الحضارية «ثقافة ومجتمع»

السبت: 21/02/2009

 

الشباب العراقي أمام تحديات العصر

فكر التحديث والمستقبلية

 

 الدكتور توفيق آلتونجي(*)  

 " فقط هؤلاء الموسوعيون من النخبة يمكنهم تفسير واكتشاف الحقيقة وراء المعلومات المتجمعة."

(سو تسو , فيلسوف, محارب وبطل قومي صيني 490 قبل الميلاد)

 تمهيد:

 الشباب العنصر الاساسي في بناء مستقبل البشرية وحولهم  تتمحور كافة السياسات المستقبلية للدول والحكومات. الشباب عماد اساسي من اعمدة بناء المجتمعات الحديثة وعلى عاتقهم سوف تقع مهام وتحديات الايام القادمة وعلى مهاراتهم وتجاربهم ومدى وعيهم وتربيتهم وعلمهم يتوقف نجاحهم وسلامة الارض ومن عليها. هؤلاء سوف يتسنمون صولجان السلطة وحكم البلاد بعد حين لينطلقوا بالوطن وابنائه الى افق جديدة يملؤها السلام والطمئنينة.

الشاب العراقي مر خلال عقود من التاخر والظلام وسواد افكار قادته الى سوح القتال والموت والفناء. اما المسيرة العلمية فقد تاخرت كثيرا نتيجة عدم توفر المستلزمات الكافية والبيئة السليمة لانطلاق الشاب في عوالم المعرفة والابداع.

ساحاول في بحثي هذا ان اقدم تصوراتي حول مستقبل ا لشباب في العراق وتحليل نماذج معينة من السلوك واعطاء اهمية خاصة بالمؤهل الاجتماعي للشاب على ضوء البحوث العلمية ونتائجها هنا في الغرب. مع اعطاء اهمية استثنائية الى  التعليم بالاعتماد على اسلوب "حل المشاكل والمعضلات" كطريقة حديثة في التعلم, ورؤية تعليمية جديدة من الناحية النظرية والعملية.

 السياسيون العراقيون سيحتاجون الى مكان للانطلاق"بداية" لبناء العراق الجديد وسيجدون في طلاب المقاعد الدراسية ضالتهم المنشوده. الشباب هم البداية لبناء القيم الجديدة في المجتمعات وارساء دعائم المجتمع المدني الديمقراطي و الممارسة الديمقراطية الحقة.

ان المستقبل يبنى دوما بسواعد الشباب وتعود نجاحاتهم او اخفاقاتهم الى مثابرتهم وتسلحهم بالعلم والمعرفة من ناحية ومن ناحية اخرى ياتي  بثمار الفكر والتربية الديموقراطية ومدى ممارستهما.

الجدير بالذكر ان عودة الشباب الى مقاعدهم الدراسية في المدارس تعتبر من اهم المهام الوطنية للسياسي العراقي وذلك عن طريق فتح باب الحوار والنقاش الحر والمفتوح لارساء الممارسات الديمقراطية في المجتمع العراقي بعد تلك السنين العجاف من سيطرة الفكر الشوفيني والعنيف والشمولي الاسود الذي ساق البلاد وابنائه الى الهلاك في سوح المعارك واقبية سجون ومعتقلات النظام العفنة .

 الشباب رأس الحربة:

  فيما يتعلق بالشباب انفسهم فان عليهم مسح الافكار والموروث القديم وشطبها من ذاكرتهم واحلال الفكر الديمقراطي محلهما والانفتاح الى الحوار البناء والاستماع الى الفكر الاخر والناقد ورفض كل فكر يدعو الى الشمولية والانغلاق.

ان المجتمع العراقي بحاجة ماسة الى سيدة البيت المرأة العراقية الابية وتحريرها من استغلال الفكر السياسي واطماعه للالتفات الى تربية النشأ الجديد والمشاركة في سوح العمل لبناء عراق جديد وعلى المشرع العراقي النظر بعين العطف اليها واصدار قوانين ملائمة لكونها الزوجة والام ورفيقة عمل كما هي عليها في جميع المجتمعات المتحضرة .

