|
الأحـد:
01/03/2009
سوسيولوجيا الانحراف
بحث
ميداني في مدينة بغداد
أ. د. نبيل نعمان
إسماعيل
(خاص للمعهد)
المبحث الأول
الإطار العام
للبحث
1. مشكلة البحث.
2. أهمية البحث.
3. أهداف البحث.
1. مشكلة البحث:
إن مشكلة جنوح الأحداث هي من
المشكلات الجوهرية التي تجابه المجتمع نظراً لكونها تمس فئة عمرية من
فئات السكان تتمثل في فئة الصبيان والفتيان والتي تتراوح أعمارهم ما
بين (9-18) سنة؛ هذه الفئة التي يمكن أن تلعب الدور القيادي في مستقبل
نهضة وفاعلية وتقدم المجتمع فيما إذا منحت الرعاية والتربية الإيجابية
والتوجيه والتقويم الفعال الذي يمكن أن ينقذها من الجريمة والرذيلة
والجنوح.
هذا فإن تعقد ظاهرة جنوح الاداث
بدأ في تزايد مستمر يوماً بعد آخر، إذ كلما زاد المجتمع تطوراً وتقدماً
كلما زادت هذه الظاهرة، بل ولبست ثوباً جديداً يتناسب وطبيعة المرحلة
حيث تكون هنالك صور متعددة من الجرائم. لذا وجب الاهتمام بهذه الفئة
بدءاً من الأسرة مروراً بالمدرسة ووسائل الإعلام وانتهاءاً بالضبط
الاجتماعي.
2. أهمية البحث:
لقد ظل الأحداث بعيدين عن دائرة
الاهتمام الرسمية واشعبية ولا ينظر إليهم النظرة الحقة. ومجاميع كبيرة
من أفراد المجتمع تعتبر أن الأحداث صغار السن، يمكن تنشئتهم بالطرق
المعهودة، وإن حدث انحراف فإن الأسرة وأجهزة الضبط الرسمية ستقوم بصدهم
وإصلاح الاعوجاج، لكن الأمر ليس بهذه السهولة. فالمسألة أعمق بكثير من
الاطروحات السطحية.
وهذا البحث محاولة لبيان سمات
المنحرفين والأوضاع الأسرية التي يعيشونها وتحاول إلقاء مزيد من الضوء
على مشاكل الأحداث ويعطينا زاداً لتلمس متطلباتهم والنظر بموضوعية إلى
ما يعانونه من إهمال وتسيب وعدم اكتراث.
3. أهداف البحث:
يهدف البحث إلى التعرف على الخصائص
السلوكية العامة للأحداث المنحرفين، وعلى مميزات أسرهم ولفت الانتباه
إلى العوامل الأسرية والاجتماعية المؤدية إلى انحراف الأحداث وتقدم
التوصيات والمقترحات الملائمة التي تساعد على تقليل عملية الانحراف في
المجتمع العراقي.
المبحث الثاني
انحراف الأحداث
1. مفهوم
الانحراف.
2. أنواع
الانحراف.
3. النظريات
السوسيولوجية للانحراف.
1. مفهوم
الانحراف:
يقصد بالانحراف السلوك غير السوي
الذي تناقض مع نواميس وقوانين وعادات وأعراف وتقاليد المجتمع. وهو خرق
عن ما هو مألوف ومعتاد في المجتمع، وانحراف الأحداث يطلق في البداية
على كل فعل ينطوي على جريمة أو خرق للقانون، وهو تعبير ينحدر من
الاصطلاح الروماني (Delictum) ثم اتسع هذا المدول وشمل كل إهمال أو
تصير أو علم سيئ بوجه عام(1).
