الحضارية «ثقافة ومجتمع»

السبت: 15/11/2008


الطفولة والتربية(11)
مقالات مترجمة من كتاب المربية الخارقة«Super Nanny»

ترجمة: علي البدران(*)

كيف تهذب طفلك؟
عندما يقوم الطفل بعمل غير مقبول، ويشخص الأبوان أن الطفل أقدم على هذا العمل عن قصد، ففي هذه الحالة لابد من اتخاذ المزيد من الخطوات والاستعانة بالقوانين وبشيء معقول من الصرامة والسيطرة. وسنأتي لاحقا على ذكر بعض التقنيات النافعة للتعامل مع الطفل الأكبر سنا. ما لم يكن الطفل متقدما في العمر فيمكن للأبوين البدء باستخدام هذه الطرق ويمكنهم أن يتوقعوا منها نتائج طيبة.
قبل ذلك قد تكون ذهنية الطفل غير متطورة بما فيه الكفاية لكي يكون قادرا على فهم ما تحاول الأم تعليمه إياه.
إن السبب الرئيسي للسلوك السيئ الذي يقوم به الطفل في سن 2- 5 سنوات هو محاولة جذب انتباه الآخرين له، والسبب الآخر هو الغيرة. فالأطفال الصغار يقومون بكل ما بوسعهم من أجل توجيه الأنظار إليهم. ومع قدوم المولود الجديد ستكون هناك منافسه كبيرة بين الطفلين من أجل جلب انتباه الأم.
وللتعامل مع هذه الحالة على الأم أن تتذكر شيئين مهمين:
• على الأم أن تتحلى بالثبات والحذر ولا تحاول تغيير القوانين ويجب على كلا الأبوين أن يتصرفا بنفس الطريقة ويدعم أحدهم الآخر، لأن الطفل الذي يخضع لتأديب أحد الأبوين سيتجه وبشكل طبيعي إلى الطرف الآخر ليرى إذا كان بالإمكان الحصول على شيء من المساندة.
• لا بد من التصرف وبشكل فوري وعدم تأجيل التصرف إذا ما كان ذلك لازما، فالأطفال لا يتذكرون الأشياء لمدة طويلة، إذن فهم لا يرون علاقة بين التأديب والسلوك السيئ إذا كانت هناك فاصلة كبيرة بينهما.
متى يجب أن يمتنع الأبوان عن التأديب؟
• عندما يكون الطفل مريضا أو في طور الشفاء من المرض. فبعض الآباء يجدون أن أكثر أعراض المرض وضوحا هي عندما يصبح طفلهم المشاكس أكثر سهولة في التعامل، بينما يصبح أطفالا آخرين أكثر إزعاجا عندما يكونون مرضى أو في مرحلة ظهور الأسنان. إذن يجب الانتباه إلى أن الطفل المريض سيكون بحاجة إلى المعالجة الصحيحة والكثير من الحب والاهتمام.
• عندما ينتابك شك معتبر في تشخيص المعتدي بين الأطفال. فأغلب الأطفال الصغار يكونون شفافين وسيكون باستطاعة الأب تشخيص المذنب في حالة حدوث نزاع من وراء ظهره. لكن على الأب أن يدرك أن الطفل إذا تعرض للتأديب بسبب أشياء لم يفعلها فمن حقه أن يشعر بالاضطهاد وسيبدأ باللجوء إلى الكذب.
• عندما تكون هناك حالة قصوى من التمزق العائلي، على الأب أن يتوقع من الطفل انخفاضا في مستوى سلوكياته، فعندما تنقلب الأمور رأسا على عقب أو في حالة الانتقال إلى بيت جديد أو عند قدوم مولود جديد إلى العائلة أو عندما يمرض أحد أفراد العائلة إلى آخره من الحالات فحينئذ يجب أن لا يركز الأب كثيرا على مسألة التأديب وعليه الانتظار حتى تهدأ الأمور.
• عندما يكون الطفل قد تعرض مسبقا للتأديب من قبل الشريك، فيجب الحذر أن لا يعاقب الطفل مرتين على نفس الذنب، ويجب أن يعتبر الأمر منتهي إذا ما عوقب الطفل من قبل الشريك.
