الحضارية «ثقافة ومجتمع»

السبت: 04/04/2009

   

العوامل الاجتماعية لارتكاب جريمة الرشوة عند بعض الموظفين الحكوميين" /1

إعداد : م.د. زينب هاشم عبود(*)
(خاص للمعهد)

 

تمهيد                

من الامور المتفق عليها بين علماء الاجتماع وعلماء الاجرام وعلماء النفس ان الانحراف عامة والجريمة والجنح خاصة ، ما هي إلا ظواهر  اجتماعية شأنها في ذلك شأن بقية الظواهر الاجتماعية ، وهي بكونها ظواهر تعرف بأنها سلوك متكرر الحدوث ينشأ بصورة تلقائية في ظروف واحوال اجتماعية وثقافية وشخصية معينة والسلوك ما هو إلا ذلك النشاط الذي يصدر عن الانسان في علاقته ببيئته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية ، والانحراف والجريمة بذلك سلوك ونشاط يصدر عن الانسان في اطار تفاعله مع الجوانب الاجتماعية والاقتصادية ومع الأفراد في مجتمعه .

فبما أن الجريمة تعد ضرباً من ضروب السلوك الإنساني الدارج في كل مجتمع ، كما انها ترتبط ارتباطاً قوياً بظروف الحياة الاجتماعية ، فقد كان من الطبيعي ان تهتم العلوم الاجتماعية بدراستها ، بوصفها إحدى الظواهر الاجتماعية المعقدة بهدف تقصي مصادرها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والشخصية وتفسير مظاهرها السلوكية في علاقتها بتلك الابعاد .

تُعد الرشوة جريمة من الجرائم التي عرفتها الامم القديمة ، وتاريخها يتوافق إلى حد كبير مع تاريخ الدول ، وهي من أخطر الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة العامة ، والمضرة بالمصلحة العامة ، وتتمثل في ان الموظف العام أو من في حكمه يستغل وظيفته في طلب أو قبول الرشوة من الراشي لأداء عمل من اعمال وظيفته أو الامتناع عنه أو الاخلال بواجبات وظيفته لصالح الراشي .

وبناء على ما تقدم فأننا نستطيع ان نقول ان جريمة الرشوة بوصفها سلوكاً ينبغي ان تكون لها اسباب عديدة ، لذلك تناولنا في البحث العوامل المؤدية لأرتكاب الرشوة والتي تشمل العوامل (الاجتماعية ، الاقتصادية ، الادارية) لارتكاب هذه الجريمة . 

المبحث الأول : الأطار العام لمشكلة البحث

أولاً : تحديد مشكلة البحث :

إن الجريمة هي انماط معينة من السلوك البشري ويرى المجتمع انها خروج على قواعده التي تعارف عليها لتنظيم حياته ، وذلك متى رأى المجتمع ان في ذلك ضرراً بمصلحته الاجتماعية وتهديداً لأمنه واستقراره وتطوره .

وقد وصفها عالم الاجتماع (اميل دوركايم) وقال عنها ، إن الجريمة تشكل ظاهرة اجتماعية لكونها موجودة في المجتمعات جميعها وفي الحقب التاريخية المختلفة ، لذا يجب الانتباه لها والاحاطة بعواملها مع تحديد مظاهرها وتأثيراتها لمعرفة المخاطر الناجمة عنها .

والرشوة تُعد جريمة من الجرائم التي عرفتها الامم القديمة ، وتاريخها يترافق إلى حد كبير مع تاريخ الدول ، وهي من أخطر الامراض التي تصيب الوظائف العامة ، وشر أنواع الفساد الذي ينجز في اجهزة دوائر الدولة ويصيب العاملين فيها . ولهذا أقر الدين الاسلامي بتحريمها ، وأجمعت القوانين الوضعية على معاقبة مرتكبيها .

وجريمة الرشوة هي من جرائم الوظيفة العامة وتتمثل في ان الموظف العام أو من في حكمه يستغل وظيفته ليثرى على حساب الاتجار بالوظيفة العامة المعهودة إليه.

