|
السبت: 06/12/2008
العنـف الرمـزي
شكل من اشكال الصراع الاجتماعي
د. ريسان عزيز(*)
(خاص للمعهد)
عادة ما يرتبط مفهوم ومصطلح العنف
باستخدام الوسائل المادية في ايقاع ضرر مادي من طرف بالطرف الآخر،مثل
استخدام اجزاء الجسم كالاطراف في الركل واللكم واستخدام العصي
والهراوات والآلات الجارحة، واستخدام الاسلحة النارية او غيرها مما
يؤدي الى ايقاع ضرر مادي مباشر في جسم الطرف المقابل، وهو اسلوب عرفه
واعتاد عليه الكثير من الافراد والجماعات منذ زمن بعيد وذلك لاغراض
واهداف كثيرة ومتنوعة كالازاحة والاقصاء والتهميش وفرض الارادة، وقد
تستخدمه الدول ضد اخرى او جماعة ضد اخرى او طائفة ضد اخرى او فرد ضد
اخر، فمثلا قد يستخدمه التجار ضد بعضهم بسبب منافسة تجارية، وقد
يستخدمه المربون ضد ابنائهم او من هم مسؤلون عنهم وتحت رعايتهم.
ولكننا في بحثنا هذا سنتناول
نوعا اخر من العنف قد لا ينتبه اليه الكثيرون او يصنفونه ضمن مسميات
اخرى بعيدا عن العنف، وذلك لانه لا تستخدم فيه الوسائل المعتادة
والمعروفة والتي سبق ذكرها، كما انه لا يسبب ضررا ماديا واضحا في
الطرف المقابل فلا يستطيع الناس تشخيصه او الحكم عليه بشكل واضح وقاطع، الا وهو العنف من خلال استخدام اللغة برموزها ودلالاتها وحركاتها
واصواتها، فاللغة وما تمثله من وسيلة فاعلة في نقل الافكار والمعلومات
من طرف لاخر بهدف التواصل واشباع الحاجات ومواجهة المواقف المختلفة،
الا انها يمكن ان تكون وسيلة من وسائل العنف اذا ما استخدمت بشكل
وباسلوب معين يستطيع من خلالها احد الاطراف ان يسبب الضرر المادي او
المعنوي للطرف الاخر من خلال الاساليب الآتية:
1- استخدام الكلمات والعبارات
الجارحة والمهينة.
2- استخدام الاساليب الجارحة
والمهينة.
3- استخدام المواقف المحرجة.
4- استخدام الاشارات والرموز
كوسيلة للاهانة والتهديد.
وسنحاول ان نتناول كلا منها في
المباحث الآتية:
وتكمن مشكلة البحث في ان
العنف بكل انواعه اصبح ممارسة وسلوكاً شائعا ومنتشراً في مختلف الاوساط
وفي مختلف الاعمار وبانواعه وأساليبه المختلفة وأصبح هو السمة الاساس
في مختلف التعاملات اليومية بين الجماعات والافراد.
وكذلك بروز العنف اللفظي على
انه وسيلة تعكس السلوك العدواني العنيف لدى الافراد والذي من خلاله
يستطيع الافراد والجماعات تحقيق مآربهم وتحقيق الضرر للطرف الاخر.
وتكمن اهمية البحث في انه
يسلط الضوء على انواع معينة من العنف والذي اطلقنا عليه مصطلح العنف
الرمزي، وما هي انواعه واساليبه واشكاله وكذلك التعرف على اهم اسبابه
والعوامل المؤدية او المشجعة على ضهوره وممارسته.
ويهدف البحث الى التعرف على
انواع واشكال واسباب العنف الرمزي، وما وظيفته في المجتمع بين الافراد
والجماعات، وكذلك الكشف عن الاسباب التي تؤدي الى ظهور وممارسة هذا
النوع من العنف، وما هو دور التربية والاسرة في انتشار هذا النوع من
العنف او في الحد منه.
