الحضارية «ثقافة ومجتمع»

السبت: 3/1/2009

 

البيئة الافتراضية والتواصل

 فالح حسن

 

في وقت مبكر من تسعينيات القرن الماضي ما عادت المؤسسات العلمية المتخصصة والهيئات العسكرية هي المستخدم الحصري لشبكة تناقل المعلومات، وكانت تدعى اربانت Arpant، فانفتحت بوابات هذه الشبكة أمام المؤسسات التعليمية ومراكز البحوث والمكتبات...الخ. ومنذ ذلك الحين وهذه الشبكة ـ ولأنها شبكة ـ  تتسع أفقيا وعموديا تربط بين جهات الأرض كلها، واضعة الأفراد والمؤسسات وغيرها في اتصال مباشر مع كل من يريد التواصل، وبألسن العالم الأكثر عالمية، بل حتى بتلك الألسن المقصورة على فئة أو فئات بعينها. بهذا دخلت هذه التقنية مرحلة "الانترنت international information network.

كانت فكرة تداول المعلومات وتناقلها واقتباسها، بغاية الإفادة منها وتطويرها، قد طُرحِت في ستينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة، كما تقول المصادر المتخصصة. وأخذت طريقها إلى التطبيق في أواخر السبعينيات ومرت بمراحل تطور حتى بلغت الشكل الذي عليه الآن، أي الانترنت، الذي اندفع ليلج من أكثر النشاطات الإنسانية خصوصية: التفكير والكتابة والنشر. فبعد أن كانت المطبوعات، مجلات وصحف وما شبه، هي القنوات الوحيدة تقريبا لإيصال الأفكار والمواقف ونقل الأخبار والأحداث، على وفق شروط صارمة يتعلق بعضها بشروط كتابة وأساليب تعبير، على كاتب ما أن يعرفها جيدا، أتاح الانترنت الفرصة لكل من يحيا على كوكبنا أن يكتب ما يريد وقتما يريد وعن أي شيء يريد وبأي تعبير يختار.

لكن عن أي انترنت نتحدث؟ إذ لعل نمط استخدام أداة ما يحوِّر كثيرا أو قليلا من جوهرها، أو من مفهومها، أو من طبيعتها، أو من غاياتها التي من أجلها وجدت تلك الأداة. ذلك أن استخدام أداة ما مشروط، حصرا، بالسياق الثقافي للمُستخدِِم ـ بالمعنى العام لتعبير "ثقافة". ولعل مثالنا على ذلك هو أن طريقة استخدام الانترنت في السياق الغربي حث على التفكير في طريقة ذلك الاستخدام حتى صاغت العلوم الاجتماعية الحديثة، وبدقة، المعارف المتداخلة interdisciplinary، مفهوم "المجتمعات الافتراضية Virtual Community"، ثم ولّد الاستخدام الغربي ما يعرف بـ "البيئة الافتراضية" أو "الوجود الافتراضي"، الذي وجد تطبيقاته في مجال صناعة المشاريع، أو إدارة الحروب الحديثة ـ ولربما هو تنويع على فكرة المجتمع الافتراضي.

كانت المراكز البحثية، بمختلف أحجامها، ودور النشر، والمطبوعات على اختلاف أنماطها، والمكتبات، ومحال بيع الكتب، تتصل بالجمهور عبر "ورق"، يسجل عليه نتاجاتها وأنشطتها. وهذا ربما يأخذ زمنا معينا في الوصول إلى مناطق من العالم. لان وجودها محصور في موقع site؛ مكان "مادي" محدد على هذه الأرض.

إلا أن الانترنت وفّر، للمؤسسات وغيرها، ميزة أن تنعم بوجود انعكاسي لموقعها المادي ذاك (المحكوم بمكان محدد ووسائط اتصال محددة)، لربما يمكننا تسميته بـ "الوجود الرقمي"، digital existence، سُمي بـ web site، أي موقع اليكتروني، الذي هو اختصار لتعبير "موقع على الشبكة العالمية، world wide web". فكانت تلك المؤسسات وغيرها "موجودة" في أي مكان وزمان وجدت فيه خدمة الانترنت ومستلزماتها.