فالموظف أو من في حكمه يمنح صلاحيات وسلطات معينة كي يستعملها ضمن الحدود التي رسمها القانون تحقيقاً لما ابتغاه ، فالواجب يحتم على كل موظف عام أو من في حكمه ان يمارس في حدود الظوابط التي رسمها القانون ، والخروج على هذه الظوابط يؤدي إلى الاضرار بالمصلحة التي اراد القانون حمايتها ، وبالتالي يؤدي إلى الاضطراب في نظام المجتمع .

فقد يصل اخلال الموظف أو من في حكمه بواجبات الوظيفة إلى حد التأثير في نظام العمل ، ويفقد افراد المجتمع الثقة بالوظيفة العامة ، مما يترتب عليه إذا استشرى الامر إلى فساد الادارة العامة .

ومن البديهي انه من اخطر صور الاخلال بواجبات الوظيفة العامة هو الاتجار بها أي على فائدة أو منفعة مقابل تحقيق مصلحة لفرد على سمعة وهيبة الوظيفة العامة .

ومن هنا ظهرت الحاجة الملحة إلى تجريم الرشوة والتشدد مع مرتكبيها ، وذلك لخطورتها على النظام الاجتماعي ، إذ تؤدي إلى الاخلال بالثقة التي يجب ان يوليها الأفراد للسلطة العامة ، وتؤدي ايضاً إلى انتفاء العدالة لان مقدرة الأفراد على دفع الرشوة تختلف باختلاف قدراتهم المادية وبذلك تصبح الوظيفة العامة سلعة تباع وتشترى .

وبناء على ما تقدم فأن مشكلة بحثنا انطلقت من التساؤلات الأتية :-

1- ما هي جريمة الرشوة ؟

2- ما هو الاطار الاجتماعي للرشوة ؟

3- ما هي عوامل أرتكاب الموظف العام جريمة الرشوة ؟

ثانياً : أهمية البحث :

 تتجلى أهمية دراسة جريمة الرشوة في مدى الخطورة التي تلحقها بالمجتمع من كافة جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والتربوية ، فأرتكاب هذهِ الجريمة يُعد اساءة متعمدة لقدسية الوظيفة العامة ، لأن انتشارها يدل على تحلل المسؤولية الوظيفية لدى المؤتمنين على اموال الدولة وممتلكاتها .

 وتُعد الرشوة من اخطر جرائم المساس بهيبة الدولة وثقة المواطنين بها ، فأذا كان المواطنون ينظرون إلى الدولة بوصفها قدوة نموذجية في تقديم الخدمات لهم وممارسة النشاطات المختلفة من اجلهم ، فأن الرشوة تمثل انتهاكاً خطيراً في قناعة المواطنين وثقتهم بهذه الأدوار التي تضطلع بها الدولة واجهزتها المحتلفة .

 وتظهر أهمية الدراسة في مدى اهتمام انظمة المجتمع في الحد من هذهِ الجريمة من خلال سن القرارات والتشريعات للحد منها .

ثالثاً : أهداف البحث :

 يتأثر اختيار الباحث لمشكلة بحثه بعدة عوامل اهمها الاهداف التي يسعى الباحث إلى الوصول اليها من وراء بحثه , وانطلاقآ من ذلك فان بحثنا يسعى إلى الاجابة عن الاسئلة التي وضعها لتحديد مشكلة البحث , وذلك لتحقيق الاهداف الاتية:

1- التعرف على الاطار الاجتماعي لجريمة الرشوة .

2- الكشف عن عوامل ارتكاب الموظف العام أو من في حكمه لجريمة الرشوة .

 رابعآ : تحديد المفاهيم والمصطلحات العلمية :

1-الجريمة :

عرفت الجريمة من القانون: الناحية بانها كل عمل مخالف لاحكام قانون العقوبات , وقانون العقوبات هو الذي يتضمن الافعال المحرمة ومقدار عقوبتها(1) ,أو انها النشاط الذي يصدر من شخص ايجابيا كان أو سلبيآ يقرر له القانون عقوبة من العقوبات المقررة في قانون العقوبات , أو كل فعل أو امتناع عن فعل صادر من انسان مسؤول ويقرر له القانون عقابآ أو القانون عقابآ أو تدبيرآ احترازيآ(2) .

