الحضارية «ثقافة ومجتمع»

الأحـد: 05/04/2009

   

العوامل الاجتماعية لارتكاب جريمة الرشوة عند بعض الموظفين الحكوميين" /2

إعداد : م.د. زينب هاشم عبود(*)
(خاص للمعهد)

 

المبحث الثالث : العوامل الاجتماعية لارتكاب جريمة الرشوة       

أولاً : العوامل الاجتماعية والنفسية :

1- الأسرة :

إن الاهتمام بالعوامل الاسرية وعلاقتها بالجريمة امتداد للافكار التي نظرت إلى الجريمة كظاهرة اجتماعية فقد افضى اصحاب النظريات الاجتماعية أهمية كبيرة على الدور الذي تمارسه الاسرة على اعضائها في تمثيلهم للقيم الاجتماعية أو انحرافهم عنها بوصفها الجماعة الأولى التي تقوم بعميلة التنشئة الاجتماعية ، ففي الاسرة وفي اثناء السنين الأولى لحياة الطفل ترسي القواعد الاساسية لانماط الشعور والتفكير والقيم الاخلاقية والمعايير الاجتماعية التي تكون ذات شبه ابدي في حياة الفرد في المستقبل(18) .

فعن طريق الاسرة واسلوبها التربوي يكتسب الطفل القيم اللازمة لبناء شخصيته ، وعملية تكوين القيم لدى الناشئ في الاسرة هي في حقيقتها عملية تكوين لضميره أو ذاته العليا ، ويصبح هذا الضمير جهازاً نفسياً يحاسب الفرد افعاله وتصرفاته ، والمثال التالي يوضح المقصود بالضمير ( الطفل الذي يمنعه ابوه عن أخذ شيء لا يخصه بقصد تحقيق وغرس قيمة الامانة في نفس الطفل وذلك عن طريق اساليب الاثابة أو العقاب ، هذا الطفل يمنع نفسه مختاراً في المستقبل عن أخذ شيء لا يخصه مهما كان هذا الشيء مغرياً وجذاباً )، ومعنى ذلك أن القيم والنواهي والاحكام التي فرضها الوالدين على الطفل يفرضها هو بدوره على نفسه فيما بعد(19) .

فخبرات الطفولة المبكرة وما يتعرض له الطفل من احداث وصدمات انفعالية تترك في نفسه اثاراً تبقى إلى عهد الكبر ، وتنعكس آثارها على علاقته بنفسه من ناحية ، وعلى علاقته بغيره من الأشياء والناس والقانون والعرف والتقاليد وغير ذلك مما يحيط به في البيئة من ناحية أخرى ، وبذلك يكون اثر الأسرة في الفرد نافذاً قوياً وباقياً في تكوين شخصيته ، وفي توجهها إلى الحلال والحرام ، إلى الصواب أو الخطأ ، إلى السلوك السوي أو الشاذ وفقاً للقيم وأنماط السلوك والمعايير التي تنشا عليها ، ولهذا كانت الأسرة مجالاً مهماً في تحديد سلوك الفرد الاجتماعي ، وذلك لعمق التاثير الذي تتركه في شخصية الفرد ، وبقاء هذا التأثير فترة طويلة ، ويرجع ذلك إلى أنها تستقبل الطفل وهو بعده لوح حساس فتترك به المؤثرات بصمات عميقة وواضحة لأنها لم تسبق بمؤثرات أخرى وتعارضها أو تضعف من أثرها .

ومن هنا يتضح اثر الأسرة في سلوك الفرد الاجتماعية ، فمن المحتمل ان تكامل الأسرة البنائي والوظيفي يؤدي إلى تنشئة الفرد تنشئة سليمة واكتسابه القيم الاجتماعية بحيث تحدد هذهِ القيم اتجاهاته نحو رفض كل ما لا تقره هذهِ القيم من سلوك جانح كالرشوة مثلاً ، ومن المحتمل أيضا ان يؤدي تفكك الأسرة والتنشئة الاجتماعية الخاطئة إلى عكس النتيجة السابقة .

