|
الاربعاء: 26/11/2008
العرب وحرية
الاختيار
بين قيم التقليد وقيم التجديد
وضاح فاضل(*)
(خاص للمعهد)
ان الانسان المفلس فكريا يكون مرتعا
خصبا للفرض الفكري الخارجي, وهذا كله مرتبط بأمور التطور والتقدم.
فالمجتمع المتخلف فكريا هو عادة مجتمع متأخر من جميع النواحي, وتراه يعيش
مستهلكا لا منتجا. حتى على مستوى الفكر, لكن في هذه الحالة الاخيرة توجد
مفارقة وشذوذ, ذلك ان المجتمع المفلس فكريا هو عادة مجتمع عقائدي, يعيش
حالة من الشذوذ بين تمسكه بعقائده البالية وفرضها على افراده من جهة,
وبين تطلع هؤلاء الافراد حول القيم التقدمية في المجتمعات الحديثة والتي
تحاكي اسباب التقدم والازدهار الفكري. في مثل هذه المجتمعات نستطيع أن
نرى الازدواج صارخاً على مستوى المعايير والسلوك.
يذكر الاستاذ تركي الحمد, الكاتب في جريدة الشرق الاوسط:
الشيزوفرانيا (Schizophrenia) او الفصام, كلمة مشتقة من الكلمة الاغريقية
(Shjzofre'neja) والتي تعني انفصام العقل, وهي عبارة عن وصف طبي- نفسي
لحالة من اضطراب العقل يمكن ملاحظته بضعف في الادراك وفي فهم الواقع
وبقدر كبير من الاختلال الاجتماعي والوظيفي. والمصاب بالفصام عادة ما
يتصف بعدم القدرة على التفكير المنظم, ويعاني من اوهام وهذيان, وخاصة
الهذيان السمعي.
ويمكن القول ان التعريف الشائع للشيزوفرانيا, كما هو وارد في معاجم علم
النفس هو انها ضعف الترابط المنطقي في التفكير والسلوك.
وهناك خلاف بين كثير من علماء النفس حول الشيزوفرانيا, اهي واحدة ام
هنالك عدة انواع او عدة مستويات. فليس من الضروري ان تكون حالة الفصام من
درجة واحدة. او بتلك الحدة التي صورها لنا فيلم «A Beautiful Mind» والذي
يتحدث عن حياة «جون فوربز» ناش, الحائز على جائزة نوبل في الرياضيات. بل
ان الحالة قد تكون اخف من ذلك بكثير, بحيث لا يكون ملاحظا ان الشخص مصاب
بالشيزوفرانيا. من ناحية اخرى, يجب التفرقة بين حالات الشيزوفرانيا
وحالات «اضطراب الشخصية الفصامية Dissocciative identity disorder ,
وكذلك بين هاتين الحالتين وبين حالة «العمى الايديولوجي» كما يمكن ان
نسميها, وذلك عندما تكون الثمالة الايديولوجية في اقصى درجاتها, فلا يرى
المؤدلج الا عالما نابعا من الايديولوجية المهيمنة على عقله, بحيث يتعامل
في النهاية مع كل ما حوله تعاملا قريبا من تعامل من كان مصاب بالفصام,
وفي كثير من الاحيان تتداخل هذه الامور بحيث لا يُدرى عن أيّها نتحدث.
ثم يكمل الاستاذ تركي الحمد متحدثا عن احدى الشخصيات القيادية العربية في
أثناء «قمة عربية» مشبها حالة هذه الشخصية بالشيزوفرانيا تارة والعمى
الايديولوجي تارة اخرى, هذه الحالة التي جعلته(الشخصية القيادية) يعبر عن
تناقض صارخ في المواقف من دون الشعور بهذا التناقض, لا بل هو يظهر دائما
متسقاً مع نفسه معتقدا بعبقريتها وبعظمتها الى درجة النبوة!! وهو يتكلم
في جو سياسي واجتماعي لا يصفق الا لهذا النوع من الزعماء.
يقول الاستاذ تركي: ان حالة هذا الزعيم ليست فريدة في الحياة العربية,
وان كان حالة حادة. بل اننا نجد ان الفصام, وبكل انواعه, في الشخصية
العربية, وسواء اكان ذلك نتيجة حالة مرضية او ايديولوجية, ظاهرة تكاد
تكون عامة بحيث نلحظها في سلوكيات الكثير من الناس, العامة والخاصة على
السواء, بل ان «حالة الفصام» هذه تكاد تكون ظاهرة ثقافية عامة في حياتنا,
بحيث نعيش ذهنيا في واد, ونمارس حياتنا الواقعية في وادٍ اخر, دون ادنى
احساس بتناقض من أي نوع.
