"خاتون"
بغداد
لمحات تاريخية وشخصية من سيرة جرترود بيل/2
فخري الوصيف

بلبال سياسي
في 8 يناير/ كانون الثاني 1918
كان الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون قد أذاع النقاط الأربع العشرة
المشهورة، والتي سك ضمنها مصطلح "حق تقرير المصير"، وهو المصطلح
الذي سرى وانتشر بين شعوب المستعمرات. وفي 8 نوفمبر/ تشرين الثاني
من نفس العام، وبعد إعلان الهدنة بثلاثة أيام، صدر التصريح الأنجلو
فرنسي، وكان محض دعاية من الدولتين الاستعماريتين ضد الأتراك في
الشرقالأدنى. إذ نادى بالتحرير النهائي للشعوب التي كانت تعيش تحت
"النير التركي"، ودعا إلى تأسيس حكومات وطنية مختارة بحرية، كما
وعد بالتعاون في إنشاء هذه الحكومات وضمان الاعتراف الدولي بها
حالما تقوم. ورغم نجاح الدعاية في تأمين عدم عودة العرب إلى سلطة
الأتراك، فإنها أثارت اهتمامات أخرى مثل مَنْ سيكونون الحكام
الجدد، وكيفية حكم أنفسهم بأنفسهم، وحول هاتين الفكرتين انبعث لغط
سياسي عارم. ولهذا كانت ترى جرترود الإعلان الأنجلوفرنسي خطوة
متسرعة فطيرة، ولم تحبذ ما انطوت عليه من أفكار. وأرسلت إلى أبيها
في هذا الشأن تقول إن فكرة "حق تقرير المصير" أثارت البلاد،
"فالناس هنا ليسوا معتادين أن يقال لهم إن مستقبلهم كدولة وطنية
مسألة يقررونها هم بأ،فسهم، وأيضا أن يسألوا ماذا يحبذون أن
يفعلوا. الجميع يتكلمون، ولحسن الحظ أنهم يترددون عليّ رغبة في
الحديث فيما يفكرون، ولكنهم جميعاً متفقون تقريبا على أمرين: أن
نتولى نحن ضبط شؤونهم، وأن يكون سير برسي كوكس المندوب السامي.
وبخلاف هذا، فإن كل المسائل الأخرى مختلف عليها". كما وصفت الرأي
العام بأنه أصبح عصبيا متسماً بغيظ طفولي يجنح إلى تفسير "كل كلمة
نقولها وكأنها قناع لنوايانا الحقيقية التي لا نرغب في شرحها
بجلاء".
وفي هذا المناخ كلفت جرترود
بمهمة جس نبض حرارة الحالة السياسية الداخلية وإيضاح رأيها عن
الأهواء السياسية للجماعات العرقية والدينية العراقية. وفي آخر
نوفمبر/ تشرين الثاني أرسلت إلى بيتها في إنجلترا رسالة عن مهمتها
تلك ملخصها أن غالبية أهل المدن من السنة تفضل أميراً عربياً،
ولكنها غير قادرة على اتخاذ قرار بشأن المرشح المناسب، فالبعض يفضل
أحد أبناء الشريف حسين، والبعض الآخر يميل إلى سليل إحدى العائلات
الكبيرة المهمة بالموصل، وآخرون يفضلون أحد أعضاء الأسرة المالكة
الحاكمة في مصر، في حين يود آخرون أن يكون المير نقيب بغداد، ولكن
هذا –حسب جرترود- يرفضأن يتولى المنصب وأيضا يرفض إمكانية اختيار
أحد أبناء الشريف حسين للمنصب ويفضلحكم الإدارة البريطانية. وتقول
إنها لم تعلم بعد بنوايا الشيعة؛ وأما اليهود فقد أظهروا قلقهم إذا
حكمهم العرب، وطلبوا جميعاً الجنسية البريطانية. بالإضافة إلى
هؤلاء، طبقا لما جاء في رسالة جرترود، يوجد آلاف العراقيين يميلون
إلى الأتراك.
