الإطار التاريخي لمحددات بناء الشخصية العراقية
د. فاروق ناصر
الراوي(*)

تقديم:
المقصود بالشخصية هي مجموعة
الخصائص والمميزات النفسية والسلوكية للفرد، التي تتفاعل بالضرورة
مع الخصائص المماثلة لبقية أفراد المجتمع وصولاً إلى الموقف
الاجتماعي العام من ظواهر الحياة وأنشطتها المختلفة.
ولموقف الفرد أو الجماعة، في
حدود زمنية ومكانية محددة، دور مهم في رسم خطوات التطور العام،
سواء كان التطور على الصعيد الاقتصادي أو على صعيد بناء العلاقات
الاجتماعية.
ولا تخلو المجتمعات القديمة
منها أو الحديثة من مواقف فردية استثنائية سلبية كانت أم إيجابية،
غير أن المهم في دراسة الشخصية أن تكون هذه الدراسة ضمن إطارها
التاريخي، أو الأبعاد التاريخية التي حرّكت دائرة الخصائص الأساسية
للشخصية. وقد تكشف بعض هذه الخصائص عن ترسباتها في أعماق الإنسان
لحد الوقت الحاضر.
أما الإطار التاريخي أو
الأبعاد التاريخية، فنعني بها مجمل حركة الأحداث التاريخية أولاًً،
والمؤشرات الأساسية في هذه الحركة ثانياً، التي تركت بصماتها
الواضحة على الملامح الاقتصادية والاجتماعية والفكرية للمجتمع، وهي
الملامح التي تحدد بدورها الأطر الرئيسية لبناء الشخصية.
والتأريخ، هو نتيجة الفعل
الإنساني المشترك في الإطار المكاني المحدد بظروفه المادية وأحواله
الجغرافية والمناخية، وفي حدود زمانية معينة. ومع تراكم معالم عامة
لحركة التأريخ، يبدأ الناس فرادى وجماعات، وهم الذين يصنعون
التأريخ، يستقبلون تأثيراته ويتفاعلون معاً، حتى أنها تصل إلى درجة
الممارسات الاجتماعية أو السلوكية للناس. وفي ضوء ذلك تتحقق
الفائدة المرجوة من دراسة التأريخ بوجه عام، بمحاولة الكشف عن
الأطر التأريخية التي تحدد بناء الشخصية. ولعلها تكون أشدّ وقعاً
بالنسبة للشخصية الرافدية، حيث يكتنز تأريخها الطويل ملامح ومؤشرات
تواصلت عبر الحقب الطويلة إلى درجة الاندماج أحياناً بين الشخصية
وبين الموروث الحضاري المتمثل بالمبتكرات والعطاءات ولا سيما
الفنية منها.
وتقسم رحلة العراقيين الطويلة
إلى مرحلتين رئيسيتين هما:
أ) مرحلة عصور قبل التأريخ، أي
ما قبل التدوين.
ب) مرحلة العصور التاريخية، أي
بعد ابتكار الكتابة.
ويعد التدوين، أي بدء ابتكار
الكتابة، حدثاً متميزاً في تأريخ الإنسانية. فقد كان من نتيجته،
بالدرجة الأساس، ربط ماضي الإنسان بحاضره، وغدت التجارب والخبرات
والأفكار، حلقات متسلسلة في ذاكرة الإنسان وضميره وعمله. ولهذا
السبب أيضا، غدت الخطوات التطورية في مسيرة الإنسان الحضارية، بعد
ابتكار الكتابة، أسرع كثيراً مما كانت عليه في عصور ما قبل
التأريخ(1).
وعلى الرغم مما حققه علم
الآثار من تقدم كبير، بحيث استطاع أن يسبر أغوار الماضي البعيد
للإنسان ويطّّلع على كثير من تفاصيل حياته ونشاطاته وحتى جوانب من
أفكاره ومعتقداته، فإن معرفة الآثاريين بتفاصيل العهود التاريخية
أكثر شمولاً وتفصيلاً، بخاصة وأن العهود التاريخية تُقدم المزيد من
الوثائق المدونة التي تعالج شؤون الحياة، هذا فضلاً عن المخلفات
الأثرية.
وتطلق تسمية عصور ما قبل
التأريخ عادة على أدوار تأريخ الإنسان في فترات العصور الحجرية
القديمة والمتوسطة والحديثة، وتمتد هذه العصور في عمر الزمن قرابة
مليوني عام أو ما يزيد عن ذلك...
وكانت رحلة الإنسان خلال هذه
الحقب الطويلة مليئة بالتجارب والخبرات التي نجمت عن كفاح الإنسان
المرير من أجل الحياة الأفضل ودرء شرور الطبيعة والحيوانات
المفترسة. ومع أن معلوماتنا التفصيلية عن نشاطات الإنسان، وبخاصة
الفكرية وانعكاساتها في سلوكيته ونفسيته، محدودة جداً؛ لكن سعي
الآثاريين الحثيث نجح في تعيين جوانب من أبرز النشاطات الإنسانية
القديمة هذه، ومنها الآتي:
1ـ العمل
ونستهل هذا المبحث بالمثل
الرافدي القائل:ـ
"الذي لا يتعب (يعمل) لا يملك
شيئاً"(2).
إن الميزة الأساسية التي جعلت
من الكائن الحي الذي نعرفه باسم إنسان، مختلفاً عن سائر الكائنات
الحية الأخرى، إنما تتمثل في العمل، ونقصد بالعمل هنا بذل الجهود
العضلية والفكرية ممتزجة في الموارد الطبيعية المتوفرة وصولاً إلى
صيرورة جديدة لهذه الموارد تجعلها طيّعةً في تلبية حاجات الإنسان.
وإن أبرز صورة للعمل الإنساني ونتائجه هي مجاميع الآلات الحجرية
ذات الحجوم والأشكال المختلفة التي يعثر عليها الآثاريون في مواطن
سكنى الإنسان القديمة.
وربما يشترك الإنسان القديم مع
عدد من الحيوانات في القيام بأعمال معينة، ولكن جوهر العمل
الإنساني يكمن في قدرة الإنسان العقلية على تطوير مستلزمات العمل
والوصول دائماً إلى صيغ ونتائج جديدة، وهي الحالّة التي هيأت
للإنسان فرص التقدم وميّزته عن سائر الكائنات الحية الأخرى.
2ـ الطابع
الاجتماعي للعمل:
ويبرز بجانب العمل، النشاط
الإنساني الجماعي المشترك، وهي الصيغة التي وفرت الإمكانات أمام
الإنسان للقيام بأعمال كبيرة ومهمة من أجل توفير مستلزمات التطور
المادي للإنسان. كما أن طبيعة العمل المشترك تهيئ فرص تفاعل
الخبرات والتجارب وصولاً إلى الأشكال المتطورة في نتاج العمل(3).
3ـ تقسيم
العمل:
إن معظم مواقع العصور الحجرية
القديمة المكتشفة في العراق، وفي أمكنة أخرى من منطقة الشرق الأدنى
القديم، توضح تعايش مجاميع صغيرة من الناس سوية في حدود الكهف
الواحد، يتعاونون في إنجاز المهمات المختلفة لمستلزمات حياتهم
وأمنهم. كما أن شكلاً من تقسيم العمل على أساس الجنس كان معروفاً.
فالأعمال التي تتطلب قوى عظيمة كانت من نصيب الرجال. وأبرزها أعمال
الصيد. أما بقية الأعمال، وبخاصة إعداد الطعام وصناعة الآلات ومعها
جمع الثمار من المنطقة القريبة للكهف، فكانت من أعمال النسوة. وعلى
العموم فإن تقسيم العمل بسبب الجنس كانت محدودة و ضيقة دوماً في
تأريخ المجتمع العراقي القديم، وهي لا تتعدى نشاطات الذكور العضلية
التي تفوق النساء، وقدرة الرجال على متابعة الأعمال باستمرار،
بينما تضطر المرأة للاعتكاف عن العمل لفترة ليست بالقصيرة بسبب
الحمل والرضاعة(4).
إن شظف العيش وقساوة الطبيعة
ووحشية الحيوانات المفترسة وغير ذلك من صعوبات، فيما يمكن أن نطلق
عليه التحدي الطبيعي، قوبل من لدن العراقيين القدماء بالاستجابة
الكاملة، حيث بذلوا جهوداً استثنائية من خلال العمل المشترك لتوفير
مستلزمات حياتهم، كما وضعوا بذلك أسس تطوير حياتهم المادية
والفكرية. ويمكننا أن نستشف أسس بناء الشخصية العراقية من واقع
الحياة والعلاقات التي أفرزتها مسيرتهم خلال هذه الحقب المتعاقبة،
ومن أبرز سماتها حب العمل ونجد في الأمثال العراقية القديمة خير
تعبير عن أهمية العمل:
1) الرجل القوي، الذي يعيش على
ما يدفع لأتعابه، والضعيف يعيش على ما يدفع لأتعاب أولاده.
2) هل يحصل سرير القصب على ثمن
قصبه، والمرعى على ثمن حشائشه(5).
4ـ الروح
الجماعية:
والروح الجماعية وما تخلقه من
خصائص الإيثار وروح التضحية والتعاون. وبذلك فهم يوجهون خطواتهم
لتحقيق الأهداف الإنسانية السامية التي نجد صداها واضحاً على لسان
بطلهم گلگامش عندما تعاضد مع خله أنكيدو لقهر خمبابا لاستغلال
الغابات وأخشابها، حيث جاء على لسانه:
"والى أن أبلغ غابة الأرز
وأذبح خمبابا المارد، وأمحو من على الأرض كل شرّ يمقته الإله
شمش..". (6) وبذلك تهيأت للعراقيين فرص التقدم المادي للحياة،
فتطورت آلات الإنتاج وأدواته، ونجح الإنسان في السيطرة على أعدادٍ
متزايدة من الحيوانات والنباتات عن طريق التدجين والزراعة. وبدأ
يشيع الاستفادة منها ومن منتجاتها. وهكذا وقف العراقيون على أعتاب
مرحلةٍ مهمة في تأريخ التمدن الإنساني. وتعد الأعمال الزراعية في
متطلباتها ونتائجها تحولاً كبيراً في حياة الإنسان وطبيعة
العلاقات، مع ما تفرزه من تصورات وأفكار، كان لها أكبر الأثر في
تعيين الملامح الأساسية للشخصية العراقية على مر العصور.