وهناك وجهات نظر مختلفة ومتعددة عن
الانحراف، الأمر الذي يحتاج إلى ضبط مفهوم الانحراف. فإذا كان هذا
المفهوم يأخذ عند "أوجست أيكهورن" معنى (الانحراف عن العمليات النفسية
السوية) فهو يدل في نظر "إيفي بنت" على (استمرار الطفل في إتيان سلوك
لااجتماعي متطرف رغم تجاوزه بداية مرحلة الكمون). وإذا كان يتمثل عند
"سعد المغربي" في (السلوك اللااجتماعي أو الضار للمجتمع القائم على عدم
التوافق أو الصراع النفسي بين الفرد ونفسه، وبين الفرد والجماعة) فهو
يتجلى عند "مصطفى الحجازي" في (الابتعاد الواضح عن المخالفة والاقتراب
الكبير من الجناية بمعنى أن السلوك الجانح يتمثل في التفاعل العضوي
للشخصية التي تتميز بتركيب نفسي معين مع الاطار الاجتماعي الذي يتضمن
القوى الدافعة للانحراف)(2).
وانحراف الأحداث لا يعبر عن خرق
وتجاوز الأنظمة والقوانين والتشريعات والتي يعاقب عليها القانون وتتشدد
فيها السلطات فقط، وإنما يعبر أيضاً عن السلوكيات والأخلاق الشاذة
والفاسدة والتي لا يقبلها المجتمع السليم وتشكل خطراً على المعايير
الأخلاقية والسلوكيات الاجتمتاعية القويمة، وهي سلوكيات وأخلاق غير
مستحبة في المجتمع، وإن كان بعض هذه السلوكيات والأخلاقيات لا يعاقب
عليها القانون، إلا أنها تسمى انحرافاً لنفور أغلبية أفراد المجتمع
منها مثل الكذب والتسول.
2. أنواع
الانحراف:
أولاً- الانحرافات النفسية:
يقصد بالانحراف النفسي والاضطرابات
النفسية الشاذة حيث إن الأفراد غير الأسوياء نفسياً تعتريهم إعاقة
معرفية أكثر ويتصرفون اجتماعياً بطريقة غير ملائمة، كما يبدون أقل قدرة
في التحكم بانفعالاتهم قياساً إلى الأفراد الأسوياء.
وهناك العديد من الطرق التي يمكن
الاستعانة بها في تحديد السلوك الشاذ:
أ. قصور النشاط المعرفي: حينما
تحدث إعاقة للقدرات العقلية كالاستدلال والإدراك والانتباه والحكم
والتذكر والاتصال وتكون هذه الإعاقة شديدة.. يمكن وصف السلوك بأنه "غير
سوي".
ب. نظراً إلى أن هناك مجموعة من
التقاليد الاجتماعية التي تنظم السلوك في كل مجتمع، فإنه حينما ينحرف
السلوك بدرجة عالية عن مستويات تلك التقاليد فمن المحتمل أن يطلق عليه
سلوك "غير سوي".
ج. قصور التحكم الذاتي: على الرغم
من أن الأفراد ليس لهم مقدرة كاملة على التحكم المطلق في سلوكهم، إلا
أن البعض يمارس تحكماً ولو بسيطاً في سلوكه لذا فإن الانعدام التام
للتحكم في السلوك يوصف بعادة بأنه سلوك "غير سوي".
د. الضيق: إن مشاعر الأسى وعدم
الارتياح كالقلق والغضب والحزن كلها انفعالات سوية وحتمية ولكن التعبير
عن هذه الانفعالات بصورة غير مناسبة تؤدي إلى المعاناة بطريقة حادة
وغير مألوفة يعتقد أنها "غير سوية"(3).
ثانيا- الانحرافات
الاجتماعية-الأخلاقية:
أما الانحرافات
الاجتماعية-الأخلاقية عند الأحداث فهي ليست خللا في عمل أعصاب المخ
يؤدي إلى الترهات ولا هي العصاب، وهو ما يعرف بالأمراض النفسية
العصابية، وتكون عبارة عن اضطراب في التفكير ويؤدي إلى خلق حالة
نفسية(4).
إن الانحرافات
الاجتماعية-الأخلاقية ولدتها الظروف الاجتماعية والاقتصادية والتربوية
غير السوية، والتي تعكس الخلل في بينة المجتمع، الأمر الذي أدى إلى
تناقض ما بين الحدث والواقع المعاشي، وهذا ما يدفع الفرد إلى تفريغ
معاناته والتخلص من شعوره المفرط بالتهديد بأحد الاتجاهين:
أ. داخلي- هزيمة- أمراض عضوية-
نفسية- انتحار.
ب. خارجي- السرقة- الاعتداء-
القتل(5).