ان التجاوزات التي حصلت على صبايا العراق ابان الحكم الفاشي السابق لايمكن وصفها وقد جرى عسكرة دور المرأة في المجتمع واعطائها ادوارا في عالم الجريمة المنظمة التي مارسها النظام ضد ابناء الشعب العراقي حيث كانت تنظيمات الحزب تضم وبالقوة والبطش والتهديد لسيدات ماأرتضين لانفسهم ذلك الدور اذا ترك الخيار الحر لهن , هذه الجريمة المنظمة قادتها في معظم الاحوال سيدات هن مجرمات محترفات وسوف ياتي يوم تقوم فيه العديدات منهن من الكتابة حول تلك المماراسات حين يسود الامن والامان ربوع الوطن انشاء الله .

ان ما اريد ذكره بهذا الصدد ان هيكل المجتمع الاجتماعي والفكري يجب ان يشهد اصلاحات وتغيرات جوهرية جذرية طويلة الاجل كي تتمكن السيدة العراقية المشاركة الفعالة في نشأة جيل جديد قادر على تحمل المسؤلية في بناء الدولة العراقية والمحافظة على انجازاتها في بناء وارساء قواعد المجتمع المدني المنشود.

ان على الشباب في العراق مراجعة التطورات العلمية التي حرموا منها والانفتاح على العالم ورفض العودة الى الماضي وهذه بحاجة الى تغيير اساسي في طريقة ونهج التفكير واستحداث سلوكيات جديدة ورؤيا مستقبلية واقعة وعلمية.

ان نفض غبار الماضي ورؤية الامور بوضوح اكثر سيساعدهم في تخطي هذه المرحلة خاصة ان الساحة العراقية الفكرية اليوم منفتح على تعددية فكرية واضحة سيتمحور مع مرور الزمن مكونا هيكلا فكريا يتمركز حول احزاب جماهيرية ستناضل من اجل افكارها واستقطاب اكبر عدد من المؤيدين كي يفوزوا باكبر عدد من المقاعد النيابية في البرلمان الوطني الاتحادي العراقي .

 منظور مستقبلي:

 ان الاحزاب السياسية مدعوة بالدرجة الاولى الى رفض وجود اي بند في برامجها يدعو الى الشمولية وانحصار الفكر والسلطة السياسية المطلقة بيد جهه او حزب واحد او مجموعة اتلافية تؤمن بالشمولية الفكرية المطلقة , كي يتم تداور وتداول الحكم والسلطة بطريقة ديمقراطية وسلمية .

ان الدعوة الى المجتمع المدني ونبذ عسكرة المجتمع يبعد الجيش عن السياسة متحولا الى سند وقوة حامية للوطن والمواطن وليس الحامي "للحزب" وبذلك ربما سيخفت حب المغامرة والتسلط على رقاب الناس واجراء الانقلابات العسكرية , وقد يكون تصوري هذا خياليا وغير منطقي عند الكثيرين , ولكن الشعب العراقي اليوم امام منعطف تاريخي ويجب ان يستغلها كي لاتتحول الى نسخة اخرى من الانظمة المتواجدة في المنطقة حيث شبح العسكر يخيم على المؤسسة السياسية ويقيد ادائها لابل يهدد وجودها وكينونتها في التدخل حتى لتغيير بنود الدستور وسن القوانين.

ان ممارسة طقوس الديمقراطية الحقة يبدأ في دور الحظانة حين يكون الصغير في ادوار حياته الاولى وهنا ارى ان المربي يجب ان يتحلى بدرجة عالية من الثقافة والعلم والمعرفة ويتقبل جدال الطفل ويحترم ارائه وتطلعاته ولا يطفئ في فؤاده الندي حب الحرية وابداء الرأي.

اننا امام تغيرات جوهرية في تركيبة المجتمع وكما ذكرت هنا نرى بان معظم حملة الفكر القديم سيتركون اماكن عملهم ووظائفهم خلال العشرة سنين القادمة وبذلك ياخذ الجيل الجديد اماكنهم وهذا ما عنيته بالتجديد فان هؤلاء سيكونون وربما وللا ول مرة خلال العقود الخمس الماضية يصلون الى مراتب عالية وهم يحملون علوما ومعارف وثقافة اكتسبوها تحت ضل نظام ديمقراطي .