1- استخدام الكلمات الجارحة
والمهينة
من المعروف انه عندما يحدث حوار او
نفاش بين طرفين او أكثر فإنّ الغاية منه ايصال المعلومات والافكار فيما
بينهم وذلك لحل مشكلة او مواجهة ازمة او اشباع حاجة (1) وعادة ما
يستخدم المتحاورون اساليب معينة تدل على الذوق واللياقة والمعرفة
واللباقة في اختيار العبارات وصياغة الجمل وطريقة لفظها والاماءات التي
تصاحبها وذلك من اجل جعلها تترك انطباعا حسناً عتد الطرف الاخر
(المتلقي) ومن ثمّ تشجعه على ابداء الاستجابة والتعاون في الحوار وفي
جل المشكلة ومواجهة الموقف. وكلما كان الفرد (او الطرف) اكثر قدرة على
استخدام العبارات والكلمات والجمل والايماءات بما يتلاءم مع طبيعة
وشخصية وثقافة الطرف المقابل كلما كان انجح واكثر قدرة على التاثير فيه
وجعله مستعدا للاستجابة والانقياد والتعاون.... وهنالك قول مأثور يقول
ان في البيان لسحرا.
وعادة ما تستخدم هذه الوسيلة بهذه
الطريقة في المواقف والمناسبات التي يكون فيها لدى الاطراف المتحاورة
النية الصادقة في التعاون لحل المشكلة او مواجهة الموقف والازمة بشكل
ايجابي ولكن عندما لا تتوافر مثل هذه الشروط كأن يكون احد الاطراف
يفتقر الى القدرة الكلامية المؤثرة او غير متمكن من مفرداته اللغوية او
ليس لديه النية الصادقة ( بالاضافة الا صفاته العقلية والاخلاقية ) لحل
المشكلة او تجاوز الازمة، فإنه سوف يلجأ بشكل ارادي او غير ارادي الى
الخروج عن اسلوب الحوار والنقاش الناجح والتواصل البناء وذلك من خلال
استخدام آلية او وسيلة اخرى في هذا الحوار وهي وسيلة التهجم الكلامي
(اللفظي) باستخدام كلمات وعبارات جارحة (وهي تختلف من فرد إلى آخر ومن
مجتمع إلى آخر ومن وقت إلى آخر ) والتي هي محاولة لارغام الطرف الاخر
على التخلي والانسحاب وذلك من خلال ازعاجه او اهانته او تهديده، او هي
محاولة لاسترداد المبادرة او اعادة الثقة بالنفس او تعويض النقص
والخسارة بسبب الشعور بأن الطرف الآخر هو الاكثر قدرة على ادارة الحديث
والحوار وانقاش باسلوب اكثر تأثير وفاعلية، وانه قد بدأ يكسب الجولة في
هذا الحوار وان الامور تجري لصالحه. لذلك فإن الخاسر سيعمد الى استخدام
العبارات والكلمات الجارحة لاهانة المقابل و احراجه او هز الثقة في
نفسه او محاولة رد الاعتبار لما اصابه من خسارة في هذا الحوار، وهنالك
قول معروف هو (ان الخاسر يلجأ دائما الى الشتائم ) وهذا ما نلاحظه حتى
في الاحداث والصراعات اليومية بين الناس، إذ نلاحظ ان الطرف الذي لا
يستطيع ان يكون مؤثرا بشكل فاعل في الجانب المادي من الصراع يلجأ الى
التهجم والسب والشتم بأسوأ العبارات والالفاظ وذلك في محاولة لتعويض
الخسارة امام نفسه او امام الآخرين(2).
اذا هي عملية او محاولة لانقاذ
الطرف الخاسر او رد الاعتبار له وهي وسيلة للتغطية على الفشل الذي
اصابه وتعويض النقص الذي يعاني منه.
ومن الملاحظ ان الافراد
الذين يلجأون الى السب والشتم واستخدام العبارات الجارحة هم من النوع
الانفعالي والقليلي التعليم والثقافة (3) لذلك فهم عادة ما يفشلون في
ادامة الحوارات او الانتصار فيها، لذلك نجدهم يلجأون الى التهجم السب
والشتم (العنف اللفظي) كوسيلة للتعبير عن عجزهم وضعف قدراتهم في مواجهة
الطرف الآخر والانتصار عليه.