ولكن، ما رأي الخاتون الشخصي؟
إنها كانت ترفض تماما أن يتنازل البريطانيون عن سلطتهم على البلاد،
وتعتقد بإمكانية أن يكون على رأس العراق حاكم عربي محدود السلطات،
وتتمنى استبعاد فكرة الأمير العربي بحجة المشكلات العديدة التي
ستنجم عن إنشاء ملكية مع اعترافها بأن هذا هو الميل السائد. وفي
اعتقادها أنه إذا لم يحدث إجماع على شخص معين، فإن العراقيين
سيعودون إلى دعوة سير برسي كوكس ليتولى أمرهم، وهذا في حد ذاته
سيكون شيئاً رائعا (وهنا تدخل أحلام السلطة)؛ لأنه في هذه الحالة
"أكون أنا التالية في القائمة لتولي منصب المندوب السامي. هذا ما
قالوه لي!". ولكن تقف حائرة أمام مشكلة كونها امرأة، فتقول: "ماذا
سيقول كل الموظفين البريطانيين الدائمين إذا اقترحت مثل هذا
الاقتراح؟ ومع ذلك، فالحقيقة أن هذا المنصب ملائم للرجل مثلماهو
كذلك للمرأة، لأنه يقوم في الأساس على التعامل مع الناس بشكل
فردي". ووقعت خطابها هذا لأسرتها بما يلي: "مع محبتي، مندوبتكم
السامية جرترود".
قد يبدو الأمر وكأنه مزحة من
جرترود مع أسرتها، ولكنه لا يبعد كثرا عن شخصية الخاتون وما كان
يراودها من أحلام النفوذ والسيطرة. فهي في سعي حثيث لإثبات قدراتها
الفائقة وأنها لا تقل كفاءة عن كبار الرجال، كما كانت حريصة على أن
تُظهر نفوذها في كل ما يصدر عن الإدارة البريطانية في بغداد، صغر
أو كبر. وقد نجحت في مسعاها هذا في ولاية كوكس الأولى، وفي ولايته
الثانية بلغ نفوذها أقصى حد، وهو ما عبر عنه سينتج ون فيلبي مستشار
المندوب السامي البريطاني بقوله: "إن جرترود بيل تمارس تأثيراً
طاغياً يكاد أن يكون تنويماً مغناطيسياً على أحكام وقرارات برسي
كوكس". وعندما ظهر فيصل على مسرح الأحداث وبات الورقة التي يلعب
بها البريطانيون في العراق، لم تعمل الخاتون على احتوائه من أجل
المصالح البريطانية فقط، بل أيضاً من أجل دعم وزيادة نفوذها
الشخصي، فتصرح في جلسة ضمتها مع الملك فيصل ونوري السعيد وجعفر
العسكري بأنها تتمنى قبل أن تموت أن ترى فيصلاً يحكم من الحدود
الإيرانية إلى سواحل البحر المتوسط، وهي بالطبع معه أو خلفه.
مرة أخرى حاولت لندن سبر الرأي
العام العراقي، فطلبت من ويلسون –وكان قد خلف كوكس على العراق- في
أواخر سنة 1918 أن يجري استطلاعا للرأي بين شيوخ القبائل والأعيان.
وكانت النتيجة مزيداً من البلبلة كما بيّنت الخاتون، فقد اتفق
الجميع على وجوب اتحاد ولاية الموصل مع ولايتي بغداد والبصرة في
دولة واحدة، والرفض القاطع لأن تكون البلاد خاضعة للإدارة الهندية
البريطانية. ولكنهم اختلفوا حول طبيعة وشكل الحكم، فالقوميون السنة
كانوا يريدون مملكة عربية، والشيعة دولة دينية إسلامية، والأكراد
في الشمال يتوقون إلى دولة كردية مستقلة، وجماعة التجار يرغبون في
عودة السيادة التركية. أما ويلسون، فقد اقترح واتفقت معه جرترود،
أن تكون الدولة الجديدة برئاسة مندوب سامي بريطاني وأن يعمل
الموظفون البريطانيون مستشارين للوزراء العراقيين. ومن جهتها،
تنبأت جرترود في خطاب لها في يناير/ كانون الثاني 1919 بأنه إذا
حدث وحكم العراقيون أنفسهم بأنفسهم كما يريد القوميون العراقيون،
فإنه سيكون لمدة قصيرة وستنتهي بالفوضى وبحور الدماء.
وفي أوائل مارس/آذار كتبت
مذكرة وافية بعنوان "تقرير المصير في بلاد الرافدين"، وأرسلتها إلى
إدارة شؤون الهند. وفيها بيّنت أن قبيل إعلان التصريح
الأنجلو-فرنسي بشأن التحرير العربي كانت غالبية العراقيين توافق
على بقاء البلاد تحت السيطرة البريطانية المباشرة، ولكن بعد نشر
التصريح "فتحت احتمالات جديدة نظر إليها باهتمام، وأدت إلى ظهور
دسائس سياسية من جهة العناصر غير المستقرة والأكثر تعصباً"، ففي
طرفي الحبل العراقي يوجد المؤيدون للمصالح البريطانية، وفي الطرف
الآخر القوميون الذين يريدون انسحاب القوات البريطانية، أو طردها
بالقوة، وأن يحكم العراقيون أنفسهم بأنفسهم. وذكرت أن من أبرز رموز
الفريق الأول نقيب بغداد (وكانت قدر زارته مؤخرا في بيته في 6
فبراير/شباط)، وهو يطالب ببقاء القوات البريطانية لحفظ السلام،
ويرفض فكرة أن يتولى أمير عربي حكم العراق، وبالتحديد أن يتولى أحد
أبناء الشريف حسين عرش البلاد، فهذه العائلة غريبة، إنها أسرة
حجازية والحجاز يختلف عن العراق، بل قال إن رغم كراهيته للحكومة
العلمانية القومية القائمة حينئذ في تركيا فإنه "يفضل ألف مرة عودة
حكم الأتراك إلى العراق على أن يرى الشريف أو أبناءه مستقرين في
العراق"، كما عبر عن رفضه أن يتولى هو شخصياً رئاسة الدولة
الجديدة.
