الحضارية «تاريخ العراق»

الخميس : 16/03/2009

    

 

لوح الطين العراقي أقدم قرطاس كتابة في العالم

 

جمعه الطلبي(*)



تعد حضارة بلاد وادي الرافدين أول حضارة عالمية عرفها الإنسان، وكانت حضارة رفيعة متقدمة، ومتكاملة الجوانب والأبعاد، قلما ضاهتها حضارة من الحضارات القديمة الأخرى، بل هي المعين الأول لجميع الحضارات اللاحقة في شتى مجالات الفكر والعلم والفنون. وكانت الكتابة هي الوسيلة التي أعطتها هذه الأولية في إعتلاء قمة الهرم الحضاري الإنساني.

تعد الكتابة إبتكاراً وتقدماً حضارياً كبيراً وحقيقياً إذا ما قيس بأي إختراع أو إبتكار آخر. وقد عثر على أقدم الكتابات في العالم في مدينة الوركاء الشهيرة " آركُ في التوراة "، التي تقع جنوب شرق مدينة السماوة الحالية، وتؤرخ هذه الكتابات من حوالي 3200 ق.م، فيما يعرف آثارياً بعصر الوركاء (1).

أطلق على الكتابة في مراحلها الأولى إسم الكتابية الصورية أو ما قبل المسمارية، لأن العلامات المرسومة على الطين بخطوط رفيعة كانت في هذه المرحلة صورية، ولا تطابق ماعرف فيما بعد بالكتابة المسمارية. ويتفق معظم العلماء على أن الفضل في التوصل إلى هذه الطريقة من التدوين يعود إلى السومريين. إن أقدم تلك الألواح كانت عبارة عن وثائق إقتصادية تسجل مدخولات المعبد ومصروفاته. ومن المعروف أن المعبد في وادي الرافدين بقي، في كل العصور التأريخية، محتفظاً بدور إقتصادي فعال، فضلاً عن دوره الديني، إذ كان مؤسسة إقتصادية تمتلك الأراضي، وتستعمل الفلاحين والعمال والصناع وتقوم بعملية الإقراض بفوائد معينة(2).

تطورت الكتابية الصورية لتعرف فيما بعد بالكتابة المسمارية، والتسمية مشتقة من الكلمة اللاتينية( Cuneiform)،التي تعني شكل المسمار أو الأسفين، وهو الشكل الذي إستمدته من أداة الكتابة كما سنرى. وقد إنتشرت الكتابة والخط المسماري في معظم أنحاء الشرق الأدنى القديم.

تعرف المرحلة الثانية من مراحل تطور الكتابية الرافدية القديمة بالمرحلة الرمزية،إذ أن الرمز أو الرمز الواحد أصبح يمثل كلمة، وإن كان لها قراءة مقطعية. وشكلت المرحلة الثالثة من مراحل تطور الكتابة، والتي عرفت بالمرحلة المقطعية، الإبتكار المهم الثاني في تأريخ التدوين. وظهرت الألواح الأولى المكتوبة بهذه الطريقة في مدينة أور الشهيرة، وتعود بتأريخها إلى عصر السلالات المبكرة الأول والثاني(3). ونجد في هذه النصوص أول إستعمال معروف لمقاطع صوتية خالصة أملتها الحاجة إلى التعبير. إن الكتابة المقطعية تعتمد على إختيار علامات مسمارية تكون أصوات كل مجموعة منها كلمة واحدة دون أن يكون لمعنى كل علامة أو مدلولها صلة بذلك. أي أن ما يستعمل هنا هو القيمة الصوتية للعلامة أو لفظها لتكوين كلمة يشكل ذلك الصوت جزءاً من تهجئتها. وهكذا فإن مجموعة مقاطع تكوّن، بجميع قيمها الصوتية معاً، كلمة معينة لايمكن التعبير عنها برسم شيء مادي وفقاً للطريقة الصورية أو الرمزية(4).