فالزراعة، أساساً، عمل جماعي
منظم، لا في إنجازه فحسب بل في نتائجه أيضاً. كما أن الزراعة تتطلب
الاستقرار الذي يؤشر بداية التحضر في حياة الإنسان. والأهم من ذلك،
أن الزراعة توفر في حالة تطورها، فائضاً نسبياً في المنتجات، مما
يتيح فرص التخصص في الأعمال، وانصراف البعض للقيام بأعمال أخرى.
كما أنها تخلق أسس التبادل السلعي في المنتجات المختلفة. وأن علاقة
الزراعة بالأحوال الطبيعية كبيرة جداً، كما أن هذه الحقيقة تزداد
وضوحاً في أحوال العراق الجغرافية والطبيعية. لذلك تطلبت الزراعة
في العراق أعمالاً إنسانية كبيرة ومنظمة بدقة متناهية وصولاً إلى
تحقيق النتائج الأساسية المرجوة من العمل الزراعي. وأن صورة
الفيضانات الدورية لأنهار العراق، كانت غير ملائمة للدورة
الزراعية، حيث يقع الفيضان عادةً في موسم الحصاد، فذلك كله يعكس
لنا طبيعة الحياة والنشاطات وصورة العلاقات وصولاً إلى كثير من
خصوصيات الفرد والجماعة في العراق القديم(7).
وتبعاً لذلك فقد زاد تعاون
الناس فيما بينهم، ونمت قدراتهم العقلية، وبدأت القرى الزراعية
الأولى، وازدادت خبرات الناس وتطورت معالم حياتهم، حيث نستشف ذلك
من بقايا دور سكناهم أو بقايا أثاثهم المنزلي. كما وضح أيضاً
التصاق الإنسان العراقي القوي بالأرض، فمثّل لآلهته بأشكال مستوحاة
من الأرض وما يدبّ عليها، فكانت صورة المرأة والرجل من أقدم أشكال
المعبودات، وفي ذلك تأكيد واضح على أهمية الإنسان عند العراقيين.
ولم يكن أمام الناس في
أعمالهم المشتركة بدٌّ أيضاً من الوصول إلى صيغ تنظيمية للعمل
ومواقع قيادية للتخطيط والأشراف والحسم.
وبعد أن أستكمل العراقيون
خطواتهم الناجحة في الاستجابة لتحديات الطبيعة في العصور الحجرية
القديمة والوسيطة والحديثة, فإنهم فوجئوا بتحديات نجمت من مواقع
العمل الواسع في الأنشطة الزراعية والحرفية والمبادلات، فكانت
استجابتهم رائعة في أضواء هذه التحديات عن طريق الصيغ التنظيمية
للعلاقات المختلفة. ومن أروع الصور لإجلال العراقيين للتنظيم أنهم
رسموه في نتاجهم الأُسطوري وأجروه على لسان آلهتهم، فالإله إنكي
الذي يعيّن بدوره من قبل الآلهة لينظم مزرعة الدنيا، يبدأ بالتجول
في الأرضين ويغدق ببركته على كل قطر وينظم شؤون الماء. ويملأ دجلة
والفرات بالماء العذب ويعيّن إلهاً مشرفاً آخر. ثم ينصرف لتنظيم
شؤون البحر والرياح والأمطار ويهتم بالزراعة والحرث، ويرعى الحبوب
في الحقل وينتقل إلى المدينة، ويشرف على الآجر والبناء، ويعتني
بالأسس والبناء. وهو يوكل لكل من هذه الأعمال إلهاً مشرفاً، وكأنه
القائد المنظم الذي يوزع الأعمال وينيط مسؤولياتها إلى موظفين(8).
وبذلك فكل شيء يعيشه العراقيون منظم، لذلك كانوا مع التنظيم الدقيق
لكل شؤون حياتهم الخاصة والعامة.
يعد عصر الوركاء، ويرجع تأريخه
لحوالي 3500 سنة ق. م. من الأدوار المهمة في تأريخ التطور الحضاري
للعراق، بوجه خاص، لأن هذا العصر شهد ابتكار الكتابة بمراحلها
الأولى، والتي تعرف بالمرحلة الصورية والتي تطورت عنها لاحقاً
الكتابة المسمارية العراقية القديمة. وأن ابتكار الكتابة في هذا
العصر أتاح أمام العراقيين اختراق أسوار الصمت التاريخية التي بقيت
صامدة لفترات زمنية طويلة بوجه الكثير من الأمم والشعوب.
والأهم في ابتكار الكتابة، هو
إمكانية نقل الخزين من تجارب وأفكار الماضي إلى فترات لاحقة، لتصبح
خطوات السابقين أساساً صالحاً للأعمال المتطورة في المستقبل.
وبعد أن تطورت الكتابة إلى
الحد الذي أمكن معها تسجيل جوانب النشاطات الإنسانية المختلفة،
بدأت العهود التأريخية أي التدوينية في رحلة الإنسان، وبذلك توفرت
للباحثين سبل البحث والتقصي الدقيقين في أحوال الناس وشؤونهم
المختلفة، بالاستناد إلى مخلفاتهم الأثرية والى العديد من النصوص
المسمارية لكل مرحلة ودور من مراحل وأدوار التأريخ والحضارة لبلاد
وادي الرافدين.
إن عناصر الحياة الأساسية التي
أمكن التعرف عليها في ضوء المخلفات الأثرية من فترات عصور ما قبل
التأريخ لم تنقطع أو تتغير، وإنما تشكل الاستمرارية وتطور أبرز
سماتها هذا فضلاً عن أن الوثائق المدونة أخذت تملأ الفجوات وتزيد
في التفاصيل، وهي الأُمور التي كان متعذراً التعرف عليها بموجب
البيانات الأثرية المادية فقط. وعليه يشعر الباحث أنه يستند إلى
أرضية صلبة من مستلزمات البحث بتوفر الوثائق المادية والمدونة
ليعمل على رسم صورة واضحة للأحداث وتفاصيلها تقرب من الواقع
كثيراً.
إن اتساع حجم وعدد القرى
الزراعية، وظهور بدايات المدن في العراق القديم، تعد من السمات
البارزة للعصور التاريخية. حيث أخذت هذه المدن والقرى تتمركز في
الأقسام الفيضية الرسوبية لجنوبي العراق. وأقام بعضها المراكز
السياسية والحضارية المزدهرة في الألف الثالث ق. م.، مثل الوركاء
ونفّر وأور وأريدو وسپّار ولگش وكيش وغيرها. وكان الأساس الاقتصادي
لنمو وازدهار هذه المدن يتمثل بالزراعة الإروائية،(9) وإذً نؤكد
على الزراعة الإروائية، التي تستحيل السكنى والزراعة في جنوبي
العراق بدونها، فإنما نقصد الإشارة إلى خصائص أساسية في الأعمال
الزراعية الإروائية، ومن أبرزها العمل الجماعي والتنظيم وتطور
تقنية الري، والأهم من ذلك الوعي الإنساني، وأهمية تحقيق هذه
الخصائص، فضبط المياه وتنظيمها فيما نعرفه بالري، يعني الخير
والازدهار، الذي يمكنه أن يتحول في حالة تداعيه وانهدامه إلى خطر
وإحداث الأضرار. وبسبب أهمية هذه القيّم في حياة العراقيين، فإنها
جرت أمثالاً على ألسنتهم ودونوها في أدبياتهم، ونذكر منها:
1ـ ”الشعب بدون ملك (مثل)
الغنم بلا راعي“.
2ـ ”الناس بدون إداري (مثل)
المياه بدون مراقب قنوات“.
3ـ ”العمال بدون مشرف (مثلهم)
مثل الحقل بدون فلاح“.
4ـ ”البيت بدون راعي (مثل)
المرأة بلا زوج“ (10).
وللتعبير عن أهمية المعرفة
العلمية ساقوا الأمثال الآتية:
1ـ ”الجرح بدون طبيب (مثل)
الجائع بدون طعام“ (11).
2ـ ”هل يمكن (للمرأة) أن تحمل
دون اتصال، وهل يمكن أن تسمن دون الأكل“(12).
3ـ ”فمي (معرفتي)، يجعلني
معروفاً بين الرجال“ (13).
ومن الأمثال التي تكشف عن
أهمية الجماعة، والأقربون منهم على وجه الخصوص، المثالان الآتيان:
1ـ ”كلما استمرت النعماء تنهمر
عليك من إلهك، فأعطي لأخيك وأختك وعائلتك والأقربين إليك، وبذلك
فإن الثروة ستبقى معك ولا تذهب إلى الآخرين“.
2ـ ”اللحم هو اللحم، والدم هو
الدم، والحليف هو الحليف، ولكن الغريب هو بالتأكيد غريب!“ (14).
كما تعني الزراعة الإروائية
مزيداً من تشابك المصالح وحاجة ملّحة لأشكال وصيّغ العلاقات
والتنظيم المتآلفة مع الحاجات المستجدة سواء كانت في حالات حفر
الأنهار وكريها سنوياً أو تقوية السداد عند الفيضان، وتقاسم كميات
المياه في فترة الصيهود، وقد تبرز هذه الأُمور مشكلات في حدود
المستفيدين من النهر الواحد وقد تصطدم مع مصالح ورغبات المستفيدين
من قناة أخرى. ويعني ذلك بالضرورة، إلى جانب الرغبة الشديدة لتنظيم
الأعمال وحسن إدارتها،(15) توفير أسس الحماية من احتمالات تجاوز
الآخرين، وبذلك دفعت الضرورات إلى صيّغ تنظيمية أكثر تطوراً فيما
يمكن أن نستكشفه من بدايات الإدارة السياسية لدويلات المدن في هذه
الفترة.