فالانحرافات الاجتماعية عند
الأحداث هي الانحرافات ذات الاتجاه الخارجي والتي يقوم فيها الحدث أو
الفرد بتفريغ وطأة الضغوط على المجتمع بما يشكل مشكلة لأفراد المجتمع
الذين تقع عليهم تبعاته كما إنه يشكل مشكلة كبيرة أيضا للسلطة التي
تمارس دورها لحماية المجتمع واستتباب الأمن(6).
والانحراف المبكر هو كل فعل يقدم
عليه الحدث بدوافع فردية تتعارض مع المستوى الخلقي السائد والمعايير
الاجتماعية مما يقلق حياة الأسرة والمجتمع وبتكرار مثل هذا السلوك يصبح
سلوكاً اجتماعياً موجهاً ضد مصلحة الحدث والأسرة والمجتمع. ومن أهم
مظاهره الفرار من المدرسة والنزوع للشغب والتشرد في شكل تجمعات صغيرة
للاعتداء على الملكية العامة والخاصة كالسرقة وأعمال التخريب والشذوذ
الجنسي وتعاطي التدخين والخمر والمخدرات(7).
ولا يفوتنا أن نشير إلى أن هناك
علاقة وثيقة وترابطاً عضوياً ما بين الانحراف النفسي والاجتماعي حيث ان
كلاً منهما يؤثر على الآخر، والمنحرف اجتماعياً-أخلاقياً قد يعاني من
انفصام في الشخصية واضطرابات نفسية وعصاب. وإن ضغوطات الحياة
الاجتماعية والاقتصادية والحياتية الشديدة قد تؤدي إلى الهوس والاكتئاب
ومن ثم إلى الجنون.
3. النظريات
السوسيولوجية عن الانحراف:
(1) نظرية حرية الإرادة:
والتي تنطلق أساساً من أن الحدث
يمتلك حرية الاختيار، وهو صاحب إرادة مطلعة يختار بنفسه الأعمال
الشريرة والأفعال الخيرة، والمحيط والبيئة ليس لهما دخل في سلوكه
الانحرافي طالما أن الحدث يملك حرية الاختيار.
(2) النظرية الغريزية:
هذه النظريةترى أن الانحراف كامن
في أعماق الحدث وينتقل إليه وراثياً وأن هناك منحرفين بالفطرة، ويرى
(شيراز لومبروزو) أن الاجرام يرجع أساساً لأسباب وراثية وأقام نمطه
المشهور على المجرم بالفطرة(8).
(3) النظرية السلوكية:
وهذا الاتجاه يرى أن السلوكيات
الشاذة والمنحرفة قد يتطبع بها الحدث منذ نعومة أظافره، وهي نتيجة
لعملية التنشئة الاجتماعية الخاطئة.
(4) المذهب الإنساني:
وهذا المذهب يرى أن الاضطرابات
والسلوكيات المنحرفة هي امتداد للطفولة المؤلمة التي عاشها الطفل في
محيط أسرته، الأمر الذي ولّد لديه الروح الانتقامية والسلوك الشاذ
المنحرف.
(5) نظرية التوتر:
هي النظرية التي تؤكد أن لكل حدث
أهدافاً وطموحات. وعندما يصل إلى نقطة ما لا يستطيع تحقيق طموحاته
ومآربه التي يصبو إليها بطريقة سوية، يلجأ إلى الطرق المنحرفة لتحقيق
غاياته المنشودة(9).
(6) نظريات التحكم والسيطرة:
ترى هذه النظرية أن العلاقات
الاجتماعية الوطيدة تقلل من الانحرافات، وأن ضعف أو انعدام العلاقات
الاجتماعية (الأسرية، القبيلة، الجماعية، المدنية) يؤدي إلى تفاقم حدة
الانحرافات. وبالتالي، تشكل خطورة كبيرة على المجتمع ومعاييره
الاجتماعية والاخلاقية(10).
(7) النظريات الثقافية:
يرى هذا الاتجاه أن السلوك المنحرف
يتم أخذه من الجماعات المنحرفة في المجتمع ذات الثقافات الفرعية والتي
تظهر في المجتمع في خضم التباينات والعراكات الاجتماعية على حد تعبير
كوهن Cohen حيث تنفذ فيها جماعة (عصابة) ما جريمة وتصرفات شاذة ضد
جماعة أو فئة أخرى في المجتمع(11).
