الحضارية «ثقافة ومجتمع»

الجمعة: 26/12/2008

 

طبيعة العلاقات الاجتماعية للعائلة الحضرية (2)

 

الدكتورعبد الشهيد جاسم عباس

 

علاقة العائلة الحضرية

 بالمجتمع المحلي والمدرسة

 

تمهيد

  العائلة الحضرية من حيث كونها منظمة اجتماعية رئيسة في المجتمع المعاصر تربطها علاقات متفرعة ومتشابكة مع الجامعات والمؤسسات والنظم المحيطة بها. ذلك ان العائلة لا تكون علاقاتها مع افرادها ومع الاقارب فحسب ، بل تكوّن علاقات متفاعلة مع عدد من الجماعات والمؤسسلت كالمجتمع المحلي والجيرة والمدرسة واماكن العمل والاصدقاء واماكن الفراغ والترويح[1] . والعلاقات التي تكونها العائلة مع هذه الجماعات والمؤسسات لا تكون من جانب واحد فقط بل تكون من جانبين ايضا ، اذ ان العائلة تتصل بالجماعات المؤسسية او المرجعية المحيطة بها ، والجماعات الاخيرة من جانبها تكون علاقات وصلات مع العائلة وتعدها الخلية الاساسية لبناء المجتمع . اذن العائلة تتأثر وتؤثر في الجامعات والمؤسسات التي تتفاعل معها على الصعيدين الرسمي وغير الرسمي .

  ومن الجدير بالذكر ان الاتصال والتفاعل بين العائلة وبقية الجماعات المؤسسية يكون من خلال الادوار الوظيفية التي يحتلها ابناء العائلة او الادوار الوظيفية التي يحتلها ابناء المؤسسات الاخرى[2] . علما أنّ شبكة العلاقات الاجتماعية للعائلة تؤدي دورها الفاعل في اشباع حاجات ابنائها وتحقيق طموحاتها واهدافها القريبة والبعيدة . اذن شبكة العلاقت الاجتماعية للعائلة تدعم العديد من الوظائف والحاجات التي تتطلبها العائلة، ولولا هذه الشبكة من العلاقات لما استطاعت العائلة اشباع حاجاتها والاستقرار في المجتمع المحلي الذي تعيش فيه ومن جهة ثانية تخدم العائلة من جانبها المؤسسات الاخرى التي تتفاعل معها عن طريق العلاقات الانسانية التي تكونها معها . يضاف الى هذا ان الحياة الاجتماعية التي تعيشها العائلة انما هي نتاج العلاقات المتفاعلة التي تكونها مع الجماعات والمؤسسات التي تعيش معها في المجتمع نفسه [3] . فاذا انقطعت او تصدعت هذه العلاقات فان الحياة الاجتماعية للعائلة ولبقية المؤسسات تكون مستحيلة، ومن ثم تفقد العائلة طموحاتها واهدافها وتضعف عندها الدافعية نحو العمل والنشاط البناء الذين تستطيع العائلة من خلالهما تقديم النشاط الضروري الذي يديم زخم الحياة باعتبار ان العائلة هي الخلية الاساسية لبناء المجتمع وتحتل قلب الامة النابض الذي يدفعها الى العمل والفاعلية .

 ان هذا الموضوع يتكون من مبحثين اساسيين هما:-

     المبحث الاول : علاقة العائلة الحضرية بالمجتمع المحلي

     المبحث الثاني: علاقة العائلة الحضرية بالمدرسة

  ان علاقات العائلة بهذه النظم والمؤسسات لا تعني أن العائلة لا تكون علاقات مع جماعات ومؤسسات اخرى بل اننا اخترنا هذه المؤسسات كعينة لتوضيح طبيعة شبكة العلاقات الاجتماعية التي تربط العائلة بالكيان الاجتماعي الذي تعيش فيه .