ثم يروي الاستاذ تركي أحداثاً واقعية ذات مغزى مهم من ناحية التعبير عن
الافلاس الفكري وانعدام ما اسميه «شخصية الحرية».
يقول: منذ زمن خلا, مثلا وعندما كان المد القومي هو المهيمن على الساحة
العربية, كان لي صديق, وكان هذا الصديق يتنفس القومية العربية اكثر من
الهواء نفسه. ويكره اميركا وامبرياليتها. وهو حتى يدخن سجائر «كولد ستار»
الاردنية كنوع من المقاطعة للسجائر الاميركية, التي كانت تمثل الشركات
عابرة الجنسية في نظره. وحين كنا نجتمع معه في مناسبات متفرقة, لم يكن
الحديث يتجاوز ما قاله مفكرو الحزب, والمنطلقات النظرية لذلك الحزب(1),
والتضحيات التي يجب ان تقدم كي تبعث الامة العربية من جديد. فقد
كنا(حزبيين) حتى النخاع, وما كان عبد الناصر لنا إلا مجتهدا في قوميته
ولكنه لم يكن قوميا حقيقيا. كنا في ذلك الوقت نكره اميركا, بل كل الغرب
كما يفعل الاسلامويون اليوم, لنفس الاسباب وان تغيرت العناوين. كانت
أميركا لنا تمثل اعلى مراحل الرأسمالية وأعلى درجات الامبريالية, وهي
اليوم الشيطان الاكبر ورأس الكفر في نظرهم. كانت أميركا عدوة القومية
العربية وانبثاقها, فالقومية العربية تهديد لها ولحضارة الغرب اجمع, وهي
اليوم عدوة الاسلام وعودته, فالاسلام تهديد لها ولحضارة الغرب اجمع.
وكان الغرب عدواً تاريخياً للقومية العربية, وهو اليوم عدو تاريخي لكل ما
هو مسلم. في النهاية تغيرت الاسماء والعناوين, ولكن المضمون بقي واحدا.
المهم وبالعودة الى «صديقي» اكتشفت بعد مدة وحين خبا الحماس والهوس
القومي, أن صديقي هذا لم يكن يتحدث في بيته ومع افراد اسرته الا باللغة
الانكليزية, وان كل اولاده يتعلمون في مدارس اميركية, وبعضهم في أميركا
نفسها, ولا يثق الا باخبار البي بي سي باللغة الانكليزية, ولم يكن صديقي
هذا يرى في سلوكه ذاك أي تناقض مع المبادىء القومية.
ويكمل الاستاذ تركي متحدثا عن مثل آخر مشابه لأحد أصدقائه (الشيوعيين)
الذي كان بنفس الوقت لا يحبذ الا البضائع الاميركية, ومهوس بافلام
هوليوود مبررا ذلك بان الرأسمالية هي مرحلة من مراحل الطرق نحو الشيوعية,
وان الحتمية التاريخية لا بد قادمة!!, ويضرب مثلا آخر لأحد القادة
الاسلامويين ( على حد تعبيره) الذي سافر إلى إحدى بلاد الغرب هربا من
تعسف السلطة في بلده الاسلامي, وانه يعيش وعائلته على اموال الضمان
الاجتماعي الذي توفره له تلك الدولة, ومع ذلك فهو يدعو الى الجهاد ضد تلك
الدولة ويظن انها مسألة وقت وسوف ينشر الاسلام هناك باعلان الجهاد!!!.
والامثال لا تحصى..
بعد عرضه لتلك الامثال يقول الاستاذ تركي:
نظرت الى هذه المواقف, وغيرها كثير, فلم اجد لها تفسيرا الا انها نوع من
انواع الشيزوفرانيا الاجتماعية ان صح التعبير, او هي اضطرابات في الشخصية
الفردية والجماعية والثقافية على السواء, او هي ثمالة ايديولوجية من هذا
النوع او ذاك, بهذه الدرجة او تلك او هي شيء من هذا وشيء من ذاك(2).