هذا كما قدمت الدراسات في علمي
السيكوباثولوجيا وسيكوباثولوجيا الارتقاء أدلة عديدة تتفق مع نظريات
علماء النفس وتؤيد إسهام الضغوط البيئية في تنمية العوامل المهيأة
للانحرافات النفسية، وقد استخدمها الباحثون في دراساتهم في ثلاثة
مجالات هي:
أ. تعقب الخبرات المؤلمة التي تعرض
لها المنحرفون نفسياً في الطفولة.
ب. انتشار الانحرافات النفسية في
أسر المنحرفين نفسياً.
ج. تأثر نسب انتشار الانحرافات
النفسية بعوامل اجتماعية وثقافية(12).
وهنالك طروحات ووجهات نظر متباينة
عن انحراف الأحداث نوجزها كالتالي:
(1) اتجاه يرى أن سبب الانحرافات
يكمن أساساً في تفشي الجهل والأمية وقلة الدارسين.
(2) ووجهة نظر تركز على أن أسباب
الانحرافات لا تأتي إلا كنتيجة للأزمات والاضطرابات النفسية.
(3) وآخرون يرون أن الانحرافات
تولدها المشكلات الاجتماعية-الاقتصادية.
(4) واجتهاد يؤكد أن مسببات
الانحراف كامن في الوضع الاجتماعي والمكانة الاجتماعية.
(5) وافتراض يستنتج أن ضعف أدوات
الضبط الاجتماعي وترهل أجهزة الأمن يغذي الانحراف عند الأحداث ويفرز من
مقومات الانحرافات الاجتماعية الشاملة.
(6) وهناك من يرى أن النمو السكاني
من الأسباب الرئيسة والمباشرة لنمو الانحرافات السلوكية وتفسخ الأخلاق.
(7) ونظريات ترى أن التفكك الأسري
هو الركيزة الأساسية لانحراف الأحداث.
(8) وجهة نظر أخرى تطرح أن سبب
الانحرافات عند الأحداث يعود في الأساس إلى البيئة الجغرافية أي الموقع
الجغرافي الذي يعيش فيه الحدث.
(9) وتوجد وجهة نظر دينية مفادها
أن ضعف الوازع الديني يؤدي إلى انحلال أخلاقي وفساد اجتماعي وبالتالي
يكون العامل الرئيسي لانحراف الأحداث.
وخلاصة القول، فإن النظريات
والاجتهادات السالفة الذكر عن انحراف الأحداث أحادية وضيقة ولا تؤدي
الأغراض المرجوة منها لأن انحراف الأحداث لا يمكن تفسيره بعامل واحد أو
عاملين بل هناك جملة من العوامل والمسببات المتشابكة والمتداخلة، والتي
إذا ما تم بسطها وتحليلها تعطي أساسا لمعرفة الأسباب المستندة والظاهرة
لانحراف الأحداث.
المبحث الثالث
الجذور الاجتماعية
والثقافية للانحراف
1. الأسرة.
2. المدرسة.
3. وسائل الإعلام.
4. الضبط الاجتماعي.
الجذور الاجتماعية
والثقافية للانحراف
1. الأسرة:
الأسرة هي اللبنة الأساسية
للمجتمع، وهي الجسر الرابط ما بين الفرد والمجتمع. فلقد كانت الأسرة من
أولى المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية والسياسية
والتي نظمت حياة الأفراد والمجتمعات.
إن من أهم المشاكل التي تواجه
الأسرة وتعزز مسألة التفكك الأسري وانحراف الأحداث، هو تدهور الحياة
المعيشية للأسرة والذي بدوره يؤدي إلى مشاكل كثيرة مثل انحراف الأحداث،
الدعارة، الادمان على المخدرات، والأمراض النفسية وظهور العصابات(13).
فالأسرة هي الدرع الواقي للأحداث
من الانحراف والتنشئة الأسرية السليمة للأحداث تنعكس إيجابيا على
المجتمع والتنشئة الأسرية السيئة تضيف أعباء ثقيلة على المجتمع.
