كلدو
وآشور في ذاكرة التوراة
سهيل قاشا

يعتبر كتاب العهد القديم
(التوراة) المساحة الواسعة التي يرسم كتّابه جغرافية كبيرة لبلاد
كلدو وآشور سياسياً واجتماعياً وفكرياً ودينياً، حيث أن حضارة كلدو
وآشور مدّت بالكثير من عطاءاتها اللغوية والأدبية والروائية
والفكرية والدينية. ومازال الباحثون في حقل الدراسات الكتابية
يكتشفون بين الآونة والأخرى التأثيرات - المقتبسات والمشابهات -
الفاعلة التي طبعت حضارة كلدو وآشور بطابعها الكثير من المعطيات
الكتابية، وهذا ما تفرضه الدراسات الحديثة من أجل فهم العديد من
النصوص الكتابية فهماً علمياً صحيحاً، لن يكون ذلك كافياً ولا
وافياً في صفحات معدودة بهذا الكتاب. لكننا نكتفي هنا بهذه "الدروس
الأولية" آملين ان يثير فينا فضولاً وشهية للبحث الأشمل والغوص
الأعمق في غنى تلك الحضارة (البابلية، الآشورية، الكلدانية...) على
أفكار التوراة وطروحات العهد القديم.
توسع آشور :
أول من أسس الامبراطورية
الآشورية الحديثة كان تغلات بلاسر الأول الذي سمّى نفسه "ملك
العالم، ملك آشور، ملك الجهات الأربع، ملك أصقاع الأرض" وافتخر
بأنه حقق انتصارات واحتلالات من التراب الأسفل حتى البحر الأعلى،
عندما حكم حوالي العام 1100 ق.م سار لمحاربة بلاد نايرين (في
الشمال) وقصد لبنان وقطع أرزه، وأخذ جزية من جبل (جبيل) وصيدون
وآرواد.
عبر الفرات ثمان وعشرين مرة.
وصل جيشه الى بحيرة وان (شمال شرق دجلة) سيطر على كل شمال بابل
واحتلّ مدينة بابل. لكن هذه المرحلة من المجد لم تدم طويلاً إذ
تبعتها قرون مظلمة.
تلا ذلك عصر آخر من السيطرة مع
آشور ناصر بال الثاني (883-859 ق.م) ذي القوة والسطوة من بت _
أديني. عبر نهر الفرات، واستولى على كركميش، وتجاوز شمال سورية
(حطينا)، وغسل أسلحته في البحر الكبير (الأبيض المتوسط)، آخذاً
الجزية من صور، وصيدا، وأرواد، ومن مدن أخرى، ثم صعد الى جبال
امانوس (شمال غرب سورية).
وسّع خلفه شلمناصر الثالث (858
- 824 ق.م) حدود آشور جداً، وكان يفتخر انه بلغ منابع نهري دجلة
والفرات. سار لمحاربة اكاد (بابل) ودخل مدن بابل، وكونه، وبورسيبا،
في الشمال وصل الى بحيرة وان بارمينية. وسنة 853 ق.م غزا سورية،
فخضعت حلب له، ولكن في قرقر على نهر العاصي (أورونتس)، صادف تحالف
اثني عشر ملكاً، كانت من ضمنه قوات آحاب ملك اسرائيل، وحدد عزر ملك
دمشق، وفصائل ايضاً من حماة، وقو، ومسري، وارواد، وعرابيا، وعمّون
سنة 841 ق.م . عبر الفرات للمرة السادسة عشرة، وهزم حزائيل ملك
دمشق، وتلقى الجزية من صور وصيدا، ومن ياهوه ملك اسرائيل.
صعود نجم
آشور:
أضعفت ثورات أوراترو (أرارات)
وتجاوزاتها دولة آشور، لكن الملك تغلات بلاسر الثالث (745-727 ق.م)
أوقف تقدّم أوراترو، فاحتل أرواد، وغزا فلسطيا، وتلقى الجزية من
كمّوخو، وميليد، وقو، وشمأل، ودمشق، وصور، وجبيل، وعرابيا (بلاد
العرب)، ومن مصادر أخرى، بمن فيهم مناحيم ملك اسرائيل.