ان العديد من دول العالم تواجه صعوبات اقتصادية كبيرة ادت الى استفحال نسبة البطالة في تلك المجتمعات ولكن السلام وبناء العراق الجديد والثروة الوطنية العراقية قادرة اذا وضفت بصورة عادلة في انعاش الاقتصاد العراقي وابعاد شبح البطالة عن شبابها , فالنظام السابق كان مهوسا في التسليح وبناء القوة العسكرية حيث هدر ثروة العراق على مشروعه القومي الفاشي المتخلف تاركا البلاد في دمار وديون خارجية واقتصاد احدى اغنى دول العالم تحول الى افقرها تسود البطالة بين شبابها .

 ان القوة الكامنة والمحركة عند الشباب تمر بمرحلة تسودها صورة ضبابية متأرجحة بين تركة الماضي الثقيلة والمعاناة الاقتصادية خلال العقد الاخير من الحصار يضاف الى ذلك الهبوط في المستوى العلمي والثقافي العام بعد هيمنة الفكر الحزبي الضيق على المؤسسات التعليمية وفي كافة مراحلها , هذه القوة المحركة تحتاج اليوم الى افق جديدة وحرة في الوصول الى المعلومات بحرية كاملة عبر جميع القنوات الاعلامية والتعليمية واني لعلى ثقة وايمان بان الشباب العراقي المتعطش للجديد والتحديث والعلم والقرأة سيهظم هذا الكم الهائل من المعلومات والعلوم في فترة قياسية نتيجة عقود الحرمان .

ان الهوة الديمغرافية في نسبة الشباب في المجتمع العراقي كنتيجة لسنوات الحرب والصراعات الداخلية والتهجير القسري والطوعي سيكون له آثار سلبية في المستقبل القريب.

ان المقاومة الشديدة لاي تغير مستقبلي  سوف تاتي بالدرجة الاولى من تلك المجموعة الطفيلية التي عاشت ببحبوحة في المجتمع نتيجة تبؤهم السلطة دون اي قابليات ومؤهلات علمية غير انتمائهم الحزبي او العائلي.  سوف يكونون جيشا من العاطلين وذوي العاهات وسيعانون الكثير من المشاكل في المجتمع الذي سيرفض وجودهم شيئا فشيئا, وقسم منهم سيتخذ قرارات جذرية واخرون ينعزلون تماما في حين ان هناك عدد منهم سيرى في المستقبل املا  جديدا ويبدأ من جديد تاركا الارث الثقيل ورائه وناقدا كل ما كان غيرصحيح متخذا قرار الابتعاد والنفي والانكار للانتماء للماضي المعيب كمن ولدته امه من جديد فيما سيبقى عدد اخر متردد يقدم رجلا ويخر الاخرى بين مصدق اومكذب  لما يرى والذي سيتوصل آجلا ام عاجلا الى قرار مواصلة المسيرة الجديدة وتغيير الذات.

اما المغامرون واللصوص وقطاع الطرق والقتلة ف" لايغير الله مافي قوم حتى يغيروا ما بانفسهم" سيقودهم جهلهم الى نهايتهم المأساوية .

 عندما سيتسنى لي تحليل المعطيات الاحصائية في المستقبل انشاء الله  وخاصة تلك الخاصة باحصائية توزيع السكان حسب الاعمار من 1990-2000 والتغيرات التي جرت على المجتمع خلال الخمسون سنة الاخيرة 1954-2004 اتمكن من التوصل الى نتائج علمية وتحليل واقعي لتركيبة الديمغرافية للمجتمع العراقي.