إن معظم الدراسات المتخصصة في هذا
الميدان تلقي معظم مسؤولية جنوح الأحداث على العلاقات الأسرية السائدة،
كما تشير الدراسات إلى العلاقة بين بعض متغيرات البيئة الأسرية وطبيعة
التنشئة الاجتماعية السائدة في الأسرة، حيث ثبت أن أكثر من 90% من
الأحداث المنحرفين هم من ذوي خلفيات اقتصادية واجتماعية واطئة(14).
وهناك عوامل ومؤثرات أسرية أخرى
تساعد على انحراف الأحداث منها: ضيق السكن(15)، وكثرة عدد أفراد الأسرة
وموقع الأسرة الجغرافي وعوامل نفسية ووراثية متداخلة(16).
2. المدرسة:
لقد أثبتت مدراس التحليل النفسي أن
السنوات الخمس التي يقضيها الطفل في المنزل من أهم سنين حياته، أما
المدرسة فهي تكمل عمل المنزل، وهم أعظم قوة أخلاقية في المجتمع تعمل
على بناء أخلاق التلاميذ عن طريق مشاركة المعلمين الفعالة في جماعة
المدرسة واستغلال المواد الدراسية في المنهاج(17).
فالمدرسة كمؤسسة تربوية عتيقة
وحديثة قد تدهور وضعها وتراجعت أدوارها التربوية والتعليمية والتهذيبية
إلى الوراء. ففي الوقت الذي تزداد فيه رقعة التعليم بشكلها الأفقي ونرى
ازدياداً كمياً للمدارس والمعاهد والكليات، إلا أن مخرجات هذه المؤسسات
التعليمية ليس في المستوى المطلوب وخاصة من الناحية النوعية.
عند الحديث عن التنشئة الاجتماعية
في المدرسة والتي يتراجع دورها لا بد من التطرق إلى وضعية المدرس والذي
يشكل العمود الفقري للتربية المدرسية، فإن أي انحراف في سلوكيات
وممارسات المدرس ينعكس سلبياً على العملية التربوية برمتها، ولكي نرتفع
بمستوى التعليم في المدرسة، لا بد أولا من الاهتمام بالمدرس من الناحية
التعليمية التأهيلية ومن الناحية المعيشية، حيث أن جزءاً مهماً من
شخصية الأحداث يتم تطبيعها وتنشئتها وتكوينها في المدرسة، فالمدرس فقد
كثيراً من هيبته ومكانته الاجتماعية لظروف ومعطيات عدة، ولم يعطَ حتى
اللحظة المكانة اللائقة به.
وخلاصة القول أن تراجع دور المدرسة
التربوي والتعليمي يكون أحد المسببات لانحراف الأحداث، وتسربهم من
المدرسة وتواجد الأحداث المستمر في الشوارع بعيداً عن الأسرة والمدرسة
يعتبران من العوامل المشجعة على تشردهم في مراحل لاحقة. وقد لا نخطئ
عندما نقول أن نقطة البداية في الانحراف تبدأ من الشارع(18).
وسائل الإعلام:
للتنشئة الاجتماعية أفرع مختلفة من
ضمنها وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ولعل أخطرها على الاطلاق اليوم
القنوات الفضائية القادمة إلينا من كل حدب وصوب.
فالقنوات الفضائية هي وسيلة من
وسائل الاختراق الثقافي الذي يستهدف السيطرة على الإدراك واختطافه
وتوجيهه، وبالتالي سلب الوعي والهيمنة على الهوية الثقافية الفردية
والجماعية.. وتعطيل فاعلية العقل وتكييف المنطق والتشويش على نظام
القيم وتوجيه الخيال وتنميط الذوق وقولبة السلوك.. وتكريس نوع معين من
الاستهلال لنوع من المعارف والسلع والبضائع(19). ففي الوقت الذي تتراجع
فيه أدوار الأسرة والمدرسة في التنشئة الاجتماعية للأحداث يرتفع فيه
دور التنشئة الاجتماعية عبر وسائل الإعلام المختلفة وأخطرها القنوات
الفضائية العالمية مع ما يرافقه من قلة الرقابة الإعلامية وتراجع دور
المؤسسات الإعلامية المحلية والعربية والإسلامية في مواجهة الضخ
الإعلامي الخطير والقوي من القنوات الفضائية وشبكة الانترنيت.