 

المبحث الاول

علاقة العائلة الحضرية بالمجتمع المحلي

  عادة ما يعبر عن علاقة العائلة بالجيران والاصدقاء بعلاقات المجتمع المحلي . فالعائلة غالبا ما تميل لاقامة علاقات وروابط مع العوائل التي ترتبط معها بقيم ومعايير ومصالح مشتركة ، وتزداد قوة هذه العلاقات كلما اتسمت بطابع اللقاءات المستمرة [4] . ولهذا تربط العائلة الحضرية علاقات وطيدة ومتفاعلة بالمجتمع المحلي الذي تعيش فيه وتتفاعل معه، ونعني بالمجتمع اي تجمع سكاني تربطه علاقات تضامنية بالارض وبالمؤسسات والنظم والقواعد السلوكية التي توجد فيه اذ ان ( روبرت مكايفر) يعرف المجتمع المحلي في كتابه ( المجتمع) بانه " مجموعة افراد يعيشون على بقعة جغرافية محددة وتربطهم صلات وطيدة اساسها المصالح المشتركة والاهداف والقيم والعادات والتقاليد التي يؤمنون بها " [5] . ان دراسة العلاقة بين العائلة الحضرية والمجتمع المحلي انما تتحدد بالاخذ والعطاء بين العائلة والمجتمع المحلي للعائلة الحضرية . ان هذا المبحث يمكن تقسيمه الى قسمين اساسين هما :-

أ‌) الوظائف التي تقدمها العائلة الحضرية للمجتمع المحلي

تقدم العائلة الحضرية عدداً من الوظائف المهمة للمجتمع المحلي، ويمكن اجمال هذه الوظائف باربع نقاط رئيسة هي :-

(1) تعد العائلة بمثابة الخلية الاساسية للمجتمع المحلي اذ ان المجتمع المحلي برمته يتكون من مجموعة عوائل، فاذا انسحبت العائلة من المجتمع المحلي يتلاشى او يختفي عن الانظار .

(2) تزود العائلة المجتمع المحلي بالسكان اي الكوادر والقوى البشرية العاملة التي تستطيع ان تخدم المجتمع المحلي وتمكنه من اداء واجباته الى المواطنين  .

(3) العائلة هي التي تدافع عن المجتمع المحلي عندما يتعرض الى الاخطار والتحديات مهما يكن نوعها خارجية او داخلية .

 

ب‌)  اما الوظائف التي يقدمها المجتمع المحلي للعائلة الحضرية فيمكن اجمالها باربع نقاط اساسية هي على النحو الاتي:

1- المجتمع المحلي هو الذي يرفد العائلة بالاعمال والمهن التي تحتاجها والتي تستطيع من خلالها كسب موارد عيشها. فضلا عن ان المجتمع المحلي يجهز العائلة بالمستلزمات المادية والعينية التي تحتاجها في حياتها التفصيلية واليومية [6].

2- ان المجتمع المحلي يتكون كما ذكرنا من عدد من المؤسسات والجماعات كالجيرة مثلا والاسواق التجارية واماكن اللهو والترويح والنوادي والمقاهي والمكتبات العامة واماكن العمل وغيرها . وهذه المؤسسات والجماعات تقدم خدمات جليلة للعائلة ولا يمكن باي حال من الاحوال الاستغناء عنها ، ولولاها لما استطاعت العائلة من بلوغ اهدافها وغاياتها اولما استطاعت  الاستقرار  والعيش وسط المجتمع[7]

3- المجتمع المحلي يعد وسيلة او حلقة اتصال بين الفرد وبقية المدينة. وهذا يختلف حسب اختلاف الجماعات من حيث شبكات اتصالها وانواع تفاعلها الاجتماعي وحاجاتها لبيئية وحاجاتها للتجانس ودرجة حسها المحلي وانفتاحها وانغلاقها [8] .