والحال هذه، تطورت وتنوعت وسائط الاتصال، التي قد تكون ألغت ـ أو تكاد تفعل ذلك ـ الاتجاهات الجغرافية: صار "غرب وشرق، شمال وجنوب" مفاهيم تشير إلى ثقافات وبنى سياسية واجتماعية، بل حتى أن أوربا بتنوعها، وأميركا بتنوعها، وآسيا بتنوعها، الخ، لم تعد مواقع جغرافية أو توزيعات ديموغرافية. ولعلنا ندعي أن بعض عناوين الكتب الحديثة تشف عن أن الأمكنة صارت مفاهيم: "اللحظة الأميركية في الشرق الأوسط العربي"، "من مانهاتن إلى بغداد"، "عالم ماك"...الخ.

في مستوى النشاط الفردي للانترنت، أي استخدام هذه التقنية، للغرب قواعد وأصول، تجد جذورها، حقيقة، في انتظام الحياة اليومية هناك. فأنت تجد مواقع أدبية، وما إلى ذلك، تديرها هيئة تحرير لا تنشر نصوصا مرتبكة في تعبيرها، أو تحريضية، أو عدائية. بلى، هناك نقد ربما يتعرض لأشد الظواهر أو الأحداث أو الثقافات أو الممارسات حراجة، من طبيعة تلك التي تحجم المطبوعات والمؤسسات العامة أو الرسمية عن التعرض إليها؛ إلا أن ذلك النقد أبعد ما يكون إلى الاندراج في خانة "العدوانية". فلا يمكن للقارئ تجاهل المنهج في جمع المعطيات ومن ثم الاستقراء للوصول في النهاية إلى صياغة استنتاج غايته الكشف عن موقف أو إيضاح فكرة، أو صياغتها. بالطبع، قد يؤشر القارئ أحيانا انتقائية في جمع معطيات نص ما، لكن ما بوسعنا القول أنها اعتباطية أو قسرية.

لدينا، نحن في البقعة من الأرض، استخدامنا الخاص بنا للانترنت، المحكوم بثقافتنا، أو قل ثقافاتنا العربية. ولدينا، نحن أيضا، مجتمعاتنا على الشبكة الاليكترونية، لكن هل هي "افتراضية" حقا؟ إن المجتمعات العربية الظاهرة بصورة وجودها الالكتروني، ليست منفصلة عن وجودها الحقيقي، المادي. بل ربما هي انعكاس للواقع الاجتماعي والسياسي العربي: هذيان كثير، ومجانية في صياغة الآراء والمواقف، وتحريض وعدوان وكراهية، واستغراق في حرق الوقت...الخ. على أن وسط هذا الركام بقع للجدية ومواجهة الواقع.

لكن الثقافة الغربية وجدت انعكاسات مظاهر معينة منها في استخدام الانترنت. ففي السبعينيات والثمانينيات راجت، في أميركا تحديدا، منشورات شخصية تنسخ على آلات نسخ وتوزع على نطاق محدود، مثل ما شاع في الوسط الثقافي العراقي في سنوات الحصار الاقتصادي الذي عاناه العراق ـ وأطلق عليه في حينها تسمية "ثقافة الاستنساخ". لكن دواعي ظهور مثل هذه المطبوعات، ومجالات اهتمامها، تختلف تماما في السياق الغربي، في السبعينيات والثمانينيات، عنها في السياق العراقي، في التسعينيات.

لم يكن بوسع كتاب أميركيون أن ينشروا كتاباتهم في الصحافة المطبوعة ـ لأسباب لم أعثرُ عليها في الكتابات التي تتناول تلك المرحلة، سوى بعض الإشارات غير المباشرة إلى جوانب تتعلق بطبيعة الموضوعات ربما ـ فأخذوا، أفرادا ومجموعات صغيرة، يستنسخون كتاباتهم ويوزعونها. بالطبع أن عدد النسخ سيصل إلى عدد محدود من القراء. وكانت موضوعات تلك الكراريس، أو الدوريات الشخصية، تستقطب انتباه فئة معينة من القراء، وكانت توقيتات إصدارها محددة نوعا ما، وكانت تلقى رواجا وإقبالا متزايدا.