التحليل الفكري لمجتمع الشباب:

 يمكن تقسيم السكان فكريا حسب وبناء على الافكار  السائدة في عهد معين بدراسة تلك الافكار السائدة في ذلك العهد والزمان  وتحليل مدى انعكاسها لاحقا على افكار الشباب. فنحن نرى مثلا ان جهاز التلفون الذي اصبح محمولا وانتقل الى جيوب الشباب قد اوجد جيلا جديدا يرى في التلفون الخلوي النقال حاجة اساسية للتواصل مع اقرانه وهذا الاختراع اثر كثيرا على سلوكياتهم بالاضافة الى عالم الانترنت المرتبط بالكومبيوتر وتطور وسائل الاتصال المتعددة فهؤلاء الشباب لايمكن مقارنتهم بما كان عليه حال شباب الستينات وما يسمى ب"جيل الجمهورية" بينما ترى ان الشباب اللذين ثاروا وقادوا ثورة 1958 هم هؤلاء اللذين شبوا تحت النظام الملكي والصراع الديمقراطي واجواء الحرية السياسية النسبية والبرلمان الوطني وصراع الاحزاب وقضية فلسطين والدورالبريطاني في انشاء اسرائيل , اما الجيل الذي سبقهم فقد كانوا عايشوا اجواء الحرب العالمية الثانية والصراع الفكري النازي القومي الالماني وجميع انعكاساته على الفكر القومي العربي وصراع المعسكر الشيوعي والاشتراكي وظهور المحاور والاحلاف وتغير الخارطة السياسية والجغرافية للعالم في حين كان الجيل الذي سبقهم كانوا في صراع ديني قومي بين رفض الخلافة والدول العثمانية وسيطرتها الاستعمارية والحركات القومية والتحديثية الاصلاحية التي واكبت نهايات سنوات ما قبل انهيار الامبراطورية العثمانية والصراع القومي الذي بدأ من الحجاز حيث ثورة الحجاز بقيادة الشريف حسين لانهاء السيطرة العثمانية على الجزيرة والهلال الخصيب والدور البريطاني والفرنسي في المنطقة ......وهكذا.....نرى ان لكل جيل من الشباب طموحات وسلوك نمطية بعض الشئ يساوي ويوازي التطور الفكري في حين نرى ان القرن الجديد سيشهد ظاهرة جديدة تسمى ب"الانفرادية" في انعزال الشباب في افكار محددة غير شعبية اي لاينتمي اليها جماعات كبيرة بل تبقى في حجرات صغيرة تحافظ على وجودها ضمن تلك الخلايا الصغيرة تضاف اليها خصوصيات , ومعضم تلك التجمعات الصغيرة غير سياسية بل تنتمي الى افكار صغيرة فردية وربما ريداكالية احيانا وفوضية احيانا اخرى في حين سيكون الكومبيوتر الصديق ورفيق الدرب والحوار بين الفرد والالة تدخل عصرا جديدا .

ان التطورات والتغيرات المحلية والعالمية تتجمع مكونة نموذجا فكريا يرتبط بزمن معين ولكن ردود الفعل حول نفس الحدث تتغير من شباب مجتمع الى اخر حسب تطورالحدث المحلي الملازم للحدث العالمي من ناحية ومن ناحية اخرى درجة التحضر في المجتمع وتوفر ادوات الاتصال والعلوم الاساسية ومدى انتشارها بين الشباب وحرية تداولها والتفكير والتحليل الحر خارج اطار وجود حدود فكرية معينة تحدد فكر الشاب ويكون حاجزا "مسطرة" يطبقها على شكل دون الرجوع والتفكير في كون الفكر اساسا ربما خاطئ فياتي بنتائج تحليلية عكسية ورجعية .

 دور اسلوب الحياة في تكوين القيم والافكار والتطلعات المستقبلية:

 ان المرء يعكس اذن قيم العصر والزمان الذي يتواجد فيه بصورة عامة وهناك استثناء لهذه القاعدة العامة عندما يخرج احدهم باراء جديدة لاتلائم وتخالف تماما عصره وزمانه وبذلك يثبت الخاصية الديناميكية المتغيرة للفكر وعدم جمودها والملاحظ ان العقائد والافكار التي اعتنقها المرء في شبابه في معظم الاحوال ياخذها معه الى نهاية ايامه الدنيوية .