وإبّان ذلك كان فيصل قد أصبح
ملكا على سوريا باستثناء بيروت والساحل في أوائل سنة 1919، وكانت
الاستعدادات قائمة في لندن لعقد مؤتمر الصلح في باريس لتقسيم غنائم
الحرب العالمية الأولى، والتي كان بينها الشرق الأدنى، فأرسل
ويلسون الخاتون إلى باريس ولندن للتعرف على ما يُطبخ هناك من خطط
بشأن العراق. وفي طريقها إلى باريس توقفت في بور سعيد حيث التقت
لمدة ساعتين بديفيد هوغارث، ثم وصلت إلى باريس في 7 مارس/آذار
1919. وفي يوم من أيام الآحاد من نفس الشهر التقت الخاتون لأول مرة
بفيصل، الذي كان حينئذ في باريس لعرض القضية العربية على مؤتمر
الصلح. لم يستغرق اللقاء الأول سوى دقائق معدودة، ولكن بعد ذلك
توالت لقاءاتها مع فيصل ومستشاره لورنس، وتحادثت معهما طويلاً،
وتركت المحادثات في نفسها بذرة فكرة جديدة: حاكم من أبناء الشريف
حسين لا يكون ملائما فقط لسوريا، بل أيضا هو أفضل حل للعراق.
نصائح من قصر
الدوبارة:
انتهى مؤتمر الصلح في باريس
دون أن يطرأ جديد على المسألة العراقية. وبعد عطلة طويلة في
إنجلترا فكرت جرترود أن تكون عودتها إلى بغداد عن طريق القاهرة
والقدس ودمشق وحلب لتسبر بنفسها غور المسائل على الطبيعة، وترى
وتسمع ما يشعر به العرب تجاه الفرنسيين والإنجليز والأتراك
والصهيونيين.
وصلت إلى القاهرة في أواخر
سبتمبر/ أيلول 1919 أثناء اندلاع الثورة المصرية، والتقت بمستشار
وزارة الداخلية الجنرال جلبرت كليتن في حديقة قصر الدوبارة بجاردن
سيتي. تحدّث كليتن عن الأحوال في مصر واعترف لها بأنه يعتقد أن
المصريين كان عندهم الحق في ثورتهم، فصحيح يجب أن تحتفظ الحكومة
البريطانية بأوضاع استراتيجية معينة في البلاد، أو بنص كلماته "يجب
أن نحتفظ بالسيطرة على قناة السويس، ومياه النيل، والجيش،
والشرطة". وما عدا ذلك من شؤون السلطة والإدارة المدنية فيجب
التنازل عنها في الحال للمصريين، "ويمكن السماح للوزراء المصريين
أن يتولوا أعمالهم دون مستشارين بريطانيين، ولكن يجب أن يُمدّ
المعتمد السامي البريطاني بمستشار بريطاني عن كل وزارة"، ولا شك
أننا نعلم"أن المصريين سيرتكبون أخطاء وسيثيرون مشاكل كثيرة في
الوزارات"، ولكن لديهم الحق في فرصة عادلة. ولو رفض الإنجليز تطبيق
هذه السياسة بشجاعة، فإن الوضع مشرح للتصعيد إلى حد الكارثة،
وسينتهي الحال بأن نجد لدينا "ايرلندا أخرى في الشرق".
