون التقاعد والضمان الاجتماعي رقم 39 لسنة 1971 الذي تبنى إمكانية دفع العاملة لاشتراكها على أساس نسبة من الأجر، مع القدرة على التسديد مباشرة إلى مؤسسة الضمان الاجتماعي هذا وقد وسع هذا القانون من نطاقه من حيث الأشخاص. ذلك انه أشتمل على اغلب الفئات المستثناة بموجب التشريع الملغى ومنها مثلا العمال في الأعمال العرضية أو الطارئة أو الزراعية أو تربية المواشي. أما من حيث الموضوع فقد نظم الوسائل القانونية اللازمة لتوفير الحماية والأمان للمرأة وذلك في حالات ومنها ما تستحقه من أجور وتعويضات عن الأمراض المهنية فضلا عن سائر إصابات العمل بيد أن المشرع رغم ما فرضه للمرأة من ضمانات ومزايا في تلك الحالات فقد نظم حالة الحمل والولادة وكذلك نص على مزايا عينية او نقدية(11)، إلا أن استقراءا بسيطا لتطبيقات محكمة العمل في مختلف محافظات القطر يبين لنا أن تلك القواعد لم تجد لها صدى واسعا في التطبيق، إذ لا تتواجد منازعات تذكر بشأن تطبيق قواعد الضمان المذكورة. لذا فلا بد من التأكيد على تشكيل لجان متخصصة لمتابعة شؤون استحقاق الضمان وآلية العمل بموجب قواعد القانون بحيث تصدر لوائح تنظيمية بهذا الشأن.على أن تكون تلك الأعمال قابلة للرقابة القضائية لما في ذلك من دقة في سلامة تطبيق قانون الضمان حماية لحقوق العمال من كلا الجنسين المضمونين.

النتائج والمقترحات :

تبين من خلال هذا البحث مجموعة من النتائج التي تم التوصل إليها وهي :

1. يثير موضوع حقوق والتزامات المرأة إشكالات وتساؤلات من جهة أن النظام القانوني الذي يراد له أن يحيط بشؤونها تلك  انه نظام مرن قد يتسع أو يضيق نطاقه بحسب الأحوال .

2. قد حاولت بعض من التشريعات مواكبة تطورات الحياة وتعقيداتها ومدى تأثيرها على حياة المرأة سواءً على صعيد فروع القانون العام أم الخاص أم المختلط .

3. أهمل المشرع في سياسته التشريعية المختصة بالمركز القانوني للمرأة جانب أساسي في معالجتها وهو الجانب التطبيقي الإجرائي السليم فضلا عن أن تلك القواعد القانونية جاءت في مجموعها عن إدراك الهدف المنشود في تفصيل دور المرأة داخل المجتمع العراقي.

ووفقا لما توصل إليه البحث نقترح الآتي:

1. تبني سياسة تشريعية، يمتزج بها الجانب النظري مع الجانب العملي التطبيقي وذلك بوضع قواعد قانونية وتنظيمية تكفل ذلك .

2. وتبعا لذلك لابد من اختيار حلول اللجان المتخصصة بمتابعة تطبيق تلك القواعد والأعلام عنها بشكل دوري وذلك عبر تقارير مفصلة تعرض على البرلمان (الجمعية الوطنية) طبقا لجداول زمنية محددة سلفا .

3. إعداد كوادر فنية وإدارية متخصصة بتفصيل دور تلك اللجان .

4. ضرورة أن يضطلع القضاء العراقي بدور أساسي لحل النزاعات التي قد تثار بشأن تفسير وتطبيق قواعد القانون. وذلك بما يحال إليه من البرلمان وفي ضوء ما تقدمه اللجان المذكورة لمعالجة مشاكل أو منازعات قد تثور بصدد تطبيق القانون. لذا فتكون اللجان ملزمة بعرض تلك المنازعات على القضاء بعد اخذ رأي الهيئات البرلمانية المختصة.  

 

................
(*) تدريسي/ كلية الإدارة والاقتصاد / جامعة كربلاء

 

 

هوامش :
............................

 (1) مرتضى المطهري، نظام حقوق المرأة، الدار الإسلامية، بيروت، ط2،1991 ،ص9 . 

(2) د. عبد المجيد الحكيم وعبد الباقي البكري ومحمد طه البشير مصادر الالتزام ج1  بغداد 1986 ص21

(3) د. هاشم الحافظ تاريخ القانون، مطبعة أبرهان ، بغداد ، 1964. ص17

(4) عصام ماجد زايد الحموري. الحماية القانونية للطفل العامل والمرأة العاملة في قانون العمل الأردني. جامعة اليرموك الأردن 2001 ، ص23

 (5) انظر كذلك المادة/109 مدني مصري والمادة/110 مدني سوري والمادة /109 مدني ليبي وكلها مطابقة.

 (6) انظر المواد/ 10 و 15 و16 من قانون التجارة الملغى رقم 149 لسنة 1970 .

 (7) لمزيد من التفصيل انظر المادتين 7/1/2 و 8/1/2 وانظر كذلك السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي الاحكام الشرعية دار العلم النجف الاشرف 1410هـ كتاب النكاح. وكذا السيد صادق الحسيني الشيرازي المسائل الإسلامية المنتخبة. دار صادق للطباعة والنشر. ط25 . 1424هـ - 2003 م . ص387 وكذلك انظر السيد محمد محمد صادق الصدر. الصراط القويم . ط5 . 1424هـ - 2003م. ص178 وكذلك انظر د. حسن ريان. حقوق المرأة في قانون الاحوال الشخصية الاردني. جامعة عمان.2001 ص4 – 5 .

 (8) لمزيد من التفصيل انظر الأستاذ الدكتور مصطفى ايراهيم الزلمي . مدى سلطان الارادة في الطلاق. ج2. 1984 جامعة بغداد، ص245 .

 (9) لمزيد من التفصيل انظر: د.ضاري خليل حمود.تفاوت الحماية الجنائية بين المرأة والرجل. بغداد 1990 ص18 – 19 .

 (10) د. عدنان العابد ود. يوسف الياس. قانون العمل. بغداد 1989 ص110

 (11)  المصدر نفسه . ص ص94 – 95.

 ....................
المصدر : مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية  http://fcdrs.com/derasat/almra2.htm