|
|
|
 |
الحضارية
«ثقافة ومجتمع» |
|
الاحد: 09/11/2008
الفراعنة هنا والعراقيون الأوائل
جمال حيدر
متاهة حضارات
في قلب لندن
تقودك خطواتك في المتحف البريطاني بين حضارات وامم وشعوب، ظلت مقتنياتها
الاثرية حاضرة كدليل على عظمة تاريخها. وفي المتحف البريطاني في لندن
ينصهر ارث تلك الحضارات لينتج كل هذه الفرجة المتخمة بالمتعة والمعرفة.
تشكل المتاحف مرآة تعكس عظمة الامبراطورية البريطانية، خصوصاً المتاحف
التي تضم امجاد الماضي التي تستحق أن تخلد. ومنذ عهد الملكة فكتوريا دأب
المسؤولون البريطانيون على تأسيس اغلب المتاحف في منتصف القرن قبل
الماضي، حينها كانت بريطانيا قد بلغت ذروة مجدها بعدما احكمت سيطرتها على
مساحات واسعة ومهمة من العالم. لم تكن بريطانيا حينذاك دولة سياحية ولم
تكن مهتمة ايضاً بجذب السياح حين قررت انشاء متاحفها الكبرى، اذ كانت
الفكرة تكمن في رفع مستوى معرفة البريطانيين وتماسهم مع حضارات اخرى.
ليس ثمة رسم دخول الى المتاحف البريطانية الكبرى. اذن متعة المشاهدة
مجانية، ولا تهدف تلك المؤسسات الى جني الارباح بقدر تقديم خدمة للمجتمع
واستثمار عقول اجيال المستقبل. وكثيراً ما تنظم المدارس رحلات لطلابها
للافادة من الارث الانساني الذي تضمه قاعات المتاحف، خصوصاً المتحف
البريطاني.
يعتبر المتحف البريطاني في لندن من اهم واقدم المتاحف في تاريخ البشرية،
وضعت الخطط الاساسية لتأسيسه في العام 1753 وافتتح في 15 كانون الثاني
(يناير) 1759، اعتماداً على مجموعة العالم الفيزيائي السير هانز سلون
التي قدمها الى الملك جورج الثاني، ليمنحه الملك هدية قيمتها 20 الف
باوند. وكان الملك في 7 حزيران (يونيو) من العام 1753 قد حث البرلمان على
اصدار قانون يقضي بتأسيس المتحف البريطاني. بلغ عدد قطع سلون 71 الف قطعة
من ضمنها 7 الاف مخطوطة، و41 الف كتاب نادر، و337 شجرة منقرضة، الى جانب
مقتنيات اخرى. ومع توالي الاعوام وامتداد الامبراطورية البريطانية، توسع
المتحف ليضم بعد عقود قليلة 13 مليون قطعة أثرية، اضافة الى اعداد اخرى
مماثلة حفظت معظمها في أقبيته لضيق مساحة قاعات العرض.
ساهم معظم ملوك بريطانيا بمنح المتحف البريطاني الكثير من مقتنياتهم
الشخصية، اضافة الى عدد غير قليل من القطع الاثرية التي كانت تزين
قصورهم. النبلاء والاغنياء والسفراء مضوا في النهج ذاته ليغدو المتحف
البريطاني خلال اعوام معدودة من اهم المتاحف واكثرها ثراء في تاريخ
البشرية. في المقابل ارسلت ادارة المتحف العديد من بعثات التنقيب الى
مواقع اثرية، فيما مولت بعثات اخرى لتحصل على أهم الاثار واكثرها ندرة.
يقع المتحف في منطقة هولبورن وسط العاصمة البريطانية، وهو في الموقع ذاته
منذ تأسيسه. كان منزلاً للدكتور جونسون، ومع تعدد المقتنيات المعروضة
بدأت ردهاته تضيق. وفي عام 1905 اشترت ادارة المتحف المنازل المجاورة له
ليضمها الى مساحته التي تمتد على مساحة 75 الف متر مربع، تتوزع على 94
قاعة. وقد صممت واجهته على الطراز المعماري الروماني القديم المدعم
باربعة واربعين عموداً، مما يمنح المتحف سمة اثرية.
