العولمة والدولة
مقاربة سوسيولوجية
رسول مطلق محمد(*)
(خاص
للمعهد)

ظاهرة
العولمة :-
هنالك فرق بين العولمة
بوصفها ظاهرة موضوعية وما بين وسائلها وأدواتها وإشكال تجليها
والقوى المتحكمة فيها , وان هذا الفرق يختلف تبعا للإشكاليات
الفكرية والتطبيقية التي أفرزتها العولمة على صعيد الواقع
الراهن .
بداية إن العولمة كظاهرة
هي اجتماعية بحتة كما يشير إلى ذلك المفكر الغربي - أنتوني
كدنز - ويذهب ابعد من ذلك فيرى أن من الخطأ القول إن العولمة
ظاهرة اقتصادية فهي ظاهرة اجتماعية إلا انه أقوى جوانبها
وأبرزها هو الجانب الاقتصادي , وهذه حقيقة واضحة للعيان ولا
يمكن إغفالها .
إلا إن الإشكالية في ذلك
تكمن بسبب تعدد القراءات حول ذلك الموضوع وتعدد وتنوع الخلفيات
الثقافية لهؤلاء القراء أو الكتاب وبالنتيجة أصبح هنالك عدة
اتجاهات حول العولمة تيار معارض وتيار مؤيد وتيار مؤيد مع
إبداء بعض التحفظات وتيار مؤيد دون أن يدرك ماهية العولمة وآخر
معارض جملة وتفصيلا ولا يبدي أي رغبة أو محاولة لاستبطان هذه
الظاهرة وتفحصها ...الخ ، ويأتي هذا الاختلاف بين العلماء من
خلال اختلاف فهم كل منهم لهذه الظاهرة فهنالك من يركز على
الجوانب السلبية لها ويرى في العولمة الوجه الآخر للهيمنة
الامبريالية وهنالك من ينظر إليها على أنها الاسم الحركي
للاحتلال والاختراق في حين ينظر إليها البعض على أنها حالة
ايجابية تتمثل في الانفتاح على الأخر والتلاقح الثقافي أو أنها
تسهل حركة نقل السلع والمعلومات والتكنولوجيا , والكارثة أن
بعض المفكرين في العالم العربي والإسلامي قد أرهقوا أنفسهم
وتشتتوا فيما بين تلك التيارات وانشغلوا بذلك دون البحث في
كيفية خلق أو إيجاد منظومة فكرية جديدة قادرة على مواجهة هذا
التيار ( العولمة) أو تكييف الناس على التعامل معه بذكاء
للاستفادة من ايجابياته وتجنب سلبياته على الأقل - مواجهة
حمائية - وقائية تجنب الآخرين من ضياع وقتهم سدى , فعندما
جاءت العولمة بدأت بشيء بسيط من أوجه التقدم والتقانة الحديثة
وانتهت بأشياء هذا إن لم تنتهي بعد فكثيرة هي وسائل العولمة
والأكثر هو ما تفرزه تلك الوسائل فالعولمة لديها القوى والنفوذ
والسيطرة ولديها الشركات العالمية العابرة للقارات ولديها
وسائل تطبيقية حديثة ووسائل اتصال احدث من جيل "المعلوماتية "
من انترنت وجوال وقنوات فضائية وإطباقها اللاقطة .