وانتقلت جرترود إلى الحديث عن
العراق وسألته رأيه عن الأوضاع هنالك، فنصحها بأن تأخذ الخطوات
الصحيحة منذ اللحظات الأولى: "ابدئي بنفس الطريقة التي تتطلعين أن
تواصلي بها. انظري إلى الاضطراب الحاصل لدينا هنا وتجنبيه مهما كلف
الثمن". بيد أنها لم تكن مقتنعة بعد، ليس فقط بحجة أن العراقيين
منقسمين على أنفسهم، ولكن أيضاً لقلة خبرتهم في شؤون الحكم، فأنى
لهم أن يحكموا دولة جنينية وهم لا يتوفرون على جهاز إداري أو خبرة
إدارية، بينما مصر، على العكس من ذلك، دولة حديثة منذ أوائل القرن
التاسع عشر وتحوز على خبرة إدارية وكوادر سياسية كافية؟! ولكن
كليتن ألح على فكرة إنشاء وزارات يرأسها وزراء عراقيون مستقلون
يوجّههم مستشارون بريطانيون المندوب السامي البريطاني، ويتشكل من
الوزراء مجلس يرأسه عربي يصبح رئيساً للدولة.
ويبدو أنها استحسنت أفكار
كليتن، التي، بالإضافة إلى أحاديثها في باريس مع الملك فيصل
ولورنس، جعلتها أكثر ميلاً إلى فكرة الحكومة العربية المستقلة في
العراق. كما نصحها كليتن بمقابلة الوطنيين العراقيين من أمثال
السيد طالب باشا، الذي كان يقيم حينئذ بمصر، والذي التقته بالفعل.
كما اقترح عليها أسماء أخرى مثل ياسين باشا الهاشمي، وجعفر باشا
العسكري، وصهره نوري باشا السعيد، وهؤلاء كانوا من أتباع الملك
فيصل ويقيمون إلى جانبه بسوريا.
من القاهرة انتقلت إلى القدس،
وشاهدت بنفسها الفوضى والاضطراب الحادثين في فلسطين من جراء تصرحي
بلفور. ثم وصلت إلى دمشق في 7 أكتوبر/تشرين الأول 1919، وكان الملك
فيصل غائباً حيث كان موجوداً في إنجلترا، فالتقت بأخيه الأصغر زيد،
والذي كان ينوب عن أخيه في الحكم. ولاحظت جرترود أن غالبية أعضاء
حكومة فيصل كانت من القوميين العراقيين الذين كانوا يخدمون من قبل
في الجيش التركي، والتقت بعدد منهم مثل ياسين باشا الهاشمي، الذي
كان يرأس جمعية العهد العراقية، وجعفر باشا العسكري، وسجّلت
انطباعها عنه بقولها: "هو رجل صريح، يمكن أن يكون مفيداً لنا،
ويقولون عنه إنه الإداري الأكثر فاعلية في الحكومة العربية"، وكذلك
قابلت صهره نوري باشا السعيد، ووصفته بأنه "رجل ذو ذكاء ملحوظ".
وبعدها انتقلت إلى حلب في 12 من نفس الشهر، ثم اتخذت طريق العودة
إلى بغداد.
القفاز
الحريري والقبضة الحديدية:
وبعد عودتها انكبت جرترود على
كتابة تقرير مفصل عن رحلتها بعنوان "الشام في سنة 1919"، وفيه
استفاضت في الحديث عن الشام: الصهيونية والحركة الوطنية والحكومة
العربية في دمشق والجماعات العربية القومية، وأرخته بتاريخ 15
نوفمبر/تشرين الثاني 1919، وأرسلته إلى وزارة الخارجية. في هذا
التقرير المهم بيّنت الخاتون أن العرب قادرون على حكم أنفسهم
بأنفسهم كما شاهدت بعينها في سوريا، وقالت بضرورة أن يتنازل
البريطانيون عن جزء من سلطتهم من أجل زيادة هيمنة بريطانيا العظمى
بدلا من نقصانها، وأوضحت أن مساعدة العرب ليحكموا أنفسهم بأنفسهم
سيؤدي إلى احتفاظ بريطانيا لأطول وقت ممكن بنفوذها السياسي
والاقتصادي، وخلصت إلى نتيجة بشأن العراق مؤداها أن "من الممكن
قيام دولة عربية في بلاد الرافدين في سنوات قلائل".