2- ضعف الوازع الديني :-

من الاسباب التي بحثت في اسباب الاجرام نظرية تمثل مدرسة فكرية خاصة تفتش عن سبب الاجرام في نقص الشعور الديني وهذهِ المدرسة تسمى بـ( المدرسة الدينية أو الروحانية ) ، وينتمي إلى هذهِ المدرسة ( فون اوتنكن) ، والدين يبرز في مقدمة البيئة الاجتماعية ، وهو أيضا العنصر الجوهري في التنشئة الاجتماعية للافراد ، والحصن المنيع الذي يعصمهم من ارتكاب الاثم والخطيئة ، ويحول بالتالي دون قيام السلوك المنحرف ، فيقاوم الدين الدوافع الاجرامية ، ويقلل من النسبة العامة للجرائم ، لان العقائد الدينية وما تنطوي عليه من اوامر ونواه ، تجعل من يفكر في الاقدام على الجريمة ينفر منها وينصرف عنها(20) .

فما لا شك فيه ان الدين الاسلامي حرم جريمة الرشوة ، وجريمة الرشوة خرق الاصول الدينية والاخلاقية ، لذاك يمكن القول بأن كل نقص في التربية الدينية يؤدي إلى انتشار الرشوة والعكس صحيح ذلك لان الاعتقاد يصرف النظر عن اصوله الخلقية وازع قوي مرجعه خوف العقاب ونشدان الثواب .

ومن الجدير بالاشارة هنا التفريق بين الايمان الحقيقي بالقيم الدينية وبين مجرد التظاهر بالدين ، ومعنى ذلك ان التظاهر بالشعائر الدينية لا يعني ان الشخص مؤمن حقيقي ، فيجوز ان يؤدي الشعائر الدينية ولكنه لايلزم نفسه عن اداء  الشر ، فمجرد التدين لا يمنع الشخص من ارتكاب الاجرام ، وانما يشترط لذلك ان يكون الشخص متدين حقيقياً ومؤمناً صادقاً ، ليظهر اثر ذلك الايمان في سلوكه سلبا وايجاباً ، أي انه يمتنع عن سلوك الشر ويندفع نحو الخير من تلقاء نفسه فيسعى إليه طائعاً .

3- التقاليد والعادات :-

لا ريب ان التقاليد الضارة والعادات غير السوية تلعب دوراً فعالاً في توجيه ارادات الأفراد نحو صور متعددة من السلوك الاجرامي الذي قد لا تجدي في مكافحته اجراءات الامن المألوفة ، لأنها تستولي على مشاعر الأفراد وتوجه تصرفاتهم بسلطان قد يكون اقوى من سلطان النصوص الوضعية ، حتى لو اقترنت مخالفة هذهِ النصوص بعقوبات جسمية .

      واستناداً على ما تقدم فقد حاول بعض الباحثين الوصول إلى معرفة تأثير بعض التقاليد في دفع الفرد إلى ارتكاب جريمة الرشوة ، فمن خلال دراسته للرشوة في الدول النامية استنتج الاستاذ ( ميردال) ان طبيعة التقاليد والعادات التي نشأ عليها الموظفون في تلك الدول والتي تعد قبول الهدايا امراً طبيعياً تسهل تداخل فكرة الرشوة بالهدية .

فيؤدي تعاظم وقوة التقاليد والقيم الاجتماعية والعلاقات الاسرية والقبلية إلى جعل الرشوة حقيقة من حقائق الحياة في العديد من الدول النامية ، كأمتداد لتقاليد تقديم الهدايا ومن الأمور المألوفة في الحياة الاجتماعية في تلك الدول تقديم هدية أو (أكرامية) لأي شخص يؤدي خدمة كوسيلة معترف بها لأظهار الامتنان ، خاصة إذا كان ذلك يحتل درجة اعلى في الترتيب الاجتماعي من متلقي الخدمة ، ومن هنا نجد في العديد من الدول ان الفرد قد لا يمكنه الحصول على اية خدمة من الاجهزة والدوائر الحكومية دون تقديم (رشوة) ، وبهذا الخصوص يقول (مارشال كلينارد) انه طبقاً للتقاليد في تلك الدول فأن منح الهدايا والمكافئات للموظفين ليس مفبولاً فحسب بل مشجعاً أيضا ، وان الموظف الحكومي يتوجب عليه قبول الهدية كنوع من العرفان بالجميل وانه إذا يرفض الهدية يعد مريضاً(21) .