وصل تغلات بلاسر الى طورشبا في
اوراترو، ولكنه عجز عن احتلالها. وأقنعه آحاز بمواجهة اسرائيل
ودمشق ضد يهوذا (اليهودية) (2 ملوك 16:15 - 19) (اشعيا 7-8) فاحتل
دمشق والحقها بامبراطوريته، وضمّ اليها ايضاً كل اسرائيل باستثناء
مقاطعة السامرة، وأجلس هوشيع على عرش اسرائيل.
وبعدما أصبح شلمناصر الخامس
(727 -227ق.م) ملكاً للدولة الآشورية، انتفضت دولة اسرائيل عليه،
عندها غزا شلمناصر اليهودية، وسجن ملكها هوشيع، وحاصر السامرة.
ثم أكمل سرجون الثاني (721-705
ق.م) غزوها واخضاعها، وسبى (27290) اسرائيلياً الى بلدة حاله، ونهر
الخابور (غوزان) وميديا. وأعاد بناء السامرة، وأتى بغرباء من بابل،
وكوله، وأفّا، وحماة، وسيفارقايم (حوليات سرجون. ملوك الثاني 17 -
18). وهزم حنّو ملك غزة، وصيبا، ملك مصر في راقيا (رفح) (راجع ملوك
الثاني 17:4).
سنة 711 ق./، أمسك أزوري، ملك
أشدود، عن دفع الجزية، فانتشرت الانتفاضة. ومن دون أن ينتظر سرجون
جمّع كل جيشه، غزا الساحل، فاستولى على مدن جت، وأشدود، وأشدودمو.
بعد ذلك، أخضع سرجون بابل التي كانت تحت حكم مروباخ - بالادان،
وبنى عاصمة جديدة في دور - شروكين.
قامت في وجه ابنه سنحاريب
(704-681 ق.م) ثورة في فينيقيا، وفلسطيا، شجعهما عليها مروداخ -
بالادان ومصر (2 ملوك 20:12 إشعيا 39) لكن سرعان ما استسلمت المدن
الفينيقية، ومؤاب، وأدوم، وعمّون، أما الآخرون فدفعوا الجزية، ثم
هزم القوة المصرية الأثيوبية في إلتكه، وحاصر عقرون وأخذها. بعدها
غزا اليهودية وأرغم اورشليم على الاستسلام (حوليات سرجون و2ملوك
18، إشعيا 36) سقطت بابل أمام سنحاريب 789 ق.م فعاث جيشه في بابل
فساداً بلا شفقة.
ذروة وأفول
أغتيل سنحاريب في نينوى في
مؤامرة حاكها ضده إبناه أدرملك وشرآصر شقيقا أسرحدون الأكبر سناً
(680-669 ق.م). لاحقهما أسرحدون حتى هانيجيليات غربي دجلة الأعلى،
لكنهما فرّا الى "بلاد أرارات" (2ملوك 19:36-37) بعد فشل أولي في
مصر، دخلها أسرحدون واستولى على ممفيس، وضم مصر الى الأمبراطورية،
وبالرغم من هزيمة ترحالة ملك مصر، فقد نجح في الفرار الى نابّاتا.
أعلن أسرحدون أنّه استولى حتى على اثيوبيا (كوش).
على أثر كل هذه الانتصارات،
دعا نفسه "ملك آشور، حاكم بابل، ملك كاردونياس (بابل)، ملك مصر،
باتوريسي (باتروس) الكتابية (في مصر العليا)، واثيوبيا". وفي طريق
العودة، أخضع اشقلون (عسقلان). ولأن منسّى، ملك اليهودية، كان قد
شارك، على ما يبدو في الثورة في هذا الجزء من الامبراطورية أو لأنه
توقف عن دفع الجزية، فقد نفي الى بابل على الحدود الشمالية
الغربية، هزم اسردون تيوسفا، ملك القمارين، و"داس رقاب الشعب في
خلاكو، وأوقف مؤقتا تقدم القوطيين.
فام آشور بانيبال (668-630
ق.م) بحملة أولى ضد مصر، فاستولى على ممفيس واحتل طيبه، وفي حملة
ثانية، هزم تندمان خليفة ترحاكه، واستباح طيبة يرد ذكره في سفر
عزرا (10:4) على انه "اوسنبار" (هو آشور بانيبال، وحرفيا:استفر،
النبيل والعظيم".
أيام آشور بانيبال، بلغت
الدولة الآشورية ذروة نموها الثقافي، وهذا ما تعكسه أماكن اقامة
الملك والمكتبة التي اكتشفت في نينوى التي كانت يومئذ العاصمة
الأخيرة للدولة، تقوم على الضفة الشرقية من نهر دجلة، وكانت تعرف ب
"المدينة العظيمة". يعلن واضع سفر يونان انه كان يلزم ثلاثة أيام
لاجتيازها" (يونان 3:3).