ومن الملاحظ أيضاً أن
الافراد الذين تربوا بطريقة قاسية وعنيفة من خلال سلطة قوية ولم يتح
لهم ان يعتادوا على اسلوب النقاش او الحوار ومحاولة الفهم والاقناع
باستخدام اساليب المرونة في التعامل والتقبل، فإنهم عادة ما يميلون الى
انهاء حواراتهم الفاشلة بسرعة وعنف وذلك باستخدام العنف اللفظي محاولة
منهم للتملص من هذا الحوار الذي اعتادوا على ان يخسروه مع مربيهم (إذ
لا يسمح بالنقاش ) او لانهم غير قادرين على الاستمرار لانهم لا يملكون
وسائله وادواته الناجحة. إذ اننا نلاحظ ان اغلب المجتمعات الشرقية ذات
السلطة الابوية القوية والعنيفة لا تقوم التربية فيها على اساس التعلم
والفهم وانما على اساس التلقي والتلقين فقط اي دون السماح بالنقاش او
السؤال او الحوار لانه يعد مجادلة واعتراض على رأي المربي وعدم طاعته
لذلك فلا مجال للنقاش والحوار مما يفقدهم مثل هذه المهارة حتى مع
الاخرين وان كانوا في نفس المستوى العمري.
2- استخدام الاساليب الجارحة
والمحرجة.
ومن الاشكال الاخرى
للعنف الرمزي استخدام اسلوب غير مألوف او غير اعتيادي او عير مقبول
اومتعارف عليه في الحوارات، فمن المعروف ان الحوار يتم على وفق اسلوب
معين وخاصة اذا كان الطرفان من مستوى اجتماعي متقارب، وذلك باستخدام
اساليب او طرق او حتى عبارات ومفردات معينة يتم تداولها باسلوب يفضي
الى ايصال المعلومة من جهة وادامة الحوار من جهة اخرى، وان اى خلل في
هاتين السمتين قد يؤدي الى قطع وانهاء الحوار، فاذا ما اراد اي طرف ان
يديم ارتباطاً وحواراً مع طرف آخر فإن عليه ان يستخدم المفردات
والاساليب التي تجعل الطرف الآخر يفهمها اولا ويرغب في الاجابة عليها
ثانيا (4) والا فإن هذا التواصل والحوار سوف ينتهي، فالحوار مهارة لا
يتقنها الجميع، لهذا فإن المحاور الجيد هو الذي يتمكن من شد الطرف
الآخر الى موضوعه وابقائه على هذا الاتصال ثم محاولة اقناعه بالموضوع
الهدف او الغاية من هذا الحوار. فمثل هؤلاء الافراد يمتازون بالقدرة
على ان يجعلوا الاخرين متابعين وراغبين بالمواصلة، وذلك من خلال عدم
احراجهم او اهانتهم، وليس بالضرورة ان يكون الاحراج والاهانة باستخدام
كلمات او عبارات مهينة وجارحة او محرجة بل قد يكون ذلك باستخدام اساليب
جارحة تدل على السخرية وعدم التقدير والاحترام، كأن يقوم باستخدام لغة
غير لغة الطرف الآخر او لهجة غير لهجته والتأكيد على عبارات او مفردات
او اشكال نطقها ولفظها او الاهمال والانشغال في اثناء الحديث او التكلم
بصوت مرتفع او منخفض اكثر مما ينبغي، او استخدام بعض الكلمات المحورة
او المحرفة بقصد الاحراج او الاهانة وغيرها من الاساليب الاخرى التي
تهين وتحرج الطرف المقابل وتدفع به أخيرا الى انهاء الحوار وعدم
التواصل وابداء التعاون، لان مثل هذه الاساليب انما تعطي رسالة سلبية
لمواصلة الحوار مما يولد حالة من القلق وعدم الاستقرار لدى الطرف الاخر
إذ ان من يقوم بمثل هذه الممارسات ويستخدم هذه الاساليب في اثناء
الحوار قد يكون غير راغب في اكمال هذه المحاورة او هو غير كفء لمثل هذا
النوع من النقاش او انه يتعمد الاساءة والاهانة مما يدفع الى انهاء
الحوار.
