|
|
 |
الحضارية
«ثقافة ومجتمع» |
|
الاثنين: 23/06/2008
العولمة والارهاب والاعلام.. سلطة الحدث وصناعة الحقيقة
عبد الستار جبر(*)
(خاص للمهعد)
لم يعد الاعلام يبحث عن الحقيقة، بل
بات يصنعها، وللدقة، يصنع حقائق متعددة ومختلفة، اكثر من نسخة للحقيقة،
ولا ادري ان كان هذا سيصيب المؤرخين بالحيرة، ويضعهم امام تراكم متفاقم
للحقائق المتباينة التي تتفاوت بتفاوت وسائل الاعلام وتوجهاتها
الايديولوجية، فيعانون مما يمكن تسميته في هذه الحالة بـ (دوار الحقائق
الاعلامية)، ام انهم سيكونون سعداء بهذا الكم المتكاثر الذي سيغني
كتاباتهم التاريخية ويثري مصادرهم، ليمنحونا بدورهم متاهات تاريخيات،
اقصد مدونات تاريخية مليئة بالحقائق الكثيرة (متناقضة، متعارضة، مختلفة،
متشابهة... الخ)، وهذا ما يتيح لنا حرية اختيار الحقائق التي تناسبنا،
سيكون بوسع اي منا اختيار الحقيقة التي يرغب بها، وليس ما يفترض ان تكون
ثمة حقيقة واحدة وحيدة، تفرض نفسها على الجميع.
لم تعد حياة الحقيقة تتوقف على صدقها المنطقي، او على مدى مطابقتها
للواقع، واستنادها الى الحدث الذي تستمد منه كينونتها وصيرورتها، انما
على السلطة التي تروج لها، وهذه السلطة الان هي الاعلام، هذه الماكنة
الهائلة التي تحولت مهمتها من نقل الواقع ومتابعة الاحداث الى اعادة
انتاج الواقع، وصناعة الحدث، وصياغة الافكار، وتوجيه الاراء، ومع سيل
الصور الذي يغرقنا، مما تبثه وسائل الاعلام التي تتناسل وتتشابك بشكل
يفوق السيطرة عليه ، تتغير تمثلاتنا وحساسيتنا للواقع، لما يحيط بنا، هذا
ان لم تزجنا في واقع بديل، اخر، افتراضي، تخلقه ماكنتها الصورية
والايديولوجية، تسحبنا اليه بقوة تفقدنا السيطرة على حريتنا وارادتنا،
ذلك انها تسهم في تنميط رؤيتنا الى العالم، وقولبة انطباعاتنا عن الافراد
والجماعات والدول والانظمة والشعوب. لقد باتت مسؤولة عن تشكيل صورنا
الذهنية عن اشياء كثيرة، ان لم يكن عن كل شيء. من منا يستطيع ان ينكر او
يتجاهل ان من يقود الراي العام الان هو الاعلام؟، بقدرته المتعاظمة التي
تتسلل وتتسرب الى العقول والمشاعر لتؤثر وتحرك وتوجه الاراء والمواقف
والعواطف، حتى لقد بات يمكن القول ان «الناس على دين اعلامهم»، بعد ان
كان يقال انهم على دين ملوكهم.
ان الطفرة الاعلامية التي اتاحها التطور التقني في صناعة الصور
الالكترونية في القرن الاخير من تاريخ البشرية، واستخدام الاقمار
الاصطناعية في تقوية واعادة البث عبر الفضاء، «فرضت صياغة جديدة للعقل
الانساني ومن ثم غيرت الكثير من مظاهر السلوك الاجتماعي والسياسي»، واصبح
العالم يعيش في عصر البث الفضائي، وشبكة الانترنت، العابرة للحدود
والانظمة، للجغرافيا والسياسة، حتى لقد تفاءل البعض او تنبا بتحرير
العالم، عن طريق هذه الطفرة الاعلامية، مبشرا «بولادة قوتين ديمقراطيتين:
الاعلام المعولم والاقتصاد المعولم، اللذين من شانهما الاطاحة باي نظام
سياسي لا يتمتع بمقدار كافٍ من الشفافية والديمقراطية»، كانت هذه نبوءة
توماس فريدمان في العام 1999، وقد سقطت بالفعل، منذ ذلك الوقت، انظمة
ديكتاتورية مختلفة في العالم، اخرها نظام صدام حسين، لكن بفعل القوة
العسكرية وليس القوة الاعلامية، فما زالت انظمة ديكتاتورية متشبثة بكراسي
الحكم، استطاعت ان تتكيف مع متغيرات وضغوط الطفرة الاعلامية الجديدة.