تكمن أهمية المرحلة المقطعية في أنها حلت مشكلة تتعلق بالعلاقة القائمة بين الكتابة والكلام. إذ أن على الفكر أن يحدد الرابطة بينهما ويرجع الكلمات إلى المقاطع، ثم يقوم بعزل العناصر التي منها تتكون الحروف، كما هي الحال في الأبجدية ( الشكل1). وحين توصل السومري مخترع الكتابة إلى تجزئة الكلمة إلى مقاطع، خص العلامة الحجرية بلفظ مقطعي إستخرجه عادة من المقطع الأول الذي يؤلف الكلمة الممثلة للشيء ( الشكل 1-1). وظل العائق في قيام كلمات كثيرة لها مقاطع أولية متشابهة، فكنا إزاء علامات عديدة تعطينا الأصوات ذاتها، وهو ما يسمى بالإجناس(الشكل 2-1). لذا لجأ القدامى إلى إستكمال النظام بفضل علامات مجردة، وذلك سواء بخلق علامات مركبة إعتباطاً كما في (الشكل3-1)، أو - وهذا ماشاع عادة -  بإعطاء قيم جديدة مجردة لعلامات كانت قائمة سابقاً، مصدرها أفكار تتعلق بالمعنى الأصلي للشيء ذاته. وهكذا، فأن العلامة التي كانت تمثل في الأصل شيئاً واقعياً، " الرجْل " مثلاً ( كما في الشكل4-1) إتخذت لهاً قيماً جديدة مستمدة من معناها الأصلي، مثال (GIN) ذهب و(GUB) وقف و( TUM) جلب. حتى غدت علامة متعددة المعنى، وإنتهى الأمر بالسومريين إلى ضرورة مضاعفة معظم القيم، حتى جاء الساميون وأعطوا لهذه العلامات أصواتاً تتناسب ولغتهم، علاوة على الإحتفاظ بالأصوات السومرية القديمة،(الشكل 5-1)(5).

نتج عن إختراع الكتابة نشوء المدارس التي إنتشرت على نحو واسع في الكثير من المدن الرافدية، وصارت الكتابة تدرس في هذه المدارس تدريساً منتظماً. كان هدف هذه المدارس تدريب الكتبة والنساخ، الذين كانت هناك حاجة إلى خدماتهم في النواحي الإقتصادية والإدارية الخاصة بالبلاد ولاسيما ما كان يختص منها بشؤون المعبد والقصر(6). تعرف هذه المدارس ب " بيت الألواح" ( في اللغة السومرية  e-dub-ba-a، يقابلها في الأكدية bit- tuppi)، وقد أدرك السومرين أهمية هذا الصرح، لذا كان المتعلم لديهم يوصف بأنه واسع الفهم مفتوح العينين. ويوضح لغز طريف كتب بالسومرية هذا المعنى : (  بيت أساسه السماء

                              بيت كأنه... مغطى بالكتان

                              بيت مثل الأوزة يقوم على أساس متين

                              فمن يدخله بلا عينين مفتوحتين

                              يخرج منه بعينين مفتوحتين

                              حل هذا اللغز " المدرسة" )(7).

سنعرف أن هناك أنواعاً خاصة من الرُقم كان يستعملها المتعلمون في هذه المدارس.

ساهمت الكتابة وما رافقها من مؤسسات أكاديمية متمثلة بالمدارس في ظهور مؤسسة أخرى كان لها دوراً كبيراً في حفظ إرث بلاد وادي الرافدين الكتابي، ونعني المكتبات. وكانت معظم هذه المكتبات دوراً للمحفوظات والسجلات أو مكتبات مدرسية أو مكتبات ملكية، عثر عليها في قصور ومعابد المدن الكبرى للممالك والإمبراطورايات التي قامت في بلاد وادي الرافدين. وتعد مكتبة الملك الآشوري آشور – بانيبال(668-627 ق.م.) من أعظم المكتبات القديمة، فهي أول مكتبة منظمة في العالم القديم، وكانت تضم عشرات الآلاف من الرُقم( الألواح) الطينية(8). (الشكل3,2)

أدوات الكتابة في العراق القديم :

 شكل الطين العنصر الرئيس الذي يخلفه فيضان نهري دجلة والفرات وراء ضفافهما، إذ من المعروف أنهما يحملان ملايين الأمتار المكعبة من الرواسب سنوياً. وإستفاد سكان البلاد من توفر هذه المادة بكثرة في أراضيهم فكانت المادة الرئيسة في الكثير من مفردات حياتهم، منها بشكل خاص دخولها في بناء عمائرهم، فضلاً عن أوعيتهم المختلفة التي صنعت من الفخار، وهو الطين المحروق. إن إستعمالهم لهذه المادة جعلهم يسدون النقص الكبير في المواد الأخرى ومنها الأحجار على وجه الخصوص، لذا حدد التوراة خاصية هذه الحضارة بالقول : " فكان لهم اللبن بدل الحجارة "(9).