كان هذا التقرير تغييرا واضحاً
في آراء الخاتون، ولكن لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره تغييرا في
جوهر عقيدتها الاستعمارية البريطانية، فهي لا زالت على إيمانها
بضرورة احتفاظ بريطانيا بهيمنتها على بلاد الرافدين، ولكن باصطناع
دولة وطنية خاضعة للنفوذ البريطاني تحقق الهيمنة الاستعمارية
البريطانية. أي أن الأمر لا يعدو أن يكون استبدال أسلوب جديد بآخر
قديم، المداراة المباشرة، القفاز الحريري بالهراوة الغليظة. ولما
كان ويلسون المعتمد البريطاني في بغداد ينتمي إلى الأسلوب
الاستعماري التقليدي، فقد استشاط غضباً من تقرير جرترود، فهي
اختلفت معه في الرأي صراحة بخصوص مستقبل العراق. إذ كان وغالبية
البريطانيين في العراق حينئذ يسعون إلى السيطرة الإنجليزية
المباشرة على العراق،كما أنها كتبت تقريرها هذا وأرسلته مباشرة إلى
الخارجية البريطانية دون أن يمرّ عليه. واتفق أن كتب أحد مؤيديه،
الجنرال ستف، في نفس الشهر، مذكرة لتأييد مسعى ويلسون جاء فيها:
"إن القوة العالمية القادمة إنما تكمن في البترول. وقد تأكد أن
حقول البترول في جنوب إيران، والتي حاليا تحت السيطرة البريطانية،
هي أكثر الحقول التي لا تنضب في العالم. كما إن منطقة الموصل وضفاف
الفرات الأوسط تعد بكميات كبيرة من البترول، وإن لم يقطع بعد
بوجوده... إن إنشاء خط حديدي وأنبوب بترولي إلى البحر المتوسط،
والمقرر إنشاؤه خلال عشر سنوات، سيؤمن بشكل ثابت وضع إنجلترا كقوة
بحرية في البحر المتوسط، وسيقلل لحد كبير من اعتمادنا على قناة
السويس، والتي تعد نقطة ضعف في خطوط اتصالنا مع الشرق".
وفي ظل الخلاف القائم داخل
القيادة البريطانية في بغداد بدأت قبائل الفرات الأعلى، بالتعاون
مع الضباط العراقيين الذين كانوا يعملون في حكومة دمشق العربية،
بدأت في شهر ديسمبر/ كانون الأول تثير الاضطرابات إلى حد استيلائهم
على دير الزور، التي كانت حينئذ تحت السيطرة الإنجليزية، وهددت
الموصل. وشجع الاضطراب الحاصل في الشمال الشيعة في الجنوب على
إعلان الجهاد، وسمعت جرترود بأذنيها عندما كانت بالنجف نداءات
الجهاد تتردد في المدينة المقدسة في الأسبوع الأول من يناير/ كانون
الثاني 1920. وبعد رجوعها إلى بغداد كتبت إلى أبيها خطاباً جاء فيه
إنها قد أرسلت خطاباً مطوّلاً إلى أدوين مونتاغو، سكرتير الدولة
لشؤون الهند، "عن نوع الحكم الذي اعتقد أنه يجب تأسيسه هنا، وكذلك
بعثتُ له بمسودة دستور. لقد فعلتُ كل ما أستطيع، سواء بالكشف عما
يجب عمله أو إيضاحه، والباقي، مثلما نقول، على الله". وفي أول سنة
1920 عبّرت عن سوء الأحوال في العراق وعدم وضوح الرؤية أمام
البريطانيين فيما يتصل بطريقة حكم البلاد بقولها: "ما الطريق الذي
سيسلكه هذا البلد الذي يغرر به كل وكلاء الفوضى هؤلاء؟ إنني أصلي
من أجل أن يجد القوم في إنجلترا حسن النصيحة، وأن يأخذوا في
اعتبارهم أن الإمكانية الوحيدة التي لدينا هنا تمر من خلال
الاعتراف بمبدأ الطموحات السياسية لأهل البلاد الأصليين بدلاً من
محاولة قولبة العرب على طريقتنا، فنجد أنفسنا مكتوفي الأيدي في بحر
عام، أو من يعلم؟ ربما أقل من ذلك. إن العالم يتحرك بسرعة فائقة،
وها هي الفوضى تهدد أيضاً شمال وشرق بلاد الرافدين. أود لو كان لدي
نفوذ أكثر، لقد كتبت إلى أدوين، وسأكتب هذا الأسبوع لسير أ.
هيرتزل، لكن الحقيقة أنني هنا بين أعضاء الجهاز السياسي ببلاد
الرافدين في أقلية مطلقة، أو تكاد، ومع ذلك أنا في غاية التأكد
أنني على حق وإلا كانوا قد أرسلوني إلى المحرقة. يجب عليهم في
إنجلترا أن يروا ويعلموا بالخطر، لا يمكن أن يكونوا عُمياً تماماً
لدرجة أن يجهلوا تلك اللاقتة الكبيرة المنصوبة على جدار العالم
والتي هي أمام أعينهم".
ازدادت الأوضاع سوءاً في
الشمال، وفي أوائل مارس/آذار 1920 بعث زعماء الشيعة في النجف
وكربلاء إلى الثوار للاشتراك معاً في الثورة ضد الإنجليز. وحاولت
الخاتون اختراق صفوف الشيعة، ولكن لم تنجح اتصالاتها بالشيعة في
الجنوب، ورغم أنها حظيت بمقابلة الزعيم الشيعي المجتهد السيد حسن
في الكاظمية، فإن المقابلة لم يتمخض عنها سوى تأسيس خط اتصال مع
هذا الزعيم الشيعي المتنفذ.