وعكس العراقيون روعة إنجازهم
في قصصهم "الأُسطورية" فلم يرضخ گلگامش لمصائب الحياة وامتدادها،
وهو في سعيه للخلود، بل كان يرمز إلى مسعى العراقيين الدؤوب لبلوغ
المستحيل وتحقيق أرفع الدرجات في مُثل الحياة الإنسانية.
وتعكس لنا الفقرات الآتية
المقتبسة عن ملحمة گلگامش كيف يكون الطريق إلى تحقيق المنجزات
صعباً وشائكاً ومحفوفاً بالمخاطر. لكن سعي الإنسان البطولي أوصله
في النهاية إلى الغابة اللازوردية، التي هي رمز الحياة السعيدة
والخير والسلام الذي ينشده العراقيون:
“لا يوجد إنسان يستطيع ذلك
ياگلگامش. لم يعبر أحد من البشر مسالك الجبال حيث يعم الظلام في
داخلها مسافة أربعاً وعشرين ساعة والظلام حالك ولا يوجد نور”.
ونقرأ في جواب گلگامش على
تحذير العفريت له ذروة الإصرار الإنساني:
”عزمت على أن أذهب ولو بالحزن
والألم وفي القرّ والحر وفي المسرّات والبكاء“.
وبعد مسيرة محاطة بالمخاطر وسط
الظلام الحالك دون أن ينتابه شعور بالخوف أو الندم لفعلته يتحقق له
النصر بالإنجاز العظيم:
”وبعد أن قطع أربع وعشرين ساعة
عمّ النور وأبصر أمامه أشجاراً تحمل الأحجار الكريمة فوجد الأشجار
التي أثمارها العقيق، ووجد الأشجار التي تحمل اللازورد، فما أبهى
مرآها“(16).
فما أروع التحدي والإصرار
لبلوغ أرفع المنجزات. ومن المؤشرات الاقتصادية التي حرّكت نشاط
العراقيين ورسمت، بالتالي، أبعاد تأريخهم وحضارتهم، ذلك التوجه
التجاري الواسع الذي حفزه النقص الملحوظ في عديد من مواد البناء
الأساسية في طبيعة العراق، مثل الأخشاب والحجارة. كما حفزهم هذا
النقص في المواد الأساسية إلى قوة الابتكار لتلبية متطلبات الحياة،
فقد طوروا صناعة اللبن (الآجر الطيني المجفف بالشمس) إلى صناعة
الآجر والطابوق المشوي بالأفران، حيث توفرت لهم بذلك مادة بناء
صلبة ملائمة لأحوال العراق المناخية. كما أنهم طوروا تقنية البناء
لتعويض النقص الموجود من الأخشاب، فكانت أقدم الأقبية المستندة في
بنائها لفكرة عقد الطابوق (العقادة) من المبتكرات العراقية الأولى.
وهي التي قادت تدريجياً لابتكار القوس والقبة. وتكشف لنا الأعمال
الأثرية عن دور العمل في صقل القيم الإنسانية وتحديد مثلها
العالية. فإن الخلود الذي سعى إليه گلگامش لم يتوقع تحقيقه عن طريق
العبث وإنما من خلال العمل الهادف أو المبتكر، فيأخذ گلگامش فأسه
ويذهب إلى الغابة:
”إنحدر إلى الغابة وإقتطع منها
مائة وعشرين مردياً، طول كل منها ستون ذراعاً وأطْلِها بالقير
وغلّف أعقابها بالمعدن وأحملها إليّ". فنفذ گلگامش ما طلبه منه
الملاح“(17).
ولعل المثل الآتي يعطينا
الدليل القوي والمرجو من العراقيين في تلك الحقبة والعصور اللاحقة
والذي يبين مدى التزامهم واعتدادهم بقوة أسلحتهم الشخصية وجيوشهم
الجبارة:
”الأعداء سوف لن يغادروا بوابة
المدينة التي أسلحتها ضعيفة“(18).
وتتجلى قيمة العمل عند
العراقيين في أبهى صورها من الإطلالة الرمزية لهذا النص الذي ينقل
مجرى حوار بين الفضة والبرنز:
”إذا ما حلّ زمن البرد لن
تستطيع أن تهيئ منجلاً لقطع السنابل، إذن فلن يأبه الإنسان
لك“(19).
وعليه فلم يؤخذ العراقيون
بالمظاهر البراقة، وإنما تعاملوا مع جوهر الشيء ونتائجه الإيجابية
ومقدار نفعه.
أما بقية المواد الأولية، فقد
حرصوا على توفيرها عن طريق التجارة... والمبادلات السلعية مع مناطق
توفر هذه المواد، ونمتلك من الأدلة الأثرية ما يؤكد قيام العلاقات
التجارية بين أقدم القرى الزراعية في العراق وبين مناطق توفر الحجر
الأوبسيدي بالقرب من بحيرة وان في أرمينيا، ومع مناطق توفر الأصداف
في الخليج العربي. وقد تطورت خبرات العراقيين في مجال المبادلات
سريعاً، وساعد على تشجيع ذلك توفر طرق يسيرة للاتصالات، وهي
النهران وفروعهما في الداخل وسواحل الخليج العربي الملائمة لحركة
الملاحة القديمة في الخارج. كما شكّل موقع العراق وليونة حدوده
الطبيعية مع المناطق المجاورة عاملاً مشجعاً على ازدهار التجارة
والاتصالات. لذلك نقرأ في نصوص الألف الثالث ق. م. عن رحلات واسعة
قام بها العراقيون جنوب غابات الأرز في لبنان والى مواطن الفضة في
جبال طوروس والى مواطن الحجارة والمعادن في جبال زاگروس ولورستان
وعُمان، والى توفير مواد أخرى عن طريق دلمون (البحرين) وعُمان في
الخليج العربي واليمن، والمتاجرة مع وادي السند وأفغانستان...(20).
وبموجب هذه النشاطات
الاقتصادية الواسعة، نمت المدن وتوسعت وازداد حجم السكان بشكل
ملحوظ، وازدهرت معالم الحياة المادية من صناعات حرفية وعمارية
وفنون. كما عكست لنا النصوص المسمارية من هذه الفترة عن تقدم كبير
في مدارك الإنسان ووعيه وتنظيماته وعلاقاته.(21).
5ـ نظام
الحكم:
تمثل حكومة الشورى أو
"الديمقراطية المبكرة" أقدم صورة للحكومات في تأريخ الإنسان
العراقي. وكان المجلسان، الذي يضم الأول منهما مجموعة من شيبة
وعليّة القوم، من كبار السنّ. ويضم المجلس الثاني مجموعة الشباب
المحاربين في دولة المدينة، والمجلسان يساعدان الملك أو الحاكم في
إدارة شؤون البلاد. ومع ذلك بقي الإطار الديني يحيط بإجراءات
ومواقف الحكام والزعماء. وبقي الملك أو الحاكم في تأريخ العراق
القديم ممثلاً أو نائباً للإرادة الإلهية في شؤون الحكم والإدارة،
ويرد صراحة على لسان أكثر من ملك، ومنهم حمورابي في مقدمة قوانينه،
ما يؤكد ذلك. وإن الملك ينفذ أوامر وتعليمات الآلهة عامة وإله
المدينة الرئيس، الإله مردوخ، إله بابل بوجه خاص(22).
لم يكن الحكم في بلاد وادي
الرافدين غاية بحد ذاته، وإنما وسيلة سعى من خلالها الحكّام لتعميق
التضامن والتكافل الاجتماعي، ولا نقصد من وراء ذلك تنزيه الحكّام
من الرغبات الشخصية، ولكن المهم في سياقات تصرفاتهم أنهم قصدوا
الارتقاء وحسن العلاقة مع الناس من خلال الأعمال الهادفة التي تخدم
المجتمع، ومصداق ذلك في موقف گلگامش الرافض لنصائح صاحبة الحانة
التي دعته للعزوف عن سعيه للخلود بقولها:
”أما أنت يا گلگامش فليكن كرشك
مملوءاً على الدوام، وكن فرحاً مبتهجاً نهار مساء، وأقم الأفراح في
كل يوم، وأرقص وألعب مساء نهار، وأجعل ثيابك نظيفة زاهية“.
وهي على العموم مواقف ذاتية
تبلور فلسفة "الأنا" الأنانية، التي رفضها گلگامش بتأكيد سعيه
لتحقيق مُثل وغايات إنسانية نبيلة، فيتحمل مشاق الغوص من أجل
الحصول على النبات البحري، سر الخلود، وبعد أن يحصل عليه، تستأثر
في نفسه مكامن الإنسانية الحقة فيقول:
”يا أورشنابي إن هذا النبات
نبات عجيب يستطيع المرء أن يطيل به حياته، لأحملنه معي إلى أوروك،
الحمى والسور وأُشرك معي الناس ليأكلوه وسيكون اسمه، يعود الشيخ
إلى صباه، وأنا سآكله في آخر أيامي حتى يعود شبابي“(23).
وتعد أعمال گلگامش هذه من أرفع
المواقف الإنسانية، التي تحلى بها قائد أو حاكم في تأريخ البشر،
فهو يؤكد بموقفه هذا أنه يستمد قوته من قوة الناس أو الرعية، فيسعى
لتحقيق الخير والرفاهية لهم أولاً، لأنه يقدّر بصورة صحيحة أن
رفاهيته وخيره من خير ورفاهية الناس، كل الناس، الشعب.