4- المجتمع المحلي يستطيع ان يشارك في مواجهة المشكلات الاجتماعية التي تواجه العائلة كمشاكل المرض والفقر والجهل والامية وتفكك العائلة وانحراف الابناء ... الخ من المشكلات التي تقوض الحياة الاجتماعية للعائلة [9] . وعندما يسهم المجتمع المحلي بتخفيف المشكلات الانسانية التي تعاني منها العائلة الحضرية او ازالتها فلا غرابة ان تكون العائلة الحضرية اقوى العلاقات الاجتماعية في المجتمع المحلي الذي تعيش فيه العائلة وتتفاعل معه.

  بيد ان علاقة العائلة الحضرية بالمجتمع المحلي لا تتوقف عند عملية الاخذ والعطاء بين الجانبين ، وانما تذهب الى ابعد من ذلك. اذ ان العائلة الحضرية تمنح المجتمع المحلي خصوصيته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، فاذا كانت العائلة مثلا مرفهة اقتصاديا ومنتجة فان هذا لابد ان ينعكس على المجتمع المحلي فيصبح هذا المجتمع مرفها اقتصاديا وقادرا على اشباع حاجاته الاساسية والاجتماعية والروحية. بينما اذا كانت العائلة فقيرة ومعدمة وتعاني من الحرمان والعوز المادي المستمر فان هذا الفقر والحرمان لابد ان يؤثر في نوعية وطبيعة المجتمع المحلي اذ يجعله مجتمعا فقيرا وهزيلا اقتصاديا واجتماعيا[10] . ومن جهة ثانية نلاحظ ان سمات المجتمع المحلي سواءاً كانت ايجابية ام سلبية تؤثر في طبيعة العائلة اذ تجعلها في وضع ايجابي وفاعل اذا كان المجتمع المحلي يتسم باليسر والانتاجية وكفاءة الاداء . والعكس هو الصحيح اذا كان المجتمع المحلي يعاني من مشكلات العوز والفاقة والمرض والعلل والمشاكل الاجتماعية. ان هذه سرعان ما تنتقل الى العائلة فتجعلها مؤسسة ضعيفة لا تقوى على تحقيق ابسط اهدافها[11] . فضلا عن ان المجتمع المحلي يزود العائلة بالعلاقت الانسانية الايجابية التي تستطيع من خلالها الحصول على قسط من القناعة والرضا وتحقيق الذات .

  المبحث الثاني

علاقة العائلة الحضرية بالمدرسة

  الى عهد قريب كان ينظر الى المدرسة على انها مكان للدراسة وتلقين المعلومات ، وعرض المشكلات الخاصة بالمنهاج، والبحث عن انجح الوسائل لنقل مواد الدراسة المختلفة من عقول المدرسين الى الطلبة. الا انه في السنوات الاخيرة اتضح للمشتغلين بتربية النشء ان المدرسة وظيفة اجتماعية ، لا تقل في اهميتها عن الوظيفة الثقافية السابقة، فالمدرسة في نظر هؤلاء عبارة عن وحدة اجتماعية متنوعة في بناء شخصية الفرد الاجتماعية، اذ بواسطتها يتعلم الطالب كيف يعيش ، ويتعامل مع الاخرين على مستوى غير مستوى العائلة، وفيها كيف  يقوم باعمال معينة وكيف يتنافس مع الاخرين او يتعاون معهم وكيف يكون اتجاهات جديدة وكيف ينجح وكيف يفشل... وما تلك الا وسائل تعد له ليتعلم كيف يتفاعل مع العالم الخارجي عندما يخرج اليه [12] .

  وعلى هذا الاساس اخذ المحدثون من رجال التربية ينظرون الى المدرسة على انها مركز اجتماعي مهم، هي عبارة عن مدينة داخل مدينة، يقضي فيها الطالب ساعات طويلة من حياته اليومية ، يكتسب فيها خبرات اجتماعية تساعده على ان يتلائم مع المجتمع الكبير[13] .