الاروقة تقودك الى قاعات كبيرة متداخلة. انها المتاهة الجميلة التي تأخذك
الى مداها الاخير. 13 قاعة خاصة بآثار وادي الرافدين وتحوي 330 الف قطعة
تبدأ من فجر السلالات الاولى ولغاية الفتح الاسلامي. والمقتنيات المعروضة
هي الأوسع المتواجدة خارج العراق. وحسب المسؤولين في المتحف انه من الصعب
حقاً جرد تلك المقتنيات، ولعل من اهمها 6 ثيران مجنحة جلبت من نينوى
ونمرود، مكتبة آشور بانيبال، جزء من باب عشتار، ألواح حجرية تمثل ملوكاً
يعدون على عرباتهم لممارسة رياضة صيد الاسود. عرض المتحف آثار العراق
القديم للمرة الاولى في العام 1772، وكان الباحث ليلارد قد رفد المتحف
بسلسلة طويلة من الاثار العراقية في الاعوام 1845 – 1851، كما ساهم
المختص بالحضارات العراقية القديمة الباحث ليونارد ويلي في شحن الكثير من
المقتنيات الاثرية التي عثر عليها ضمن حملات استكشافية متواصلة بدأت في
العام 1922، الى المتحف البريطاني.
القاعات الفرعونية لا تقل أهمية عن الاثار العراقية، اذ تمثل المقتنيات
المعروضة الاهم التي تعرض خارج المتحف المصري بالقاهرة، ويبلغ عددها 110
آلاف قطعة تشمل كل مراحل الفترة الفرعونية. وتتوزع على 7 قاعات، وتضم 140
مومياء في حالة جيدة وحجر رشيد وتمثال رمسيس الثاني وزوجته ومومياء
الملكة كليوباترا وذقن تمثال ابو الهول. وثمة قدم كبيرة من الحجر الاسود
يُعتقد انها للآلهة «ساربس».
قاعة المقتنيات الاسلامية هي الاخرى من القاعات الاساسية في المتحف
البريطاني، ثمة اكثر من 40 الف قطعة نادرة من رسوم وخزفيات وسيوف وخناجر
وزجاج وتشكيلات لخطوط عربية، اضافة الى المخطوطات.. وهي اوسع مقتنيات
اسلامية تحت سقف واحد.
75 الف قطعة تشكل قاعات حضارات آسيا، وتضم رسوماً لبوذا واخرى لحضارات
يابانية متعاقبة وخزفيات متعددة الالوان والاشكال، الى جانب تماثيل
كثيرة. قاعة الحضارتين الاغريقية والرومانية تضم حوالي 100 الف قطعة
نادرة، إضافة الى جملة من التماثيل الرخامية. وثمة قاعة خاصة بالآثار
الافريقية واخرى بآثار حضارة المكسيك وحضارات آسيا الوسطى.
الردهات الخاصة بالنقود المعدنية والميداليات تضم حوالي مليون قطعة،
ابتداء من القرن السابع قبل الميلاد ولغاية اليوم. قطع نقدية تروي حكايا
حضارات عاشت في قرار الازمنة الماضية.
في ظل الحرب
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية اتخذت ادارة المتحف قراراً يقضي بحفظ
اغلب مقتنياته في الاقبية، خصوصاً بعد نجاح الطائرات الالمانية في الوصول
الى لندن، واستطاعت تلك الطائرات قصف قاعة المطالعة وتهديم اجزاء منها في
11 ايار (مايو) في العام 1941. جناح العملات المعدنية والاوسمة اصابته
القنابل الالمانية ايضاً وأعيد ترميمه.
ضم المتحف منذ أعوام تأسيسه الاولى دائرة للمطبوعات، الى جانب مكتبة
معنية باقتناء اهم الاصدارات والمخطوطات التاريخية. وكانت الاهم على صعيد
المملكة المتحدة. افتتحت قاعة المطالعة في المتحف البريطاني في العام
1857، وهي مستديرة الشكل، وقد استقبلت الكثير من الشخصيات التي شكلت
منعطفاً بارزاً في ميادين الفكر والمعرفة والثقافة والعلوم. كارل ماركس
كان يقضي بين مقاعدها معظم ساعات نهاره، وحين يهده التعب يغادر متجهاً
نحو حانة «موزيم تافن» المواجهة للمتحف. الحانة ما زالت تستقبل الزبائن
كعادتها من دون ان يمسها الكثير من التغييرات. الشاعر» ت. اس . اليوت»
كان يقضي اياماً في القاعة باحثاً عن صور شعرية جديدة. الروائية فرجينيا
وولف كانت تصف قاعة المطالعة بعقل كبير يضخ طاقته القصوى للرواد الجالسين
تحت سقفها. لينين، برناردشو، توماس هاردلي، كلبنك.. احتضنتهم قاعة
المطالعة في مكتبة المتحف البريطاني، ولكن في ازمنة متباعدة. تمت فهرسة
مخطوطات مكتبة المتحف لغاية سنة 1825، وطبع الفهرس بين العامين 1846
و1871. الفهارس ظلت متواصلة وآخرها صدر في العام 1991. ومع انشاء المكتبة
الوطنية المركزية في العام 1997 في منطقة يوستن القريبة من المتحف،
انتقلت مكتبة المتحف ومحتوياتها الى المبنى الجديد، لتبدأ دورة اخرى
لقراء جدد في ازمنة مختلفة.