والرشوة في مجتمعنا أيضا تختلط لدى البعض بسبب التقاليد والعادات بالهدية ، مما يخفف من وطأة الرفض الاجتماعي لها من لدن الموظف على الرغم من ان الفارق نوعي وكبير بين العطية في الرشوة والهدية بالمدلول الاجتماعي المتعارف عليه في مجتمعنا ، فالعطية التي تقدم إلى الموظف مقابل شيء يرتبط بوظيفته ويؤدي إلى الاخلال بواجباتها تعد رشوة ، في حين ان الهدية كتقليد أو عرف اجتماعي متعارف عليه في المجتمع ليس له مقابل(بالمعنى المادي أو التجاري) ، أو كونها تقدم بدون أي علاقة بالوظيفة أو واجباتها .

4- التغير الاجتماعي :

إن التغير الاجتماعي يعني في احدى معانيه تحولاً في انماط السلوك الاساسية من جيل لآخر ، ويصاحب التغير الاجتماعي العديد من المشكلات الاجتماعية ومنها الرشوة ، وذلك نظراً لسرعة تغير السلوك بشكل يفوق سرعة تغير القيم الاجتماعية المحددة لهذا السلوك ، وبذلك يسلك الفرد سلوكاً لا تجيزه القيم والتقاليد نظراً لارتباط السلوك بالقيم الاجتماعية التي تحدده وتعطيه معناه ، والسبب في التفاوت القائم بين السلوك والقيم الاجتماعية ما يبدو من اتجاه الأفراد محافظاً نحو هذه القيم ، وترحيبهم بالتغيرات التي تحدث في الميدان المادي ، وعلى هذا فقد يستدعي التغير الاجتماعي ان تحدث الظروف التي تستدعي الرشوة كسلوك اجتماعي على نطاق واسع ، على الرغم من بقاء القيم الاجتماعية التي تعد الرشوة سلوكاً غير اجتماعي مما يؤدي إلى نشاة مشكلة اجتماعية .

5- التفاوت بين التطلعات والفرص المتاحة لتحقيقها :-

لقد اشار روبرت ميرتون إلى وجود ارتباط بين التفاوت الشخصي والتفاوت البنائي وبين السلوك الاجرامي ، حيث ان التفاوت يشير إلى التفاوت بين التطلعات الشخصية والامكانيات المتاحة لتحقيق تلك التطلعات أما التفاوت فيشير إلى التفاوت بين العنصرين الاساسيين للبناء الاجتماعي وهما الأهداف والوسائل المنظمة لتحقيقها . 

      و بخصوص التفاوت بين التطلعات والفرص المتاحة لتحقيقها يقول روبرت ميرتون ان الشخص عندما تزيد تطلعاته عن الفرص المتاحة له لتحقيق هذه التطلعات فانه يضطر للانحراف استجابة لالحاح تلك التطلعات فعند اتساع دائرة تطلعات الموظفين مع محدودية الفرص المتاحة لهم لتحقيق تلك التطلعات ، فأن هذا الامر يدفع بعضهم للاستعانة بالوسائل غير المشروعة مثل الرشوة لتوفير فرص التقدم والترقي والحصول على المكافئات أو المال اللازم لاشباع تطلعاتهم ، سواء اكان ذلك داخل التنظيمات ام في دائرة علاقاتهم بالقطاع الخاص ، ومصالح الجماهير(22) .

      كما أن التفاوت بين الأهداف والوسائل المشروعة لتحقيقها في الوقت الذي تكون فيه الأهداف العامة متمايزة عن الأهداف الخاصة ، يدفع ببعض الأفراد للاستعانة بالوسائل غير المشروعة مثل الرشوة والاختلاس والغش ... ألخ . لتحقيق اهدافهم الخاصة .

6- الاغتراب :-

لقد اشار د. علي شتا إلى ان هناك علاقة بين الاغتراب بانواعه المختلفة (الاقتصادي ، والبيروقراطي ، والاجتماعي ، والشخصي) وارتكاب جريمة الرشوة(23) .

فبالنسبة للأغتراب الاقتصادي والرشوة ، يقول حينما يشعر العاملون بانهم لا يستفيدون من نتاج عملهم بالقدر الكافي ، فانهم يلجأون إلى الرشوة والاختلاس لاسترجاع حقوقهم التي يعتقدون أنها مغتصبة منهم . وعن الاغتراب البيروقراطي والرشوة ، إن طبيعة هذا البناء وسيطرة الروتين فيه ، وتعقد الاجراءات المتعلقة بمصالح الأفراد المتعاملين مع الجهاز البيروقراطي ، كل ذلك يضطرهم إلى تقديم الرشاوي من اجل تسهيل الاجراءات المتعلقة بمصالحهم ، أو سعياً للحصول على عطاءات التنظيم البيروقراطي .