وبما أن الجهات التي تصدرها كانت شخصية  self-publishing، وموضوعاتها محددة، فقد أطلق عليها تعبير" زينز zines"، ـ وقد اقتطع هذا التعبير من المقطع الأخير لتعبير magazines، مجلات. وقد يكون بوسعنا القول أن "فردانية individualism" الإنسان الغربي، التي تحدث عنها جورج دوهاميل في احد نصوصه، هي التي انبجست متجسدة بصورة هذا النشاط الكتابي.  

في منتصف التسعينيات، ومع أمواج الانتشار الواسع والهائل للانترنت، راح كتاب الـ"زينز" ينقلون كتاباتهم إلى هذه الشبكة، فظهر تعبير "إي ـ زينز"، أو الزينز الالكتروني. لكن هذه الوسيلة كانت تخاطر بتشتيت الكتابات وضياعها في عدد قليل من السنين، كما تقول الأدبيات الخاصة بهذا المجال.

في أواخر التسعينيات ظهر جنس جديد تماما في مجال النشر على الشبكة دعي ويبلوغنغ weblogging او بلوغنغ blogging، سرعان ما اكتسب شعبية واسعة، حيث شرع كتاب وصحافيون ومهتمون بمجال الكتابة وغيرهم، يحجزون لهم حيزا معينا على الشبكة، "blog"، يدونون فيه آرائهم وتعليقاتهم الشخصية على أحداث أو ظواهر أو أفكار...الخ.

في الألفية الثالثة، في المجال العربي، اخذ عدد من المدونات يتعرض لقضايا وظواهر في المجتمعات العربية وأنظمتها الحاكمة بعين الانتقاد، فتعرض البعض من أصحابها للملاحقة البوليسية، بل أن منهم سجن وآخر عُذِّب ونُكَّل به. ولعل الواقع العربي، بمشكلاته وتعقيداته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، يجد جزء كبيرا من حقيقته في نزر المدونات التي تهتم بحقل الأدب بالعلاقة مع المدونات الاجتماعية أو السياسية وغيرها. على أن هذا الواقع نفسه هو الذي افرز "أدبا" من نوع خاص ربما يجد مثاله في رواية "بنات الرياض"، ويوميات "بغداد تحترق"، كنتاجات من بين أخرى.

لعل بنية المجتمعات الغربية، الاجتماعية والسياسية وطبيعة حركتها وعلاقاتها الداخلية، انعكست على الاستخدام العام للانترنت، والحال نفسه ينطبق، ربما إلى حد ما، على مجتمعاتنا العربية. إذ يكفي أن نجري إحصاء سريعا لعدد المواقع العربية حتى نجد أن المجتمعات العربية تعيش، مرة أخرى، عهود التحارب بين القبائل ومناخها الخانق المهدد. لكن القبيلة، هذه المرة، متكورة في قوقعة الطائفة. وما عدد المواقع "الدينية" أو "الجهادية"، كما تصفها الكتابات الغربية، إلا مثالا محبطا عن ذلك، ثم تأتي، في المرتبة الثانية، مواقع اللهو وتبديد الوقت وتخدير العقول.

كثيرا ما رددت كتابات غربية، وعربية، عبارة أن مجتمعاتنا تستخدم وسائل الحداثة في الوقت الذي تقع فيه هذه المجتمعات في منطقة قصيَّة عن الحداثة نفسها. وقد يكون مصداق هذا الرأي في أن الإستخدام العربي لهذه التقنية غير معني بتطويرها، أو باستحداث ما ينسجم مع الاستخدام الخاص في مجال ثقافي محدد.  

لعل الاستخدام هو المؤشر الأكثر وضوحا على أن المشكل الأكبر الذي نعانيه يكمن في مستوى التواصل مع الواقع ومع الآخرين ومعالجتهما في الوقت عينه.