هنا نرى اهمية توجيه انتباه الشباب وخاصة الشاب العراقي حول ما يحمله من افكار نابعة عن تسلط فكر شمولي وعليهم بانفسهم اكتشاف مدى تاثير تلك الافكار عليهم وتحوله الى سلوك عادي لهم وتفكير نمطي بديهي يرددوه كالببغاء دون وعي وادراك وتحليل ويرون كل ما ينافي تلك الافكار ربما عدوة معارضة .

عندما يقوم المرء بالتعبير عن رأي ما تراه ينطلق من امور معرفية خاصة به ومن تجاربه وتجارب الاخرين وربما احيانا يعتمد على السماع والرواية والمشاهدة ويقايس بين الاحداث وتلك المعلومات ليتوصل الى الصحيح وقد نرى تاثيرالفكر الديني والتراث والعرف والعادات على نتائج ذلك التقييم .

كلنا يعلم ان الغيمة في الصيف كاذبة ولاتحمل بين طياتها قطرات المطر, فهل ياترى هذا الكلام صحيح اذا ما توجهت تلك الغمامة صوب اوربا مثلا ؟؟؟؟؟؟

هذا يعني ان البديهيات تتغير حسب الزمان والمكان والكيفية وهذا ما ينتج اختلاف في التفكير وتقييم الامور بين الشاب في الشرق ورفيقه الذي يعاصره في الغرب .

ان المجموعة المكونة لتلك البديهيات التي يقييم المرء على اساسها كل شئ تقريبا قد تتعرض الى تغييرات جذرية في قيمها خاصة عندما يتعرض المجتمع او الفرد الى حالات استثنائية في الحياة  كالازمات والحروب والكوارث مثلا , ولكن تلك التغييرات تبقى نسبية تجري ببطئ شديد عند كبار السن والشيوخ مقارنة بالشباب.

هذا يعني ان تغير الافكار والمعتقدات عملية بطيئة ومرتبطة بالقابليات الشخصية التي قد تؤثر بها ضروف استثنائية كالازمات الحادة , اما على نطاق المجتمع فتكون ابطئ بكثير تلك التغيرات وربما يجاريه تغيرات سريعة في السلوك والعادات كالبدء بارتياد مكان معين وليس على شكل معين وتغير الهيئة والملبس والمأكل وتلك التغيرات جدلية مع التغيرات العامة على مستوى الفرد او المجتمع فكلاهما يتاثران ببعضهما وتتغير تبعا لتغير الاخر.

البيئة بصورة عامة ذو تاثير كبير على السلوك وقابلية التغيير كذلك المستوى الحظاري بين سكان البادية والريف والجبل وسكان المدن الصغيرة او الكبيرة او العواصم فلكل منها منحى خاص في التغيير والتأثير على الشباب فنرى اشياء تتغير في سلوكياتهم في المدن بينما ياخذ وقتا طويلا للوصول الى الشاب الساكن في الريف البعيد بينما نرى من الناحية الزمنية اعوام بين العشرين والخامسة والعشرين الاخصب من ناحية الانفتاح وتقبل رياح التغيير عند الشباب.

هناك دراسات عديدة حول مستقبل الشباب وتوجهاتهم المستقبلية والفرق كبير بين توجهات الشاب في الشرق عنها في الغرب نتيجة للحالة التطورية العامة في المجتمع بصورة عامة والحالة السياسية بصورة خاصة فالمجتمعات التعددية الديمقراطية تتيح للشاب حرية التفكير ولختيار الرأي او الفكر المناسب لتوجهاتهم في حين تكون الانظمة الشمولية مانعا لتوجهات الشباب التطورية في المستقبل فتراهم منغلقين على انفسهم ضمن شرنقة "افكار الحزب ومبادئه" دون اكتشاف عوالم الابداع والتغيير والتطور الذي يتيحه الفكر الحر.

كل جيل جديد يعتقد بانه الاحسن مقارنة بالجيل السابق والحقيقة ان التطور المتسارع في التقنية والاجهزة ادى الى ترسيخ هذا الاعتقاد فالاختراعات الجديدة جعلت من الماضي القريب كانهم عاشوا في عصور الظلام فالشاب اليوم لايمكنه تصور عالما دون سينما وتلفزيون وكومبيوتر وتلفون وطائرات وامور اخرى كثيرة , يبقى شباب الماضي في رومانسيتهم وذكرياتهم يعودون اليها علهم يجدون بعض من تلك الرائحة القديمة ولكن هيهات فان كل شئ تغير وجرى عليه الزمن.

