الحضارية «ثقافة ومجتمع»

السبت: 14/02/2009

 

السياسة الاجتماعية والتنمية البشرية

 

 رسول مطلق محمد(*)
(خاص للمعهد)
 

بسم الله الرحمن الرحيم

ـ مدخل

تعددت المفاهيم التي عالجت مصطلح السياسة الاجتماعية والقضايا المرتبطة بها لدرجة يصعب معها الوصول إلى مفهوم واحد متفق عليه حتى الآن , وتكشف هذه التعددية عن اختلاف المداخل الايدولوجية والأنساق الاقتصادية والسياسية والنظم الفكرية التي تعد اطراً مرجعية لصياغة هذه المفاهيم  ولقد أدت التعددية إلى غموض مفهوم السياسة الاجتماعية واختلاطه ببعض المفاهيم والمصطلحات الأخرى كالسياسة العامة والإدارة الاجتماعية والتنمية البشرية والتخطيط الاجتماعي لدرجه يوصف فيها مفهوم السياسة الاجتماعية بأنه مفهوم محير ( elusive concept) يصعب تحديده(1)

ولكون دراسة السياسة الاجتماعية هي في الواقع دراسة لعلم تطبيقي ،فإنه لابد لنا من تحديدها وتمييزها من بين المفاهيم التي قد تختلط معها والوقوف على مضمونها النظري ومن بين هذه المفاهيم مفهوم التنمية البشرية.

ـ ما هي السياسة الاجتماعية ؟

هنالك من ينظر إلى السياسة الاجتماعية على أنها مجموعة من الاستراتيجيات والأساليب المستخدمة لتحقيق نتائج معينة أو هي إستراتيجية لتحديد الحقيقة والواقع واختيار البدائل المختلفة أو ينظر إليها كونها مجموعة من المبادئ  المعلنة أو الضمنية والقرارات التي تقف وراء بعض البرامج والتشريعات والممارسات الإدارية ، وبسبب هذا الاختلاف حول تحديد مفهوم السياسة الاجتماعية فيمكن إن نصنف هذا المفهوم وفقا لمحورين( 2)

-الحور الأول : وهو يشتمل على مجموعة من التعريفات التي ترى وتؤكد على إن السياسة الاجتماعية هي أساليب مؤسسية تستخدمها الدولة لتوجيه وسائل إشباع لحاجات ومن ثم فإن هذه الوسائل والأساليب تعدّ أدوات ذات طبيعة توجيهية تعبئ قوى المجتمع في مواجهة الحاجات الأساسية للسكان .

ونلاحظ أن هذا المحور فيه تأكيد على دور الدولة في تأسيس أو تأمين الأمور التي يمكن بواسطتها تحسين النظام الاقتصادي للمجتمع أي يمكن تصنيف هذا المحور بأنه إصلاحي (يسعى لحل المشكلات ذات الطبيعة المجتمعية)

ـ المحور الثاني: وهو يؤكد على تقليل مسؤولية الدولة في توجيه وسائل إشباع الحاجات من خلال السياسات الاجتماعية إي تكريس لقيم المذهب الفردي والحرية الفردية , وهو محور يعبر عن وجهة نظر ليبرالية تبتعد قدر الإمكان عن الأخذ بمبدأ التدخل    (INTERVENTION)

ـ وقد حدد تتمس (RICHARD TITMUS) مفهوم السياسة الاجتماعية /بكونها كافة المبادئ الموجهة للوسائل والغايات بقصد تحديد الهداف المجتمع ,وتحتوي على جميع الوسائل التي تمكن من إحداث التغيير الموجه في الأنساق والمواقف والسلوك وبذلك فان السياسة تمكن الحكومات من إحداث التغييرات التي تعبر عن الإرادة العامة للمجتمع (3)

وعرف الأستاذ مارشال السياسة الاجتماعية :هي سياسة الحكومة التي تتضمن مجموعة البرامج والنظم الموجهة لتحقيق المساعدات العامة والتأمينات الاجتماعية وخدمات الضمان وغيرها

ـ إذن  وبطبيعة الحال كون السياسة الاجتماعية كمنهج وضعي يسعى إلى التنمية والتوجيه الاجتماعي القائم على علاقة بالمعطيات الخاصة بالعلوم الاجتماعية ,وهي استجابة لرغبة في المساهمة في حل المشكلات والقضايا التي لا تبدو موضع اهتمام من قبل البعض وهي ذات طبيعة( تطبيقية) عملية أي إن لها إجراءات متخذة من قبل هيئات تشارك في تنفيذها , وبما إن  السياسة الاجتماعية هي منهج أي هي طريقة دولة ما للتخطيط في النهوض الاجتماعي لواقع تلك الدولة , إذن فالسياسة الاجتماعية لتلك الدولة بطبيعة الحال سوف تكون شاملة وعامة وتجري وفق آليات متعددة ,واحد هذه الآليات كأن تخطط الدولة لإجراء التنمية البشرية.