انا حقيقة لا املك جوابا شافيا للسبب والحل معا, بقدر ما انني مجتهد في
هذا المجال, ودون نصيب ربما, لحالة لم تعد خافية على كل من لديه شيء من
الاهتمام. وهو سؤال مفتوح بقدر سعة السؤال: ما الذي أوصلنا إلى هذه
الحالة وكيف الخروج؟
اما عن «كيف الخروج», فهذا امر اكبر مني ربما, لكن سبب وصول هذه
المجتمعات الى هذه الحالة, فقد يكون الجواب ببساطة هو الافلاس الفكري,
انها مجتمعات تتمشدق بافكار مضى عليها الزمن, فالهيكل الفكري, ان صح
التعبير, الذي تسير عليه تلك المجتمعات هو هيكل فاسد. والتاريخ علمنا ان
الازدهار والتجديد الفكري يؤدي الى ازدهار على كل المستويات والعكس صحيح.
فالمجتمع الانساني هو دائما في حالة من الصيرورة, وهذه الصيرورة تطرح
حاجات ومشاكل اجتماعية تحتاج بدورها الى افكار جديدة تنظمها وتعبر عنها,
وانتفاء التجديد هو دائما مؤد إلى الجمود ومن ثم الى اضطراب اجتماعي
مريض.
صحيح ان هذه المجتمعات في النهاية ستجري شاءت ام ابت مع التيار الحديث
الذي لا راد له. فهم مثل ما يذكر الدكتور الوردي, قائلا: مشكلة المحافظين
الذين قاوموا الحضارة الحديثة انهم لم يستطيعوا ان يستمروا في مقاومتهم
لها مدة طويلة. فالحضارة مغرية جذابة تهواها النفوس, ولهذا راينا الذين
قاوموها سرعان ما انجذبوا اليها واخذوا يفعلون ما كانوا يحرمونه من قبل.
فهم ناقضوا انفسهم خلال مدة قصيرة دون ان يشعروا(3).
نعم ان هذا صحيح لكن انجرافهم هذا يتم من دون شخصية فكرية, أي عن طريق
صراع مرير ومستمر بين تمسكهم بتقاليدهم العتيقة من جهة وسلوكهم في الواقع
مرغمين مع تيار الحداثة. وهذا كله مؤدٍّ إلى الأمراض الاجتماعية التي
ذكرها الدكتور تركي الحمد في مقاله السابق, وهذا الواقع الهجين موجود ما
دام الإفلاس الفكري موجوداً. نحن هنا لا ندعوا الى السير مع الحداثة
كتحصيل حاصل, انما نحن نتكلم عن ما اسميه «شخصية الحرية» وهي قد تكون ذات
مستويين, الاول يتمثل بموقف الفرد من قيم مجتمعه, والمستوى الثاني موقفه
وموقف مجتمعه من القيم العالمية. لابد من أن يكون للحرية(الفردية) موقفها
الذي يتمثل بالتساؤل عن كل قيمة يحاول الآخرون, ايا كانوا, فرضها او
اقناعنا بها.
ان المد الفكري لم يعد قادما, انما اليوم قد اصبح واقع حال لا مفر منه,
ونحن الان في واحدة من اشد تيارات التزاوج الفكري في التاريخ, اذ ان
العالم لم يكن بهذا القرب والاحتكاك الفكري والمادي ولا بهذا الحجم من
قبل. وهنا علينا ان نتساءل عن موقفنا كافراد وموقف مجتمعنا في هذا الوضع,
بغض النظر عن كل الدعوات الرجعية التي تدعو إلى رفض قيم الاخر, لانها
دعوات مفلسة فكريا وافلاسها يا لسخرية القدر هو اهم اسباب مأزقها وموقفها
الركيك التائه.
ان الفرد العربي الشرقي(3), واقع بين رحى مطحنة القيم الجديدة ونزاعها مع
قيمه التقليدية, وقد تمخض عن هذا الموقف(كما ذكرنا) ما تمخض من امراض
اجتماعية. وقد يعترض البعض قائلا إن هذه جدلية تاريخية وانها مرحلة
انحطاط وتحول ستعقبها مرحلة انغماس وذوبان مع القيم الحضارية الجديدة.
وقد يبدو هذا صحيحا من وجهة نظر ما.., لكن الموقف يختلف جذريا من وجهة
نظر الحرية.