أما من الناحية الاجتماعية :-

عرفت بانها نوع من الخروج على قواعد السلوك التي يرسمها المجتمع لافراده(3) ، وعرفت ايضاً بانها كل فعل يُعد مخالفاً للحاجات الاساسية الرئيسة لمجتمع معين ، أو يمثل خطراً على المجتمع ويجعل من المستحيل تحقيق التعايش والتعاون بين الأفراد والذين يكونه.

أما من الناحية النفسية :-

عرفت الجريمة بأنها سوء تكيف الفرد لظروف البيئة التي يتعرض لها ، أو أنها فعل ينشأ عن نقص جسمي أو ضعف عقلي ، أو اضطراب انفعالي ، وتعرف ايضاً بأنها طاقة انفعالية لم تجد لها مخرجاً اجتماعياً ، فأدت إلى سلوك لا يتفق والاوضاع التي يسمح بها المجتمع(4) . 

2- الرشوة :-

عرفت الرشوة من الناحية القانونية على أنها اتفاق بين شخص وموظف أو من في حكمه على جعل أو فائده مقابل اداء عمل أو الامتناع عن عمل يدخل في وظيفة المرتشي أو مأموريته(5) .

كذلك عرفت بأنها نوع من انجاز الموظف أو المكلف بخدمة عامة باعمال الوظيفة أو الخدمة العامة أو استغلالها على نحو معين أو انتهاز ما يتصل بها من سلطة أو عمل للاستفادة بغير حق وذلك عن طريق الاتفاق بين الموظف أو المكلف بخدمة عامة وبين صاحب الحاجة ، ويحصل الموظف أو المكلف بخدمة عامة بمقتضى هذا الاتفاق على .... أو وعد مقابل قيامه باداء عمل متعلق بالوظيفة أو الامتناع عن ذلك(6) .

أما من الناحية الاجتماعية فأنها ظاهرة اجتماعية عامة ونسبية في الزمان والمكان ، وتتضمن الخروج على قيم اجتماعية تتصل باداء الفرد لوظيفته الاجتماعية ودوره المحدد ثقافياً واحساسه بالواجب الذي تفرضه هذهِ الوظيفة وهذا الدور ، بحيث يكون الدافع لأنتهاك هذهِ القيم هو عرض أو قبول أو طلب فائدة خاصة لقاء هذا الانتهاك(7) . 

فالرشوة هي فعل يرتكبه موظف أو مكلف بخدمة عامة ، عندما يتجر بوظيفته مستغلاً السلطة المخولة له بمقتضى هذهِ الوظيفة ، وذلك حين يطلب أو يأخذ لنفسه أو لغيره عطية أو منفعة أو ميزة أو وعد بشيء من ذلك لأداء عمل من اعمال وظيفته أو الامتناع عنه أو الاخلال بواجباته .

3- المجتمع :-

يعرف بأنه مجموعة من الأفراد تقطن في بقعة جغرافية محددة من الناحية السياسية ومعترف بها ، ولها مجموعة من العادات والتقاليد والمقاييس والقيم والاحكام الاجتماعية والاهداف المشتركة المتبادلة التي اساسها الدين واللغة والتاريخ والعنصر(8).

المبحث الثاني :- الأطار الأجتماعي للرشوة :

تمهيد : 

إن الجريمة بالمفهوم الاجتماعي تشير إلى انتهاك للمعايير والقيم ، حيث عرفت في احدى ابرز تعريفاتها بأنها كل انحراف عن المعايير والضوابط الجمعية للسلوك ، سواء نص القانون على اعتباره جريمة ام لم ينص .

وعرفت ايضاً بأنها انماط معينة من السلوك البشري يرى المجتمع ان فيها خروجاً على قواعده التي تعارف عليها لتنظيم حياته(9) . والقانون واحد من هذهِ المعايير ( أي معايير المجتمع) وقوعد القانون تُعد من أحدى قواعد السلوك والضبط الاجتماعي الضرورية في المجتمع .