ـ وكما ذكرنا في بداية الكلام عن تداخل مفهوم السياسة الاجتماعية مع مفاهيم أخرى ومن بين تلك المفاهيم مفهوم التنمية البشرية فلا بد لنا من أن نعرج على ماهية ذلك المفهوم :

ـ والسياسة الاجتماعية :هي أيضا آلية تستعملها السلطات العامة لتنظيم المؤسسات والهياكل الاجتماعية أو تعزيزها.

ـ ما سبب أهمية السياسة الاجتماعية ؟

تشكل السياسة الاجتماعية الفعالة في أي بلد كان عنصرا أساسيا من عناصر العدالة الاجتماعية والاندماج الاجتماعي  وإعادة توزيع الثروات وحماية حقوق الإنسان  حيث تهدف السياسة الاجتماعية إلى:(4)

1ـ تعزيز الاستثمار في رأس المال البشري .

2ـ تعزيز إنتاجية العمالة.

3ـزيادة الطلب المحلي من خلال تحسين مستويات الدخل.

4ـ تعزيز الدعم السياسي للمواطنين.

 

ـ ما هي التنمية الاجتماعية البشرية؟

التنمية البشرية المستدامة (H.S.D) : HUMAN DEVELOPMENT SUSTAINABILITY تعني تنمية لا تكتفي بتوليد النمو وحسب, بل توزع عائداته بشكل عادل أيضا  وهي تجدد البيئة بدل تدميرها  وتمكن الناس بدل تهميشهم وتوسع خياراتهم وفرصهم وتؤهلهم للمشاركة في القرارات التي تؤثر في حياتهم , إن التنمية البشرية المستدامة هي تنمية لصالح الفقراء والطبيعة وتوفير فرص العمل وفي صالح المرأة ,أنها تشد على النمو الذي يولد فرص عمل جديدة  وتحافظ على البيئة وتحقق العدالة فيما بين الناس(5)

ـ ومن اجل إن تكون التنمية البشرية تنمية  مستدامة وهادفة لابد من ان تشتمل على (4) عناصر أساسية هي:(6)

1ـالانصاف EQUIY: والذي يعني تكافؤ الفرص وتحميل الفرد مسؤولية الإفادة منها .

 2ـ الإنتاجية PRODUCTIVITY: أي زيادة النمو الإنتاجي.

3ـ الاستدامة SUSTAINABILITY: وهي لا تعني قضية الاهتمام بالبيئة بل هي تضم التنمية لكل الجوانب ولجميع الجوانب الاقتصادية والزراعية الطاقة الاجتماعية والايكولوجية , وهذا يعني إن الاجيال القادمة يجب إن لا ترث أي ديون على المستوى العالمي.

4ـ التمكين  EMPOWERMENT: ويعني تمكين الناس والعمل على بناء قدراتهم وزيادة فرصهم بدلا من تهميشهم ,باعتبارهم فاعلين في عملية التغير الاجتماعي .

  إذن يمكننا القول أن عملية التنمية الاجتماعية بعناصرها الأربع هي جزء من السياسة الاجتماعية لكل دولة  سواء كانت دولة نامية آو متقدمة حيث بطبيعة الحال كل دولة من الدول العالم عندما تشرع  بوضع سياستها ( منهجيتها في إدارة الدولة ) تضع بالحسبان العناصر أعلاه كوسيلة وغاية في نفس الوقت , حيث إن التنمية ليست ورقة تعالج جانبا فنيا بحالة معينة من اجل الخروج منها إنما هي كمفهوم دخل حديثا وتحديدا في النصف الثاني من القرن العشرين.(7), بعد إن كان مفهوم النمو هو السائد والذي ينحصر على زيادة الإنتاج والسلع والخدمات , فقد جاء مفهوم التنمية برؤية أوسع لمواجهة مفهوم التخلف الذي كان سائدا في البلدان النامية بكل إبعاده                                                   

  وتبلورت الفكرة حول مفهوم التنمية , كما تباين منهج التعامل في إطار وضع السياسات الرامية للانعتاق من التخلف ,فكل دولة عندما تشرع سياسة معينة خاصة بها تتبنى مجموعة من البرامج الشاملة والهادفة حيث إن السياسة الاجتماعية هي طريق أو منهج دولة ما لتحسين أحوال رعاياها  اقتصاديا واجتماعيا وتربويا وصحيا فلا يمكن إن تكون سياسة الدولة موجهة نحو قطاع أو جانب معين دون الجوانب الأخرى , حيث ستكون تلك السياسة سياسة منقوصة لا تضمن تحقيق أي تقدم في أوضاع تلك الدولة .