ربما كان فريدمان مفرطا بنبوءته او تفاؤله، او يوتوبيا حالما، لكن هذا لا
يثلم من القوة التي يمتلكها الاعلام، والسلطة التي تتعاظم بيده يوميا،
وكانها كرة ثلج تكبر كلما انحدرت، مكتسحة كل شيء امامها. انها سلطة ينمو
خطرها ويتضاعف، كلما سمح لها باعادة تشكيل الواقع والحقيقة وتقديمهما،
طبقا لمنطق الاثارة والسيطرة الذي تتبناه، ويقودها اليه اغراء قوة
التكنولوجيا وايديولوجيا الهيمنة، اللذان يستثمران سطوة الصورة وفتيشيتها
(صنميتها) على التلقي، وحيثما يتعاظم اتجاه الاعلام المرئي بتعقد
تقنياته، تتعاظم سلطته اللامرئية ويتفاقم خطرها، على الكتل الجماهيرية
المستلبة امام وسائله وحقائقه المفترضة او المتلفزة، هذا ما استشعره
بورديو فسعى الى «فضح ايديولوجيا التكنولوجيا وكشف السلطة غير المرئية
التي تمارسها وسائل الاتصالات المرئية والمكتوبة»، التي باتت، بنظره،
تمثل خطرا كبيرا على الحياة السياسية والاجتماعية، بل وحتى على
الديموقراطية، حينما تحقن الجماهير بافكار واراء عنصرية معادية للاخر
وللتعايش الانساني المشترك.
وفي اقل انواع الخطر الذي تمثله وسائل الاعلام، فانها تمارس نوعا من
العنف يسميه بورديو بـ(العنف الرمزي)، وهو «عنف يمارس بتواطؤ ضمني من قبل
هؤلاء الذين يخضعون له واولئك الذين يمارسونه بالقدر الذي يكون فيه اولئك
كما هؤلاء غير واعين ممارسة هذا العنف او الخضوع له»، لذا فقد بات على
علماء الاجتماع تولي مهمة جديدة لهم، هي ان يعروا السلطة الخفية التي
يمارسها الاعلام على الوعي، ويكشفوا عن اليات «الهوس الاعلامي» وثقافة
الاستهلاك او ادمان الاعلام، اذا جاز لنا توصيف هذه الظاهرة، حيث اصبحت
وسائل الاعلام المرئية هي المصدر الوحيد للاخبار والمعلومات لكثير من
الناس، وهذا منبع خطرها، خطر الحقيقة المتلفزة التي تتحكم بالعقول
والقلوب والغرائز.
انه الخطر الذي انتج اجيالا تميل الى المتعة والحرية الشخصية المفرطة في
الغرب، واجيالا تميل الى العنف وتنزع الى التمايز عن الاخر في الشرق،
وحيث سوق الغرب عولمته عبر تقنياته الاعلامية، سوق الشرق بنفس هذه
التقنيات عولمته المضادة، عولمته الخاصة وهي (الارهاب). فان كانت العولمة
قد روج لها الغرب وخاصة اميركا بوصفها مشروعه الانساني الكوني، او نظامه
العالمي الجديد، الذي يتخطى الحدود الجغرافية ويتجاوز القيود السياسية،
فان الارهاب بات الضد النوعي الذي انتجه الشرق، ربما من هوس المقاومة
الذي يسكنه، كرد فعل لما سماه بالغزو الثقافي الذي جلبته له رياح العولمة
الغربية عبر التقنيات الاعلامية التي يمتلكها، واستثمرها الشرق بدوره،
ليرد الصفعة، وكان ردا قاسيا، تمثل في انهيار برجي التجارة العالمية في
نيويورك.
كان 11 سبتمبر يمثل بالنسبة للغرب، المارد الذي خرج من قمقم الشرق لا
ليحقق الرغبات بل ليدمر ويقتل، فلم يعد الشرق مغريا بل مفزعا، ومثيرا
لمشاعر السخط والكراهية، ثم توالت صفعات اخرى قاسية في لندن ومدريد،
لتتحول المشاعر ازاء هذه العولمة الشرقية التي اخترقت الحدود الجغرافية
للغرب، واستغلت الانظمة السياسية، الى نوع من الرهاب، اطلق عليه
الاسلاموفوبيا، وكاننا نعيش ليس صراعا حضاريا او ثقافيا بل صراعا مرضيا،
فوبيا مقابل فوبيا، من فوبيا العولمة في الشرق الى فوبيا الاسلام في
الغرب .
لكن هذه العولمة المضادة انقلبت على اصحابها، مثلما يقال انقلب السحر على
الساحر، وباتت دار الاسلام او دار السلام، كما تسمى في ادبيات معولمي
الاسلام بنسخته المتطرفة، دارا للحرب ايضا، فضلا عن ديار الغرب التي
تعتبر هي دار الحرب او الكفر الاولى. لم تعد هنالك دار للسلام او الاسلام،
في جغرافيا او مشروع هذه العولمة البديلة (الارهاب)، اصبح العالم كله دار
حرب. فالعراق وافغانستان وباكستان وفلسطين ولبنان واسرائيل والصومال
والسعودية وغيرها، اراض مباحة لتنفيذ طقوس هذه العولمة التدميرية. وهو ما
يؤشر تحولا تاريخيا في البعد الاستراتيجي للارهاب، بدء مع الحرب على
العراق، بتحوله وانقلابه الى داخل المجتمعات الحاضنة له، المجتمعات
العربية والاسلامية، هذه المجتمعات المستهلكة، غير المنتجة، استطاعت ان
تنتج الارهاب وتسوقه قسرا الى العالم، كمشروع مقاومة مضاد للعولمة، لكنها
في مرحلة لاحقة، اخذت تستهلك منتجها نفسه (الارهاب) قسرا ايضا، ولم يتم
ذلك كله الا بفعل قوة هائلة هي الاعلام.