وعلى الرغم من استمرار نظام
الوراثة في الحكم في العراق القديم، فإن الفكر الديني لم ينص على
ذلك صراحة، وأن معظم النصوص التي تطرقت إلى الملوك لم تذكر أسماء
آبائهم إلا في النادر(24). وأن الملكة والملك من اختيارات الآلهة،
كما ذهب بعض الحكام للإدعاء بأنهم من أبناء الآلهة، فنقرأ في بعض
النصوص الآتي: "الإله سين هو الذي صنعني" أو "ننخرساگ خالقتي" ويصف
شيلمنصر الأول (القرن الثالث عشر ٌ ق. م.) نفسه كونه "البذرة
الخالدة" أو كما يصف توكلتي ننورتا الأول (1244ـ1208 ق.م) نفسه
بأنه "بذرة السيادة منذ القدم، من دون كل الناس، اصطفاه الإله
إنليل". ويضيف سرجون الآشوري إلى ألقابه بأنه "بذرة مدينة آشور،
مدينة الحكمة" أو "نبع (الإله) آشور وبذرة الملكية"(25). وكان بعض
الملوك يضيفون بعض ألقاب الآلهة لأنفسهم، أو كونهم ينتسبون إلى
ملوك مشهورين سابقين لعهودهم. فهذا أورنمّو يقول بأنه "من والدين
إلآهين منحوني قدري المتسامي، أنا أورنمو، الروح الحامية لبلاد
سومر وأكد، أخو گلگامش العظيم، ابن الإلهة ننسون، وبذرة الزعامة
أنا“(26).
ويضفي ملوك آخرون على أنفسهم
مزايا عديدة أخرى يقصدون من ورائها إبراز كفاءتهم القيادية، وكونهم
محاطين برعاية إلهية وأنهم أنسب الناس لإدارة الدولة وحماية
المجتمع. يقول الملك لبت عشتار (القرن الثامن عشر ق. م.) في مقدمة
قانونه أنه "البذرة الحقة من الرحم أنا، لبت عشتار ابن الإله
إنليل.(27) فالملك هو كما يصف شولگي نفسه (القرن الحادي والعشرين
ق. م.) "البطل الذي أنجبته الإلهة ننسون ذو النظرة الحادة كالأسد،
الفهد المرعب، الذي تربى على الحليب الدسم، الثور ذو القرون
المتينة، الشبل القوي الذي ولد لأسد..." وبجانب هذه الصفات المميزة
فهو أيضاً "الراعي العادل، الراعي المخلص“(28).
وعليه، فبجانب المزايا العالية
التي ينفرد بها الملك، فإنه الراعي الحريص والمخلص في عمله.
ومن بين النصوص المتميزة التي
تكشف عن العلاقة بين القائد والشعب، مجموعة من الوصايا موجهة
للقائد، وكأنها ترسم أمامنا السلوك المثالي المطلوب من ملوك وقادة
العراق القديم. وعلى الرغم من كل الخصائص والمميزات التي كشفتها
لنا النصوص السابقة لكن سلطاتهم تبقى أسيرة العلاقة الجيدة مع
الناس، المحكومة بمجموعة القيم والمُثل الاجتماعية، التي كان
الملوك يحافظون على سلامة تطبيقها ومن هذه الوصايا الآتي:
"إذا لم يحرص الملك على تطبيق
العدالة، سيتعرض شعبه إلى الويلات وأرضه إلى الضياع"
"إذا لم يحرص على تطبيق
العدالة، فسيغير الإله أيا قدره، وسوف لا يمنع المخربين من التعرض
له"
"إذا لم يشاور الملك نبلاءه،
فستكون حياته قصيرة"
"إذا لم يستشر مستشاريه،
فستثور البلاد ضده"
"إذا تصرف خطأً، فستتبدل
الأوضاع في بلاده"(29).
ويواصل النص تأكيده على الملك
بحماية حقوق المواطنين، وبخاصة من الضرائب الجائرة، وأعمال القسر
والسخرة، والتفريط بممتلكاتهم.(30) والحرص على الممتلكات الشخصية
بلغت حد تثبيتها كوصية من الوصايا الهامة التي يعتني الملك
بحمايتها. وتعزز نصوص الحكمة العراقية القديمة اهتمام العراقيين
بممتلكاتهم الخاصة والمثال الآتي دليل على ما ذهبنا إليه:
"إذا حفظت أموالي في مخزن فقد
يسرق، ولكن إذا بعثرتها فمن يعيدها إليّ"(31).
ومقابل هذه المواقف، يتوجب على
الناس أن يحرصوا على اتّباع قائدهم والمثول لأوامره والاعتراف
بسلطانه. ويتكشف لنا ذلك من وصف امتيازات القائد المستمدة من قوة
ومكانة الإله آنو سيد الآلهة وكبيرها:
"جعلوا له منصة أميرية!
ولا مرتبة فوق مرتبتك، وكلمتك
هي الآمرة، فهي كلمة الإله آنو، أوامرك من اليوم فصاعداً لن تبدل.
ولك أن ترفع أو تخفض من تشاء.
وكل ما تنطق به يتحقق ولن يذهب
لفظك سدى"(32).
ويواصل النص ذكر صلاحيات الملك
القائد، فنقرأ ما يلي:
"لقد وهبناك المُلك والسلطان
على كل شيء، فأجلس في مجمعنا، ولتكن حكمتك هي العليا.
لا فلّ سلاحك، ولتضرب به
أعداءك، امنح نسمة الحياة أسياداً أولوُك ثقتهم.
أما إذا اعتنق (الملك) إله
الشرّ، فأنزع عنه حياته"(33).
وهكذا يتحقق الانسجام بين
الحقوق والواجبات للقائد في العراق القديم. والراجح أن حقوقه
يستمدها من قيمة الخدمات الجليلة التي يجب عليه توفيرها للمواطنين.
ونستشهد في ختام حديثنا عن دور القائد في حياة العراقيين من نص
مقدمة قانون الملك حمورابي الذي يرد فيه:
"عندئذٍ دعتني الآلهة آنو
وإنليل لتهيئة الرخاء للشعب، أنا حمورابي، الأمير المطيع، خائف
الإله؛ لإقامة العدل في البلاد، وتحطيم الأشرار والفاسدين، لكي لا
يؤذي القوي الضعيف. وأطلع أنا كالشمس فوق ذوي الرؤوس السود وأنير
البلاد"(34).
ولا بد لنا من توضيح هذا
المصطلح الرائع، ذوي الرؤوس السود (في اللغة الأكدية صلمت ققادي)،
الذي يعبر عن الرافديين كلهم ودون تمييز بين عرق أو ديانة أو حتى
طبقة ما من طبقات المجتمع. ولا أخالني مبالغاً عندما أقول بأن
المصطلح المتداول من قبل الكُتّاب قبل ظهور الإسلام أو بعده، أرض
السواد، إلا توارث لما ذهب إليه الملك حمورابي وغيره من الملوك
الرافديين قبله وبعده، وسمة عدم التمييز هذه، متوارثة حتى يومنا
هذا على الرغم من كل التخريجات العرقية أو الدينية التي ما انفك
يحاول الغزاة تمريرها على البعض من سكنة هذه الأرض المعطاء.
ولم يقتصر التنظيم على الشؤون
السياسية، بل تناول شؤون الإدارة والعلاقات، وأنتشر الموظفون كلاً
في حقل اختصاصه يباشر الأعمال الموكلة إليه، لا بل ويراقب تنفيذ
الالتزامات، وأصبحت الأمور مخططاً لها، وبخاصة في شؤون الزراعة
والري والتجارة وإقامة جيش دائم لحماية المنجزات ودرء الأخطار التي
ما انفك الغزاة القيام بها.
إن قيمة التنظيم راسخة في ضمير
الفرد وأبناء المجتمع العراقي، لأنها تتألف مع معطيات الحياة
وضرورات البيئة الجغرافية، فأي تهاون أو تقصير أو تأخير أو تأجيل،
أو انعدام التنسيق والفردية فيما له علاقة بالزراعة والري، قد تسبب
أضراراً فادحة يزيد حجمها عن التصور.
فَكَريّ الأنهار سنوياً وتقوية
السداد، وتهيئة الأرض الزراعية، بمواعيدها الثابتة، كانت من الأمور
التقليدية لدى المواطن العراقي القديم والى الوقت الحاضر. وأن أي
تأخير في الحصاد أو تأجيله قد يتسبب في ضياع جهود موسم زراعي
بكامله، وما ينجم عن ذلك من أضرار كبيرة.
ولهذا السبب أيضاً وضع الملك
حمورابي قواعد صارمة تُغذّى بحكم القانون الذي أصدره بخصوص الأعمال
الزراعية وشؤون الري المتعلقة بها(35).
وقبل زمن حمورابي بمدة طويلة،
وضع خبير زراعة عراقي قديم جدولاً يبين فيه الأعمال اللازم تنفيذها
في الحقل من حرث وعزق وسقي وبذار وما إلى ذلك، بموجب تسلسل يراعى
فيه الوقت الدقيق أيضاً، وأنه يحذر من أي تقصير في جوانب العمل
المطلوب لأنه سيؤدي إلى نتائج غير مرضية(36).
ومما يقترن بأهمية الزراعة في
حياة العراقيين، ما نقرأه في قصة خطوبة الإلهة عشتار، حيث تقدم
إليها فلاح وراعي، فتفضل الفلاح وتقول بشأنه:
”ذلك الفلاح الذي يزرع الخضار
ذلك الفلاح الذي يزرع القمح والشعير“ (37).
ولكن الزراعة لم يكن بمقدورها
تغطية كافة الحاجات المادية لأبناء المجتمع العراقي، وبخاصة في
المراحل الحضارية المتقدمة، لذلك كان ميل العراقيين للابتكار
والاختراع وتطوير مستلزمات الحياة كبيراً جداً. فإنهم عمدوا إلى
تطويع كثير من المواد لتأخذ أشكالاً تتناسب والحاجات المختلفة، كما
أنهم ابتكروا وسائل تقنية عديدة، استطاعوا بواسطتها تحقيق مستويات
متقدمة في الزراعة والصناعة والبناء والعمارة، وأكثر من ذلك، فإنهم
جابوا البلدان وسافروا إلى مناطق متعددة وصولاً إلى توفير مستلزمات
البناء الحضاري، وجلبوا من هذه الأماكن الأخشاب الجيدة والحجارة
الصلدة والكريمة والمعادن الصلبة والنفيسة، وكثيراً من المواد
الأخرى. ونظراً لممارستهم المبادلات السلعية منذ فترات مبكرة من
تأريخهم، فإنهم طوروا بمرور الوقت التجارة الداخلية والخارجية.