تقنية «موقف المشاغب».
إن الفكرة الأساسية لهذا التكنيك هي إبعاد الطفل عن المشهد لبضعة دقائق وإعطائه فرصة لكي يهدأ ويفكر بما فعله ليصبح مستعدا لتقديم الاعتذار عما بدر منه.
الشيء المهم في هذا التكنيك هو أن يعرف الطفل أن بعض السلوكيات الغير مقبولة ستؤدي به إلى هذه النتيجة. وهذا الأمر لا يسهم فقط في إعلام الطفل بأنه قد تجاوز قانونا مهما وبشكل واضح وقاطع، وإنما يسهم أيضا في تخفيف نتيجة التوتر الحاصل من ارتكاب الخطأ. فالأم بحاجة إلى فسحة من الوقت لالتقاط الأنفاس بقدر ما يحتاج الطفل إلى ذلك.
إن هذا التكنيك لا يحتاج بالضرورة إلى مكان معين بذاته فيمكن الاستفادة من الغرفة مثلا لتطبيق هذا التكنيك. لكن يفضل أن لا يكون هذا المكان بعيدا عن أنظار الأم فتبقى طول الوقت على السلم صعودا ونزولا لمراقبة الطفل. وهناك شرطا آخر، إذا ما قررت الأم استخدام غرفة معينة لهذا الإجراء فعليها أن تحرص أن تكون هذه الغرفة خالية من الألعاب ووسائل اللهو التي قد ينشغل بها الطفل، فوضع الطفل في غرفة مليئة بالألعاب أو تحوي على جهاز تلفاز أو غيره من وسائل اللهو يجعل من هذا التكنيك عديم الفائدة. فلابد أن يكون المكان غير مسلي وبعث على الملل لكي تتاح للطفل فرصة التفكير فيما اقترفه من ذنب. ضمن سلسلة برنامج «المربية» في أمريكا عندما زرت أحدى العائلات رأيت أن هناك طفلين أحدهما في السادسة والآخر في الثالثة من العمر يتم إرسالهما إلى غرفتهما كلما قاما بتصرف سيئ. إن هذا الإجراء في الواقع يبعث للطفل برسائل مشوشة، في حين أن الأم بحاجة إلى أن تجعل الطفل يشعر بالراحة والطمأنينة في غرفته الخاصة وينبغي أن لا تجعلها مكانا للعقاب.
إن تكنيك «مكان المشاغب» هو نفسه الذي يسميه خبراء العناية بالطفل «Time out». أنا شخصيا لا اعتقد أن الطفل يتعرض إلى ضرر بوضعه في مكان المشاغب إذا ما قام بسلوك سيء. لكن إذا ارتأت الأم أن تختار اسما آخر لهذا التكنيك قد يجعل الأمر أسهل فلا ضرر في ذلك.
إذا قام الطفل الغيور ذو الأربع سنوات بدفع أخته الصغرى وقذفها بالدمية، فتقع الطفلة على الأرض وتشرع بالصراخ فتعم الفوضى فتضطرب الأم وتبدأ بالقلق. في مثل هذه الحالة على الأم أن تتأكد أولا من أن الصغار بخير، ثم تحاول ضبط أعصابها ثم تلجأ إلى تكنيك «مكان المشاغب».
كيف يمكن أن ينجح هذا التكنيك؟
هذا التكنيك يمكن أن يكسر حلقة السلوك السيئ بشكل سريع. لكن هنا لابد من التذكير من مواقف الآباء يجب أن تتسم بالثبات، ومن الضروري أن لا يتم تخطي أي مرحلة. كما أن التوضيحات والتحذيرات تعتبر من الأمور الأساسية. وإذا اقتضت سخونة الموقف أن تنتقل مباشرة إلى النقطة(ج) متخطيا النقاط (أ) و (ب) فتأكد أن الطريقة سوف لن تؤتي أكلها.
عندما يرتكب الطفل سلوكا سيئا، فعلى الأم أن تراعي التسلسل التالي في التعامل مع هذا السلوك:
- التحذير:
التحذير هو المرحلة الأساسية في هذا التكتيك، فالتحذير يعطي الطفل فرصة لتصحيح سلوكه. وعندما يتجاوز الأبوان مرحلة التحذير فسوف لن يتركوا للطفل مكانا آخر يلجأ إليه.