ومما ينبغي الاشارة إليه أنه فضلاً عن القواعد القانونية التي تشكل مصدراً من مصادر قواعد الضبط الاجتماعي ، هناك القواعد الدينية التي تشكل بدورها ايضاً مصدراً من مصادر قواعد الضبط الاجتماعي ، أو ما تسمى بالقواعد الاجتماعية ، وهذه القواعد جميعها تشترك بالخاصيتين     الأتيتين :-

أ‌- أنها تهدف إلى تنظيم الجماعات وسلوك افرادها في المجتمع .

ب- أنها تتصف بالعمومية والتجريد  ، فقواعد الضبط الاجتماعية كلها عامة ومجردة ، تقوم على معيار موضوعي لا شخصي .

وبناءً على ذلك نستطيع أن نقول بأن الرشوة ينطبق عليها التعريف الاجتماعي للجريمة ، ( الرشوة ظاهرة اجتماعية عامة – نسبية في الزمان والمكان ، وتتضمن الخروج على قيم اجتماعية تتصل باداء الفرد لوظيفته الاجتماعية ودوره المحدد ثقافياً وأحساسه بالواجب الذي تفرضه هذهِ الوظيفة وهذا الدور ، بحيث يكون الدافع لانتهاك هذهٍ القيم أو طلب فائدة خاصة لقاء هذا الانتهاك)(10) .

وبذلك نحاول توضيح الأمور الأتية :-

1) الرشوة انتهاك لقيم أجتماعية .

2) الرشوة كمشكلة اجتماعية .

3) الرشوة والتفكك الاجتماعي .

4) الرشوة والبناء الاجتماعي .

1- الرشوة انتهك لقيم أجتماعية :-

ذكرنا في التعريف الاجتماعي للرشوة ، أنها ظاهرة اجتماعية عامة ونسبية في الزمان والمكان ، وتتضمن الخروج على قيم اجتماعية ، وبذلك فأنه من الضروري هنا أن نحدد ما نعنيه بالقيمة الاجتماعية ، وكذلك أهم القيم الاجتماعية التي تعد الرشوة إنتهاكاً لها .

ففي معجم علم الاجتماع نجد أن القيمة تدل على مضامين اخلاقية وعاطفية تتغلغل في اعماق الطبيعة الانسانية والاجتماعية ، بحيث لا يمكن الانسان التخلص منها بسهولة ، وذلك لقدرتها على تحقيق واشباع رغبات الفرد والمجتمع ، وهذهِ القدرة هي التي تمنح القيمة أهميتها(11) .

والقيم الاجتماعية هي انماط الاعتقاد التقليدية التي يعد مراعاتها والمحافظة عليها امراً مهماً لرفاهية الجماعة ، وترتبط هذهِ القيم أرتباطاً وثيقاً بالاداب العامة وان كانت اوسع منها في نطاقها ، واكثر منها تضمناً للمواقف الاجتماعية ، كما أنها اكثر منها قوة في مضمونها الانفعالي(12) .

وتُعد القيم الاجتماعية جزء من ثقافة المجتمع ، تنشأ عن طريق الحياة الاجتماعية ، وبعضها تفرضه هيئات الضبط الاجتماعية الرسمية كأجهزة ومؤسسات ودوائر الدولة ، كذلك هيئات الضبط غير الرسمية كاجهزة ومؤسسات ودوائر الدولة ، وكذلك هيئات الضبط غير الرسمية كالاسرة والمؤسسة الدينية ... ألخ ، وتنتقل هذهِ القيم عن طريق التفاعل الاجتماعي ، وتكون جزءاً مهماً من الثقافة التي تنتقل إلى الطفل خلال عملية التنشئة الاجتماعية(13) .

والقيم الاجتماعية هي التي تعطي للسلوك تحديداته فيحمل بذلك مضموناً اخلاقياً ، فتثديم الهدية في مناسبة الزواج مجاملة تقرها القيم الاجتماعية ، في حين ان تقديم الهدية نفسها لموظف ما لتسهيل انجاز عمل من اعمال وظيفته تعد رشوة لاتجيزها هذهِ القيم .

فالرشوة سلوك اجتماعي تنتهك في اثناء ادائة قيم عديدة في المجتمع منها :-

أ- مراعاة أعباء وظيفة ما .

ب- مراعاة الواجب والاحساس بالمسؤولية .