أقول إن الفرق كبير بين التحول الى قيم جديدة تفرض بفعل جدلية الزمن
وصراع القيم(بغض النظر عن صلاح تلك القيم الجديدة) وبين ان يكون لي موقف
وشخصية فكرية من المؤثر الاول, وهي قيم مجتمعي الخاص, ومن المؤثر الثاني
وهي قيم العالم او القيم العالمية بمعناها الواسع. وهذا المفهوم الاخير
هو ما اسميته بـ (شخصية الحرية).
في النهاية من الممكن ان نشبه المسألة من وجهة نظر كيميائية فيزيائية.
فالمجتمعات الاستهلاكية هي كالذرة التي يفتقر مدارها الخارجي الى
الالكترون فيميل الى كسب واحد, اما المجتمعات المنتجة فهي ذرة تحمل غلافا
ذريا بالإلكترون تميل إلى إعطائه وهكذا..
واظنني لن ابالغ ان قلت ان خلق الخيارات وتوسيع مجالها هو بنفس اهمية
الاختيار الذي ركزت عليه الفلسفة الوجودية.
«ان الوجود الانساني انما ينبثق من ذلك الوجود الطبيعي الممنوح لنا قبل
أي مجهود شخصي, اعني من ذلك الوجود التجريبي الذي هو مجرد واقعة تعبر
عن(الوجود هنا), في وسط الاشياء او في غمرة المعطيات الحسية, ولكن الوجود
الانساني هو في جوهره وجود شخصي لا ينفصل عن فعل الحرية الذي به اختار
نفسي واحدد مصيري. فالوجود في رأيي إنما يعني أن أكون حرا, وان اختار
بنفسي مصيري الخاص. وهذا ما يجعل فيلسوفا مثل يسبرز يوحد بين الوجود
والاختيار, فيستدل بعبارة ديكارت المعروفة (انا افكر فانا اذا موجود) هذه
العبارة الجديدة (انا اختار فأنا اذن موجود)(5).
لكن الاختيار لن يكون ذا معنى ان لم تكن هنالك امكانيات متعددة وخيارات
لا نهائية بقدر ما يمكن ان تخلقه حريتنا. «ينبغي ان نتذكر دائما ان على
الانسان ان يواصل سلسلة اختياراته دون ان يتحجر في صورة ثابتة مطلقة.
ومعنى هذا انه لكي «يوجد» المرء حقا, فلابد له من ان يعمل باستمرار على
تمييز «الممكنات» الخفية التي ينطوي عليها وجوده, وذلك بملاحظة الموجود
الجديد الذي ينبثق من سلسلة افعاله السابقة, وعندئذ يكون في وسعه ان يحقق
من بين تلك الممكنات ما يريد ان يكونه»(6).
وبالرجوع الى الاختيار, وباعتبار ان الرفض هو اختيار سلبي, فحتى هذا
الرفض لا معنى له ان لم يكن داخل في نطاق الخيارات الممكنة التي افتحها
في الافق لنفسي. فانا لا استطيع ان ارفض خيارا انا اصلا لا املكه, لاني
مقيد لحريتي بقيم اجتماعية او افكار معينة كنت قد صنعت منها قضبانا لسجن
انطلاقي نحو الوجود.
ولكن حتى ان كنا (بدواعي احترام القانون, وتجنب الفوضى) نراعي القيم
الاجتماعية في مجال السلوك, فهل هذا يعني ان افكارنا مقيدة؟ بالتاكيد لا,
انما الذي يقيد افكارنا هو نحن وفقط نحن, عندما لا نسأل لماذا, وعندما
نقتل حريتنا.
الهوامش
ــــــــــ
(*) كاتب من العراق.
(1) لن اذكر اسماء احزاب قدر الامكان, توخيا للحيادية بالاضافة الى ان
غرض البحث هو ابعد ما يكون عن السياسة. ( كاتب البحث ).
(2) الحمد: تركي, حالة فصام, جريدة الشرق الاوسط, العدد 10358 ,
8-4-2007.
(3) الوردي: علي, دراسة في طبيعة المجتمع العراقي, مطبعة العاني,
بغداد,ط1, س 1965, ص 343.
(4) ان استعمالي لكلمة عربي هو استعمال مجازي يدل على المنطقة الجغرافية
وابدا لا يتعلق بمفهوم قومي. ( كاتب البحث).
(5) ابراهيم : زكريا, مشكلة الحرية, مكتبة مصر, القاهرة, ط 1, 1985 ص
165.
(6) المصدر نفسه , ص 166.
|