عندما يرتكب الطفل تصرفا خاطئا، فعلى الأم أن تتجه مباشرة نحو الطفل ثم تنخفض إلى مستواه وتنظر بشكل مباشر إلى عينيه، ثم توجه له تحذير حازم وبنبرة آمرة، كأن تقول له مثلا:«هذا السلوك غير مقبول، نحن لا ندفع الناس ولا نرميهم بالأشياء، فهذا أمر خاطئ. رجاءا لا تكرر هذا العمل مرة أخرى».
- الإنذار:
بعد خمس دقائق سيقوم الطفل بتكرار نفس الفعل، وفي مثل هذه الحالة تستخدم الأم نفس النبرة الثابتة والمنخفضة، ونفس لغة الجسد الواثقة، فتقول له: «سبق وأن نبهتك أن لا تضرب أختك أو ترميها بالأشياء فذلك أمر سيء، نحن لا ندفع الناس. إذا كررت هذا الأمر ثانية فسأجعلك تقف في موقف المشاغب».
- موقف المشاغب:
بعد هاتين الخطوتين، إذا كرر الطفل نفس الخطأ، على الأم أن تأخذه مباشرة إلى المكان المخصص للمشاغبين والذي اصطلحنا عليه «موقف المشاغب» تجلسه هناك وتطلب منه أن يبقى لفترة محددة، هذه الفترة تختلف باختلاف عمر الطفل، بالنسبة لطفل يبلغ سنتين ونصف من العمر تكفي بضعة دقائق، وخمسة دقائق تعتبر مقبولة بالنسبة لطفل في الرابعة من العمر أو أكثر.
- الإيضاح:
هذه المرحلة هي أمر أساسي آخر، فقبل أن تترك الأم طفلها في موقف المشاغب عليها أن توضح له لماذا يجب عليه أن يقف في هذا الموقف. فمثلا تقول له: «نحن لا ندفع الناس، ولا نلقي عليهم الأشياء، فهذا سلوك غير مقبول أبدا، إنه يؤذي الآخرين، لذلك عليك أن تقف هنا لخمسة دقائق وعليك أن تفكر فيما فعلت. وحلما تنتهي الخمسة دقائق سأخرجك من هنا لتعتذر عما بدر منك. والآن أرجوك أن تبقى هنا».
طبعا يجب أن لا يبقى الطفل هناك أكثر من خمسة دقائق، وإذا ما حاول الطفل أن يترك المكان قبل انتهاء الدقائق الخمسة وأراد أن يعبر عن أسفه الشديد عما بدر منه، في مثل هذه الحالة على الأم أن تقبل اعتذاره وأن تسمح له بالبقاء، فقد تحقق المطلوب.
- الاعتذار:
بعد أن تنتهي فترة الخمسة دقائق، على الأم أن تخرج الطفل من موقف المشاغب وتطلب منه أن يعتذر. إن كلمة «آسف» هي خطوة بالاتجاه الصحيح، لكن لو قال «إني آسف لأني دفعت أختي» فستكون أفضل بكثير.
كثير ما يسأل الناس، كيف يمكننا أن نميز فيما لو كان الاعتذار حقيقيا أم لا؟ والجواب هو أن الأسلوب الذي يقدم فيه الطفل اعتذاره واضح. فلو صاح الطفل من أقصى رئته بأنه «آسف» فمن الواضح إن مثل هذا الاعتذار ليس حقيقي.
- المدح:
بعد أن يعتذر الطفل عما بدر منه تجاه الآخرين، على الأم أن تثني عليه، وهذا الأمر مهم جدا، فينبغي للأم أو الأب أن يظهر للطفل بأنه سامحه على خطأه بعد أن يقدم اعتذاره. فمثلا تقول له الأم: «أشكرك يا بني، وأقدر لك اعتذارك» ثم تعود إلى نبرتها العادية لكي تجعل الطفل يشعر بالفرق في نبرة الصوت.
بعد أن يقدم الطفل الاعتذار ويتلقى المديح والثناء، على الأم أن تتعامل مع الأمر على أنه انتهى، فتطلب من الطفل أن يعود إلى ما كان يفعله من قبل كاللعب وغيره. لقد تعلم الطفل الآن الدرس وانتهى الأمر، وعليه أن يعلم أنه حظي بفرصة لبداية جديدة.

(*) كاتب من العراق


abadr70@hotmail.com