بغداد في رحلة ابن بطوطة
بقلم: حبيب
الراوي

في كتاب "تحفة النظار في غرائب
الأمصار وعجائب الأسفار، للرحالة العربي ابن بطوطة (704-779) نجد
أخباراً متناثرة عن العراق بصورة عامة، وبغداد بصورة خاصة، ومع أنه
أفرد لهذه المدينة موضوعاً خاصاً بها، إلا أنه كان يعود بين الفينة
والفينة مشيراً إليها، ومن أسباب تناثر أخبار العراق في الرحلة،
أنه كان هناك "العراق العربي" و"العراق العجمي" ويكونان تحت حكم
سلطان واحد، أو يتجزآن تحت حكم عدد من السلاطين حيناً آخر ذلك أن
الدولة العباسية قد دالت وانتقل الحكم إلى التتر الذين انتهى أمرهم
إلى عدد من الأمراء ينازع بعضهم بعضاً، وثمة سبب آخر لتناثر أخبار
العراق هو أن الرحالة كان يسير في طريق يجتاز هذا القطر إلى قطر
آخر ثم يعود إليه مرة أخرى عن طريق غيره، إذ كانت خطته ألا يسير في
طريق واحد مرتين، ما استطاع إلى ذلك سبباً فهو يرتحل من مكة ثم
ينحدر إلى الجنوب ميماً شطر شيراز، وبعد ذلك يعود مرة أخرى إلى
العراق ماراً بالكوفة وبغداد، ثم يذهب إلى تبريز ويعود إلى بغداد
ويتجه بعدها صوب الموصل وماردين ونصيبين، ويعود أدراجه إلى بغداد
ثالثة.
وفيما يلي سنحاول أن نجمع ما
تفرق من أجزاء الصورة التي رسمها ابن بطوطة ونلقي عليها شيئاً من
الضوء:
لقد وصل الرحالة أرض العراق هو
ابن ثلاث وعشرين. وكان ذلك عام (727هـ) وهي تحت حكم التتر آنذاك،
تستمد سلطانها من (بكين) عاصمة الصين حيناً ثم من مدينة "تبريز" ثم
"السلطانية" في عهد "الحايتو خدابنده"(1) الذي يطلق عليه ابن بطوطة
اسم "محمد خدابنده" ويفسر سبب هذه التسمية ومعناها، فيقول إذا كان
اسمه "خذابنده" فمعناه بالفارسية عبد الله، وان قيل انما هو ""ذر
بنده" فمعناه غلام الحمار، ويعلل سبب هذه التسمية أن التتر "يسمون
المولود بأسم أول داخل على البيت عند ولادته، فلما ولد هذا
السلطان، كان أو داخل الزمال"(2).
لقد ورد ابن بغداد، في فترات
متقاربة أكثر من مرة، وكانت هذه المدينة آنذاك تابعة لغيرها، كما
أشرنا، ولكن الرحالة، كان يصفها كأنها حاضرة الخلافة(3) ويبدو أن
الذي أوحى إليه بهذه الفكرة هو رؤية السلطان أبي سعيد في بغداد مع
حاشيته(4) وزيره الأمير غياث الدين، الذي كان أبوه من مهاجرة
اليهود.
وأبو سعيد هذا قد ولي الملك
وهو صغير السن، استولى على الأمور أمير الأمراء الجوبان، وكان لهذا
"الجوبان" ابن اسمه دمشق خواجه، بلغ من الاستهتار حداً لم يستطع
ابو سعيد التغاضي عنه، ذلك أن زوجة أبيه (أي أبي سعيد) واسمها دنيا
خاتون، قد دخلت عليه (أي على أبي سعيد) وقالت له: "لو كنا نحن
الرجال ما تركنا الجوبان وولده على ما هما عليه"... ثم اردفت "لقد
انتهى أمر دمشق خواجه أن يفتك بحرم أبيك وأنه بات البارحة عند طفى
خاتون، وقد بعث الي وقال: "أبيت الليلة عندك...."(5) وهنا ثارت
ثائرة أبي سعيد ودبر خطة محكمة لقتل دمشق خواجه، ونجحت الخطة، وكان
أبوه مع أولاده الأربعة بخراسان، فجهز جيشاً لتقل أبي سعيد، فادرت
الدائرة على الجوبان، وانطلق مع أولاده لاجئين إلى بعض الأمراء
الذين قتلوهم واحداً بعد الآخر وأرسلوا رؤوسهم إلى أبي سعيد،
ويحاول ابن بطوطة أن يعلل فعلة اولئك الأمراء تعليلات مختلفة
أكثرها ينصب على خيانة تبدو من أولئك اللاجئين أو غدوا من الأمراء،
ولكن يبدو أن قتل هؤلاء لم يكن إلا إرضاء للسلطان أبي سعيد،
وللمبالغة في هذا الإرضاء فإنهم يرسلون إليه رؤوسهم، ومما يلاحظ
أنه يطلق اسم السلطان حيناً والملك حيناً آخر على أبي سعيد وأمثاله
من الحاكمين.