 مقايس تحليلية للمجتمعات البشرية:

 ان اعتبار مجتمع ما متطور له اعتبارات ومقاييس عديدة منها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والفكرية والسياسية وامور اخرى كثيرة يقاس عليها درجة تحظر المجتمعات واضفاء صفة العصري عليها وقد نرى نحن في الشرق اجحافا بحقنا حين ينعتنا البعض بالتخلف ولكن بمجرد معرفتنا للمقاييس نرى ان هناك هوة واسعة بين الشرق والغرب فيما يخص التطور الفكري خاصة الفكر الديني وانتشاره الواسع خلال العقود الثلاثة الاخيرة حيث التغيرات الجذرية في ايران بعد الثورة الاسلامية والتحولات الاجتماعية والسياسية في تركيا والتوجه الى التيارات الدينية المعتدلة والتحولات الفكرية بصورة عامة في كافة الاقطار العربية خاصة تلك التي تعتبر نامية حسب التعبير الاقتصادي اما الاقطار الغنية فان التطور الفكري ذو نموذج مخالف تماما لما عليه في الدول الاخرى قارن مثلا الجزائر مع الامارات.

اما المستقبل خاصة بالنسبة لفكر الشباب في العراق فقد يكون مختلفا تماما تطوريا عن المنطقة باكملها لوجود عوامل كثيرة اهما:

   ان التغيرات التي صاحبت "حرب تحرير العراق" وفي التاسع من نيسان عام 2003 مع سقوط النظام السابق سينعكس اجلا ام عاجلا على الخريطة الفكرية العراقية. 

   عودة التيارات السياسية بكافة اتجهاتها التي حرمت من المشاركة في الحياة السياسية العراقية خلال العقود الماضية (الا سريا) الى الحياة السياسية العلنية و الطبيعية في العراق.

   المحاور الفكرية الجديدة خاصة تلك المرتبطة بالفكر الديني الذي تحول عند العديد من التجمعات الى احزاب سياسية تشارك الحياة السياسية وفي لعبة السياسة وربما بعيدا عن الاصول الحقيقية.

الخارطة الفكرية العالمية تغيرت كذلك جذريا في العقود الاخيرة خاصة بعد انهيار جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة وانتهاء عصر الحرب الباردة  وهيمنة النظام الاقتصادي العالمي المعروف باسم "العولمة" على الفكر السياسي والاقتصادي في معظم انحاء العالم.

تبقى حقيقة الخارطة الفكرية في ثبات وجود الاديان السماوية والمعتقدات الاخرى مع تغيرات طرأت في مدى انتشارها خاصة في اوربا الشرقية والجمهوريات التي استقلت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

اما الشرق فقد بقى محافظا على تركيبته الفكرية ما عدا العراق حيث التغيرات جارية على قدم وساق ولم تتوضح الصورة الفكرية للامة العراقية بعد والواقع ان اجراء الاحصاء السكاني العام والانتخابات واقرار الدستور العراقي وشكل النظام القادم من الامور المرحلية المهمة في رسم الصورة المستقبلية في العراق.

 انعكاسات حوادث الماضي والرؤية المستقبلية:

 ان من الملاحظ ان احد اهم نتائج الحروب والنزاعات التي ابتلى بها العراق في عهد النظام السابق انعكس بصورة مباشرة على الثقافة العراقية وغير الكثير من التقاليد والاعراف عند الشباب الذين تحولوا بقدرة قادر الى انانيين يبحثون عن طرق جديدة للكسب الغير مشروع في كثير من الاحيان مبتعدين عن الاصول الثقافية الاصيلة في المجتمع العراقي وهذا ليس غريبا عن سواد الفوضى والانظمة القمعية والحصار الاقتصادي وتدني المستويات العلمية للمؤسسات التربوية وهيمنة طبقة شبه امية على مقاليد السلطة في البلاد واحتقار العلم والعلماء واللجوء الى اساليب الشعوذة والنفاق حيث انتشار المحسوبية والرشوة حتى بين الكادر المتقدم من موظفي الدولة حيث ان مبدأ "اللي يجيب نقش عوافي" السائد فكريا على سلوكيات الناس في تمجيد "الفهلوي" حتى وان كانت علومه وثقافته لاتتعدى الصفوف الابتدائية الاولى فهذا يمكنه من ان يتبؤ نصف وزارات الدولة علنيا بينما يكون يقود عشرات المنظمات السرية ويتحكم في رقاب الناس .