ج- حفظ الامانة .

د- مراعاة مصلحة الجماعة .

ففي الرشوة أهمال في مراعاة أعباء الوظيفة ، وانعدام الاحساس بالواجب والمسؤولية ، وخيانة الامانة وانتهاك لمصلحة الجماعة ( المصلحة العامة) .

يشغل الفرد في ظل أي نسق وظيفة ما ، التي هي مجموعة من الواجبات والمسؤوليات التي تسند إليه للقيام بها ، وتحدد هذهِ الواجبات والمسؤوليات ثقافة المجتمع ، بهدف سد حاجة من الحاجات الاجتماعية(14) .

ووظيفة الفرد تضعه في منزلة اجتماعية معينة في المجتمع ، والوضع السوي في المجتمع ان يشغل كل فرد وظيفته بشرط ان تتوفر لديه الكفاءة لتحمل تبعاتها واداء واجباتها بجد واخلاص وامانة .

وأداء الفرد لواجبات الوظيفة الاجتماعية هو الجزء الدينامي من هذهِ الوظيفة ، وهو دور الفرد إلى نوعين هما :الدور المفروض أو المرسوم ( أي المتوقع منه) والدور الحقيقي .

فالدور المرسوم هو ما يجب ان يقوم به شاغل المركز من افعال محددة ثقافياً ، وهذا هو اساس العلاقات الاجتماعية المكونة للبناء الاجتماعي ، لأن وحدات هذا البناء موزعة لسد حاجات المجتمع و الأفراد بحيث يقوم كل من هؤلاء بادوار جماعية متشابكة للوصول إلى هذا الهدف .

أما الدور الحقيقي فهو ما يقوم به الفرد في الواقع ، فأن كان هذا الدور مطابقاً للدور المرسوم حقق المجتمع هدفه ، أما إذا كان مخالفاً له فأنه يؤدي إلى اعاقة المجتمع عن الوصول إلى هدفه ، وتنتج عن ذلك مشكلات اجتماعية تقاس بمقدار بعد الدور الحقيقي عن الدور المرسوم أو المفروض ، أي أن الفرد لم يعطي المركز الذي يشغله اعتباره .

ومن التحليل السابق يتبين لنا ان الرشوة تتضمن احداث ثغرات في التنظيم الاجتماعي ، قد يؤدي بالمجتمع إلى التفكك ، فالمرتشي فرد تبعد المسافة في سلوكه بين الدور المرسوم له ( أي المتوقع منه) والدور الحقيقي الذي يقوم به ، وهو ينتهك واجبات وظيفته التي عهد المجتمع بها إليه ، وبذلك يخرج على قيم متعددة ، فهو لا يراعي التنظيم في البناء الاجتماعي الذي بمقتضاه وكل إليه مهمة معينة للوصول إلى هدف اجتماعي ، وهو بذلك ينتهك صالح الجماعة ولا يقدر واجبه ومسؤولياته ، وكذلك يخرج على القيم التي تخص مراعاة الواجب والاحساس بالمسؤولية ، وهذا يؤدي إلى خيناته لامانة اوكلها إليه المجتمع ، وسلوكه هذا لا يتفق مع مراعاة الرفاهية الاجتماعية وهي قيمة مهمة ، وكذلك يصدق هذا الخروج على بعض هذه القيم بالنسبة للراشي والوسيط ، وأهم هذه القيم مراعاة مصلحة الجماعة ( أي المصلحة العامة) .

والخلاصة أن الرشوة خروج على قيم اجتماعية عديدة تتصل باداء الفرد لوظيفته الاجتماعية ودوره المحدد ثقافياً واحساسه بالواجب الذي تفرضه هذهِ الوظيفة وهذا الدور ، ويؤدي ذلك إلى انتهاك القيمة الاجتماعية الكبرى وهي مراعاة المصلحة العامة .

2- الرشوة كمشكلة اجتماعية :-

يمكن ان نضع هنا تعريفاً للمشكلة الاجتماعية يلقى قبولاً بين علماء الاجتماع   ( فالمشكلة الاجتماعية هي وضع في مجتمع دينامي بحيث يتضمن هذا الوضع تهديداً أو انتهاكاً لقيمة اجتماعية أو اكثر ، على ان يقبل هذا الوضع الاصلاح عن طريق العمل الجماعي المباشر ) .