فالمدرسة هي البيئة او الهيئة التعليمية التي لا تحدها اسوار ، وتتخذ المدرسة بهذا المفهوم ، مكان الصدارة في اهتمامات المجتمع اداة ضرورية ولازمة للتربية والتعليم والتثقيف، وهي من نواحٍ كثيرة تكمل عمل المنزل وتسد بعض وجوه الضعف والتقصير ، وتضيف الى ما وضعه من اسس وقد تعدل في هذه الاسس وتعيد تشكيلها على وفق مقتضيات النظام العام المرسوم[14] . اذ ان العائلة لا تستطيع وحدها القيام بتربية النشء واعداده حتى يصل الى مرحلة الرجولة في هذا العصر الذي تعقدت فيه الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ولما كان الفرد مخلوقا اجتماعيا ليس عضوا في عائلته فحسب، ولكنه عضو في مجتمع اكبر من العائلة هو مجتمع المدينة ومجتمع الامة ثم العالم اجمع كان من حق المجتمع ان يتأكد من صلاحية هذا العضو الذي يعيش فيه ويكون مواطنا صالحا يعيش مع غيره من المواطنين الاخرين في سعادة كما يعيش معه غيره كذلك [15].

  وعلى ذلك فالمدرسة تقوم بوظيفة تربية التلميذ او الطالب اولا بالنيابة عن عائلته التي هي المسؤولة الاولى عنه، وبالنيابه عن المجتمع الذي يعيش فيه والذي له حق الاشراف على تكوين اعضائه تكوينا يضمن صلاحيتهم للانتماء اليه[16] .

  ولهذا تربط العائلة الحضرية علاقات قوية بالمدرسة، وفي بعض الحالات تكون علاقة العائلة بالمدرسة علاقة هامشية اذا كانت المدرسية لا تكترث باباء وامهات التلاميذ او الطلبة واذا كانت العائلة لاتحسن مد الجسور وتكوين العلاقات الطيبة مع المدرسة ولا تهتم بالمسيرة الدراسية لابنائها لسبب او لاخر. ولكن بصورة عامة ينبغي ان تكون العلاقة بين العائلة والمدرسة علاقة صلدة ومتماسكة لكي تتعاون الجهتان في تقويم الطلبة وبناء شخصياتهم والعمل المثابر على تحقيق نتائج دراسية مرضية للابناء .

  يمكننا دراسة العلاقة بين العائلة الحضرية والمدرسة عن طريق فحص ما تقدمه المدرسة للعائلة وما تقدمه العائلة للمدرسة اذ ينبغي ان تكون هناك علاقة تبادلية مشتركة بين العائلة والمدرسة بحيث تكون امتدادا للمدرسة وتكون المدرسة امتدادا للعائلة اي تشارك المدرسة مع العائلة في تربية الجيل الجديد وتقويم اخلاقه بما يتناسب مع الاهداف العليا وللامة [17] .

  اذن العلاقة المتبادلة بين العائلة الحضرية والمدرسة تنطوي على فحص الوظائف التي تقدمها المدرسة للعائلة من جهة والوظائف التي تقدمها العائلة للمدرسة من جهة ثانية . ويمكن هنا دراسة الوظائف المشتركة للمؤسستين الاجتماعيتين، المدرسة والعائلة، بشيء من التفصيل وعلى النحو الاتي:-

 أ‌- الوظائف التي تقدمها المدرسة للعائلة الحضرية :-

تقدم المدرسة العديد من الوظائف الرئيسة للعائلة وهذه الوظائف لا يمكن ان تستغني عنها باية صورة من الصور ويمكن درج وظائف المدرسة للعائلة بالنقاط الاتية :-

1- المدرسة  هي التي ترفد التلاميذ او الطلبة بالمعلومات الاساسية والمعارف والخبر والتجارب العلمية منهاوالتطبيقية وذلك من خلال العملية التربوية التي تأخذ مكانها في المدرسة التي تكون عناصرها الرئيسة المعلم او المدرس والطالب والكتاب او المنهج . اذا من اهم وظائف المدرسة للعائلة تعليم ابناء العوائل المعلومات الابجدية والحضارية التي ترفع بمستواهم الثقافي والعلمي والتربوي[18] .