وتلاحقت الأحداث، ففي نفس
الشهر من سنة 1920 عُقد المؤتمر العربي في دمشق، الذي نودي فيه
بفيصل ملكاً على سوريا، كما نادى ممثلو العراق بأخيه عبد الله
ملكاً على بلادهم، فازداد البلبال بالبلاد. وعلى الجانب الآخر،
كانت المناقشات دائرة في الهوايت هول وفي مجلس العموم عن مستقبل
العراق والتكلفة الكبيرة في الأرواح والأموال التي تكبدتها
بريطانيا، ولكن لم ينكر أحد أهمية البلاد كمصدر للبترول في
المستقبل. ومن جهته، رفض رئيس الوزراء لويد جورج فكرة الانسحاب من
بلاد الرافدين والاكتفاء بالسيطرة على البصرة، وهي الفكرة التي كان
قد نادى بها رئيس الوزراء الاسبق اسكويث، وطالب لويد بالاحتفاظ
باستمرار السيطرة البريطانية على كل الولايات العثمانية الثلاثة
السابقة: الموصل وبغداد والبصرة، وقال بهذا الصدد: "قد يمكننا ترك
البلد بأجمعه، ولكن لا أستطيع أن أفهم أن ننسحب من الجزء الأكثر
أهمية والواعد من بلاد الرافدين. إن الموصل إقليم يتمتع بإمكانات
كبيرة، فهو يمتلك حقول بترول غنية...، ويحتوي على بعض المصادر
الطبيعية الأكثر غنى في العالم...، وعدد سكانه الحالي يزيد على
المليوني نسمة.. ماذا سيحدث إذا انسحبنا؟ إن إعادة [العراق] إلى
الفوضى والاضطراب وإعفاء أنفسنا من مسؤولية تنميته، بعد كل
التكاليف الهائلة التي بذلناها لتحرير هذا البلد من الطغيان الساحق
للأتراك، سيكون ضرباً من الجنون لا يمكن الدفاع عنه". وفي نهاية
المناقشات شُكلت لجنة بريطانية لتطلب من عصبة الأمم الانتداب على
العراق.
وفي هذا الأثناء، وصل سير هيو
بيل إلى البصرة في 29 مارس/آذار 1920 لرؤية ابنته جرترود ويشد من
أزرها، وفي نفس الوقت ليتبادل معها المعلومات. وخلال وجود أبيها
معها في بغداد أرسلت في أبريل/ نيسان إلى زوجة أبيها فلورنس رسالة
تقول فيها "تشاء الظروف أن يصل في وقت حرج. أعتقد أننا على شفا
ظهور حركة وطنية عربية مهمة أشعر نحوها بالتعاطف". ولكنها كانت
تعلم أن تنامي الحركة الوطنية يمكن أن يقوّي من فكرة الفريق
البريطاني الداعي إلى الانسحاب من العراق، وهذا في رأيها سيؤدي إلى
الكارثة "إذا سمحنا بأن تذهب هذه البلاد إلى الخراب، فسيكون علينا
أن نعيد تنظيم كل أوضاعنا في آسيا. وإذا ضاعت بلاد الرافدين، ستضيع
حتما إيران وبعدها الهند. والمكان الذي سنتركه فارغاً سيحتله سبعة
شياطين أسوأ كثيرا من كل الذين كانوا موجودين قبل وصولنا"، وحذرت
من أن هذا سيكون حتما نهاية الإمبراطورية البريطانية.
وبموجب قرارات مؤتمر سان ريمو
في 25 أبريل/ نيسان 1920 تم الاتفاق بين الطرفين الإنجليزي
والفرنسي على تقسيم الأراضي العربية التي كانت تحت السيادة
التركية، فوضعت سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، وبلاد الرافدين
وفلسطين تحت الانتداب البريطاني، كما اتفقا على أن يستمر الانتداب
على هذه البلاد حتى تستيطع أن تقوم بنفسها. كما وافقت فرنسا على
التنازل عن الموصل للبريطانيين مقابل أن تتقاسم وإياهم بترول هذه
المنطقة، وهو الاتفاق الذي وافقت عليه عصبة الأمم فيما بعد.