أما في الجانب الثاني من
ذلك هو ما تفرزه تلك الوسائل من تحديات جديدة تقع على كاهل
المواطن من دون أن تترك له خيار مثال ذلك تسريح العمال
والاستغناء عن خدمات الأيدي العاملة الماهرة وبإعداد كبيرة
بسبب التقدم العلمي والتقني الذي أفرزته العولمة , أما
السلبيات الناتجة من سوء استخدام الانترنت أو تراجع الصناعات
المحلية أمام الصناعة العالمية ذلك فضلا عن تغييرات وتحديات
معنوية أخرى قد تمس مسائل مهمة مثل مسالة الهوية identity
فكما نعلم إن العولمة منذ أن جاءت بانطلاقتها الأولى لتحويل
العالم إلى قرية صغيرة قد رفعت شعار ( ارض بلا حدود , ثقافة
بلا حدود , سوق بلا حدود ) فالعولمة - كما تدعي - أنها تسعى
جاهدة إلى السمو بالإنسان بعيدا عن انتماءاته الفكرية والاثنية
والعقائدية إلى انتماءات أخرى تكون أعلى شأنا واكسر سموا ,
بدعوى الحفاظ على إنسانية الإنسان " الأنسنة " ولكن هل لنا أن
نعرف إلى أي حد يتم العمل من اجل ذلك ؟ والجواب واضح جدا هذا
الطرح على مستوى الشعارات طبعا حيث إننا على ارض الواقع نجد إن
العولمة وإشكالها تأتي بخلاف ذلك فاحد إشكالها هي دعوى
المطالبة بحقوق الإنسان وحقوق المرأة ولكن على مستوى التطبيق
لا نلمس ذلك , فمثلا نجد إن العولمة وتجلياتها تعاملت مع
المرأة بوصفها سلعة وجرد ذلك المخلوق اللطيف والجنس الناعم من
إنسانيتها وتعاملت معها من جانب غريزي أو الجانب التسويقي
الساعي إلى إرباح أكثر بغض النظر عن الطريقة أو الوسيلة إذ إن
القوى المتحكمة في العولمة أقرت مبدأ مكيافيللي ( الغاية تبرر
الوسيلة ) , فمن أدواتها استخدام المرأة للدعاية والترويج حتى
وان كان المنتوج الذي يجرى الترويج له منتج غير شرعي مثال ذلك
الترويج والدعاية لمقوي جنسي أو أي غرض أو منتج رجالي أخر خاص
بالرجال يقوم المسوقون في ظل العولمة باستغلال جسد المرأة
للترويج له وإظهار المرأة بمشاهد تخدش الحياء , إضافة إلى ذلك
انه في عصر العولمة وتوجهاتها تم السماح بسن تشريعات جديدة مثل
المثلية الجنسية التي تمثل أبشع صورة من صور تجريد الإنسان مما
كرمه الله به .
بالرغم من إن العولمة -
بوصفها ظاهرة موضوعية- جاءت وكمفهوم مهم حاول أن يعالج بعض
المسائل المهمة والخطرة التي لا يمكن تسويتها وحلها على صعيد
أو مستوى السيادة الوطنية للدولة الواحدة مثال ذلك قضايا حقوق
الإنسان والإرهاب ومخاطره والمخدرات , فان احورا مهمة كهذه
تتطلب تضافر الجهود الدولية من اجل مواجهتها إلا إن هذا قد جرى
على مستوى الشعارات البراقة التي تستخدم من اجل التمرير
والتسخير لخدمة إغراض خاصة للقوى المتحكمة في العولمة فمثلا :
أن تلك الدول القائمة على العولمة لم توافق على وضع تعريف محدد
وواضح للإرهاب من اجل أن يكون مظلة واسعة تدرج تحتها من تشاء
وما تشاء , كذلك في عصر العولمة بعض الدول تجيز للمواطنين
تعاطي المخدرات بنسبة محددة وهذا في المستقبل طبعا يقود
للإدمان ومشكلاته لذا علينا أن نكون حذرين في التعامل والتكيف
معها وليس المقاطعة القطعية ولا الانصهار فيها بشكل تام وهذا
الحذر يوصي به حتى من هو كان قائما على صناعة العولمة مثال ذلك
الافتصادي والأكاديمي البارز الذائع الصيت (جوزيف ستكلتز) الذي
نشر كتابا بعنوان (العولمة ومساؤها) تم فيه تسليط الضوء على
النواحي غير المرئية من سياسات العولمة التي لمسها المؤلف
أثناء عمله عضوا في إدارة كلينتون ورئيسا لمجلس المستشارين
الاقتصادي ونائب الرئيس الأقدم للبنك الدولي وقدمها للعالم من
اجل أن يستشعروا الحقيقة ويدركوا الصواب .
العولمة
والدولة : -
يشير البعض بالقول إنه
يكاد يجمع اغلب المختصين على اختلاف وظيفة ودور الدولة في ظل
العولمة عن طريق تراجع في دور الدولة وظهور ما يسمى الدولة
الرخوة في البلدان النامية وما لذلك من انعكاسات على واقع
التخطيط والتنمية في هذه البلدان .
قطعا لا يمكننا أن نجزم
بأن هنالك إجماعا لأغلب المختصين , فربما هذا في الظاهر طبعا ،
فحتى على مستوى ذلك الإجماع هنالك منطلقات فكرية متعددة تصب في
ما يفهمه كل مختص من هذا الطرح (وظيفة ودور الدولة ) فقد تعددت
القراءات حول ذلك , صحيح من الممكن أن يكون هنالك شبه إجماع
ولكن هل لنا أن نسال : ماذا فهم كل مختص من هؤلاء المختصين من
ما جاءت به العولمة من مفاهيم متعلقة بوظيفة ودور الدولة ؟
وقبل الإجابة على هذا
التساؤل ينبغي علينا أن نقرأ هذا الموضوع بحيادية وبموضوعية
مجردة والغوص فيه من اجل تفريغ المفهوم من حمولته السلبية -
عواطف ومشاعر الباحث - التي تعيقه عن التنصل من ايديولوجيته
الفكرية التي تمنعه من الحكم الموضوعي في ذلك .