هذا النموذج السلبي منتوج الانظمة الشمولية القمعية اينما وجدت فهي تحدد من قابلية الشاب وحرياته ودرجة ابداعه واندفاعه للمشاركة وكذلك درجة ضمان المستقبل والامن الاجتماعي , فنرى مثلا في المجتمعات المثالية ان من مزايا الشباب انهم اصحاء ذو وعي بيئي وتقني يستخدم الاجهزة بجدية ويحاول ان يؤمن مستقبلا بضمان اقتصادي داعيا بالحرية للجميع وميالا للبحوث والدراسات وايجاد الحلول للمشاكل المستعصية في حين تختار الشابات الغيش في الريف وبين الطبيعة عكس الشباب في اختيارهم لاجواء المدن الكبرى والمزدحمة وذات الثقافات الغنية وحياة التسلية البريئة وامكانياتها المتاحة هناك .

 نظام العادات والتقاليد والاعراف:

 يقول الفيلسوف الاغريقي ارسطو " ان المرء تعبير عن افعاله التي اعتاد عليها , والخبرة ليست نشاطا بل تعود" , العادات نظام صارم ومعقد يسير المجتمعات البشرية وتكون شخصية الشاب مجموعة من العادات التي تعود عليها واعتاد ويكون سلوك الشاب مرتبطا بتلك المجموعة من نظم العادات ,اذن الطبع والتطبع هما خاصيتان انسانيتين تتغيران زمانيا ومكانيا ويكررها المرء على شكل عادات ربما ليس هو على وعي كامل بماهيتها والسبب الذي يدعوه الى تكرار تلك العادات من ناحية ومن ناحية ثانية يلتزم بها الى درجة التقديس احيانا حيث يعطيها صفات "مطلقة" غير قابلة للتغيير او النقد او على الاقل المناقشة والمراجعة.

    كشاب عندما حللت في مجتمع جديد" التركي ها هنا" كنت قد بدأت توا اول خطوات التغيير في شخصيتي متسائلا لماذا لاياكل ابناء المجتمع الجديد "اكلة الدولمة" باليد او باستعمال الملعقة على عادتنا نحن اهل العراق , بل يستعملون "الشوكة والسكين" حيث اخذت اجاريهم بينما كان الجميع سيضحك علي في مجتمعي اذا بادرت باكل تلك الاكلة بتلك الطريقة حيث تشتهر مدينتي "كركوك" وتتفنن السيدة الكركوكية في اعداد هذا الطبق من الخضراوات المتنوعة. العادة هنا تغيرت وبسرعة اخذا منحى جديد ,اذن للتعود تاثير مباشر على انتاجيتنا الفكري والاجتماعي والعملي وفعالية تلك الفعاليات ولكن العادات تتغير ويمكن تغييرها مع الوقت او الحاجة ونظرة الى ما كنا عليه في المجتمع العراقي قبل اقل من خمسة عقود وما نحن عليه الان يثبت مدى صحة هذا الاتجاه في حين ان المجتمعات الاخرى في الخليج العربي مثلا تغيرت بصورة جذرية الى درجة لايمكن مقارنة اسلوب الحياة لابناء المجتمع على ماكانوا عليه قبل خمسون عاما رغم ان هناك العديد من العادات والاعراف الاصلية لاتزال باقية وفعالة في الشخصية الخليجية .