ومن الاساليب الاخرى التي
يمكن ان تمثل اسلوباً من اساليب العنف الرمزي هو عدم اعطاء الطرف
المقابل ما يستحق او ما يتلاءم مع المكانة الاجتماعية والثقافية او
الرسمية، فيتم مخاطبته او التعامل معه دون مراعاة مثل هذه المكانة من
حيث الاسلوب والطريقة او ان يقوم بتقديم من هو اقل منه مكانة عليه في
الحديث او الرأي واعطاء اهمية وقدر اكبر للآخر والذي قد لا يستحقها، او
محاولة توجيه الحوار بما لا يتلاءم ويتوافق مع طبيعة الموقف والمكانة
لكل من الطرفين (او الاطراف) الداخلين في الحوار فيوحه السؤال او
المعلومة الى الطرف غير المناسب، مما يقود الحوار في اتجاه خاطئ يؤدي
الى الانزعاج وعدم الارتياح ومحاولة الرد بأسلوب عنيف كمحاولة لتغيير
الموقف او رد الاعتبار، او يؤدي الى انعدام الرغبة في التواصل وانهاء
الحوار.
3- استخدام المواقف المحرجة:
من اجل ان يكون الحوار ناجحا
ومؤثرا يجب ان يتم في ظل اجواء تساعد على مثل هذا الحوار وتعمل على
ديمومته سواء على المستوى الذاتي او المستوى الموضوعي فعلى المستوى
الشخصي ينبغي ان يكون الشخص الذي يدخل حواراً معيناً مهيأ نفسيا لمثل
هذا الحوار ومستعداً له بحيث يستطيع ان يتقبل الآراء والافكار التي
تطرح في مثل هذه الاجواء، وان يكون مستعدا لمناقشتها. كذلك ان يختار
الظروف المناسبة لاجراء الحوار من حيث المكان والزمان والاجواء بحيث لا
يدخل في نقاش او حوار في ظروف او مكان او حتى في موضوع هو غير مستعد او
مهيأ له (5) فبعض الاطراف يرفضون النقاش في مواضيع معينة بشكل علني او
التعبير عن ارائهم وافكارهم تجاه موضوع او قضية معينة امام الاخرين لما
قد يسبب له ذلك من مشاكل مادية او معنوية، او قد يكون التوقيت غير
مناسب لمثل هذا النوع من الحوارات بما لا ينسجم مع طبيعة الظروف او
موقف هذا الطرف لان مثل هذه الحالات تؤدي الى فشل الحوار اما باعطاء
معلومات غير صحيحة وواضحة او بالامتناع عن الاشتراك فيها لان اشتراك
الاطراف في حوارات هم غير مستعدين لها او راغبين فيها سيؤدي الى شعورهم
بالقلق وعدم الارتياح والاستقرار مما يدفع بهم الى انهاء مثل هذه
الحوارات من خلال الرد باسلوب عنيف او بتحريف الاجابات والمواضيع او
بالتجنب وهذا ما نلاحظه في الكثير من الحوارات في البرامج والنقاشات
التي تظهر على شاشات القنوات الفضائية، إذ نلاحظ انه عندما يفاجئ طرف
ما سؤال او موقف هو غير مستعد له فإنه اما يحول موضوع النقاش او يبدأ
بالتهجم والانسحاب من هذا الحوار وذلك لانه وضع في موقف حرج لا يريد ان
يكون فيه، ومثل هذه المواقف عادة ما تكون مرسومة او مخطط لها من معدي
هذه البرامج وذلك من اجل احراج واستفزاز طرف معين لغرض الادلاء
بمعلومات او كشف حقائق ووقائع معينة او لغرض اهانة وتحقير طرف هم غير
راغبين فيه او هم مدفوعون للاساءة اليه لانه يمثل جهة او جماعة معينة
تختلف او تتقاطع معهم فكريا او غيرها...... فاستخدام مثل هذه المواقف
الحرجة هو بالتاكيد احدى الوسائل العنيفة التي تهدف الى اهانه الطرف
الآخر بشخصه او بمن يمثله.