وكانت الأعمال هذه مرتبطة بنظام مصرفي وقروض لأغراض التجارة،
ومعاملات مالية متطورة بغية تسهيل عمليات التجارة وتطويرها. كما
أنها أحيطت بأنظمة وقوانين دقيقة وصارمة للحفاظ على سلامتها
باعتبارها ركناً أساسياً ثابتاً من أركان النظام الاقتصادي المتطور
في العراق القديم. لذلك يصادف الباحث في تأريخ الحضارة العراقية
القديمة أعداداً كبيرة من النصوص المنشورة التي تتعلق بشؤون
التجارة ناهيك عن بنود عديدة في قانون حمورابي خصصت لهذه
الأعمال(38).
ولم تكن الأعمال التجارية التي
شهدت مشاركة قطاعات واسعة من أبناء المجتمع العراقي بمعزل عن
نتائجها غير المباشرة، وهي تناقل الخبرات المتراكمة التي ساعدت على
التطور السريع لعناصر الحياة والحضارة في بلاد وادي الرافدين.
ولم تكن هذه التطورات في
القطاعات الاقتصادية المختلفة بمعزل عن الصيّغ المتطورة للنظم
السياسية، وبخاصة في شكل الدولة السياسية الموحدة. وكانت سبل
التنظيم الدقيق للإدارة والعلاقات من أبرز مقومات الدولة، وتعد
مجموعة القوانين، التي يعد قانون حمورابي من أكملها، الصورة
الواضحة لمدى رسوخ النظام في حياة العراقيين، كما نستطيع في ضوء
هذه القوانين وكثير من المعاملات القانونية الأخرى كعقود البيع
والزواج والإرث والإيجار والقروض وغيرها، إن نتابع نمو أحوال الناس
وأعمالهم وحقوقهم وواجباتهم وعلاقاتهم الخاصة والعامة وما إلى ذلك
من شؤون الناس فرادى وجماعات. كما تعكس هذه القوانين عن متابعة
يقظة لفهم عميق لشؤون الدولة والمجتمع من قبل القيادات السياسية
التي كانت تتمحور حول شخصية الملك.
وفي ظل هذه الأوضاع المستتبة
تزدهر الحياة بشتى موضوعاتها وبخاصة في جانب الفكر والأدب. وتمكن
الباحثون من جمع الآلاف من النصوص المسمارية التي تعالج موضوعاتها
شؤون العلاقات والأخلاق والقيم الاجتماعية وترسم بموجبها تصورات
العراقيين لنموذج المجتمع الفاضل والطرق المؤدية إلى تحقيقه. ونشير
بهذا الخصوص إلى ملحمة گلگامش التي تعد نموذجاً متقدماً من أدب
بلاد وادي الرافدين، ترمز موضوعاتها إلى القيم الجمالية ذات
الطابع الإنساني الشامل.
وبالإمكان أيضاً تتبع الشروط
الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية لبنية العائلة العراقية
القديمة، باعتبارها خلية رئيسية في بناء المجتمع العراقي، وإن
مجموع القيم السائدة في حدود الخلية الواحدة يمكنها أن تكشف لنا عن
القيم الاجتماعية العامة في المجتمع، مثلما نجد انعكاسها في سلوك
الأفراد بما يمكن أن نسميه بالقيم الشخصية، وذلك على أساس القاعدة
العلمية التي تسحب خصائص الكل على الجزء أو المجموع على الأفراد.
فالعائلة العراقية القديمة
عائلة أبوية، أي يبرز فيها دور الأب كراعٍٍ ومسؤول يتحمل التبعات
مثلما له حقوق على بقية أفراد العائلة. ولكن هذه السلطة الأبوية في
العائلة لم تصل إلى حدود مسخ شخصية الطرف الثاني الأساس في
العائلة، وهو الأم (الزوجة)، حيث أنها كانت مع الإقرار بسيادة
الرجل، تحتل مكانة اجتماعية وأحياناً اقتصادية، مما يؤدي إلى إبراز
دورها الفاعل في العائلة، ومثل ذلك في المجتمع.
وكان الزواج ينفذ بموجب عقد
قانوني يكون ملزماً في بنوده للطرفين (الزوجين). ويقترن تصديق
العقد بشهادة الشهود وأحياناً الكاتب الرسمي هو الذي يحرر العقد.
أما الحقوق والواجبات الخاصة بطرفي العقد، فكانت تستقي مقوماتها من
العرف العام لفترات طويلة، حتى بلغت مرحلة التدوين القانوني في زمن
الملك حمورابي الذي حددها في عدد يبلغ السبعين من مواد قانونه
الشهير. وتتناول هذه المواد شؤون العلاقات الشخصية بحكم الزواج
والنتائج المترتبة عليها بشيء من التفصيل.
ومما تجدر الإشارة إليه أن
القانون الرافدي أقرّ بمبدأ الزوجة الواحدة كأساس للعلاقات
الزوجية، مع منح الرجل حق التسري بالإماء، ومنهن اللواتي تهديهن
الزوجة لبعلها. كما وقف القانون موقفاً متشدداً من أمر طلاق الزوجة
المريضة، فمنع الرجل من تطليقها وألزمه بوجوب رعايتها والسهر على
صحتها. وتشكل هذه المبادئ في بناء الأسرة المناخ الصالح لتربية
الأولاد وشعورهم بالاعتزاز وعلو الهمة وقوة الشخصية، وما إلى ذلك
من صفات أنعكس تأثيرها في السلوك الاجتماعي العام للعراقيين
القدماء. فنقرأ في رقية عراقية على لسان أحد الأشخاص ما يلي:
“أنا السماء، لن تستطيع النيل
مني، أنا الأرض، لم تستطع سحري”(39).
وكان الأبناء ملزمين بإحترام
وطاعة الوالدين، وتبلغ عقوبة المتطاولين منهم على حقوق الوالدين،
الطرد من العائلة وحرمانهم من الإرث أو إيقاع عقوبات بدنية بهم.
وألتفت القانون العراقي القديم
إلى ما يحتمل أن تفرزه علاقات التسري بالإماء من ولادات، واحتمالات
خطر هؤلاء مستقبلاً على المجتمع، لذلك قرر القانون بأن ابن الأمة
من الرجل الحر يكون حراً، وأنه يكسب هذه الحرية لأمه الأمة أيضاً
بحدود معينة، حيث يمنع القانون صاحب الأمة، أم ولد، من بيعها.
وعلى الرغم من عدم تساوي
الذكور والأثاث في الإرث، لكن القوانين الرافدية لم تحرم البنت من
الإرث، وكان من أبرز حقوقها في ذلك الحصول على قدر من الأموال
يساعدها على التزوج وتشكيل أسرة خاصة بها.
أما رعاية الأولاد فكانت تبدأ
أحياناً بجلب المرضعات لهم ثم تعليمهم القراءة والكتابة أو حرفة ما
وصولاً إلى مرحلة يستطيع بها كل منهم تدبير شؤون نفسه وأمور
حياته(40).
وهكذا لعبت مجموعة العوامل،
سواء كانت في صيغ النظام السياسي أو الإداري وحتى في شخصية الحاكم،
أو في طبيعة العلاقات الخاصة، على تهيئة الأجواء الصحية اللازمة
لبناء المجتمع العراقي من خلال قوة شخصية الفرد وتربيته سلوكياً
وإجتماعياً على المُثل والقيم العالية وتحلّيه بالجماليات المتعارف
عليها إجتماعياً، وبذلك خطت حضارة العراق القديم خطوات متميزة نحو
الأمام وبلغت في مستوياتها وتقدمها أعلى الدرجات.
ومن بين ملامح السلوك
الاجتماعي عند العراقيين، تبوؤ الصداقة عندهم مكانة رفيعة، وهي في
دلالاتها الرمزية إشارة صريحة إلى العمل الجماعي، ويكشف لنا صراع
وعراك گلگامش مع أنكيدو قبل أن يتعاهدا على الصداقة والتعاون عن
الرغبات الفردية للتسلط. ولكن المطامح الإنسانية النبيلة حرّكت
مكامن الحس النبيل عند گلگامش، فغيّر مجرى سلوكه، وعقد صداقة وثيقة
مع أنكيدو واستطاع من خلالها، أي من خلال العمل المشترك، إنجاز
الكثير من الأعمال الهادفة. ويبلغ الوفاء والإخلاص للصديق ذروته في
قسم گلگامش بوضع نصب تذكاري لصديقه حيث قال:
”أيها الصفّار والصائغ
والجوهري ونحات الأحجار الكريمة، اصنعوا لي تمثالاً لخلّي، صدره من
اللازورد وجسمه من الذهب“(41).
وهذه المسيرة للبطلين گلگامش
المتحضر وأنكيدو "البربري" المتوحش تساعدنا في استقراء إمكانية
العيش بسلام ووئام بين النقيضين. كما تساعدنا على تلمس فائدة
الاعتداد بالنفس والحوار من أجل الوصول إلى الهدف المراد تحقيقه.
وفي اعتقاد العراقيين أن الموت
محتم على البشر، وعليه، فالأجدر أن يموت الإنسان خلال مسعاه لتحقيق
أهداف نبيلة، وكان الموت في سوح المعارك دفاعاً عن الأرض والمبادئ
والأهداف السامية، أسمى ما يصبو إليه العراقيون وعلى حد تعبير
گلگامش:
”فمن يسقط في القتال يا صديقي
فإنه مبارك“(42).