إذن ما هي الدولة بمفهومها
التقليدي العام ؟ ابسط مفهوم وأقدم مفهوم للدولة والذي يستوعبه
حتى رجل الشارع أو المواطن الأمي هو أن الدولة هي المسئولة عن
رعاياها وهي ولي أمر مواطنيها وهي الكفيلة عن توفير سبل العيش
والأمان والطمأنينة , إذن أين الدولة سابقا ولاحقا من هذا
المفهوم ؟ يعني هل كانت الدولة سابقا كذلك أم لا؟ وان كانت
كذلك هل هي مستمرة في رعاية وكفالة المواطنين ؟ أم تركت وهجرت
هذه السياسة ؟
سابقا كانت الدولة ولاسيما
في البلدان الشرقية والنامية هي الراعي الرسمي للمواطنين وهي
التي تقوم بتوفير سبل العيش ومستلزمات الحياة دون مقابل وهذا
يتم عن طريق وسائل عدة من خلال توفير الأمن , رعاية صحية ,
تعليم مجاني إلزامي , ضمان اجتماعي , تأمينات اجتماعية
.......الخ , وهذا يتم من دون أي مقابل أو لقاء ضرائب ورسوم
زهيدة ( اسمية ) لاسيما في البلدان الاشتراكية وهي ديدن كل
الأقطار العربية والبلدان النامية .
إما ألان فكثير من البلدان
وفي هذه الحقبة تحديدا - مرحلة التبدلات السياسية
والايدولوجية - بدأت الكثير من الدول تسحب يدها شيئا فشيء من
الكثير من تلك الوظائف وبصورة غير مباشرة طبعا - مبدئيا على
الأقل - رفع الرسوم والضرائب المستحصلة من المواطنين التوقف
عن التدخل في المساهمة في استقرار السوق ودعم الأسعار وحفظها
من التقلبات لصالح المواطن فالدولة بدأت تفسح المجال إمام
السلع الأجنبية وعلى حساب السلع والبضائع المحلية والوطنية
وتسمي ذلك انفتاحا , وتبيع الكثير من المصانع والمعامل
الحكومية إلى القطاع الخاص وتسمي ذلك خصخصة ,وتفتح الأبواب
إمام الشركات المتعددة الجنسية والمتعدية الحدود وتسمي ذلك
استثمارا , وترهق نفسها في التزامات وديون مالية مقدمة من -
إحدى وسائل وأدوات العولمة - صندوق النقد الدولي أو البنك
الدولي التي تمنح الأموال بشروط مصحوبة وتسمي ذلك قروضا أو
منحات حيث أصبحت الدولة تمارس سياسات جديدة تتقاطع مع
سياساتها في العهد السابق .
أي باختصار ممارسة ما يسمى
( الإجلاء والتسليم ) إجلاء ورفع وقطع بعض الوظائف التي كانت
تقوم بها ، والتسليم ببدائل أخرى وهذا كله هو وصف لحالة
التجويف التي تمارس على الدول أي تفريغ الدولة من محتواها
وإرهاقها بذلك لتقف عاجزة إمام التحديات التي تواجهها .
هنا يتساءل البعض كيف تم
ذلك ؟ وهل يفهم من هذا إن هذه العملية مقصودة أم إن الدولة
لأتملك الخيارات ؟ والجواب على ذلك : إن هذا كله طبعا لم يأتي
بصورة مباشرة دفعة واحدة , إما كيف أتى وتم ذلك فهنا نقطة
البداية للإجابة على فيما بدأناه , وبداية النهاية بالنسبة
لدور الدولة كسياسة وكوظيفة ودور .