في المقابل كان المتحف يضم عدداً كبيراً من المقتنيات الاثرية الخاصة
بالعلوم الطبيعية، ومع افتتاح متحف التاريخ الطبيعي في العام 1887 انتقلت
تلك المعروضات الى المتحف الجديد. وقد بدأ المعماري السير جون جيمس
بورنيت بتوسعة المتحف منذ مطلع القرن العشرين، بعدما ضاقت القاعات
بالمعروضات. في العام 1905 اشترى بورنيت المنازل المجاورة للمتحف ليضمها
الى مساحته، وافتتح الملك جورج الخامس وزوجته الملكة ماري القاعات
الجديدة التي اتخمت بالمقتنيات في العام 1914.
في الأقبية
احتفل المتحف في العام 1953 للمرة الاولى المئوية الثانية لتأسيسه، وبدأت
حينها خطة لاعادة تجديده ورفده بمقتنيات جديدة، اذ ان الكثير من الاثار
ما زال محفوظاً في اقبيته بانتظار الوقت المناسب لعرضها. ومنذ العام 1972
تجاوز عدد زوار المتحف 1.6 مليون سنوياً بعد عرض تمثال توت عنخ امون في
احدى قاعات الحضارات الفرعونية. وفي الاعوام الاخيرة ارتفع العدد ليصل
الى 15 مليوناً سنوياً.
وغالباً ما تتعالى اصوات تنادي بعودة الآثار والمقتنيات الى بلدانها
الاصلية، غير ان ثمة اصواتاً اخرى نادت بابقاء تلك الاثار محفوظة تحت سقف
المتحف البريطاني حفاظاً عليها من التلف والسرقات، مستشهدة بما جرى
للاثار العراقية اثر سقوط نظام صدام في العام 2003. من جانبه أعلن المتحف
البريطاني أنه سيوفد تسعة خبراء الى العراق للمساهمة في الحفاظ على ارثه
الحضاري بعدما تعرضت متاحفه للسلب والنهب.
الحكومة البريطانية أكدت التزامها بالتعاون مع المتحف البريطاني لترميم
الارث الحضاري العراقي. وكان اعلان مماثل صدر خلال الحرب العالمية
الثانية في ما يخص القطع الفنية والاثار التي كانت تباع في بعض دول
اوروبا التي احتلها النازيون.
ماراتون طويل
الدخول الى المتحف البريطاني اشبه بماراتون طويل وشاق من دون ان يكون له
خط نهاية. تظل تلهث بين القاعات والطبقات وتجتاز الدهاليز من دون ان تصل
الى نهاية محتومة. مع كل نهاية ثمة بداية جديدة.
لا أعرف كم عدد المرات التي زرت فيها المتحف البريطاني برفقة ابني
وابنتي، محاولاً ان افتخر بما انجزه العراقيون الاوائل، حيث تستهلك قاعات
حضارات بلاد ما بين النهرين جل وقتنا، لتظل زيارتنا ناقصة، في انتظار
زيارة جديدة اخرى.
لكن المتحف البريطاني غالباً ما يرفض المتذمرين والغرباء عن عالمه، فمعظم
قاعاته متجهمة وبانارة خافتة، وثمة هدوء ينسل من المكان ليستقر عميقاً في
دواخل الزائر، كما ان الزوار يشعرون بصغر احجامهم قياساً الى احجام
الكثير من المعروضات مما يولّد احساساً سريعاً بالضجر.
غير أن المتحف يفتح ذراعيه بمودة للذين يتوشجون بأواصر وطيدة مع مقتنياته
النادرة.
كل زائر للمتحف البريطاني يشعر ان ثمة قطعة بداخله قريبة منه وملائمة
لذائقته الجمالية ومرتبطة بوعيه، وبامكاني القول ان بوابة عشتار هي
الاقرب الي، ولطالما حاولت ان ألمسها بعيداً عن عيون الحراس، لتنقلني
روحياً الى تربتي الاولى وتوشجني مع اجدادي.
عن: الاسبوعية
|
|
|