لقد أصبح النظام الثقافي المسيطر
–في حقبة العولمة الثقافية- هو النظام السمعي البصري، وهو النظام
المتمثل اليوم في عشرات الإمبراطوريات الإعلامية الحضارية التي تزخ
ملايين الصور يومياً فيستقبلها مئات الملايين من المتلقين في سائر
أنحاء المعمورة(20).
إن القنوات الفضائية التي تزورنا
يومياً على مدى 24 ساعة تفلت من الرقابة السلطوية وتكتسح الحواجز
والحدود الجغرافية، دون مساءلة تعد اليوم من أخطر وسائل الاعلام على
الإطلاق. فما يصدر الينا من ثقافة الآخر، قيم اجتماعية وأخلاق قد
تتنافى مع قيمنا وأخلاقنا، ومعلبات تتضمن مواد مسلوقة جاهزة للاستهلاك
وشركات إعلامية تتنافس لتقدم سلعتها إلى المستهلك بإخراج مثير وتحت
وطأة إغراء لا يقاوم، لا وقت للتفكير والتمحيص والتردد وسائر ما يمكن
أن يحمي الوعي من السقوط في إغراء الخداع(21).
الضبط الاجتماعي:
الضبط الاجتماعي هو جملة من
المعايير والقيم والأدوات والتدابير الاجتماعية الموروثة والمكتسبة
والتي تحكم تصرفات أفراد المجتمع ويحترمها الجميع من أجل ضبط إيقاع
الحياة وتنظيم السلوكيات الاجتماعية والثقافية والتربوية والاخلاقية
بما يحافظ على تماسك المجتمع وقوته ويحد من انتشار الانحرافات والتفسخ
الاجتماعي والأخلاقي، لأن العمران البشري على حد تعبير المفكر العربي
عبد الرحمن بن خلدون لا بد له من سياسة ينظر بها أمره(22).
ولذلك فالضبط الاجتماعي على حد
تعبير لندبرج: عبارة عامة تستخدم للإشارة إلى السلوك الاجتماعي الذي
يقود الأفراد أو الجماعات نحو الامتثال للمعايير المقررة أو
المرغوبة(23).
وللضبط الاجتماعي أدوات ووسائل
مختلفة مثل الدين، العادات والتقاليد والأعراف، والأسرة، والمدرسة،
وسائل الاتصال، والقوانين، والثقافة والمعتقدات، والرأي العالم.
وتوجد ثلاثة أنواع للضبط
الاجتماعي، وهي كالتالي:
1. النوع الرسمي: والذي تستخدم فيه
قوة السلطة أو الحكومة بمؤسساتها الرسمية (الشرطة والجيش والسجون
والقوانين...).
2. النوع غير الرسمي، هو نابع من
القيم الدينية والأخلاقية والتقاليد والأعراف والمعتقدات والتي هي
عبارة عن قوانين اجتماعية تقليدية اختيارية اختارها المجتمع طوعاً، حيث
تعتمد على عنصر الإقناع والتهذيب.
3. النوع الثالث هو الضمير: والذي
ينشأ عند الأحداث والكبار كنتيجة للتنشئة الاجتماعية منذ الولادة، حيث
يتكون لدى الحدث تدريجياً ضمير داخلي يصده عن ارتكاب المحرمات
والانحرافات وتعزز فيه القيم الحميدة.
فإن أي تراجع للعادات والتقاليد
والأعراف الاجتماعية سوف يلقي بظلاله على الأحداث، خاصة عندما ينشأون
في بيئة اجتماعية قاسية مريضة أو في وضع اجتماعي مشبع بالأنانية والجشع
والحسد والحقد، ويقل فيه الردع الرسمي القانوني، ويضعف فيها الوازع
الديني والعادات والتقاليد الحميدة، فإن هذا الوضع يكون بيئة صالحة
للانحراف والتفسخ الاخلاقي، ويعزز هذا الوضع الفاقة والفقر والجوع...