وبذلك تتضمن المشكلة الاجتماعية العناصر الاتية :-

أ‌- سلوك على نطاق واسع .

ب- تهديد لقيمة اجتماعية أو اكثر .

الاعتقاد بأن هذا السلوك أو تلك القيمة يمكن اصلاحها عن طريق التشريع والعمل الجماعي ، تعد الرشوة تهديداً لقيم اجتماعية عديدة ، أي أنها انتهاك لقيم تتصل باداء الفرد لوظيفته الاجتماعية ودوره المحدد ثقافياً واحساسه بالواجب الذي تفرضه هذهِ الوظيفة وهذا الدور ، وهذا يؤدي إلى انتهاك القيمة الاجتماعية الكبرى وهي مراعاة المصلحة العامة ، ويمكن مواجهة مشكلة الرشوة عن طريق العمل الجماعي بعد ان تحدد العوامل المصاحبة لهذه الظاهرة بشكل علمي .

3- الرشوة والتفكك الاجتماعي :-

ويرى ( روبرت فارس) ان المجتمع يعاني من التفكك حين تفقد اجزاءه وتكاملها وتفشل في اداء وظائفها طبقاً لاغراضها(15) .

ففي المجتمع المفكك يفشل الأفراد في القيام بالادوار المتوقعة منهم ، لذلك تُعد الرشوة مظهراً لهذا التفكك ، وذلك لفشل الفرد الذي يمارسها في أن يؤدي الأنماط السلوكية التي تتلاءم مع وظيفته الاجتماعية ، كما أن التفكك الاجتماعي قد يؤدي إلى الرشوة ، ذلك لأن من مظاهر التفكك أن بعض الأفراد قد يفشلون في فهم طبيعة ادوارهم في المجتمع المعقد ، أو أنهم يعجزون عن أداء هذه الادوار بكفاية حتى لو احسنوا فهمها ، وبهذا تحدث الرشوة ، ومن مظاهر التفكك الاجتماعي ايضاً ضعف اثر الظوابط الاجتماعية أو التقاليد الاجتماعية في الفرد ، وهذا من شانه ان يضعف الوازع في نفوس الأفراد فيقعون في مشكلات اجتماعية ويأتون بأنماط من السلوك خارجه على المتعارف عليها في المجتمع ومنها الرشوة .

وكذلك فأنه من مظاهر التفكك الاجتماعي فقدان المعايير والسنن الاجتماعية ، أي ما يسمى بـ(الانومي) حيث نجد فراغاً اخلاقياً ، ولظهور الانومي يفترض وجود حلة سابقة حيث كانت المعايير والسنن ، ثم اتت ازمة اجتماعية قبلت هذا التوازن وادت إلى اضطراب كثير من الناس واختلاط المعايير ، ولا شك ان الرشوة تجد في مثل هذهِ الظروف مرتعاً لانتشارها على اوسع نطاق  حيث يسود التخلف جوانب الحياة الاجتماعية .

4- الرشوة والبناء الاجتماعي :-

البناء الاجتماعي هو النمط المنظم للأدوار والمراكز التي يشملها مجتمع ما ، فضلاً عن الاهداف والوسائل المناسبة لتحقيقها في ذلك المجتمع ، والعلاقات بين الأدوار والمراكز يتضمنها البناء الاجتماعي بوصفه أطار المشكلات الاجتماعية .

فإذا أدت الأغلبية من أفراد  المجتمع الأدوار التي ينبغي عليهم أداؤها بحكمه ، وامتنعوا عن أداء الأدوار المحرمة عليهم ، و إذا ادوا بحكمه الأدوار التي يسمح لهم بأدائها ، فأن المشكلات الاجتماعية ومنها الرشوة تبدو ضئيلة في هذا المجتمع ، و إذا حدث العكس ادى إلى انتشار المشكلات الاجتماعية ومنها الرشوة فيه(16) .