 1- لوح الكتابة :

وظف العراقيون القدامى هذه المادة في إختراعهم المهم، ونعني الكتابة، وقد إمتازت هذه المادة بأنها لاتبلى بسهولة ولا تتأثر بالعوامل الجوية، خصوصاً إن كانت محروقة بالنار. إن الطين المشوي يمتاز بقدرته على مقاومة الحرارة والبرودة والحرائق والأمطار، وكافة عوادي الزمن.

صنع اللوح الكتابي إذن من مادة الطين المنتشرة في معظم أرجاء البلاد، وكانت مادة جيدة لكتابة العلامات المسمارية بقلم بسيط، وإذا ما ترك هذا اللوح تحت الشمس فأنه سوف يجف ويصبح قوياً بما فيه الكفاية لأن يتحمل دون أية مخاطر أو ضرر، أما إذا كان اللوح ذا أهمية فأنه يفخر بالنار ليحصل على صلابة ومتانة أكبر(10).

كان الطين المستعمل في صناعة ألواح الكتابة من النوع النقي الجيد الخالي من الشوائب، وكان يتم غسله ومن ثم وضعه في إناء مليء بالماء، وتحريكه كي تطفو الشوائب مثل قطع العيدان والقش وغيرها في حين يترسب الحصى والرمل والمواد الثقيلة الأخرى في قعر الإناء وهكذا يصبح الطين نقياً خالياً من الشوائب. ويمكن الحصول على الطين النقي من شواطيء الأنهار حيث تترسب خلال مواسم الفيضان طبقات كثيفة من الطين، الذي يكون عادة خالياً من الشوائب بسبب الغسيل الطبيعي المتواصل بفعل الأمواج العالية في النهر(11).

يتم تشكيل لوح الكتابة من هذا الطين ويكون ذلك بواسطة يد الكاتب، الذي يشكله أما مربعاً أو مستطيلاً أو أي بأي شكل يراه مناسباً (الأشكال5،4،6)، ويكون صغير الحجم بحيث يسهل مسكه براحة اليد، ثم يسوي حافاته وزواياه، وقد يستعمل قلمه الخشبي لتسوية وصقل أوجه اللوح. وكان العراقيون القدماء في المراحل الأولى من الكتابة يرسمون العلامة الصورية رسماً على لوح الطين المعد للكتابة من خلال تحريك القلم المدبب الرأس على الطين الطري (شكل7)، ثم كان أسلوب طبع العلامة على الطين بواسطة ضغط نهاية القلم ذي المقطع المثلث أو المربع أو المستطيل بشكل مائل على الطين الطري فتكون النتيجة علامات طولية تتألف من خطوط مستقيمة ينتهي كل خط منها بمثلث صغير هو طبعة زاوية مقطع القلم، وكل خط من هذه الخطوط يشبه المسمار أو الوتد ومن هنا جاءت تسمية الكتابة بالمسمارية(12).(شكل 8). كان لوح الطين المعد للكتابة يعرف باللغة السومرية (IM)، يقابله في الأكدية مصطلح (tuppu tuppu) (13) .