ويبدو أن الصورة التي ارتسمت
في ذهن هذا الرحالة منذ صغره عن بغداد، قد ملأت قلبه شوقاً إليها،
فهو يسجل أبياتاً من الشعر، كان أبوه يقرؤها عليه ويرددها أكثر من
مرة، منها ما ينطوي على البطاء والتفجع على المدينة التي أناخ
عليها الدهر بكلكله وألبسها ثوب الأسى، ومنها ما يشيد بمحاسنها
وجمالها وطبيعتها، من ذلك قول القاضي أبي محمد عبد الوهاب بن علي
بن نضر المالكي البغدادي ومنها:
|
بغداد دار لأهل
المال طيبة
ظللت امشي مضافاً في أزقتها
|
|
وللمفاليس دار
الضنك والضيق
كأنني مصحف بيت زنديق
|
وللشاعر نفسه أيضاً:
|
سلام على بغداد في
كل حين موطن
فوالله ما فارقتها عن قلى لها
ولكنها ضاقت علي برحبها
وكانت كخل كنت أهوى دنوه
|
|
وحق لها من السلام
المضاعف
وأني بشطى جانبيها لعارف
ولم تكن الأقدار فيها تساعف
وأخلاقه تنأى به وتخالف
|
إلى غير ذلك من الأبيات التي
استشهد في تصوير حال بغداد آنذاك.
ويشير ابن جزى، وهو الكاتب
الذي أملى عليه ابن بطوطة مذكراته هذه، بعد أن فقدها في الهند إلى
النكبة التي حلت ببغداد نقلاً عن قاضي القضاة أبي البركات بن الحاج
أحمد أعزه الله، قال سمعت الخطيب أبا رشيد: لقيت بمكة نور الدين بن
الزجاج، ومعه ابن أخ له فتفاوضنا الحديث، فقال لي: هلك في فتنة
التتر بالعراق أربعة وعشرون ألف رجل من أهل العلم ولم يبق منهم
غيري وغير ذلك وأشار إلى ابن أخيه.
ولعل هذا هو السبب الذي حدا
بابن بطوطة ألا يتحدث عن علماء بغداد لفقدانهم، بل أشار إلى واحد
منهم هو أبو جعفر عمر بن علي القزويني الذي لقيه في أحد المساجد(6)
ويورد حديثاً مقتضياً عن المستنصرية أما النظامية، فهو يشير إلى
طريقة التدريس فيها دون أن يذكر أحد من العلماء والأساتذة الذين
طالما رفعوا أركان العلم في هاتين المدرستين.
ويبدو أنه كان يؤمن بكرامات
الأولياء والصالحين والمتصوفين، فهو يعدد ويزور قبور هؤلاء في أي
بلد يحل به إن كانوا أمواتاً، ويذهب للقائهم إن كانوا على قيد
الحياة ويذكر عنهم بعض الحوادث الخارقة، من ذلك ما ذكره عن الروضة
وكيف يشفي المعتقدون فيها، ومن ذلك كرامة للقاضي مجد الدين حين
أراد السلطان محمد خدابنده أني يقتله، فلم يستطع، ثم أكب على رجليه
لثما وتقبيلاً وغيرها من الحوادث الخارقة الشيء مما تقبله ابن
بطوطة.
وبان بطوطة لا يقف طويلا عن
ذكر العادات والتقاليد الاجتماعية في بغداد، بل يشير إليها اشارات
عابرة، كالعادة المتبعة في زيارة مقابر الأولياء والصالحين،
والطعام الذي قدم للغرباء في الزاوية القائمة عند أبي حنيفة، ولعل
مرد هدا الإيجاز الذي تعمده، هو أنه كان يتوخى الأخبار الطريفة
والوقائع والأحوال غير المألوفة، وقد وجد الكثير منها في الأقطار
النائية كالهند والصين وبعض أقطار افريقية، لذلك نجده يقف عندها
طويلاً.
ومما يجلب انتباهه المركز
الممتاز الذي كانت تتمتع به الخواتين (جمع خاتون) فإذا أراد
السلطان أن يمضي أمراً كتب فيه "عن أمر السلطان والخواتين" ويصور
مركز الخواتين في موكب الملك، حين سفره فقد بولغ في ترتيب الجنود،
واجراء تمارين مصحوبة بالموسيقى ودق الطبول يفهم منها تكريم الملك
"فإذا نزلوا ينزل السلطان ومماليكه في محله على حدة، وتنزل كل
خاتون من خواتينه في محلة على حدة، ولكل واحدة منهن الامام والمؤذن
والقرار والسواق..." ويشير إلى سفره إلى تبريز بصحبة علاء الدين،
ويبدو أنه وزير هناك، وفي هذه المدينة يقابل السلطان ولا يشير إلى
اسمه، انما يشير إلى رسالة وجهها إلى والي بغداد خواجه معروف، لكي
يزوده بالزاد والركوب، وكان ذلك سبب عودته إلى بغداد ويتحدث ابن
بطوطة عن موت أبي سعيد، الذي تحيط به الشكوك، وقد أن احدى نسائه
قدمت له السم فمات، فاستقل كل أمير بولاية وأصبح سلطاناً عليها،
ويسر المؤلف أسماء أولئك الأمراء، وكان من بينهم الشيخ حسن ابن عمة
السلطان السابق، والذي أصبحت بغداد من نصيبه.
وعلى الجملة فإن رحلة ابن
بطوطة تعد أثراً رائعاً في التراث العربي، يقدم صوراً فريدة، تنطوي
على ملاحظات دقيقة عن أحوال الممالك والأمصار التي مر بها هذا
الرحالة في الشرق والغرب، فسرد ما وصل إلى سمعه وبصره بكل أمانة
واخلاص، لذلك فقد عني بها المستشرقون في العصر الحاضر، ونقلت كلها
أو بعض اجزائها إلى أكثر من لغة من اللغات الحية.
المصادر:
......................
(1)
بروكلمان – من تاريخ الشعوب الإسلامية (الترجمة العربية) 73-275.
(2)
الرحلة ص227.
(3)
الرحلة 221.
(4)
الرحلة 228.
(5)
الرحلة 228.
(6)
الرحلة ص225.
...............
المصدر : مجلة الكتّاب ، تصدرها جمعية الكتاب والمؤلفين العراقيين،
العدد 1 ، السنة 1
، ص83-87.