نظراً للتفاوت بين الشخصية الادائية الملائمة لطبيعة التنظيم الاداري الحديث في المؤسسات البيروقراطية الواسعة ، والشخصية التقليدية للقائمين بشؤون الادارة في تلك التنظيمات ، حيث يؤكدون على العلاقات الشخصية والتصرفات التقليدية ، الامر الذي بدوره في سلوك العاملين خلال سعيهم لتحقيق التطلعات المتعلقة بالترقي وصرف المكافئات والحصول على مراكز قيادية بالتنظيم ، إذ أنهم يلجأون للرشوة كوسيلة للتقرب من المسؤولين الأعلى منهم والحصول على مؤازرتهم بالضغط على العلاقات والصداقات التي يعقدونها معهم وهو الاسلوب الذي تفضله الشخصية التقليدية في الإدارة .

أما بخصوص العلاقة بين الاغتراب الاجتماعي وارتكاب جريمة الرشوة ، أن فقدان الأفراد لروابطهم التقليدية في الوقت الذي لم يجدوا فيه الروابط البديلة ، التي تعوضهم عن فقدان الشعور بالولاء والانتماء والارتباط الذي يحققون به ذاتيتهم وفرديتهم ، الامر الذي يؤدي بهم إلى الانفصال عن التنظيم والمحيط الاجتماعي ، ومن ثم لا يكون الضرر الواقع على المصلحة العامة رادعاً لهم عند ممارستهم الرشوة ، وذلك لأن القيم التقليدية المتعلقة بالشرف والولاء قد فقدت اهميتها الاجتماعية في الوقت الذي لم يتمثلوا فيه بعد للقيم الايديولوجية المتعلقة بفكرة الهدف العام والمصلحة العامة والمؤسسات الواسعة وعن الاغتراب الشخصي ، وأثره في ارتكاب جريمة الرشوة ، ان شعور الأفراد بالقصور الشخصي بالنسبة للقدرات المتاحة لديهم عن شغل الأدوار التي يفضلونها داخل التنظيم يجعلهم يلجأون للرشوة كوسيلة لتحقيق تطلعاتهم .

 ثانياً : العوامل الاقتصادية والادارية :-

وهذهِ العوامل تتمثل في الأتي :

1- ارتفاع الأسعار :

إن أرتفاع اسعار المواد والسلع والخدمات الضرورية ، يؤدي إلى عجز ذوي الدخل المنخفض عن سد حاجاتهم منها ، بما يحصلون عليه من دخل محدود ، مما يدفع بعضهم إلى ارتكاب جرائم ضد الاموال من ضمنها (الرشوة) لسد حاجاتهم من تلك السلع والخدمات .

وقد توصل العلماء إلى أن معدلات جرائم الاعتداء على الاموال العامة والاموال الخاصة مثل (الرشوة والاختلاس والتزوير) تزداد في اوقات الازمات والكساد الاقتصادي وارتفاع الاسعار وتدني القوة الشرائية للعملة .

2- المغريات المادية :-

إن اقتران الحاجات بوجود مغريات سهلة للوصول اليها ( كما في اختلاس الاموال التي في عهدة الموظف ، وفي الرشوة التي تكون الاجراءات في عهدته ) يجعل ارتكاب هذهِ الجرائم مسالة واردة ، ولا سيما ان ثمة من يعتقد أن اكتشافها مستحيل ، في حين أن البعض الآخر يعتقد أن المغريات كبيرة وتستحق المجازفة ، ولا ننسى هنا الدور الخطير الذي يلعبه الراشي في جريمة الرشوة في بعض الأحيان ، عندما يقوم باستخدام وسائل اغراء عديدة ليدفع الموظف إلى قبولها وتنفيذ الاعمال التي يطلبها منه(24) .

3- الاجراءات الادارية الروتينية الطويلة والمعقدة :-

      تُعد الاجراءات الادارية الروتينية الطويلة والمعقدة من الاسباب الرئيسية لانتشار الرشوة في الاجهزة والدوائر الحكومية ، لأن هذه الاجراءات تهيئ الفرصة للموظف المنحرف لكي يبتز المواطن ، فيتقاضى منه الرشوة مقابل التخفيف من معاناته وتبسيط الاجراءات عليه ، وفي هذهِ الحالة يجد المواطن نفسه مجبراً على دفع الرشوة إلى ذلك الموظف ، لأجل الحصول على الخدمة التي يسعى الحصول عليها ، ومع انه من حق ذلك المواطن من الناحية القانونية الحصول على تلك الخدمة دون دفع الرشوة ، إلا أن الاجراءات الادارية الروتينية الطويلة والمعقدة التي تواجهه من لدن الموظف في حالة عدم دفع الرشوة تجعله يقتنع بأنه من دون الرشوة لا أمل له في الحصول على الخدمة المطلوبة .