2- قلم الكتابة :

نستعمل هنا مجازاً كلمة قلم للتعبير عن أداة الكتابة، التي إستعملها سكان العراق القديم، وقد كانت من القصب أو الخشب، إذ كانت مادة القصب تملأ أهوارهم ومتوفرة في معظم أرجاء بلادهم، فكان بوسع الكاتب أو الناسخ أن يستعمل هذا القصب بعد التشذيب والتهذيب بواسطة أداة حادة للحصول على قلم ذي نهاية مدببة أو مثلثة. تكون إحدى نهايتي هذا القلم مقطوعة قطعاً مائلاً يشبه القطع الموجود في فوهة الناي. والظاهر أن هذا الأقلام كانت تختلف في أشكالها، فهناك قلم مدبب وآخر مدور مملوء وثالث مدور فارغ، إلا أن القلم المثلث هو الشكل الأول الذي حقق التحول إلى العلامات المسمارية ذات الرؤوس المثلثة. وقد سمي القلم المستخدم للكتابة على الطين باللغة السومرية " (GI- DUB.BA (AM "، وترجم حرفياً إلى الأكدية (qantuppim) ، ويعني بالعربية " قصب الرقيم" أو  " قصب اللوح الطيني" (14).

تقنية الكتابة على لوح الطين :

كان الكاتب أو الناسخ يبدأ الكتابة من وجه الرقيم ومن ثم حافاته وبعد أن يجف الوجه قليلاً يبدأ بإملاء الوجه الثاني " القفا"،(شكل9) وبما أن مادة الطين تجف بسرعة، لذلك وجب على الكاتب تدوين الرقيم كله قبل أن يجف(15). وكانت الرُقم الصغيرة تمسك عادة براحة اليد كما أشرنا، وتثبت بوضع الأنامل فوقها بينما كان الكاتب يكتب على الرقيم باليد اليمنى. إما إذا كان الرقيم كبيراً ولا يمكن أن مسكه براحه اليد، فأنه كان يوضع على سطح صلب من الحجر أو الخشب ويسوى باليد حتى يأخذ الشكل المطلوب. وكان الكاتب يعمل في بعض الأحيان تجاويف صغيرة غائرة في حافات وزوايا اللوح ليفسح المجال للتمدد والتقلص تحول دون تلف اللوح. ومن أجل الحفاظ على على الرقيم وإعطائه صلابة تحول دون تزويره  كان الأقدمون يشوون تلك الألواح في أفران خاصة، كما كان الكاتب يستخدم أحياناً قطعة قماش رطبة يغطي بها الرقيم إن كان كبير الحجم، وقد عثر أثناء التنقيبات في بعض المواقع على نماذج من الألواح التي عليها أثر طبعة قماش(16).

كتب السومريون، الذين ما تزال لغتهم مجهولة الأصل، من اليسار إلى اليمين وكذلك فعل الساميون، الذين إستعملوا الخط المسماري السومري في كتابة لغتهم.

كان الخط المسماري يكتب على لوح الطين، أصلاً، من أعلى إلى الأسفل بشكل أعمدة متوازية، ومن اليمين إلى اليسار كما أشرنا(ينظر أشكال الألواح السابقة). وغالباً ما كانت يد الكاتب تشوه أو تمسح الأعمدة السابقة. وبناءاً على ذلك أصبح طبيعياً أن يدار اللوح بزاوية قائمة إلى اليسار، وأن تكتب العلامات بصورة أفقية، ثم صارت الكتابة تقرأ كما تكتب، أي بشكل أسطر أفقية تجري من أعلى إلى أسفل اللوح، وتكمل قراءتها على التوالي من اليسار إلى اليمين. وكانت النتيجة أن ظلت اللغتان الأكدية والحبشية هما الوحيدتان بين اللغات السامية اللتان تقرءان بنفس الطريقة التي تقرأ بها اللغات الأوربية، وهذا يعني بالطبع أنه لكي تكتشف الشكل الأصلي للعلامة لابد أن تدير اللوح بزاوية قائمة إلى اليمين، وهكذا تعيد العلامات إلى وضعها الأصلي(17).  تطور أسلوب ومحتوى الكتابة على اللوح بمرور الزمن، فبعد أن كان في البداية يتضمن أسطر قليلة أصبح في مراحل لاحقة يشبه شكل صفحة من كتيب إعتيادي. وقد جرت العادة في الغالب أن يضمن الناسخ السطر الواحد جملة متكاملة المعنى فإن لم يستطع ذلك، بسبب طول الجملة، دوّن ما تبقى منها في السطر التالي أو أعلى حافة اللوح. ومن المعروف أن ألواح الطين تختلف في الطول شأنها في ذلك شأن  الكتابات في كل زمان ومكان. وإذا كان النص متوسط الحجم أمكن كتابته على وجه وقفا لوح متوسط الحجم. وجرت العادة أن يحدد الناسخ نهاية النص بخط أو خطين تحت السطر الأخير مباشرة كما نفعل نحن تماماًعندما نفرغ من كتابة موضوع أو رسالة. أما إذا كان الموضوع طويلاً، كأن يكون ملحمة أو أسطورة، فعند ذلك يقوم الناسخ بتوزيعه على شكل أعمدة تبدأ من اليسار إلى اليمين على وجه الرقيم، ومن ثم يباشر بكتابة ما تبقى لديه من النص على القفا بأعمدة أيضاً لكنها، في هذه المرة، تبدأ من اليمين إلى الشمال، تغطي أحياناً مساحة القفا بكامله، وفي بعض الأحيان ينتهي النص ومايزال هناك متسع من المجال على القفا، أي تبقى مساحة فارغة، في مثل هذه الحالات يشغل الناسخ المنطقة الفارغة بتذييل قد يطول أحياناً ليتضمن عنوان النص ( التأليف المدون وتاريخ تدوينه وعدد رُقمه وأسطره، كما يتضمن إسم الناسخ ونسبه، وإستنزال اللعنات على كل من يحاول كسر اللوح أو تحريف محتواه).