  فكل دولة عندما تباشر بوضع سياستها الاجتماعية يجب إن تدرك لماذا تخطط ؟ وماذا تخطط ؟ وكيف يتم تطبيق الخطة؟ وما هي إمكانيات الدولة ؟ وما هي مواردها؟ وما هي العوائق المتوقعة ؟ وما هي البدائل في حال وجود عقبات تعترض تحقيق تلك السياسة ؟ (8)    

ـ حيث إن سياسة أي دولة يجب إن توضع من خلال معطيات تلك الدولة وإمكانياتها وحاجاتها حسب أولويات الأهم ثم المهم . وهي تأخذ بالحسبان حاجة المواطنين لما ترغب بالتخطيط له, وقد يكون التخطيط لوضع السياسة الاجتماعية لدولة ما على مستويات عدة:

ـ فقد تسن الدولة كجزء من سياستها لاجتماعية قوانين علاجية مثل معالجة الفقر والأمية والفساد والأزمات....الخ.

ـ وقد تكون سياسة الدولة على شكل تشريعات وقائية مثل وضع سياسات معينة لغرض الحد من بعض المشكلات مثال ذلك سياسة الضرائب والغرامات والرسوم ومكافحة بعض الظواهر السلبية في المجتمع  وبمختلف القطاعات الصناعي والزراعي والصحي ....الخ.

ـ فأن سياسة الدولة  تنطلق من حاجاتها وحاجة رعاياها فتقوم بالتخطيط  لسد تلك الحاجات برسم سياستها .

حيث تعرف السياسة الاجتماعية social policy على أنها المؤسسة الاجتماعية التي تسيطر على مصادر القوة والسلطة والقرار وتحدد أولويات العمل وتتخذ الإجراءات اللازمة  ذات الصلة بالصالح العام (9)

- العلاقة بين التنمية البشرية والسياسة الاجتماعية:

شهد العالم قي الآونة الأخيرة العديد من التغيرات التي مست البنية الاجتماعية والاقتصادية والتشريعية والسياسية ولا توجد دولة من دول العالم لم يطيلها شيء من تلك التغيرات  بفعل المد العالمي والمتمثل بـ (العولمة )

وكون هذه التغيرات قد حدثت بصورة مفاجئة ودون سابق إنذار ـــ على الرغم من ايجابية تلك التغيرات في بعض الأحيان ـــ فقد ظهرت الحاجة الماسة إلى وضع وبلورة سياسة اجتماعية جديدة للدولة للاعتبارات التالية :

1- استجابة للتوجهات العالمية في مجال التنمية البشرية ومواكبة بلدان العالم التي تسير باتجاه التنمية الشاملة .

2- تدعيم العديد من القيم المحورية أو الخاصة بحقوق الإنسان وحرياته من خلال إتباع سياسة اجتماعية تهدف إلى تكافوء الفرص.

3-   تضمين السياسة الاجتماعية لمحاور مهمة مثل :

ا ـ التنمية البشرية لكافة القطاعات.

ب ـحقوق الإنسان والحكم الرشيد .

ج ـ التنمية الاقتصادية والتنويع الاقتصادي.

د ـ الاهتمام بالبيئة .

4ـ تكمن أهمية وضع السياسة  الاجتماعية في إمكانية تنفيذها مما يمكن الدولة من مواكبة المجتمعات الأخرى المتقدمة في مجال التنمية البشرية.

5ـ إن بلورة سياسة اجتماعية متكاملة بجانب التنمية البشرية لأي دولةمن الدول يمكنها من وضع إستراتيجية في مختلف القطاعات .

ـ إذن  فمن الطبيعي يكون واجب كل دولة من الدول أن تكون ملزمة بتوفير وخلق البيئة المؤاتية لتحقيق التنمية البشرية المستدامة عن طريق تبني أو ارتسام سياسة اجتماعية خاصة بها تكفل لها  تحقيق ذلك لرعاياها.