ومقابل هذه القيم الأخلاقية،
فإن الخيانة وعدم الوفاء كانتا من الخصائص المرفوضة، حتى لو صدرت
عن أشخاص مقدسين، فتستعير ملحمة گلگامش من سلوك الإلهة عشتار
رموزاً للخيانة وعدم الإخلاص وتقلب الأهواء، فنذكر ما ورد بحقها
وعلى لسان گلگامش:
"أنتِ، ما أنتِ إلا الموقد
الذي تخمد ناره في البرد، أنتِ، كالباب الخلفي لا يحفظ من ريح ولا
عاصفة، أنتِ، قصر يتحطم في داخله الأبطال، أنتِ، قير يلوث من
يحمله، أنتِ، قربة تبلل حاملها".(43)
ومن مزايا العراقيين، التواضع،
وكان لعقيدة الموت عندهم أثر في توجيه أعمالهم للنفع العام. وعلى
الرغم من أن حتمية الموت قد تشجع الميل نحو اللامبالاة، ولكن شروط
الحياة الأخرى جذرّت مواقف الالتزام عند العراقيين. ويخلق التواضع
مبدأ المساواة الاجتماعية مع بقاء الفروق الاقتصادية. وتكشف لنا
المقاطع التالية عن تحقيق القيمة الاجتماعية للإنسان بصرف النظر عن
موقعه الاقتصادي أو الوظيفي:
"متى بنينا بيتاً يدوم إلى
الأبد؟
متى ختمنا عقداً يدوم إلى
الأبد؟
وهل تبقى البغضاء في الأرض إلى
الأبد؟
وهل يرتفع النهر ويأتي
بالفيضان على الدوام؟
وياما أعظم الشبه بين النائم
والميت!
ألا تبدو عليهما هيئة الموت؟
ومن ذا الذي يستطيع أن يميز
بين العبد والسيد إذا وافاهما الأجل!"(44).
وكان أهل الرافدين يفهمون
الموت بأنه تدمير للشخصية، ولا يتبقى، للإنسان من الدنيا إلا
الحياة الطيبة والخلاص من المرض، مشفوعين بحسن السمعة
والأولاد(45). وقد سحبت هذه النظرة الاهتمام الزائد بالأعمال
الدنيوية، حيث خلصوا إلى حقيقة هامة هي أن خلود الإنسان مشروط
بأعماله الصالحة، ومنها الأولاد الصالحين. وكانت الفضيلة الكبرى في
حياة العراقيين هي الطاعة، التي تبدأ بحدود البيت وصولاً إلى طاعة
الملك والآلهة. والعصر الذهبي في نظر العراقيين عندما تتحقق المثل
التالية:
"يوم يحجم المرء عن السفاهة
إزاء غيره ويكرم الابن أباه، يوم يبيّن الاحترام جلياً في البلاد،
ويبجّل الصغير الكبير القدير، يوم يحترم الأخ الصغير أخاه الكبير،
ويرشد الولد الأكبر الولد الأصغر، ويتمسك الأخير بقراراته!، أسمع
كلمة أمك كما تسمع كلمة إلهك، وأحترم أخاك الأكبر، وأسمع كلمة أخيك
الأكبر كما تسمع كلمة أبيك"(46).
وتوجهت كل الجهود الخيّرة
لبناء الحياة وضمان المستقبل، ولسان حالهم في الحكمة التالية:
"إذا كنت مقبلاً على الموت
فسأكون مبذراً وإن كنت سأعيش (طويلاً) فسأكون مقتصداً"(47).
وتكتمل صورة العمل الجماعي
المنظم البناء في صيغة العالم المنظم الذي يستحيل وجوده دون سلطة
عليا، وهي السلطة التي كانت تحظى باحترام وطاعة الناس:
"أوامر القصر كأوامر الإله
آنو، لا تتبدل، كلمة الملك حق ونطقه كنطق الإله لا يغيره شيء"(48).
وبذلك، تكاملت حلقات البناء الاجتماعي في جوانب القيم والعلاقات
والمثل والتكاتف والتنظيم.
وتبرز أيضاً في دراسة المجتمع
العراقي القديم، خاصية إضافية قد لا نجدها في مراكز حضارية قديمة
أخرى مثل مصر، ألا وهي خاصية التنوع البشري أو القومي لسكانه على
مر العصور، فبسبب موقع العراق المتميز، وبسبب نشاطه التجاري الواسع
ورقيه الحضاري، فقد استقطبت أرض العراق شعوباً وأقواماً مختلفة،
ولعل من أهم المعروفة منها بالهندو أوربية والأقوام ذات الأصول
العربية والسامية، وقد كان وادي دجلة الشمالي وفروعه الرئيسية
حلقات الوصل بين العراق وبين المناطق الجبلية إلى الشرق والشمال من
بلاد وادي الرافدين. وعلى الرغم من نجاح الجماعات الهندو أوربية في
بعض الأوقات السيطرة على مقاليد الحكم في العراق القديم، مثال ذلك
سيطرة الگوتيين واللولبيين ومن بعدهم الكشيين والخوريين. ولكن
المسار السليم للحكم والإدارة ولأوجه التنظيمات والعلاقات ولشعائر
الديانة والطقوس المرتبطة بها، بقي محافظاً على مقوماته الأساسية،
المستمدة من واقع التطور التاريخي. وعندما يعلن حمورابي في مقدمة
قانونه أنه ينشر العدل والمساواة ويحمي الأرامل واليتامى، وأنه
بإعماله هذه يقصد نشر إرادة ألإله شمش على ذوي الرؤوس السود، أي
جميع الناس دون تمييز أو تفريق، ولا غرابة أن يترجم البعض هذا
المصطلح كونه تعبيراً واضحاً عن المصطلح الحديث والمتعارف عليه في
يومنا هذا، الإنسانية، بل أكثر من ذلك، فإن حمورابي شمل بقانونه
الناس العاديين وكبار الموظفين، وفرض سلطان القانون على السلطة
الدينية ورجالاتها، وعند ذلك، وجد الناس أنفسهم في ضوء الحقوق
والواجبات الثابتة. وهكذا أخذ العراقيون، وفي عملية متناسقة،
يوقدون شعلة عملية البناء الحضاري العام لبلاد وادي الرافدين. وعلى
الرغم من فترات الاضطراب والاحتراب السياسي وفترات الاحتلال
الأجنبي للعراق الذي سحب معه عدداً غير قليل من أقوامٍ تنتمي إلى
أرومات مختلفة، فإن السمات الأساسية للمجتمع العراقي، ونتائج
العطاء التاريخي، بقيت دون تغيير يذكر، فبقيت اللغة والكتابة
والديانة والطقوس، وتواصلت الأنشطة الاقتصادية مع تفاوت تأثرها.
وواصل العراقيون التصاقهم بالأرض بشكل يلفت الانتباه ويثير
الإعجاب. واستمر الكثير من مقومات وعناصر حضارتهم تواجه التحديات
والعواطف العائلية، ولا تزال أسماء الأشهر العراقية القديمة التي
تستخدم حصراً في العراق فقط دليل ساطع على الارتباط الوثيق بين
الإنسان والأرض، ومن بين هذه أسماء هذه الأشهر شباط وآذار وتموز
وآب وأيلول وتشرين وكانون.
6ـ
العلاقات الجنسية:
ونود التطرق في ختام حديثنا
إلى ناحية نعتقد بأهميتها وخطورتها على صعيد العلاقات الاجتماعية،
وما تفرزه من قيم اجتماعية وشخصية، وهي ناحية في البحث يندر التطرق
إليها. ولعلمنا بخصوصية هذه الدراسة وربما محدودية الإطّلاع عليها،
مقابل أهميتها، نجد الفرصة سانحة لطرحها، وهي العلاقات الجنسية بين
الذكر والأنثى.
كانت العلاقة بين الجنسين في
العراق القديم أكثر إنسانية وأبعد ما تكون عن الانغلاق والتقيد،
وقد لعب المجتمع الزراعي دوراً في تأصيل هذه العلاقة. كما أن
معطيات العمل الزراعي الذي ينشد كثرة الأيدي العاملة دفع
بالعراقيين إلى الزواج المبكر الذي يجنب الفرد عن الممارسات غير
الصحيحة للجنس.
وعلى الرغم من حرص العراقيين
الشديد على العفة والبكارة ونقاوة العلاقات الزوجية، وتعيين الحدود
الصارمة لحقوق وواجبات الزوجين،(49) لأنها تتعدى حدود العلاقات
الجنسية، وتصب في إطار العلاقات الاجتماعية الواسعة، حيث تشكل
العائلة التي قوامها الزوجان والأولاد أهم الخلايا الحية في
المجتمع. ومع ذلك فهناك أبعاد أخرى للعلاقة بين الجنسين تتعدى حدود
العائلة. فالشاب قبل الزواج والرجل الأرمل، والرجل خلال السفر
الطويل، والمحارب الذي يبتعد عن بيئته لمدة طويلة، أو الذي يقع
منهم في الأسر، فإن حاجة هؤلاء إلى الجنس تبقى قائمة على الرغم من
عدم توفر شروط الزواج الكاملة لهم. لذلك تعامل المجتمع مع مثل هذه
الحالات تعاملاً متفتحاً بغية تقليل فرص التعامل غير الصحيح مع
الجنس، ولمنع حالات التأزم النفسي التي يعيش بها المكبوت جنسياً،
فمنحت فرص التسري كصيغة للاتصال الجنسي المشروع خارج حدود
الزواج،(50) وتحت إشراف سلطات خاصة، وفتح مجال التسري واسعاً. ومن
جانب آخر، فإن المومس أو البغي في لغة قواميسنا الحالية، لم تكن
ذات منزلة اجتماعية متدنية، وإنما كانت واحدة من الكاهنات أو فتيات
المعبد. وكان عملها ـ اجتماعياً في نظرنا ـ من نوع الأعمال ذات
الطابع الاجتماعي بغلاف ديني طقوسي. ولم تصبح هذه المرأة بسبب
عملها منبوذة اجتماعياً، بل كانت تشهد طلبات زواج منها. ولكن الأمر
الوحيد الذي يحدده القانون بشأن علاقاتها الجنسية العامة هو منعها
من الإنجاب لأنه سيؤدي بالعلاقة إلى مستلزمات ومسؤوليات جديدة
تتمثل برعاية الأولاد وحضانتهم وتربيتهم. ويبدو أن مثل هذه المرأة،
كانت، بعد تزويجها، تخضع لشروط الزواج من حيث الحقوق والواجبات،
والتي في مقدمتها المحافظة على عفتها وشرفها إن صح التعبير. وكان
التفريط بذلك يعرض المرأة المتزوجة الزانية لعقوبة الموت. وتعيين
عقوبة الموت للزانية، كان يقصد من ورائه الفصل القاطع بين العلاقات
الجنسية العامة، وبين العلاقات الجنسية الخاصة المسؤولة.