ووصل خبر الاتفاق إلى السلطات
البريطانية في بغداد في الأول من مايو/ آيار، ثم أذيع على الملأ
بعد عدة أيام. وقال ويلسون في بيان له أن هدف الانتداب هو "خلق
جهاز سياسي صحيح" في البلاد بمساعدة بريطانيا باعتبارها "حارساً
حكيماً ثاقب النظر"، وأعلن أنه اتخذ بعض الوسائل وسيتخذ أخرى بقصد
"تمهيد الطريق لخلق دولة عربية مستقلة في العراق". ورغم وجود أقلية
عراقية ارتاحت للانتداب، فإن أغلبية العراقيين لم تقبله، فعارضه
القوميون ورأوه كسلطة أجنبية عليا للحكم، وعارضه زعماء الشيعة لأنه
كان يعني بالنسبة لهم حكما علمانياً منظماً يهدد وجودهم، واعتبره
الكثيرون بمثابة خيانة لوعد حق تقرير المصير المعلن منذ عام ونصف
العام.
ومن جهة أخرى، فإن الانتداب
بالنسبة لويلسون كان معناه فشله تجنب تكوين حكومة عربية، إذ كان
عليه أن يتخذ خطوات في هذا الاتجاه. وبالنسبة للخاتون، فقد رأت فيه
انتصارا لأسلوبها في حل المسألة العراقية. ورغم تدهور علاقتها
بويلسون وعزلتها بين البريطانيين في بغداد، فقد راحت تكثف من
نشاطها. فقوّت من شبكة الجواسيس التابعين لها، وسنت منذ منتصف
مايو/آيار 1920 تقليد إقامة حفلات شاي في بيتها، التي كانت تجمع
فيها العراقيين والبريطانيين، ومن خلالها تتعرّف على الآراء
وتستطلع الأفكار وتتصيّد الأخبار.
وانتهز زعماء الشيعة قدوم شهر
رمضان في مايو/ آذار وأعلنوا الدعوة للجهاد، وتحالف الشيعة والسنة
معاً ضد العدو المشترك الإنجليز. وفي بغداد اشتعل الغضب الشعبي في
يوم 30 مايو على إثر مقتل عراقي بيد الإنجليز، ولم تلبث الثورة أن
عمت البلاد، ولم يتورع ويلسون عن استخدام القوة المسرفة في قمع
الثورة، وقصف بالقنابل القرى الثائرة وتلك التي رفضت دفع الضرائب.
وكان يرى بضرورة زيادة الحضور العسكري البريطاني في البلاد من أجل
القضاء على الثورة، وأعلن أن العرب غير قادرين على حكم أنفسهم
بأنفسهم. وفي المقابل كانت الخاتون تتمنى أن تتأسس حكومة عراقية
وطنية، فيسارع العراقيون بمبايعة الأمير عبد الله على رأس هذه
الحكومة. وكان موقفها معروفاً لويلسون والبريطانيين، ولهذا كانت
محط ازدرائهم، وكانوا يرون في تعاطفها مع العراقيين عدم ولاء،
وأنها كالزبدة في أيديهم، وأظهروا جميعاً تأييدهم لإجراءات ويلسون
المتشددة.
وفي محاولة من الحكومة
البريطانية لمعالجة الموقف أعادت سير برسي كوكس إلى منصبه في
بغداد، فوصلها قادما من طهران في يونيو/ حزيران 1920. وعلى الفور
عمل على تهدئة الثورة، فوافق على مسودة دستور جاء فيه أن بلاد
الرافدين دولة مستقلة تحت وصاية عصبة الأمم وتحت الانتداب
الانجليزي، كما وافق على تكوين جمعية دستورية، وعلى أن تتشكل فيما
بعد حكومة انتقالية، ثم ذهب إلى إنجلترا للتشاور. وخلال ذلك أذنت
الحكومة البريطانية لنائبه ويلسون بأن يدعو لانعقاد الجمعية
الدستورية، وعند ذلك رجع بعض القادة العراقيين إلى بلدهم، مثل
السيد طالب، وكذلك أولئك الذين كانوا يشاركون في حكومة الملك فيصل
في سوريا، خاصة بعد خروج الملك وأخيه زيد من دمشق سراً في 20
يوليو/تموز 1920، مثل جعفر العسكري ونوري السعيد.
وكان السيد طالب أكثرهم همة في
محاولة تهدئة الثورة بالبصرة وبغداد على أمل أن يحظى بتأييد
البريطانيين، وحالو التقرب إلى الخاتون واستمالتها إلى صفه،
فقابلها وبيّن لها أن مصالحه هي ذات المصالح البريطانية، وأنه يريد
أن يكوّن حزباً معتدلاً ويأمل في الحصول على المساعدة البريطانية.
وجرترود، التي لم تكن تحمل له ودّاً ولا يحظى بثقتها، ردّت عليه
بقولها: "لا نستطيع أن نجبر الحكومة العربية، حالما تؤسس، على
اختيار شخص معين كرئيس لها".