ومن ناحية أخرى فأن تلك الاجراءات الطويلة تكلف المواطن وقتاً وجهداً و تكاليف كثيرة مما يضطره إلى تقديم رشاوي للموظفين بغية تسهيل تلك الاجراءات ، واختصار كل ذلك الوقت والجهد والتقليل من التكاليف .

4- فقدان الرقابة في الاجهزة والدوائر الحكومية :-

      إن الموظف بقدر ما يحمل من حصانة ذاتية يجب ان يشعر بوجود حصانة موضوعية ، وهذهِ الاخيرة لا تتعارض مع الأولى ، كما أنها لا تتعارض مع ثقة الدولة بمواطنيها أو ثقة الوحدة الادارية بموظفيها ، بل أنها جزء من طبيعة النشاط الاقتصادي للدولة ( في تحقيق الجدوى الاقتصادية وكفاءة الاداء والتقييم والتدقيق لاوجه النشاط) وجزء من طبيعة النشاط الاداري (حيث ان المتابعة أو الرقابة وظيفة من وظائف الإدارة العامة والخاصة على حد سواء ) في حين ان انتقاء هذهِ الحصانة ( الرقابة) الموضوعية أو الخارجية هو الذي يولد الاهتزاز والاضطراب في الحصانة الذاتية ، وذلك عندما تختلط في الحصانة الذاتية لاموال العامة بالاموال الخاصة ، ومصلحة الدائرة بمصلحة الفرد ، في حالة فقدان الضبط الاداري والوظيفي الضروري للتمييز بينهما .

و بذلك فأن فقدان الرقابة أو ضعفها في الاجهزة والدوائر الحكومة يفسح مجال العبث لبعض العاملين فيها ، ويتيح لذوي النوايا السيئة فرص ارتكاب جرائم عديدة منها الرشوة والاختلاس والسرقة والتزوير ، فغياب الرقابة أو ضعفها أو عدم كفاية موظفيها تعد من احد الاسباب التي تؤدي إلى انتشار تلك الجرائم في الاجهزة والدوائر الحكومية .

وهذا السبب يكشف عن حقيقة وهي أن اية جريمة ترتكب تخضع لدى مرتكبيها للتقيم ، فيكون الترجيح لصالح ارتكابها كلما زادت فرص عدم كشفها ، وبهذا يكون فقدان الرقابة أو ضعفها هو أحدى الاسباب التي تحفز على ارتكاب تلك الجرائم ، لأنه يزيد من اسباب القناعة بعدم كشفها .

5- الصلاحيات والثقة الواسعة الممنوحة لبعض الموظفين :-

إن احساس اية دائرة أو أي موظف بأنه فوق المسائلة ، نتيجة الصلاحيات الواسعة الممنوحة له في الوظيفة ، يمكن أن تؤدي إلى تشجيع إلى اساءة استخدام هذهِ الصلاحيات لتحقيق منافع شخصية من خلال ارتكابهم لبعض الجرائم المخلة بالوظيفة العامة مثل الرشوة والاختلاس ، ولا سيما أن هذهِ الصلاحيات تمنع الاجهزة الرقابية والادارية من ممارسة اعمالها على الوجه المطلوب .

والواقع ان الصلاحية وما يرتبط بها من ثقة الرئيس المباشر أو الاعلى ، تقدم تسهيلات للموظف يمكن في اغلب الحالات ان يستغلها ويوظفها لمنافع خاصة ، لأنها تكون مغرية وتغر صاحبها بالحماية الكافية لاستغلالها حيث ان خصوصية الدائرة وما يتوفر لها من حصانة من جهة ، وثقة عالية بمنتسبيها من جهة أخرى ، تدفع بالبعض من هؤلاء المنتسبين إلى الاعتقاد بأن هذه الحصانة والثقة تمنع الكشف عن جرائمهم ، بل الاعتقاد بضمان بعض اشكال المساعدة والتعاطف الاداري حتى عند كشف تلك الجرائم .