 

 الخاتمة

  ـ  نستطيع إن نستشفي من خلال ما تقدم عرضه , انه كي تتمتع السياسة الاجتماعية بالفاعلية ينبغي إن تصاغ بطريقة متكاملة وان تلقى الدعم من ائتلاف للقوى الاجتماعية والسياسية أو المواثيق الاجتماعية التي تشارك فيها الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني , ومن اجل إنجاح السياسة الاجتماعية يجب إن تكون ملزمة قانونيا , وقابلة للاستدامة ومنسقة .

  ـ   كذلك وتشكل السياسة الاجتماعية الفعالة في أي بلد من البلدان عنصرا أساسيا من عناصر العدالة الاجتماعية والإدماج الاجتماعي وإعادة توزيع الثروات وحماية حقوق الإنسان , حيث تهدف السياسة الاجتماعية إلى خدمة الصالح العام .

 ـ تحتاج السياسة الاجتماعية التي تسعى إلى خدمة المجتمع إلى أهدف تحددها وترتبها الحكومة المركزية , بالإضافة إلى المشاركة الكاملة للمعنيين  .

 ـ السياسة الاجتماعية هي إلية ووسيلة من وسائل الحكومة التي تستعملها لتسيير وتنظيم أمور بلدها .

 ـ لا بد قبل الشروع بوضع السياسة ، إن نعلم بأنه هنالك حاجة ملحة لإيضاح ماهية السياسة الاجتماعية وماذا ينبغي إن تكون أهدافها من اجل فهم كيفية وضعها وتطبيقها وتقييمها

ـ التشديد على ضرورة التحليل والبحث وتجميع البيانات فيما يتعلق بالسياسة الاجتماعية  على نحو أكثر دقة وشمولا .

ـ قال ( فرانلكين روزفلت ) الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية : اختبار تقدمنا لا يكمن في ما إذا كنا نضيف إلى الثروة من يملكون الكثير ,بل إذا كنا نعطي ما يكفي لن يملكون القليل  , السياسة الاجتماعية ليست أمرا نلجأ إليه بعد بلوغ عتبه معينة من التنمية وليست مجالا حصريا لدولة معينة , بل هي وسيلة أساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية والسياسية .

 ـ    إذن نستطيع القول إن السياسة الاجتماعية والتنمية البشرية تشتركان في أمور عديدة وأهداف متداخلة ـ بالرغم من إن السياسة الاجتماعية هي أوسع واشمل ـ من التمنية البشرية بل إن التنمية هي إحدى آليات ووسائل السياسة الاجتماعية الهادفة إلى النهوض بواقع المجتمعات , ومن جملة هذه الأهداف المشتركة هي :

 1ـ القضاء على الفقر المدقع والجوع .

 2ـ تحقيق تعميم التعليم الابتدائي .

 3ـ تعزيز المساواة بين الجنسين وتعزيز مكانة المرأة وتمكينها .

 4ـ  تحسين معدلات النمو بصورة منتظمة والسيطرة على وفيات الأطفال .

 5ـ كفالة الاستدامة للبيئة من اجل الحفاظ عليها .

 6ـ تحسين الصحة العامة , والصحة النفسية للسكان .

 7ـ مكافحة فيروس نقص المناعة ( الايدز ) والملا ريا والكوليرا وغيرهما من الإمراض .

 8 ـ إقامة شراكة عالمية من احل التنمية البشرية المستدامة .

 

...................
(*) باحث اجتماعي أكاديمي عضو الجمعية العراقية للعلوم الاجتماعية

 

 

الهوامش
................................

1.محروس محمود الخليفة ,السياسة الاجتماعية والتخطيط في العالم الثالث,الإسكندرية 1993,ص5

2ـ محروس محمود الخليفة,المصدر نفسه ,ص4.

3ـ د.محروس محمود الخليفة , مصدر سبق ذكره, ص7

4ـ شبكة الانترنيت, منشورات شعبة التنمية الاجتماعية وإنبائها

5- نشرة التنمية البشرية . بيت الحكمة ,العدد2 ,2006,ص1, بغداد.

6- د.كريم محمد حمزة. محاضرة ألقيت على طلبة الدراسات العليا في جامعة بغداد,للعام الدراسي 2007.

7- د.محمد كاظم الهاجر, خيارات إمام تحديات التنمية العربية, مجلة دراسات اجتماعية , بيت الحكمة , بغداد,2000,ص4

8- د. مازن بشير , محاضرة ألقيت على طلبة الدراسات العليا , جامعة بغداد , للعام الدراسي 2008.

9- د. لاهاي عبد الحسين , مقدمة في علم الاجتماع, بغداد, ص167