ومن الجدير بالذكر ان نشير
الى ان هذه المواقف الحرجة تكون او تاتي على نوعين: فهي اما ان تظهر
فجأة ودون تخطيط مسبق لها ويتم استثمارها لتحقيق هدف معين بشكل مباشر
او غير مباشر، او ان يتم التخطيط المسبق لها من معدي هذه البرامج
الحوارية على ان يكون هذا المعد يتمتع بمواصفات وامكانيات ومهارات
معينة بحيث يستطيع ان يقود الحوار والطرف الآخر ويدفع به للوقوع في
مصيدة الموقف المحرج إذ يستطيع ان يحقق اهدافه، وهذا يجب ان يكون مبنيا
على اساس المعرفة الكافية بطبيعة ظروف وسمات شخصية الطرف المقابل،
وكذلك طبيعة افكاره وثقافته ونقاط القوة والضعف لديه ليتم استخدامها
بشكل فاعل ومؤثر.
4- استخدام الاشارات والرموز
كوسيلة للاهانة والتهديد
عادة ما تقوم الاطراف المتحاورة
باستخدام اشارات ورموز معينة في المواقف او حالات معينة تأخذ لها معنى
ودلالة معينة، وهنا نتحدث عن الاشارات والايماءات والرموز التي تستخدم
كوسيلة للعنف الرمزي، ومن هذه الاشارات والايماءات والرموز واكثرها
شيوعا واستعمالاً هي استخدام التلويح بالسبابة في وجه الطرف المقابل
كدلالة على التخويف والتحذير والتهديد، وغيرها من الاشارات الاخرى ومن
الجدير بالذكر هنا ومن خلال ملاحظاتنا الميدانية في المجتمع العراقي هو
ظهور اشارة جديدة في التخويف والتهديد بين الجماعات والافراد غير تلك
الاشارات والرموز التي تشتمل على رسائل السب والشتم او التهديد بالقتل
سواء برسائل مكتوبة او عن طريق ارسال مبعوث يمكن ان ينقل هذا التهديد،
والمقصود به هنا هو تلك الطريقة التي تتمثل في ارسال ظرف بداخله رصاصة
مسدس او بندقية وتركها في محل العمل او السكن للطرف المقصود، وهذا فيه
اشارة واضحة على التهديد بالقتل والتصفية الجسدية في حالة عدم
الاستجابة لطلب معين كترك السكن او العمل او تمشية امر او معاملة
معينة، إذ اصبحت مثل هذه الرسائل اشارة واضحة لدى العراقيين بالتهديد
بالقتل دون الحاجة الى الرسائل المكتوبة والتي تحتوي على عبارات السب
والتهديد المباشر بالقتل او الرسائل الملطخة بالدم وغيرها من الوسائل
والاشارات الاخرى. وعادة ما تستخدم مثل هذه الاشارات والرموز لدى
الجماعات والافراد الاميين الذين لا يستطيعون القراءة والكتابة للتعبير
عن افكارهم وارائهم واهدافهم فيلجأون الى مثل هذه الاشارات لكونها اسهل
لهم في توصيل المعلومة والفكرة من جهة، ولتحقيق السرية من جهة اخرى دون
الحاجة الى الكتابة او استخدام الوسائل الاخرى كاستخدام الموبايل
والانترنت وغيرها من الوسائل الاخرى.