2- تهتم  المدرسة ببناء شخصية الطلبة ولاتهتم فقط باعطائهم الثقافة والتربية والتعليم. علما بان بناء شخصية الطلبة يحتاج الى رعاية الطلبة والاهتمام بشؤونهم الخاصة والعامة وزرع القيم الايجابية عندهم كقيمة الصدق والاخلاص في العمل والصبر والتعاون والثقة العالية بالنفس والشجاعة والمساواة.... الخ ، مع محاربة القيم السلبية السائدة في المجتمع كالكذب والغش والنفاق والحسد والجبن والطائفية والعنصرية والطبقية [19].

3- تقوم المدرسة بتكييف الطلبة الى مجتمع المدرسة والى المجتمع المحلي الذي يعيشون فيه ويتفاعلون معه. وعندما يتكيف الطالب الى جو المدرسة فان رغبته في الدراسة والاجتهاد والتحصيل العلمي تتنامى ومن ثم يستطيع ان يحرز على نتائج ايجابية في الامتحانات المدرسية [20].

4-  تهتم  المدرسة بالمشاركة في حل المشكلات النفسية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية والقيمية والسلوكية التي يعاني منها بعض الطلبة وذلك من خلال تشخيص اسباب هذه المشكلات وتبيان اثارها السلبية ووضع الطرائق الناجحة لمواجهتها[21] .

 5- تعمل المدرسة على تعيين المسلك المهني والعلمي الذي يمكن ان يقتفيه الطالب بعد اكماله لمرحلة الدراسة الاوليه كأن توجه اختصاصه نحو العلم العسكري او الهندسة او المحاسبة او القانون او الاجتماع او الاقتصاد او الاعمال الحرة في ميادين الزراعة والصناعة والتجارة .

6-  تعمل المدرسة على تخفيف او ازالة الاخطار والتحديات التي تواجه الطلبة في حياتهم الدراسية كاخطار العولمة والغزو الثقافي الاجنبي والحط من قيمة الامة العربية وقيمتها الاصلية وماضيها المجيد . ناهيك عن انها تكون مصدراً من مصادر تعميق الوعي الاجتماعي والسياسي والوظيفي عند التلاميذ[22] .

7- تعمل المدرسة على نقل تراث الاجيال الماضية لصغار الاجيال الحاضرة ، فما يخلق الماضي من الاعمال جيلا بعد جيل يتجمع في سجلات مكتوبة ، حتى لو عدلنا عن استعماله في حياتنا بصورة مؤقتة ، وعل ذلك يتحتم عليها ان تتخذ المدارس اداة تضمن بها نقل جميع مواردها ومقوماتها الى النشء الجديد نقلا صحيحا. وهذا النقل من خصائص الانسان ، فليس بين انواع الحيوانات المختلفة ، نوع له  هذا النظام المدرسي الذي ينقل اليه تراث الاجيال السابقة وليس من المتيسر الوصول الى كل ما يحتاجه من معارف عن طريق الخبرة المباشرة.

8- تقوم المدرسة بالحفاظ على التراث الثقافي والعمل على تسجيله، فلو اكتفينا بمعارف التراث القديم عن طريق القراءة ولم نتعلم الكتابة ولم نسجل بها ما يوجد لضاع التراث الجديد ، وحرمت الاجيال القادمة من الانتفاع به، فالمدرسة اذا تسجل بطريق تعليمنا الكتابة، التراث الجديد[23].