الهوامش
والمصادر:
....................................
1. منيرة
العمرة، انحراف الأحداث ومشكلة العوامل، المكتبة المصرية الحديثة،
الاسكندرية، 1974، ص5.
2. أمل
عبد الرزاق نعيم، نقد مناهج البحث النفسي في ظاهرة جنوح الأحداث في
الوطن العربي؛ في سلوك المنحرف... والأمن الاجتماعي، الندوة العلمية
الأولى التي يقيمها قسم الإرشاد التربوي، كلية التربية، بالتعاون مع
وزارة الداخلية للفترة من 13-14 مارس، 1992، مطبعة دار الحكمة، جامعة
البصرة، ص64.
3. لندال
دافيدوق، مدخل علم النفس، دار ماكجر وهيل للنشر، بالتعاون مع المكتبة
الأكاديمية- القاهرة، وادار المريخ للنشر في الرياض- السعودية، 1983،
ص658-659.
4. حقيقة
الأمراض النفسية وأوضاعها في اليمن، الشورى، العدد 272، 10/5/1998، ص6.
5. د.
قيل كردي حسين، علاقة الضغوطات بالانحرافات السلوكية، ندوة، السلوك
المنحرف... والأمن الاجتماعي للفترة من 13-14 مارس 1992، مطبعة دار
الحكمة، جامعة البصرة، العراق، ص59.
6.
المصدر السابق، ص60.
7. د.
إجلال إسماعيل حلمي، الانحراف السلوكي لدى الشباب من الذكور في مجتمع
الإمارات؛ المشكلات الاجتماعية في الإمارات، بحوث الندوة العلمية التي
نظمتها جميعة الاجتماعيين، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، ط1، سنة
1993، ص158.
8. نويل
تايمز، علم الاجتماع ودراسة المشكلات الاجتماعية، ترجمة غريب محمد سيد
أحمد، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، 1985، ص4.
9. د.
أحمد عبد المهدي السويدي، تطور جرائم السرقة في الأردن خلال الأعوام
1990-1995، دراسة اجتماعية تحليلية، المجلة العربية الأمنية، الرياض،
سنة 12، مجلد 12، العدد 23، 1418هـ، ص60-61.
10.
Merton, R. K. Social Theory and Social Structue. Free Press, NY,
1968, pp. 31-32.
11.
Cohen, A., Delinquent Boy, London, Routledge and Paul, 1955, p. 93.
12. د.
كمال إبراهيم مرسي، المدخل إلى علم الصحة النفسية، دار القلم للطباعة
والنشر، الكويت، ط3، 1997، ص175-177.
13. د.
محمد عاطف غيث، دراسات في علم الاجتماع التطبيقي، دار النهضة العربية
للطباعة والنشر، بيروت، د. ت.، ص112.
14. د.
ناجي عبد ملاغي، التربية الأخلاقية والشخصية السوية؛ في السلوك
المنحرف... والأمن الاجتماعي، ص77.
15. علي
بوعناقة، الأحياء غير المخططة وانعكاساتها النفسية والاجتماعية على
الشباب، دراسة ميدانية في الجزائر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،
ط1، 1996، ص315-320.
16. د.
فاخر عاقل، التعليم ونظرياته، دار الملايين، بيروت، ط5، سنة 1981،
ص197.
17. د.
عبد الله الرشدان، علم الاجتماع التربوي، دار عمار للنشر والتوزيع،
عمان، ط1، 1984، ص83.
18. د.
محمد صفوح الأخرس، تركيب العائلة العربية ووظائفها، دراسة ميدانية
لواقع العائلة السورية، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق،
ط2، 1981، ص390-391.
19. د.
محمد عابد الجابري، العولمة والهوية الثقافية: عشر أطروحات؛ المستقبل
العربي، بيروت، السنة العشرون، العدد 228، 1998، ص17-18.
20. عبد
الإله بلقزيز، العولمة والهوية الثقافية: عولمة الثقافة أم ثقافة
العولمة، المستقبل العربي، بيروت، السنة العشرون، العدد 229، سنة 1998،
ص96.
21.
المصدر نفسه، ص96.
22. عبد
الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دار الفكر، د. ت.، ص302.
|