العنف الرمزي ومراكز القوة
من الملاحظ ان الاكثر
استخداما للعنف هم من يمتلكون وسائله وادواته بحيث يستطيعوا ان يوجهوه
في الاتجاه الذي يريدون وبذلك يحققون اهدافهم التي يبغون. فالطرف الذي
يكون بالحجم الاكبر والعضلات الاقوى والسلاح الاكثر تطورا وفاعلية هو
الذي يقوم باستخدامه ضد الآخرين لإلحاق الاذى بهم او تحقيق اغراض اخرى
كإجبارهم على عمل معين او اتباع طريق او اسلوب دون آخر او التنازل عن
شيء مادي او معنوي او غير ذلك.... اذاً فالأطراف الذين يتمتعون بقوة
اكبر سواء كانت مادية أم معنوية هم عادة على المبادرون او الاكثر
استخداماً للعنف ضد الآخرين لأنهم يمتلكون وسائله ومتمكنون منها،
فالدولة الاقوى تفرض ارادتها على الدولة الاضعف، والجماعة الاقوى تفرض
ارادتها على الجماعة الاقل قوة، وكذلك الافراد فالفرد الاكثر قوة
ويمتلك الادوات والوسائل المادية هو الذي يستخدمها لارغام الاخرين على
ما يريد، وكذلك استخدام الاب العنف ضد ابنائه او الزوج ضد زوجته لانه
الاكثر قوة (6).
ولكننا نلاحظ ان هذه المعادلة تختل
في حالة استخدام العنف الرمزي، إذ نلاحظ غالبا ان الاقل قوة والاضعف
موقفاً والادنى مكانة والاقل امتلاكا للوسائل والامكانيات المادية هو
الاكثر استخداما وثأثيرا في العنف الرمزي بل الاكثر فاعلية فيه. وهنا
لا بد من أن نتساءل لماذا ؟ وللاجابة يمكن ان نرجع ذلك الى الاسباب
الآتية:-
1- ان العنف الرمزي لا يحتاج
الى امكانيات او وسائل مادية قوية وفعالة لكي يحقق نتائجه وآثاره، فهو
في متناول الجميع، فهو يمكن ان يكون في التجاوز بالسب الشتم المباشر او
عن طريق السخرية والقاء النكات والطرائف ذات المعنى او اصدار صوت غريب
او غيرها من الوسائل البسيطة الاخرى.
2- ان اثر العنف الرمزى اذا ما
استخدم من الاقل او الادنى او الاضعف ضد الاكثر او الاعلى او الاقوى
يكون اكثر فاعلية وتأثيراً لانه غير متوقع، فالاقل قوة ومكانة عادة ما
يكون هو المعرض للعنف بكل انواعه من قبل الافوى والاكبر نلذلك فهو موقف
بديهي يعرفه ويتقبله الجميع لانه مألوف ومتوقع، ولكن عندما يستخدم هذا
العنف من قبل الاضعف ضد الاقوى والادنى ضد الاعلى فانه سيكون اكثر
فاعلية وتاثير حتى وان كان محدودا فالاب يمكن ان بستخدم العنف ضد
الابن وهو امر طبيعي ومألوف وقد له يكون له ما يبرره ولكن من غير
المعتاد او الطبيعي ان يستخدم الابن العنف ضد الاب حتى وان كان بدرجة
بسيطة وبذلك يكون اثره كبيراً (7) وكذلك الحال بين المدير والموظف
لديه او الضابط والجندي وغيرها.... وعلى الرغم من ذلك الا اننا قد نجد
ذلك احياناً وفي بعض المناسبات.
3- حدث بعض
الخرق او التجاوز لهذه التراتبية في المكانات والادوار بين الافراد
والتي من خلالها يمكن ان يحدث فعل او سلوك غير مالوف وغير اعتيادي
ومثال ذلك ما يحدث بين الطبيب الجراح والممرض في غرفة العمليات وخاصة
عندما تجرى عملية صعبة وحرجة او بين الضابط والجندي في ساحة المعركة
وخاصة عندما تشتد المعارك إذ يتم السماح بحدوث بعض التجاوزات والخروقات
من الادنى الى الاعلى، وذلك لغرض تقليل حالة القلق والتوتر بين افراد
المجموعة ومن ثم التقليل من احتمال وقوع الخطأ. ولكن يجب ان نذكر ان
ذلك يحدث في ظروف وحـالات ومناسبات معينة فقط يسمح بها المجتمع لاغراض
معينة...(8)
ونتيجة لما تقدم نلاحظ ان
اغلب الحالات التي يحدث فيها هذا النوع من أنواع العنف لا تتم الا في
ظروف ومواقف تجعل منه فاعلاً ومؤثرا إذ نلاحظ ان حالات العنف هذه تحدث
اما امام جمع من الناس بحيث تكون عامل اهانة وتحقير واذلال للطرف الآخر
بشكل علني مما يؤدي الى مضاعفة مستوى التأثير. او ان يكون الطرف الاضعف
واقعاً تحت تأثير قوي بحيث يفقد السيطرة على نفسه فيقوم بالتهجم والسب
والشتم على الطرف الآخر بشكل هستيري وانفعالي لانه يدرك انه لا يستطيع
ان يستخدم الاشكال الاخرى من العنف ضد الطرف الآخر فيلجأ الى هذا
الاسلوب والذي لا يحتاج الى امكانيات مادية كبيرة من جهة كما انه يمكن
ان يحقق بعض الارتياح او رد الاعتبار من جهة اخرى.