ولعل من الالتفاتات الإنسانية
التي انتبه إليها العراقيون، أنهم سمحوا للزوجة التي يغيب عنها
زوجها لمدة طويلة، بالانتقال إلى بيت رجل آخر، ولكن مع حق الأول
باسترجاعها في حالة عودته، مع الأخذ بنظر الاعتبار الفصل بين
الأولاد الناجمين من الزواج الثاني.
لم ينظر العراقيون إلى الجنس
نظرة معيبة أو متخفية أو حذرة. ونعرف عدداً ليس بالقليل من النصوص
المسمارية التي تتحدث عن مواطن الفتنة والإثارة الجنسية عند الذكر
والأنثى. ونظروا إلى الاتصال الجنسي كأرفع مستويات المتعة. وأنه
يحقق أيضاً غاية الطبيعة في البقاء وحفظ النوع، كما يحقق مطالب
الناس في التكاثر. وكان واحداً من أهم الأعياد الدينية والوطنية في
تأريخ العراق القديم يتمركز حول زواج طقوسي بين الآلهة نظرياً،
وبين الملك باعتباره الكاهن الأعلى وبين الكاهنة العليا، من
الناحية العملية. وعرف هذا العيد باسم عيد رأس السنة أو ما يعرف
باحتفالات البيت المقدس، بيت آكيتو. وقد صورت مشاهد الاتصالات
الجنسية المباشرة أو بما يرمز إليها، أو التهيؤ لها على كثير من
الأعمال الفنية ومنها قوالب طينية مفخورة، مثلما صورت على الأختام
الأُسطوانية وغيرها. وأخيراً فإن نظرة العراقيين إلى الجنسين،
وحاجة كل منهما إلى الآخر، كانت متكافئة. فليست المرأة متعة للرجل
فحسب، بل الرجل متعة للمرأة.(51) ويبدو أن هذه النظرة هي سبب
المساواة الجنسية بين الذكر والأنثى. ونعرف من مواد قانون حمورابي
أن للمرأة، الزوجة، حق في عفاف زوجها مثلما للزوج حق في عفاف
زوجته، وكان القانون في حالة ثبوت ارتكاب الزوج ما يعرض عفافه،
يحكم للزوجة بالطلاق ولكن في حالة الزوجة، كان يحكم عليها بالموت
أو فقدانها لحريتها وتحولها إلى أمة في بيت زوجها، أي مع مساواة في
الحقوق الجنسية للزوجين، فقد بقيت يد الرجل هي الأطول والأعلى في
شؤون الأسرة جميعها.
7ـ التعددية
الدينية والوحدة:
إن البحث قي تأريخ الدين
والأصح أن نقول الديانات وبصيغة الجمع، قد يعود بنا إلى عصور ما
قبل التدوين أو قبل التأريخ، وذلك استناداً إلى المخلفات الأثرية
التي تشير إلى أن أقدم المعابد وجد في مدينة أريدو، الذي لا تزيد
أبعاده عن أربعة أمتار مربعة. ولا نعرف ما كان يدور في هذا المعبد
من طقوس أو مراسيم. أما إذا اقتربنا من بدايات التأريخ، أو بعد
ذلك بقليل، فنستطيع تحديد مراكز للعبادة في معظم المراكز
الحضارية. وفي العصور اللاحقة دوّن الكتبة العراقيون الكثير من
المراسيم والاحتفالات والطقوس. لكننا لا نزال نفتقد العديد من
التفاصيل. والأكثر من ذلك أننا لا نزال نجهل الكثير عن تأريخ
الديانات في تلك العصور التاريخية أو حتى في عصر محدد ساد فيه
التدوين، ففي عصر سلالة أور الثالثة لدينا وثائق قد تفوق المليون
وثيقة لا يوجد بينها من الوثائق الدينية سوى العشرات.
وكان المعبد يخصص لرجال الدين
المتنفذين والحكام منهم، هذا فضلاً عن بعض أعضاء الطبقة العليا.
أما عامة الناس فربما كانوا يكتفون بحضور بعض الاحتفالات أو بدكة
تعبد في بيوتهم أو بتلك التي تبنى في الساحات العامة... وعلى الرغم
من ظهور ذلك خلال التنقيبات الأثرية إلا أننا نجهل الكثير عن تلك
الأماكن المقدسة، سيما أن معظم الذين يتعاطون تلك العبادات كانوا
لا يعرفون الكتابة والقراءة ولم يجتذبوا الكتّاب الذين صبّوا
اهتمامهم على معيليهم ومموليهم أي المعبد والحكام وعليّة القوم.
ومن المعروف أنه في بداية
العصور التاريخية كان من الصعب جداً التحدث عن فصل المعبد أو
الديانات عن الدولة وإدارتها. فالمعبد الذي وجد في مدينة أريدو
وأقدم المدن العراقية الأخرى، قد يشير إلى وجود متعبدين بأعداد
صغيرة نظراً لصغر مساحة المعبد ذاته ولمحدودية أولئك الذين
يستطيعون التعبد فيه من الحكام وعليّة القوم... ومن الممكن التصور
بأن المجتمع ككل كان يقدّس ذلك المكان، على الرغم من عدم دخوله،
فالمجتمعات الصغيرة تحاول الاشتراك في كل شيء يخص المجتمع. وعندما
توسعت المدن في عصور قبل السلالات نتج عن ذلك تطور محاولة الفصل
بين الدولة والدين، ونتج عن ذلك أيضاً تطور العبادات الشخصية
الخاصة... وهكذا ففي هذه العصور، واستناداً إلى عدد قليل من
المدونات والمخلفات الأثرية، تكوّن لكل مجموعة بشرية معبدها الخاص
ومعبودها أو معبودتها المفضل. والدليل القاطع من خلال المخلفات
الأثرية يشير أولاً إلى وجود معبود واحد لكل معبد... وفي العصور
اللاحقة هناك احتفالات تشير إلى تجمع عدد من الآلهة في معبد إله
معيّن... وعلى الرغم من كل ذلك فهناك معابد احتوت على المعبود
وزوجته وأولاده وحاجبه ولكن المعبود الأساس هو صاحب المعبد. وإن
التعبد لأولئك الآلهة في نفس المعبد شأنه شأن بعض المزارات
المنتشرة في بلاد وادي الرافدين في يومنا هذا أو شأن الرجال أو
النساء المقدسين لدى الطوائف المسيحية (52).
إن أسماء ومزايا تلك الآلهة
الخاصة بالمدن الأولى غير معروفة لدينا، ولكن كلما تقدم الوقت في
العصور التاريخية نرى أن المحافظة على التقاليد بقيت على ما هي
عليه وربما لم تتغير. وعلى أية حال فالمسألة ليست بهذه البساطة،
ففي حدود منتصف الألف الثالث قبل الميلاد نرى أن لكل مدينة إلهها
الخاص بها، ولا يوجد ازدواجية إله ما في مدينة أخرى.
وكل الذي نستطيع قوله أن
السومريين عبدوا الآلهة المتمثلة بالقوى الطبيعية، كالشمس، والقوة
الموجودة بالحبوب، والحب، ومياه العمق الطاهرة الموجودة تحت الأرض،
وكل ذلك كان يعبد على شكل آلهة تمثلت بالإله أوتو والإلهة نيسابا
والإلهة إنانا (عشتار) والإله إنكي. وهذا شيء اعتيادي لدى أي إنسان
يسعى لاحتواء الظواهر الطبيعية المحيطة به والقادرة على مساعدته أو
تدميره..
ولا توجد مجموعة بشرية أو
مجتمع يستطيع الاعتماد على قوة طبيعية واحدة. فعبادة إله المياه
الذي قد يأتي بالفيضان لغمر الحقول لا يفيد إذا لم تكن هناك شمس
تساعد على تجفيف الحقول والمساعدة على إنضاج الزرع ليأتي بثماره.
وباختصار فكل مجتمع أو مجموعة من الناس بحاجة إلى المجموعة الأخرى،
وهكذا فعلى الرغم من الانقسامات السياسية إلا أن الوحدة الدينية
والحضارية كانت الضرورة المرجوة. وهذه الوحدة يمكن أن نراها في
الدين والمقومات الحضارية والمعبودات المتعددة ترتبط الواحدة منها
بالأخرى وكأنهم يشكلون عشيرة أو قبيلة ما مثلهم مثل الأولمبيون
الإغريق في أثينا.
ونحن نعرف أن الآلهة الرافدية
رتبت على شكل ثلاثة أجيال متعاقبة. وأن أسلاف تلك الآلهة ينتمون
إلى ستة أجيال، لكننا لا نعرف الشيء الكثير عنهم. والأكثر من ذلك
أن البعض منهم، ووفق ما نعرفه عنهم، لم يعبدوا في بلاد وادي
الرافدين... وهذا الترتيب يحرص، لا بل ويؤكد، على أن الآلهة رتبت
حسب موقع كل منها بالأهمية، فالأهم يذكر في الصدارة ثم المهم
والتابعين. ومن الواضح في العصور الأولى أن الإله إنليل كان الإله
الأعظم لديهم ومركز عبادته في مدينة نفّر. وعلى النقيض من ذلك فنحن
نعرف أيضاً أن مدينة نفّر، وعلى العكس من المدن الرئيسية الأخرى،
لم تتبوأ المركز الأساس من الناحية السياسية في أي عصر نعرفه...