6- الاحساس بالغبن الوظيفي :-

الغبن الوظيفي هو ضياع الحق ويمثل هذا السبب مصدراً لمشكلات عميقة في الوظيفة العامة ، لأنه يغذي المشاعر السلبية والتصرفات الضارة بالوظيفة العامة ، وفي حالات معينة قد يقترن هذا الاحساس بالميل لتعويضه وتحقيق العدالة بطريقة ذاتية حتى لو اتخذت اشكالاً غير مشروعة كما في الرشوة والاختلاس(25) مثلاً .

فعندما ينجز الموظف مهاماً كبيرة ، ويرى ان المكافآت تذهب للمتفرجين المقربين من المدير الاعلى ، وكذلك عند حجب الاستحقاق الاداري في الترقية عنه    ( أي عن الموظف الذي يستحقه) ، أو شمول طائفة بالامتيازات والمخصصات وعدم شمول طائفة أخرى ، وغير ذلك من اشكال التمييز في الوظيفة ، يؤدي إلى الاحساس نفسه والنتائج نفسها .

 

الخلاصة :-

إن الجريمة مرض اجتماعي خطير تمتد جذوره إلى مختلف نواحي الحياة في المجتمع ، وتترك آثاراً كثيرة ومتعددة في المجتمع وافراده .

      فبالنسبة للاثار الاجتماعية فهي ذات جانبين : جانب يتمثل في آثارها الاجتماعية في مستوى المجتمع ، وجانب يتمثل في آثارها الاجتماعية في الأفراد ، إذ أن ظهور الجريمة ووجود أفراد وجماعات خارجه عن معايير وقيم المجتمع تخلق نوعاً من التوتر بين قيم ومعايير الجماعات المنحرفة وقيم ومعايير المجتمع ، والتأكيد على هذا الانفصال لتخلق لاعضائها قدراً من التوازن الداخلي ، وهو أيضا تقنع اعضائها بمشروعية افعالهم الاجرامية تلك ، لاسترداد ما اغتصبه منهم المجتمع من حقوق ، فضلاً عما يصيب المجتمع من موجات اضطراب وفوضى نتيجة لانتشار الظواهر الاجرامية وما يترتب عليها من اضعاف القيم الراسخة ، وكذلك ما يترتب على انتشار سلوك اجرامي معين مثل الرشوة بالصورة التي تجعلها اسلوباً عاماً للحياة ، وما يصاحب ذلك من اضعاف للقيم الراسخة واهتزاز لمعايير المجتمع ، الذي يعكس اثاراً أخرى على صور السلوك الأخرى ، بحيث يجد مروجوا العنف والشغب مسوغاً لاثارة الفوضى والاضطراب بأبراز هذهِ الصورة عن فساد الحياة وعدم استقرارها وما يثيره من فوضى واضطراب عام قد يؤثر في كيان المجتمع ويعرقل مسيرته .

أما عن الاثار الاجتماعية للجريمة على مستوى الأفراد فكثيرة ومتعددة الابعاد ، فهي تزرع القلق والخوف في نفوس أفراد المجتمع ، فضلاً عما يترتب على ارتكاب جريمة ما تعرض الجاني والمجني عليه لظروف تبعدهما عن مجال رعاية الأسرة ، مما قد يعرضها للعديد من المشكلات الاجتماعية حيث لا يجد الابناء من يرعاهم ويشرف على تربيتهم نتيجة لانهماك الام في عملية تدبير المستلزمات المالية لحياة الأسرة ، ومن ثم يكون الابناء عرضة للاحتكاك برفاق السوء واغراءات الحاجة ، مما يجعلهم فريسة للانحراف وارتكاب الجريمة ، الامر الذي يثير الكثير من المشاكل الاجتماعية الأخرى للمجتمع مثل التشرد والتسول والجناح وبناء على ذلكسوف اوضح اهم الاثار المعنوية والمادية التي تتركها الرشوة في المجتمع :

أولاً : الاثار المعنوية للرشوة في المجتمع وافراده :-  

1- الرشوة تلحق اكبر خلل في القيم الاجتماعية والمعايير الاخلاقية ، من خلال غرسها للقيم المادية عوضاً عن القيم الانسانية الاصيلة ، وذلك من خلال اعتبار الحياة فلابد من توفيره بأي شكل من الاشكال ، وذلك على حساب القيم والمعايير الاجتماعية السائدة في المجتمع .