العادة بصورة عامة هو تكرار لنشاط على منوال معين وربما يرتبط بزمان ومكان وحدث معين وهذا التكرار ربما يكون نموذجا يحتذي به الجماعة او مجتمع باكمله والعادة تكون مرتبطة بفكرة او حقيقة علمية او بقابليات الفرد وحاجاته الشخصية فالفكرة العملية يوضح للمرء ماذا يفعل في حالة معينة ولماذا؟  وكيف؟ في حين نرى الحاجة الى ذلك العمل المحرك الفعلي لمزاولتها وربما تاتي الادارة كذلك كمحرك للفعل في حين تاتي قابلية الشخص كعامل مقرر لمزاولة تلك العادة والاستمرار عليها , واحسن مثال على تلك التغيرات الجذرية في المجتمع تشاهده في التاريخ الاسلامي خاصة في السنوات الاولى للدعوة المحمدية حيث ترك القديم من العادات والطقوس الدينية والاتجاه الى عادات وتقاليد على شكل تعاليم دينية وفروض كالصلاة والصيام والزكاة وما الى ذلك من شروط النظافة والطهارة حتى الملبس والمأكلوالتعامل مع الناس والعائلة وذوي القربىوتغيير النظرة الى الحياة الدنيوية وامور اخرى كثيرة جائت لتغيير عادات الناس وفكرهم بصورة عامة.

من المعلوم ان كل تلك التغييرات جابهت صعوبات جمة خاصة في المجموعة التي رفضت الجديد وبقت محافظة على ماكان عليه اجدادهم مما ادى الى ان تكون عملية التغيير بطيئة او في العديد من الحالات كان المرء قد اسلم لكنه لايزال على عاداته "الجاهلية" هذا العرض مهم جدا عند تحليلنا عادات المجتمعات وكيف يمكن تغييرها ودور الارادة الشخصية في عملية التغيير ودور الشباب الاساسي في تسارع عملية التغيير.

ان حرية الاختيار اساسي في فكرنا ورؤيتنا للعالم ويكون كذلك النظام الفكري لدينا ويقع علينا تبعات تحمل مسؤليتها امام المجتمع او القانون اما عكس ذلك ما يفرض على المرء ضد ارادته الحرة واختياره يكون اجباريا لايمكن ان يكون المرء مسؤلا مباشرا عن فعله الا اذا توفرت الظروف اللازمة والممكنة للتهرب او الوقوف الى الحياد وتجنب الخوض في غمار المغامرة حيث ان المرء لايجوز له ان يقذف نفسه في التهلكة.    

 ان التطور والتغير عضوي في المجتمعات الانسانية كحالة مستمرة وقائمة ومن ناحية اخرى حتمية لا يمكن الوقوف امامها في حين يبقى الزمن كفيلا بالعنيد الذي يرى بعين واحدة ومن منظور اعوج جامد. اما الشباب فتلك الطاقة الابداعية الخلاقة ستتكفل ضمان بناء المستقبل اذا ما قورن فعله بالعلم والمعلوماتية وانفتح بصيرته ووعيه امام مستجدات الامور وشاهد كل شيئ بوضوح انشاء الله.

  اشارات:

 ·        Alm, Diana: Fördel mångfald, konsultförlaget, 1999.

·        Alm, Diana: Tjugo världar. Trend för framtidsfolk, konsultförlaget, 1998.

·         Brooks, David: Bobos in paradise, The new upper class and how they got there. Simon and Schuster, 2000.

·        Gilmore,James and Pine , Joseph: The experience economy.Harvard bussiness School press, 1999.

·        Jensen, Rolf: The dream society.Mc graw-hill, 1999.

·        Loek, Halman and Niel Nevitte: Political value change in westren democracies, tilborg, 1996.

·        Gillis Herlits, Socilgrammatik, Konsultförlag,2001.

·        Sennet, Richard: The corrosion of character,WW Norton and Company, 1999.

·        Björn, Axelsson: Kompetens för konkurrenskraft, SNS förlag,1997.

·        Stephen R. Covery – Att leva och verka till 100% Svenska Dagbladet,1993.

 

............................
(*) دكتوراه تخطيط وسايبرنتك اقتصادي
 

............................

المصدر : مجلة علوم انسانية WWW.ULUM.NL السنة السادسة: العدد 40: شتاء 2009  -