يحدث في كثير من الأحيان أن الناسخ يستعمل ألواحاً من حجم إعتيادي لتدوين نص مطول لا يستوعبه لوح واحد. تبرز في هذه الحالة مشكلة تسلسل الألواح أي ترقيمها بتعبير أدق. وكانت المعالجة التي أوجدها الناسخ هي أن يشير في نهاية اللوح إلى أن " هذا اللوح الأول من السلسلة كذا ..." أو أنه كان يعيد السطر الأخير من اللوح الذي إنتهى من كتابته في بداية اللوح الجديد ( التالي) ليعرف القاريء من خلال تكرار السطر أن الرقيم يلحق ما سبقه مباشرة(18).            

 

أشكال الرُقم :

كانت ألواح الطين الكتابية ذات أشكال وأنواع مختلفة، منها ذات الشكل المربع الرقيق الذي يكون بحجم الطابع، وذات الشكل الكبير بحافات ضيقة أو سميكة، وهناك ألواح ٍ طينية كبيرة الحجم وجميلة الصنع ذات قياس قد يصل في بعض الأحيان إلى الياردة كما ظهر في بعض الأمثلة وهي تتخذ أما شكل المربع أو المستطيل، وإن معظم تلك الألواح مكتوبة بشكلٍ متوازٍ إلى الجانب القصير(19). إن شكل وحجم اللوح كان ذا أهمية كبيرة في معرفة تاريخ ومكان كتابة الرقيم، إذ تميز كل عصر من العصور التاريخية بأشكالٍ معينة، وقد لا يتضمن النص إشارة ضمنية إلى تاريخ تدوينه، كالنصوص اللغوية والدينية، ومع ذلك يمكن إعطاء فكرة تقريبية من خلال ملاحظة شكل الرقيم وحجمه وأسلوب كتابة العلامات المسمارية عليه، وقد لا تعرف ماهية النص المدون على الرقيم بسبب تلف أصاب العلامات المسمارية المدونة عليه، أو عدم وضوحها، ولكن يمكن تخمين المضمون من الشكل الخارجي للرقيم وأسلوب الكتابة عليه.