ولا نزال نجهل الكثير عن بقية تنظيم هذا المجمع الإلهي وتسلسل
أعضائه، وكل الذي نستطيع قوله ربما حدث مؤتمر لجميع مراكز العبادة
ورتبت القائمة وفق أهمية ومكانة كل إله ومدى دوره في الطبيعة وفي
حياة الناس.
وعلى الرغم من رتابة ومعقولية
ما ذهبنا إليه، إلا أن بعض المراكز الحضارية المعروفة خصّت بإلهين
مثل الوركاء التي خصّت بعبادة الإلهة إننا والإله آنو، والذي يمكن
قوله بهذا الخصوص أن المدينة تكونت من دمج مدينتين متجاورتين لتؤلف
مدينة واحدة، وهذا الشيء ينطبق أيضاً على مدينتي گرسو ولگش اللتين
عرفتا باسم لگش فقط.
كما توجد خاصية أخرى يمكن أن
نصفها بالتناسخ. فلقد عرف بعض الآلهة باسمين ومثال ذلك الإله
آسارلوخي الذي عرف في عصور لاحقة باسم مردوخ، وبخاصة زمن الملك
حمورابي. وينطبق ذلك على الإلهين ننگرسو وننورتا اللذين نعت كلاهما
بابن الإله إنليل ومركزي عبادتهما كما هو معروف مدينتي لگش ونفّر.
وما ينطبق على تلك الآلهة يمكن أن يعزى إلى الإلهين نرگال إله
العالم الأسفل وإيرا إله الطاعون.
كما تجدر الإشارة إلى تبادل
النفوذ أو اعتلاء أحد الآلهة لمكانة آلهة أخرى وتبوؤ مراكزها أو
حتى وصول البعض منها إلى أعلى درجات الرقي ومثل ذلك الإله أسارلوخي
الذي عرف لاحقاً باسم مردوخ والذي حرّف لقبه من إبن الإله شمش إلى
شمس آلهة الناس. ولقد رقيّ إلى أعلى الدرجات، وهذا أيضاً ما ينطبق
على الإله آشور. ونحن نعرف سبب ذلك الارتقاء لهذين المعبودين،
فمردوخ ومركز عبادته بابل، ارتقى نتيجة تبوؤ بابل المركز السياسي
الأعلى خلال حكم الملك حمورابي، فلا يمكن أن نقول أن بابل المركز
السياسي والحضاري القائد ما لم يكن إلهها مردوخ كذلك... والشيء
نفسه ينطبق على آشور الإله الأعظم للآشوريين. وما دمنا بصدد
الحديث عن ترتيب أسماء الآلهة في بلاد وادي الرافدين فالآتي مقتطف
عن ترتيب الرعيل الثاني من ذلك المجمع والذي نقتصر فيه على النخبة
منهم:
1ـ آنو إله السماء وحاكم كل
الآلهة.
2ـ إنليل إله الهواء والفراغ
الموجود بين السماء والأرض ويذكر في الغالب جنباًً إلى جنب مع ابنه
ننورتا.
3 ـ ننگرسو الذي أقترن اسمه مع
ننورتا وحمل نفس الصفات.
4ـ إنكي الذي عرف باسم أيا عند
الأكديين والذي غالباً ما يذكر مع الإله مردوخ.
5ـ سين إله القمر الذي يضئ
ليالي الرافديين.
6 ـ شمش إله الشمس الذي كان
أباً لمردوخ ومركز عبادته في سپّار في أعالي بلاد الرافدين ومدينة
لارسة في بلاد سومر(52).
7ـ أدد إله الأمطار والريح
العاتية والعواصف.
8ـ إننا والتي عرفت باسم عشتار
إلهة الحب والحرب.
واعتقد البعض من الباحثين أن
هذا النص يقدم دليلاً واضحاً على الوحدانية، ولكن ذلك مبالغ به،
وكل ما نستطيع قوله أنه يمكن أن يوصف بالتفريد، والذي ساد بلاد
الشرق القديم أو معظمها في أقل تقدير قبل ظهور الإسلام.
وهكذا، وباختصار يمكننا
الاستنتاج أن العراقيين القدامى عبدوا آلاف من الآلهة، وكانت تلك
الآلهة والمعبودات مصدر وحدة لهم، وعلى الرغم من التعدد السياسي
الذي ساد البلاد في بعض الحقب التاريخية، بقيت الوحدة الدينية
والحضارية دوماً مصدراً من المصادر الأساسية للوحدة الوطنية. وإذا
ما عرفنا أن الديانات لعبت دوراً أساسياً في حياة المجتمع العراقي،
فلا غرابة أن يكون الدين عاملاً بارزاً في تكوين شخصية الفرد وفي
العائلة والمجتمع على حدٍ سواء.
.........................................
(*)
إستاذ علم الآشوريات والآثار.
الهوامش:
.....................
1)
H. W. F. Saggs, The Greatness That Was Babylon, London, Sidgwick
and Jacson, 1966, p. 169f
2)
W. G. Lambert, Babylonian Wisdom Literature, Oxford, 1960, p.
277, (Abbreviated BWL).
3)
Saggs, op. cit., p.191ff.; For the most recent and reliable
source on the Sumerian Periods, see J. N. Postgate, Early
Mesopotamia, Society and Economy at the Dawn of History,
Routledge, London, USA and Canada, 1994.
4)
جوردن چايلد، ماذا حدث في التأريخ، ترجمة جورج حداد، القاهرة،
1956، ص 56 وما بعدها.
5)
BWL., p. 248.
6(
طه باقر، ملحمة گلگامش، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1971، ص
81. للاستزادة، ينظر آخر الترجمات وأوثقها في:
Andrew R. George, The Babylonian Gilgamesh Epic, Oxford
University Press, Volumes one and two, 2003.
7)
طه باقر، مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة، دار البيان، بغداد،
1973.
8)
هنري فرانكفورت وآخرون، ما قبل الفلسفة، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا،
بغداد، 1960، ص 189.
9)
P. Buringh, "Living Conditions in the Lower Mesopotamian Plain
in Ancient Times", Sumer, 13, 1957, pp. 30-57.
10)
BWL., p. 232.
11)
Op. cit., p. 249.
12)
Op. cit., p. 247.
13)
Op. cit., p. 238.
14)
Op. cit., p. 271; see also B. Alster, Studies in Sumerian
Proverbs, Mesopotamia, Copenhagen Studies in Assyriology,
Akademisk Forlag, Copenhagen, 1975.
15)
G. R. Driver and Sir J. C. Miles, The Babylonian Laws, Voliums
one and two, Oxford, 1968, Paragraphs, 53-56; see also, ibid.,
commentary, pp. 150ff.
16)
ملحمة گلگامش، المصدر السابق، ص 110ـ 112.
17)
نفس المصدر، ص 119.
18)
BWL., p. 250.
19)
ما قبل الفلسفة، المصدر السابق، ص 195.
20)
W. F. Leemans, Foreign Trade in the Old Babylonian Period,
Leiden, 1960.
21)
W. G. Lambert, "The Seed of Kingship" in P. Garelli, Le Palais
et la Royauté Archéologie et Civilisation 19e Rencontre
Assyriologique International, Librairie Orintaliste, Paul
Geuthner S. A., Paris, 1974. pp. 427-431 and the following
pages.
22)
Driver et al., op. cit., The introduction to the laws.
23)
ملحمة گلگامش، المصدر السابق، ص 143.
24)
S. N. Kramer, "Kingship in Sumer and Akkad: The Ideal King", in
Garelli, op. cit., pp. 163-176.
25)
Lambert, op. ciy., p. 429.
26)
ibid., p. 428.
27)
ibid., p. 429.
28)
Kramer, op. cit., pp. 167-168.
29)
BWL., p. 113.
30)
BWL., p. 111.
31)
BWL., p. 247.
32)
ما قبل الفلسفة، مصدر سابق، ص 31.
33)
نفس المصدر، ص 211.
34)
نفس المصدر، ص 228.
35)
Driver et al, Vol. 2, Paragraph, 53-56.
36)
صموئيل نوح كريمر، من ألواح سومر، ترجمة طه باقر، بغداد، 1957، ص
137.
37)
ما قبل الفلسفة، مصدر سابق، ص 196.
38)
Driver et al., Vol. 2, Paragraphs, L-V, pp. 100-112.
39)
ما قبل الفلسفة، مصدر سابق، ص 154.
40)
رضا جواد الهاشمي، نظام العائلة في العهد البابلي القديم، دار
الأندلس، بغداد، 1970.
41)
ملحمة گلگامش، مصدر سابق، ص 107.
42)
نفس المصدر، ص 105.
43)
نفس المصدر، ص 88.
44)
نفس المصدر، ص 125.
45)
ما قبل الفلسفة، مصدر سابق، ص 266.
46)
نفس المصدر، ص 239.
47)
BWL., p. 250.
48)
ما قبل الفلسفة، مصدر سابق، ص 240.
49)
Driver et al., Vol. 2, Paragraph, 128f.
50)
G. R. Driver and Sir J. Miles, The Assyrian Laws, Oxford, 1935,
Paragraphs, 40, 49 and 52.
51)
Th. Jacobsen, The Treasures of Darkness: A History of
Mesopotamian Religion, Yale University Press, New Haven and
London, Third Printing, 1979, pp. 29-30.
52)
W. G. Lambert, "The Historical Development of the Mesopotamian
Pantheon: A Study in Sophisticated Polytheism" in Unity and
Diversity, Ed. H. Goedicke and J. J. M. Roberts, 1975, pp.
191-200.
53)
Grant Frame, "My Neighbour's God: Assur in Babylon and Marduk in
Assyria", Bulletin of the Canadian Society for Mesopotamian
Studies, (BCSMS), 34, Quebec, Canada, 1999, pp. 5-22.
...........................
المصدر : من الموقع:
http://www.althakafaaljadeda.com/317/18.htm