لقد هيمن موضوع الارهاب على المشهد الاتصالي العالمي، واصبح موضوعا قارا
في الخطاب الاعلامي العربي والدولي، واسهم الاعلام العربي تحديدا في
الترويج للحركات الاسلامية المتطرّفة، بشكل مباشر او غير مباشر، عبر
تقديمها كممثل شرعي للدين والثقافة الاسلاميين، فضلا عن التغطية
الاعلامية المتتابعة للانشطة الارهابية وعرض مواقف اصحابها، والسماح لهم
بتبريرها وتسويقها، بل وتسهيل مهمة دعم وتنظيم شبكاتهم، حتى لكانه يبدو
نوعا من التبشير الديني، الذي يستغل الشرائح التي تمتاز بسمات «الجهل
والحنق والهشاشة وهو كل ما يلزم لتهيئة الكوادر الجديدة للجماعات
المتطرفة» لغرض تجنيدها، مما عزّز انتشار وتداول اساليب العنف والتماهي
مع انشطتها، ولنقل مع طقوسها، فقد اصبحت عمليات التفجير طقوسا دينية ذات
قيمة قدسية عالية في نظر الجماعات التي تقوم بها وتلك التي تؤيدها، وهي
تُكَبِّر بانتشاء غريب لمشاهد العنف التي تتناقلها وسائل الاعلام او تلك
التي تسهل تقنيات الاتصال حفظها وانتشارها وتداولها، رغم ما تخلفه من
دمار ودماء ومشاهد انسانية مروعة لم يشهد لها التاريخ البشري مثيلا من
قبل .
وفي ظل تشابك وتداخل وتقاطع مصالح القوى السياسية التي لاشك اما تحتضن او
توجه الارهاب، ومن خلال سيطرتها على وسائل الاعلام، فان الاخيرة فقدت
استقلاليتها وموضوعيتها، وتحولت، باستثناء القليل منها، الى منابر
للدعاية ولتضليل الراي العام، عبر تسريب معلومات خاطئة، واشاعات كاذبة،
فضلا عن التلاعب بالمصادر الخبرية وبالصور، ناهيك عن التغطيات الصحفية
المتحيّزة. لقد فقد الاعلام العربي مصداقيته وحياديته، وهذا الانحراف
الوظيفي لوسائل الاعلام دفعها الى استغلال سلطتها التاثيرية على الراي
العام، بعيدا عن الاحتكام الى اخلاقيات المهنة، بل والى اية سلطة اخلاقية
اخرى، وباتت تشكل خطرا، استشعره عدد من المفكرين والباحثين العرب
والغربيين، يقول المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه: «ان الصحفيين يخيفونني
ويربكونني.. اني اخاف من السلطة التي يمتلكونها، بمعنى اخر انني احسّ
بذات الشعور الذي يمكن ان نحسّه امام محققي التفتيش في القرن الثالث عشر
او امام اساتذة القرن الثامن عشر.. انهم اناس قادرون على ادانة وتكفير
وتحطيم بشر بالكلمات او بالصور». هذه القدرة المتعاظمة التي يخافها
دوبريه، حولت الاعلام من سلطة رابعة الى سلطة اولى، وهذه السلطة
الاعلامية المخيفة بقوّتها والمرعبة بهيمنتها، كما يقول د. المازري حدّاد
«لا تواجهها اية سلطة مضادة ناجعة ولا اي نفوذ قادر على تقويمها واصلاحها
وتاديبها ومعاقبتها عندما تخطئ، وكل ذلك يتم باسم حرية الاعلام». وهاهو
الاعلام العربي، باسم حريته المقدسة التي ينتهكها ويستغلها بنفسه، هذه
الايام، يلعب دورا خطيرا في تاجيج الصراع الطائفي في العراق بل وفي تحريك
الملف الطائفي برمته في عموم منطقة الشرق الاوسط.
وبفعل هذه العولمة البديلة (الارهاب) لم يعد يمكن الحلم بتحول العالم الى
قرية كونية صغيرة، فالارهاب يقسم العالم الى جغرافيتين متناقضتين، واصبح
الحديث عن خطر اهداف العولمة الساعية الى تنميط العالم اقتصاديا
واجتماعيا وسياسيا وثقافيا، ضربا من التهويم الجانح بعيدا عن ادراك
موازين القوى الجديدة، التي يمثل فيها الاعلام السلاح الفعال في اعادة
صياغة الواقع، وصناعة الحقيقة المتلفزة، عبر ترجمة وتحويل الافكار
والاستراتيجيات الى قوى مؤثرة وسلطات فاعلة في الراي العام.
(*) اكاديمي واعلامي من العراق
|
|
|