 

9- تعمل المدرسة على تبسيط التراث الثقافي تبسيطا يتناسب مع مراحل النمو المختلفة التي يمر بها التلميذ . وهي في هذا تتعارض مع النظرية التربوية القديمة الت تقول بان التراث الثقافي مهم في ذاته ، وانه يجب ان ينقل بحذافيره الى التلميذ من دون تعديل في محتواه او في طريقة نقله . وينتج من ذلك ان ينظم هذا التراث الثقافي تنظيما منطقيا في هيئة مواد دراسية فرض على التلميذ معرفتها بصرف النظر عن قدراته او استعداده اما التربية الحديثة فترى ان هذا التراث الثقافي ليس غاية انما وسيلة، وان الهدف من العملية التربوية هو النمو المتكامل للفرد حسب ما تؤهله له استعداداته وقدارته ، ومن بين وسائل تحقيق ذلك، التراث الثقافي الذي يجب ان ينظم سيكولوجيا لكي يناسب مراحل النمو المختلفة[24] .

10- وتعمل المدرسة ايضا على تطهير التراث الثقافي من الشوائب والاخطاء التي تكون قد علقت به في تاريخه الطويل . هذا التطهير الذي يؤدي الى ان تقوم المدرسة بالعملية التعليمة على اساس واضح، وتوجه تلاميذها توجيها سليما. ولقد حدث في تراثنا الثقافي العربي مثل هذه المغالطات والاخطاء، استطعنا ان نتغلب عليها وان نمحوها وان نقيم مكانها الاسس الصحية السليمة[25] .

 

ب‌- الوظائف التي تقدمها العائلة الحضرية للمدرسة

اما الوظائف العائلة للمدرسة فيمكن درجها بالنقاط الرئيسية الاتية:

1.  تهتم العائلة بتنشئة الابناء وهذه التنشئة اذا كانت ايجابية او فاعلة فانها تساعد الطلبة على النجاح في المدرسة واكمال مراحلها النظامية بتفوق، بينما اذا كانت التنشئة العائلية للابناء منحرفة او خاطئة فانها تلحق الضرر بالابناء خلال مدة دراستهم وتعرض المدرسة الى مشكلات من الصعوبة بمكان حلها وتطويق اثارها السلبية .

2.  العائلة يمكن ان تساعد المدرسة بتفوق الابناء في الدراسة عن طريق متابعة مسيرتهم الدراسية وتكوين علاقات جيدة مع المدرسة من خلال حضور اجتماعات مجالس الاباء والمعلمين للاطلاع على المسيرة الدراسية والتربوية للابناء وحل المشاكل التي يواجهها الابناء في المدرسة كضعفهم الدراسي والعلمي وعدم مواضبتهم على الدوام واهمالهم لواجباتهم الدراسية .. الخ[26] .

3.  العائلة يمكن ان توفر للابناء الجو الدراسي الهادئ لهم في البيت لكي يستطيعو اداء واجباتهم المدرسية وتحضيرهم للامتحانات وربما تقوم العائلة بتعيين المدرسين الخصوصيين للابناء لتقويمهم في بعض الموضوعات الصعبة التي يعانون منها التي قد تكون السبب في اخفاقهم الدراسي والعلمي . والعائلة لاتقدم فقط الجو الدراسي الهادئ في البيت بل تحقق لهم المنبهات الثقافية الايجابية كوجود مكتبة في البيت وشراء المجلات والصحف التي يمكن ان يثقف بها الابناء فضلا عن توفير وسائل الايضاح لهم كالافلام الوثائقية والمسلسلات التلفزيونية التي تعلم الطلبة مختلف التخصصات كاللغة الانكليزية او الرياضيات او الفيزياء او التاريخ ... الخ ، وهنا تشارك العائلة بمساعدة المدرسة بتعليم الابناء وتوجيههم ورفدهم بالمعلومات الاساسية والحضارية .