الخاتمة
نحن نعرف ان اي حوار عندما يجري
بين طرفين (او اكثر ) فإن الغاية منه هي ايصال معلومة او فكرة من طرف
الى آخر، وعادة ما يستخدم كل طرف الاسلوب والطريقة التي يعتقد انها هي
الاكثر فائدة وفعالية في ايصال الفكرة وافهام الطرف الاخر المقابل ومن
ثم الحصول على رد فعل والاستجابة المناسبة او المقصودة، وهذا بطبيعة
الحال يستند الى عدة عوامل منها مدى ثقة هذا الطرف بنفسه وثقافته
وامكانياته ومهاراته من جهة، ومدى معرفته بالطرف الاخر المقابل ونقاط
ضعفه وقوته من جهة اخرى، ثم يبدأ على اساسها توصيل المعلومات والافكار
(بغض النظر عن مضمونها ) ومن المعروف انه كلما زادت ثقافة الفرد وثقته
بنفسه كان اكثر قدرة على استخدام الادوات والوسائل الكثيرة قدرة
وفاعلية وثأثيراً على الطرف المقابل، فهو يستطيع ان يتحكم بأدواته
واساليبه وانفعالاته لكي يوصل الرسالة المطلوبة والمقصودة الى الطرف
الاخر، وهذا دليل على ارتفاع مستوى ثقافة الفرد وتمكنه من ضبط ادواته
ووسائله وكذلك انفعالاته بحيث يمكن ان يظهر للطرف الاخر شيئا اخر غير
الحقيقة بشكل سهل وفاعل – اذا كان يريد ذلك – ولكن ولاسباب عدة - منها
ذاتية تتعلق بالمهارات الشخصية وصفاتها وطبيعتها واخرى موضوعية تتعلق
بطبيعة التربية والظروف المحيطة – يحدث خللاً ما في طبيعة الشخصية ومدى
ثقة الفرد بنفسه وتمكنه من اساليبه ووسائله وادواته المستخدمة في
الحوار ومنها عدم تمكن الفرد من ضبط مشاعره وانفعالاته ومن ثم عدم
قدرته على الاستخدام الامثل لاساليبه وادواته وعدم القدرة على ايصال
الرسالة المطلوبة او المقصودة الى الطرف الآخر وهذا الخلل والضعف في
الشخصية وعدم الثقة بالنفس قد يكون آنياً او مزمناً بحسب الظروف
والمواقف التي يتعرض لها الافراد فمثلا نلاحظ الشخصية العراقية ولعدة
اسباب منها طبيعة التربية والسلطة الابوية وما طرأ عليها من تغيرات
خلال السنوات والاحداث التي مرت على الفرد والمجتمع العراقي، وكذلك
اكتسابه بعض القيم والعادات التي دفعت بهم الى الاعتقاد بفكرة معينة او
العمل وفق اسلوب معين، فإن الكثير منهم لا يحظون بمهارات حوارية جيدة
وليس لديهم القدرة على الدخول في حوارات او مناقشة موضوع معين يستمر
لمدة طويلة بل نجد انه غالباً ما تؤدي هذه النقاشات الى صراع عادة ما
يبدأ باستخدام عبارات جارحة او استخدام اساليب كلامية جارحة ومهينة.