إن فكرة العولمة وكما نعلم
قديمة جدا ترجع إلى عصور وقرون عدة - على الأقل العولمة كفكرة
- أي عولمة العالم فكل مذهب أو ايدولوجية أو ديانة تطمح لان
تكون ( معولمة ) ونشر ما تؤمن به من أفكار ومعتقدات على مستوى
العالم , إما عن العولمة موضوعة البحث فهي تسير مع الدول في
السابق وألان تسير إمام الدول فكل دولة من الدول شاءت أم أبت
لابد لها من الانحراف عن سياستها المتبعة سابقا والانخراط في
ذلك التيار والتأثر به , حتى الدول الأوربية مهما بلغت من
مرحلة من الرقي والتقدم وازدهار فلابد لها من التسليم بذلك ,
عموما كلامنا عن البلدان العربية والبلدان النامية فكل دولة
تسير في سياستها بشكل مستقيم تسير معها وعلى نفس الخط والاتجاه
( العولمة ) ولكن بسرعة اكبر إلا إن العولمة هنا فندت النظرية
أو القاعدة الهندسية كل مستقيمان لا يلتقيان , فالعولمة لا
تسير فقط مع سياسة الدولة على نفس المسار وإنما تسير معها وهي
تمارس ( التغامز) سواء ترغيبا أو ترهيبا ولاسيما نحن ألان نعيش
في عصر سياسة الإرهاق المالي والإضعاف الاقتصادي بدلا من عصر
سياسة البوارج الحربية فالأولى أكثر تأثيرا واشد وقعا من
الثانية كونها تستهدف الجانب المادي والمعنوي من الدولة في حين
إن سياسة البوارج الحربية تستهدف الجانب المادي فقط وقد تخطأ
في إصابة أهدافها في بعض الأحيان ...
ما أريد إن أبينه هو إن
العولمة ترغب بان تكون لكل دولة نهاية حتمية بالانحراف
والتسليم لها من خلال ما تمارسه من سياسات , ومن خلال الرسمة
أعلاه قصدت بان يبقى خط العولمة ثابتا قي مساره وخط الدولة هو
الذي يتنازل ويأتي مذعنا لخط العولمة , كذلك نقطة التحول التي
تأتي بفعل حدث أو إحداث متوالية وشديدة التأثير وهذا الحدث قد
يكون ذو طابع مالي أو عسكري أو اقتصادي ....الخ وصولا إلى نقطة
الانجراف .
ففي ظل العولمة لا يوجد
شيء اسمه الدولة القومية ولم تعد الدولة القومية هي حدود مجال
العمل بل أصبح العالم كله مجالا للعمل, فالعولمة غالبا ما
تسعى إلى محاربة واختراق وتفكيك الدولة القومية واستبدالها
بخيارين لا أكثر إما إن تكون الدولة دولة رخوة soft state التي
جاء بها ( غنار ميردال ) أو تكون دولة الرفاه luxury state
التي جاء بها الاقتصادي الغربي ( كينز ) أو الدولة الريغنية
أو التاتشرية - نسبة إلى مار كريت تاتشر و رونالد ريغان - ,
إما إذا كانت دولة رفاه وهذا النمط كان سائدا في دول الغرب
بداية الأمر فهي تكون دولة قوية ومسيطرة عسكريا وتعمل على بسط
نفوذها ودعم مواطنيها لتنمية شعورهم بالولاء للوطن وتعمل على
رفاهية الطبقة العاملة وتقليل الضغط عليها وتقوية النقابات
وإفساح المجال لها للعمل النقابي وإعادة توزيع الدخل لصالح
الطبقات الفقيرة وتدخل الدولة المستمر للمحافظة على دعم
واستقرار السوق .
أو تكون دولة رخوة بعد
ممارسة سياسة الإجلاء والتسليم الذي اشرنا أليه قبل قليل لتكون
دولة ضعيفة ينتشر فيه الفساد المالي والإداري وعاجزة عن حماية
رعاياها وحفظ الاستقرار الاقتصادي وتغليب المصلحة الفردية على
المصلحة العامة , وهذه الخصائص تمثل طبيعة اغلب البلدان
النامية .
وهنا تتمكن العولمة من
تمرير ما تريده واختراق الأنظمة المحلية للدولة والتدخل في رسم
سياستها لتكون هذه الدول دول مستهلكة لا منتجة لتصدير سلعها
لتلك الدول وتصريف منتجاتها وتحويلها إلى دول تابعة لها كي
تمرر عليها ما تشاء وإعلان هذه الدول بالتسليم لرغبات الفكر
الأوحد ويكون العالم الثالث كما يسمى حقا الجارية الجديدة ,إذن
وإمام كل هذه التحديات التي تواجه الدول ولاسيما دول العالم
الثالث يمكننا القول إن ما يحدث من تغيير في سياسات تلك الدول
هو تراجع وانحسار لدور الدولة ولم تعد تأخذ دورها الذي كانت
تقوم به في السابق .