4- تشارك العائلة في الانفاق على دراسة الابناء كشراء الكتب والمستلزمات الدراسية والقرطاسية والملابس والحقائب وبقية المتطلبات التي يحتاجها الابناء من اجهزة ومستلزمات كالالات الطابعة والحاسوب والحاسبة  اليدوية وبعض الاجهزة المختبرية اذا كانوا متخصصين في العلوم الطبيعية كالكيمياء والفيزياء وغيرها[27] .

5- تشارك العائلة في حل المشكلات الاجتماعية التي تعيق المسيرة الدراسية للطلبة التي تؤثر في مواضبتهم على الدوام وتحضيرهم للوجبات المدرسية وادائهم للامتحانات ومثل هذه المشكلات ، مشكلات المزاوجة بين الدراسة والعمل اي منع الابناء من العمل اثناء الدراسة والتفرغ للدراسة وعدم الاختلاط بابناء السوء وحماية الابن من اثار البيئة الموبوءة اي المنطقة السكنية الموبوءة التي تكثر فيه الامراض والجرائم[28] .

6- تعمل العائلة على ارشاد الابناء باحترام المعلمين والمدرسين وتقديرهم وتكوين العلاقات الطيبة معهم مع حثهم على الموازنة بين واجبات  المدرسة وواجبات المنزل وواجبات بقية الجماعات والمؤسسات المرجعية التي يتكون منها المجتمع لكي لا تتكون عقدة صراع الادوار عند الابن هذه العقدة التي تصدع شخصية الابن وتجعلها ضعيفة وغير قادرة على لعب الادوار الوظيفية  في بناء الشخصية المؤثرة في المجتمع [29].

  وهنا تكون العائلة اداة فاعلة لبناء علاقات سليمة مع المدرسة لكي تكون مثل هذه العلاقات اساسا لنجاح الطالب وتكييفه للمدرسة مع تكييف المدرسة لما يريده الطلبة . وهنا تكون درجة من التكامل الوظيفي بين العائلة والمدرسة قد توفرت .

   نستخلص من هذا انه لابد ان يكون التعاون بين العائلة الحضرية والمدرسة وثيقا والعلاقة بينهما قوية حتى يصلا بتربية التلميذ الى الهدف المراد وحتى لا يحدث بينهما تناقض يترتب عليه تفكك في شخصية التلميذ واضطراب ، وفقدان الثقة في المدرسة او العائلة او كلتيهما .

  وهذا التوازن بين المدرسة والعائلة ضروري حتى يتكامل نمو التلميذ ويتجه اتجاها واحدا مشتركا . فاذا كانت العائلة لاتقيم وزنا لنظام المدرسة مثلا فلا تساعد التلميذ على الحضور اليها في المواعيد المقررة تعطلت وظيفة المدرسة، وعوقب التلميذ وضاعت عليه فرص التربية . واذا  كانت المدرسة تكلف التلميذ بواجبات لا يستطيع القيام بها ، بسبب حالة العائلة المادية او الاجتماعية ارتبك التلميذ وقصر في واجبه، ونمت فيه كراهية العائلة او المدرسة وربما لجأ الى سلوك شاذ ليتخلص من هذه الواجبات .

  وكذلك الامر فيما يتصل بتحصيل المعارف . فاذا كانت المعارف التي يحصلها التلميذ من المدرسة تتناقض مع ما يحصله في المنزل او كانت المثل العليا للفضيلة والجمال في المنزل تختلف عنها في المدرسة، تغلبت الناحية القوية منها، وربما كانت الناحية الفاسدة. وطريقة معاملة التلميذ في المنزل يجب ان لا تختلف كثيرا عن طريقة معاملته في المدرسة، فاذا كان مدللا في المنزل ووجد في المدرسة الحزم الشديد نفر منها ، وقد يهرب او يثور لذلك . وعلى هذا يجب ان يكون جو المدرسة استمرارا لجو المنزل الصالح ، وذلك عن طريق اتصال الاباء بالمدرسة واتصال المعلمين بالمنزل . حتى يعرف كل منهما ما يجري في الاخر وحتى يتعاونا، وهما عاملان اساسيان على حل المشكلات التي تتصل بالتلميذ وحتى لا يستغل التلميذ احدهما لحساب الاخر.