وتفيد المعطيات الأركيولوجية ان قطرها كان يزيد قليلاً على أربعة
كيلومترات، لكن بالمقارنة مع قرى اسرائيل الصغيرة كانت تبدو وكأنها
مدينة كبيرة. أظهرت الحفريات روعة قصر سنحاريب فيها، مع الأسوار
التي كانت تحيط بالمدينة، التي كان طولها يبلغ 12 كم، وفيها اثنا
عشر منها، اكتشف منها أربعة: شمش، نركال، مشتاكي، أدد.
تمكنت مصر وبابل من الافلات من
قبضة الأشوريين، فكان الأفول بعد موت آشوربنيبال سريعاً.
أيام نابوبلاسر، نالت بابل
الاستقلال سنة 626 قبل الميلاد، بعد هجوم آشوري فاشل على بابل.
سقطت الدولة الآشورية بيد الماديين سنة 614 قبل الميلاد، ودمّرت
نينوى على يد الماديين والبابليين سنة 612 ق.م (سفرناحوم).
تقلّد آشور وبلّيط الحكم على
آشور في حاران وفي سنة 610 ق.م انسحب الى سورية عندما استولى
الماديون والبابليون (الكلديون) على حاران.
قيام كلدو
أشارت الأقوال التوراتية الى
سقوط نينوى وبابل (مثلاً ارميا وحزقيال واشعيا 40-50) التي تطابقت
مع النصوص التي اكتشفت إثر التنقيبات والتي تتضمن حوليات الملوك
الكلدانيين والتي أوضحت المعلومات عن المرحلة التي شهدت نهاية
الامبراطورية الآشورية، وقيام بابل، وسقوط اورشليم، ونفي اليهود.
بعد ان ضرب الآشوريون في بابل
سنة 626 قبل الميلاد، تم تنصيب نابوبلاسّر رسميا في 23 تشرين
الثاني سنة 626ق.م. فأعيدت آلهة سوزا الى مدينتها، بعد ان كان
الآشوريون قد حطّوا من مقامها في إرخ، وهذا تأكيد على استقلال
عيلام.
في الحرب مع الآشوريين، سار
نابوبلاسّر بمحاذاة الفرات، فأخضع سخو وخندانو. ونهب مدن منطقة
باليخو؛ وفي شرق دجلة، وغزا مدينة في أرّبخا، ولاحق الآشوريين حتى
نهر الزاب الأسفلي، لكن الهجوم على الآشوريين فشل.
في سنة 614 ق.م إستولى
الماديون على آشور وعندما وصل نابوبلاسر اليها كانت المدينة قد
سقطت. وفي سنة 612 ق.م استولى الماديون والكلدانيون معاً على
نينوى. وعند سقوط المدينة، هلك سنشارشكون، شقيق آشور إتيليلاني،
والابن الثاني لاشور بانيبال الذي كان معداً لأن يجلس على عرش
المملكة.
سارت الجيوش الكلدانية مرات
عدة الى الفرات الأعلى، وبلغت نصيبين. وفي سنة 610 ق.م وبمعونة
الماديين والقوطيين، استولت على حاران. تحالف المصريون مع آشور
السائرة الى نهايتها، وفشلت محاولة مشتركة لاستعادة السيطرة على
المدينة في سنة 609 ق.م. وكان يوشيا ملك اليهودية قد قتل عندما كان
نخو ملك مصر في الطريق الى الفرات في تلك السنة. وكان المصريون قد
استولوا على كوراماتي، وكيموخو في جنوب كركميش.
وفي سنة 605 ق.م هزم نبوخذنصر
ولي عهد المصريين في كركميش. وأحرق المدينة (اراميا 46:1) وتولى
حتي (سوريا وفلسطيا) حتى الحدود المصرية وأخضع ياهوكين
(ياهوياكين).
الملك
نبوخذنصر
عند وفاة نابوبلاسّر، أصبح
نبوخذ نصر (604-561 ق.م) ملكاً. وكثيراً ما حلت جيوشه في حتي من
أجل الامساك بزمام الأمور وجمع الجزية. في كانون الأول 604 ق.م قاد
نبوخذنصّر بحملة ضد اشقلون (عسقلان في فلسطين المحتلة)، محولا
اياها الى كومة من الخرائب.