2- ان انتشار الرشوة بشكل واسع يشيع التذمر والقلق في المجتمع فكثيراً ما نسمع تذمر الناس من رشوة الموظفين واثرائهم السريع وغير المشروع ، وكذلك فأن انتشارها ينشر الخوف بين أفراد المجتمع ، ويتجسد هذا الخوف ليشكل حالة من القلق النفسي العام عندهم على ارواحهم واموالهم ، وكذلك انتشار التوتر والاضطراب بما يهدد صفو الحياة الاجتماعية ، ويفقد البناء الاجتماعي دواعي الامن واسباب النظام .

3- تعيين بعض أفراد المجتمع في الوظائف الحكومية ليس على اساس الجدارة والاستحقاق وتكافؤ الفرص ، وانما عن طريق الرشوة ، مع حرمان الآخرين من الحصول على المراكز الوظيفية التي تتلائم مع قدراتهم وامكانياتهم هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فأن الرشوة تؤثر في المستوى الكفاءة والاداء للعاملين في دزوائر الدولة وبمختلف درجاتهم ، وذلك من خلال سعي هؤلاء العاملين للحصول على درجات اعلى في السلم الوظيفي عن طريق تقديم الرشاوي لمن هم اعلى منهم وبالتالي سيكون التقييم على هذا الاساس وليس على اساس الكفاءة .

ثانياً : الاثار المادية للرشوة في المجتمع وأفراده :- 

1- ان تعيين أفراد غير اكفاء في الوظائف الحكومية عن طريق الرشوة ، مع استبعاد الأفراد الاكفاء يترتب عليه خسارة ، وهذهِ الخسارة تساوي الفرق بين الانتاجية التي كان من الممكن الحصول عليها لو كان الاكفاء هم في الوظائف الحكومية ، والانتاجية القليلة للموظفين غير الاكفاء الموجودين في الاجهزة والدوائر الحكومية .

2- تقلل الرشوة من كفاءة الموظفين وانتاجيتهم ، قد يسؤ عمداً اعاقة الاعمال الادارية المتعلقة بمصالح المواطنين وذلك بهدف الحصول على المزيد من الرشاوي ، وهذا بالتأكيد يؤثر في كفائتهم واناجيتهم ومن الواضح ان اختلاف وسائل الرشوة وغايتها امر تحدده ثقافة المجتمع ، فالمال في صورته النقدية كوسيلة من وسائل الرشوة امر له اهميته في مجتمع تزداد فيه القيم الاجتماعية التي تهدف إلى الحصول على الثروة ، وطلب الرشوة العينية ، يزيد في اوقات التضخم النقدي لضعف القيمة الشرائية للنقود ، لذلك فأن تحقيق الصالح الشخصي على حساب الصالح العام امر يسود مجتمع تتسم ثقافته بالتفكك وانعدام التكامل .

 

 الهوامش والمصادر :
...........................................

18-      د. عبد الجبار عريم ، نظرية علم الاجرام ، ط6 ، مطبعة المعارف ، بغداد ، 1973، ص193.

19-      د. رؤوف عبيد ، اصول علمي الاجرام والعقاب ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، 1981، ص152.

20-      نبيل نعمان اسماعيل ، الجرائم الاقتصادية في العراق ، اطروحة دكتوراه غير منشورة في علم الاجتماع  ، كلية الاداب ، جامعة بغداد ، 1992/، ص89. 

21-      د.جلال عبد الله معوض ، الفساد في الدول النامية ، مجلة دراسات عربية ، م3، ع4، معهد الدراسات ، بيروت ، 1987، ص12.

22-      د. السيد علي شتا ، علم الاجتماع الجنائي ، دار الاصلاح ، الدمام ، السعودية ، 1984 ، ص127.

23-      د. محمد عارف ، المفهوم الاجتماعي للرشوة ، المصدر السابق ، ص430.

24-      د. السيد علي شنا ، الرشوة ومفهوم الاغتراب ، المجلة الجنائية القومية ، م17، ع2 ، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ، القاهرة ، 1974، ص173.

25-      نجم عبود نجم وآخرون ، جرائم الاختلاس والرشوة ، مركز البحوث والدراسات في مديرية الشرطة العامة ، بغداد ، 1991، ص72.

 

 ....................
(*) الجامعة المستنصرية ـ كلية التربية الأساسية- قسم الأرشاد التربوي والتوجيه النفسي