 

الهوامش :

........................


1_ Bott, Elizabth. Family and Social Network, Op,Cit., P83.

2_ Maciver, R. and C.Page . Society , Op. Cit., P.203.

3_ Bott, Elizabeth.Op. Cit., PP.21-22 .

4_ Goode, W.World Revolution and Family Patterns, Op.179

5_ مكافير ، رزم ، وشارلز . هـ . بيدج . المجتمع ، ج1 ، ترجمة د. السيد محمد العزاوي زاخرون ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 1971، ص21.

6_ الخريجي، عبد الله ، علم الاجتماع العائلي، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1981 ، ص 66 .

7_المصدر السابق ، ص 69.

8_النوري، قيس، بيئة الانسان من منظور الثقافة والمجتمع ، ط1، مطبعة جامعة اليرموك ، عمان ، الاردن، 1998، ص267.

9_ المصدر السابق ، ص 269.

10_ Arbatov, G.A. , Social and Cultural Changes in Developing Countries, Op. Cit., P103

11_Bell, Norman W. and Ezra F. Vogel, A modern Introduction to the Family , The Free Press , New York, 1960, PP.15-6

12_ فهمي ، مصطفى ( الدكتور) . سيكولوجية الطفولة والمراهقة، دار مصر للطباعة ، القاهرة ، بدون سنة طبع ، ص 175.

13_ المصدر السابق ، ص 176.

14_ الخشاب ، مصطفى ( الدكتور) . دراسة المجتمع ، مصدر سابق ، ص 166.

15_دسوقي ، كامل ( الدكتور) . الاجتماع ودراسة المجتمع ، ط1 ، مكتبة الاجلو المصرية ، القاهرة ، 1971 ، ص 578.

16_ المصدر السابق ، ص579 .

17_  احمد ، عبد السميع سيد ( الدكتور) . دراسات في علم الاجتماع التربوي ، دار المعرفة الجامعية ، الاسكندرية ، 1993، ص 88.

18_ Davis, K, Human Society, The Macmillan, Co., New York, 1967, P. 226

19_  Ibid., P.230

20_المعاضيدي ، خاشع ( الدكتور) واخرون. دراسات في المجتمع العربي ، ط1، مطبعة جامعة بغداد، بغداد 1977، ص9.

21_ Davis , K. Human Society, Op.Cit., P.231.

22_ جوسلن، د. المدرسة والمجتمع لبيب ( الدكتور). الاسس الاجتماعية للتربية ، ط6، مكتبة الانجلو المصرية ، القاهرة ، 1972، ص31-32 .

23_  النجيجي ، محمد لبيب ( الدكتور) . الاسس الاجتماعية للتربية ، ط6، مكتبة الانجلو المصرية ، القاهرة ، 1976، ص 75-76.

24_ جوسلن ، د. المدرسة والمجتمع العصري، مصدر سابق ، ص 24.

25_ النجيحي ، محمد لبيب ( الدكتور) . الاسس الاجتماعية للتربية ، مصدر سابق ، ص78.

26_ دسوقي ، كامل ( الدكتور) . الاجتماع ودراسة المجتمع ، مصدر سابق ، ص 452-453.

27_ الخريجي ، عبد الله ( الدكتور) . علم الاجتماع العائلي ، مصدر سابق ، ص 107.

28_ احمد ، عبد السميع سيد ( الدكتور) . دراسات في علم الاجتماع التربوي ، مصدر سابق ، ص 92.

29_Bell , Norman W. and Ezra, F. Vogel. A modern Introduction to the Family , Op. Cit., P.20.