سنة 601 -600 ق.م سار باتجاه
مصر، فخاض هناك معركة شرسة ولكن غير حاسمة، (ارميا 46:13) وبتشجيع
من مصر انتفض ياهوياكين ضد الملك الكلداني.
وفي كانون الأول سنة 598 ق.م
شنّ نبوخذنصر حملة ضد "أرض حتي" وحاصر اورشليم. نفي ياهوياكين
وآخرون الى بابل (2ملوك 24 وارميا 28:52) وعيّن نبوخذنصر "صدقيا"
ملكا من اختياره هو.
بعض اللوحات الفخارية التي
اكتشفت في بابل، وتعود الى الأعوام (595 - 570 ق.م) تذكر وجود أسرى
وعمّال ماهرين من عدة أمم، ومن بينهم ياهوياكين وابنائه الخمسة،
وابناء آجا، ملك أشقلون، وعمال وبحّارة وموسيقيين من صور، وجبل،
وأرواد، وعيلام، وميديا، وفارس، وايونيا، وكيليكيا، وليديا. ويفيد
وجود أسرى من بيريندو وخوم في بابل، ان نبوخذنصر قد قام بعملية
حربية، في كيليكيا، ومن المرجّح ان يكون ذلك في الوقت الذي كانت
فيه ميديا تحت حكم ألياتّس في حالة حرب. التقى الماديون والليديون
عند نهر هاليس في معركة اكليبس الشهيرة في 28 أيار سنة 585 ق.م،
وأعلن نهر هاليس حدوداً بين الامبراطوريتين.
عندما ثارت الدولة اليهودية
سنة 589 ق.م، غزت الجيوش الكلدانية البلاد. وسنة 588 ق.م بدأ حصار
أورشليم.
وعندما هزم الجيش المصري الذي
كان قد أتى لمساعدة اليهودية، بسقوط أورشليم في تموز 587 ق.م او
586 ق.م اقتيد صدقيا للمحاكمة امام نبوخذنصر في ربلة في أرض حماة
(2ملوك 25:20-21). أما صور العاصية فقد عانت ثلاث عشرة سنة من
الحصار الذي بدأ سنة 588-587 ق.م.
خلفاء
نبوخذنصر:
خلف نبوخذنصر ابنه ، إفل -
مروداخ (أمل - مردوخ 561 - 559 ق.م (2ملوك 25:27-30) نرجال - شرازر
(559-555 ق.م) الذي كان حاضراً عند حصار اورشليم (ارميا 39: 3 و13
) والذي رمّم هياكل بابل وبورسيبا. وفي سنة 557 - 556 ق.م شنّ حملة
ضد أبواشو ملك بيريندو، الذي دخل خزم من أجل ان ينهب ويأخذ الأسرى.
تمت ملاحقته حتى أورا وكرشو، حتى جزيرة بيتوسو، وأحرقت سلّون بعد
ملك لاباشي - مردوخ لبضعة أيام، وأصبح نابونئيد ملكاً على بابل
(555 - 539 ق.م). كان الأخير من سلالة كهنوتية؛ أسره ووالدته
نبوخذنصر في حاران سنة 610 ق.م. واصل حربه في سورية ولبنان، وكان
جيشه في خوم. وإذ كانت طرق القوافل من جنوب عرابيا، هاجم تيما
المدينة الواحة، وجعلها مكان إقامته الملكية، وقلّد ابنه بلتشامر
(بلشاتزار) الملك في بابل.
في تلك الأثناء اصبح قورش، ملك
أنشان، ملكا على الماديين والفرس، فقبض على استياجس ملك ميديا،
وعلى إكباتانا (550 ق.م). وأثناء محاصرة بابل هاجم ليديا، وبعد
معركة غير محسومة على نهر هاليس.
سقطت سرديس سنة 546 ق.م وتمت
السيطرة على شمال بلاد الرافدين وتم غزو غربي عرابيا. هزم الجيش
البابلي في أوبس على نهر الفرات، وأخذت سيبّار. وفي تشرين الأول من
سنة 539 ق.م دخل جبرياس، قائد قورش، بابل بعساكره وسجن نابونئيد.
........................
المصدر : مجلة تحوّلات العدد الاربعون – آذار (مارس) 2009. من
موقع :
http://www.tahawolat.com/cms/article.php3?id_article=2362