وكما ذكرنا يرجع هذا الى
اسباب عديدة منها الشعور بالاحباط او الاستعلاء وكذلك عدم امتلاك
المهارات الحوارية اللازمة مما يدفع بهم الى التهجم بالكلام كوسيلة
بديلة للتخلص من الموقف او التعويض عن الخسارة والفشل، وبسبب طبيعة
التربية والتنشئة العراقية فيما يخص الحوار والنقاش وكذلك طبيعة
العلاقة بين الاطراف المختلفة التي لا تبنى على الندَية في التعامل
وانما تبنى على الاختلافات والفروق، فإن الافراد الذين يدخلون في نقاش
او حوار فهم في الاساس قد دخلوا فيه وهم قلقون ومتوترون للاسباب
المذكورة سابقاً، فلذلك هم مهيأون للصدام مع الطرف الآخر وما هي الا
شرارة صغيرة ( مقصودة او غير مقصودة ) حتى يتحول هذا الحوار الى عملية
صراع تبدأ بالعنف الرمزي حتى ان كانت خارج موضوع الحوار فالكثير منهم
لا يدخل هذا الحوار بهدف التعلم والاستفادة والحصول على المعلومات ولكن
بسبب او بغرض محاولة فرض الراي والسيطرة والاستعراض وفي حالة عدم
النجاح في ذلك فانه سيلجأ الى العنف الرمزي.
اذن فالعنف الرمزي هو عملية
اجتماعية تتكون من شقين هما:
1- محاولة التخلص من الضغط
والتوتر والقلق الموجود داخل نفس الفرد والتنفيس عن الانفعالات
والاحباطات الحياتبة اليومية إذ ان مثل هذه الممارسات وما فيها من
إلحاق ضرر والم بالآخرين هو محاولة لتعويض النقص او سد الحاجة او ازالة
القلق والتوتر فاهانة الطرف الآخر وإيلامه يجعل الطرفين متساويين او
متعادلين، فعندما يشعر احد الطرفين بانه بدأ يفقد السيطرة والمبادرة
والثقة او انه وقع في خطأ ما فانه يقوم باستخدام العنف الرمزي كوسيلة
للتغطية او لارباك الطرف المقابل، فالقليل من الافراد يعترفون بسهولة
او بثقة بأنهم ارتكبوا خطأ او انهم خسروا معركة.
2- التهرب من اكمال المحاورة
والنقاش ومن ثمّ الفشل والخسارة وذلك بسبب عدم امتلاك المهارات
والآليات المناسبة لاكمال الحوار او النجاح فيه مما يدفع بالفرد الى
البدء بالعنف الركزي واهانة الطرف الاخر سعياً الى انهاء النقاش
والتملص من الموقف دون ان يتضح من هو المنتصر او الخاسر في هذا الموقف
او الحوار.
المصادر
ــــــــــ
(*) تدريسي
في قسم الانثروبولوجيا ـ الجامعة المستنصرية
1- ابراهيم ناصر، الانثروبولوجيا الثقافية، دار الفرقان، بيروت 1985.
2- د. علي كمال النفس وانفعالاتها، الجزء الاول، ط4، الدار العربية، بغداد
1988.
3- د. علي كمال النفس وانفعالاتها، الجزء الثاني، ط4، الدار العربية، بغداد،
1988.
4- ارفنج زايتلن، النضرية المعاصة في علم الاجتماع، ذات السلاسل، الكويت،
1989.
5- د. مصطفى حجازي، الفحص النفساني، دار الطليعة، بيروت 1979.
6- د. على عبد الحسن واخرون، السلوك والوراثة، مطبعة الجامعة الموصل، 1987.
7- ابراهيم ناصر، التربية وثقافة المجتمع، دار الفرقان، بيروت 1983.
8- د. ريسان عزيز، ضغط الثقافة واليات تغير السلك، بحث منشور في مجلة
المأمون، العدد الثاني السنة الثالثة، 2007.
|