و تتضمن الرشوة كما ذكرنا افراداً فشلوا في اداء الأدوار المتوقعه منهم ، وقاموا بادوار محرمة عليهم ، وهذا بدوره يؤدي إلى اضطراب في البناء الاجتماعي ، والى ظهور مشكلات اجتماعية(17) . 

وقد يؤدي البناء الاجتماعي مباشرة إلى الرشوة ، فكل بناء اجتماعي يحتوي على مجموعة من الاغراض والاهداف والمصالح تحديداً ثقافياً ، والتي تعد اهدافاً مشروعة في المجتمع ، فضلاً عن ذلك يحدد البناء الاجتماعي وينظم ويطبق الطرائق والوسائل المقبولة للوصول للأهداف ، وكل مجتمع له قيم خاصة تعد اهدافاً مقبولة لافراده يمكنهم من التوصل اليها بالوسائل التي حددها المجتمع .

ففي حالة الرشوة نجد أن عدداً من الأفراد يعجزون عن تحقيق هذهِ الأهداف بوسائل مقبولة اجتماعياً ، وفي محاولتهم لتحقيق هذهِ الأهداف يقومون بالاعتداء على قيم المجتمع التي سبق ذكرها ، فالرشوة تعد من هذهِ الناحية نوعاً من السلوك يدل على عدم الالتقاء بين الطموح ( الأهداف ) المقبولة اجتماعياً ، والمسالك أو الوسائل المحددة اجتماعياً لتحقيق هذا الطموح والأهداف .

 

الهوامش والمصادر :
...........................................

1-       د. عبد الجبار عريم ، نظرية علم الاجرام ،ط6، مطبعة المعارف ، بغداد ، 1973، ص330.

2-       د.مامون محمد سلامة ، اصول علم الاجرام والعقاب ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، 1979، ص60.

3-       د. أكرم نشات اتبراهيم ، علم الاجتماع الجنائي ،ط2 ، مطبعة النيزك ، بغداد ، 1998، ص3.

4-       د. حسن شحاته سعفان ، علم الجريمة ،ط3، مكتبة النهضة العربية ، القاهرة ، 1966، ص5.

5-       د. أحمد محمد خليفة ، اصول علم الاجرام الاجتماعي ، مطبعة التاليف والترجمة والنشر ، القاهرة ،1955، ص31.

6-       د. محمد مصطفى القللي ، في المسؤولية الجنائية ، مطبعة فؤاد الاول ، القاهرة ، 1948، ص114.

7-       د. ماهر عبد شويش ، شرح قانون العقوبات – القسم الخاص – مديرية الكتب للطباعة والنشر ، جامعة الموصل ، العراق ، 1988، ص56.

8-       د. ينكن ميشيل ، معجم علم الاجتماع ، ترجمة الدكتور احسان محمد الحسن ، دار الرشيد للنشر ، بغداد ، 1980، ص330.

9-       د. سعد المغربي ود. السيد احمد الليثي ، الفئات الخاصة واساليب رعايتها – المجرمون – متبة القاهرة الحديثة ، القاهرة ، 1967 ، ص113.

10-      د. محمد ياسين وهيب ، دراسة عن انتشار الرشوة واسباب احجام المواطنين عن الاخبار ، مجلة القانون المقارن ، العدد 55، كلية القانون ، جامعة بغداد ، 1993، ص1.

11-      د. محمد عارف ، المفهوم الاجتماعي للرشوة ، المجلة الجنائية القومية ،م5،ع3، القاهرة ،1963، ص422.

12-      ـــــــ ، الجريمة في المجتمع ، مكتبة الانجلو مصرية ، القاهرة ، 1975، ص202.

13-      ـــــــ ، المفهوم الاجتماعي للرشوة ، المصدر السابق ـ، ص424.

14-      المصدر نفسه .

15-      المصدر نفسه .

16-      احمد ربايعة ، اثر العوامل الاجتماعية في الدافع إلى ارتكاب الجريمة ، مجلة مؤتة للبحوث والدراسات ، م3، ع1، المطبعة الوطنية ، الاردن ، 1988، ص74.

17-      د. سعد المغربي ، المصدر السابق ، 224.

 

....................
(*) الجامعة المستنصرية ـ كلية التربية الأساسية- قسم الأرشاد التربوي والتوجيه النفسي