ولم تتوقف الثورة، بل امتدت
إلى أجزاء أخرى من البلاد، وأصبحت خارج السيطرة، وبلغت عنفوانها
بقتل الكولونيل ليشمان حاكم دليم في 16 أغسطس/آب 1920. وأمام
ملايين الجنيهات الاسترلينية التي خسرتها وحياة المئات من
البريطانيين التي فقدتها، اقتنعت الحكومة البريطانية بأن سياسة
الهرواة الغليظة التي انتهجتها في العراق لم تؤدّ إلا إلى الخسائر
والاضطراب وتهاوي سلطتها، فعزلت ويلسون المسؤول الأول عن هذه
السياسة. وخرج هذا الاستعماري العتيد من العراق ليصبح ممثلاً
للحكومة البريطانية في شركة البترول الأنجلو إيرانية. ولم يكن
مستغرباً أن يكون صاحب هذه الشخصية العنيفة والمتطرفة، بعد أن أصبح
في تالي الأعوام عضوا بالبرلمان، مؤيداً لهتلر.
ترتيبات
سياسية جديدة:
عاد سير برسي كوكس إلى بغداد
في 11 أكتوبر/ تشرين الأول، وفي كلمته أمام المحتفين بعودته قال
بالعربية إنه: "جاء بأمر من حكومة جاصب الجلالة ليبدأ المشاورات مع
شعب العراق بقصد إقامة حكومة عربية تحت إشراف بريطانيا العظمى".
وتعلق جرترود على ذلك بقولها إن هذه كانت المرة الأولى التي
استخدمت فيها رسميا كلمة "العراق"، وكان ذلك بمثابة الاعتراف
بالهوية العربية للدولة القادمة.
ورأى زعماء الثورة وشيوخ
القبائل أن تغير الموقف البريطاني، وإن جاء متأخراً، يرجع إلى
العنف الذي انتهجته الثورة وتضحية آلاف العراقيين بأنفسهم (حوالي
عشرة آلاف). واعترفت الخاتون بهذا قائلة: "لم يدر بخلد أحد، ولا
حتى حكومة صاحب الجلالة، أن تظهر للعرب قدرة كبيرة على الاحتراب،
كما سنحسب لهم منذ الآن، كنتيجة للثورة".
عقد كوكس العزم على تشكيل
الحكومة الانتقالية دون إبطاء وقبل توقف الثورة بالكامل، والتي
كانت لا تزال مستمرة في أكثر من ثلث البلاد. واستقر الرأي أن تشكل
الحكومة من وزراء عراقيين يختارهم البريطانيون، ويعين كوكس مستشارا
بريطانياً لكل وزير، وتقوم الحكومة فيما بعد بمهمة الإعداد
للانتخابات العامة الأولى. وأراد كوكس أن يعقد منصب رئيس الحكومة
إلى أحد أعيان البلاد، وصرح لمستشاره فيلبي وجرترود بأنه يفكر في
السيد طالب للمنصب. ولكن الخاتون لم تبد حماساً لهذا الاختيار،
فانتقل الترشيح إلى نقيب بغداد، الذي رفض في البداية، ثم وافق
أخيراً على تولي المنصب. وتم بالفعل اختيار الحكومة الانتقالية،
وعقد أول اجتماع لها في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1920. وكانت الوزارة
تضم ثمانية وزراء، من بينهم جعفر العسكري للحربية، والسيد طالب
للداخلية، وساسون حزقيال للمالية. وأبدت الخاتون في رسالة إلى
أبيها تفاؤلها بالوزارة الجديدة بقولها: "أتمنى طول العمر للوزارة
العربية. أعطهم المسؤولية ودعهم يحلون شؤونهم الخاصة، وسيفعلون. في
كل الأحوال هم أفضل منّا ألف مرة".
لا شك أن جرترود وكانت سعيدة
بعودتها إلى العمل مع كوكس بعد العناء الذي لاقته من سلفه ويلسون،
كما أنها كانت تتفق مع كوكس في الفكر والأسلوب، ولهذا أقبلت على
العمل بهمة عظيمة: اجتماعات مستمرة مع العراقيين، نشر جرائد محلية
للدعاية باللغتين العربية والإنجليزية، جمع معلومات للمخابرات
البريطانية ومتابعة لأنشطة الوطنيين العراقيين عن طريق شبكة من
المخبرين بطول عرض البلاد، قراءة تقارير سرية تأتي من كل أنحاء
العالم، تقديم حفلات عشاء ودعوات شاي ثلاث مرات أسبوعياً في بيتها
لشخصيات عراقية وبريطانية حتى غدا بيتها بمثابة المركز العصبي
للسلطة في بغداد، وصارت الخاتون من أكثر الشخصيات نفوذاً في
العراق.
.....................
المصدر : من موقع :
http://huna-maktbty.blogspot.com/