إن الكثير من الألواح الطينية المكتشفة كانت صغيرة الحجم يمكن مسكها براحة اليد عند الكتابة، وتضم مثل هذه الرقم الوثائق اليومية والرسائل وغيرها من النصوص. وكان أصغر رقيم بلغ حجمه حوالي 1×1 سم، عثر عليه في مدينة سبار " تل أبو حبة قرب اليوسفية" ، عبارة عن وصل إستلام يحمل تاريخ تدوينه مع طبعة ختم وإشارة لمالكه، وهناك رُقم صغيرة تحمل سطراً كتابياً واحداً وأخرى تحمل سطرين من الكتابة المسمارية تمثل وصولات إستلام، منها ما أكتشف في مدينة بابل وأخرى عثر عليها في تل الفخار قرب كركوك وكذلك في نينوى، وكان الأكبر منها بحجم لا يتجاوز 50×50 سم(20). لكن هناك ألواحاً كبيرة الحجم  تضمنت نصوصاً قانونية، منها اللوح الذي يحمل القوانين الآشورية الوسيطة (1595 – 911 ق.م)، إذ تبلغ قياساته 315 ×206×32 سم، وقد ضم هذا اللوح 828 سطراً من الكتابة المسمارية توزعت في ثماني حقول، أربعة في الوجه ومثلها في القفا، إلا أن المحافظة على مثل هذا النوع من الألواح الكبيرة كان عملية صعبة لثقل وزنها،عموماً إن ثقل الوزن هو أحد أبرز مساويء الألواح الطينية(21). وقد كان اللوح الإعتيادي عادة بحجم تقريبي هو ( 10×7 سم ) أو  (10× 5 سم)، وأنواع أخر كانت بحجم الورقة الإعتيادية ( 30× 16 سم ) أو أكبر قليلاً.

 كانت غالبية الألواح التي تعود إلى العصور المبكرة قائمة الزوايا مربعة القفا أو مستطيلة وحافاتها قائمة الزوايا أيضاً، أما جوانبها فكانت مسطحة إلى درجة تسمح بالكتابة عليها، كما وجدت بعض الألواح ذات شكل بيضوي وحافاتها كانت حادة  لايمكن الكتابة عليها. وقد كان الشكل المستطيل للوح الكتابة هو الشكل الشائع في العصر الأكدي ( 2350- 2112 ق.م.)، كان أحد الوجهين فيه مسطحاً والآخر محدباً، وفي أواخر العصر أصبح الوجه محدباً أيضاً، أما الحافات فكانت مسطحة ومقعرة قليلاً بحيث يمكن الكتابة عليها، وبقي هذا الشكل شائعاً لفترة طويلة إستمرت حتى القرن السابع ق.م. أما في العصر البابلي الحديث والعصور اللاحقة فكان وجه وقفا الرقيم الخاص بالمعاملات اليومية منتفخين وكانت الحافات محدبة والشكل العام مستطيل والحجم صغير نسبياً(22).

عثر على أشكال أخرى من الرُقم، وإن كانت أقل شيوعاً، منها القرصية (شكل6) وكانت في أغلبها تضم نصوصاً مدرسية أستعملت لتدريب وتعليم الطلبة على القراءة والكتابة، وقد ظهرت عليها علامة أو كلمة أو جملة قصيرة كتبت من قبل المعلم على جانب واحد (أو سطر منها)، بينما ظهرت على على القفا( أو على السطر الأسفل) جهود التلميذ في إستنساخ الأمثلة. بينما جاءتنا الألواح الأخرى- وكتابتها- وهي تحتوي على مختارات من أعمال أدبية مختلفة أستنسخت من التلاميذ(23). وهناك نصوصاً مستطيلة تخص المتعلمين في مراحل متقدمة، وتحمل تذييلاً الغرض منه تدوين الغاية التي دون من أجلها الرقيم مع وجود إهداء  يكون موجهاً للمعبد أو للإله. وهناك رُقم كروية الشكل ومثقوبة من الوسط لغرض للتعليق، منها ما يمثل وصولات تخص تسلم مواد معينة، وهناك أشكالاً مخروطية  وأخرى موشورية ثلاثية الأوجه(شكل10)، تحمل طبعات أختام تعود لصاحبها، وهي مثقوبة لغرض التعليق(24).

 إبتكر العراقيون القدماء عدة وسائل لحماية ألواحهم من التزوير أو عبث العابثين ومنع المتجاوزين على محتوياتها، منها وضع اللوح داخل غلاف رقيق من الطين الطري، وإعادة كتابة محتوى النص المدون على رقيم على الغلاف مع الإشارة في بداية النص المدون على الغلاف أن هذا النص هو نص الغلاف، أي أن الرقيم يضم داخله رقيم آخر هو أصل النص(25) . ولمنع إلتصاق الرقيم الأصلي بطبقة الغلاف كان الرقيم الأصلي يرش بقليلٍ من الرمل الناعم ليكون طبقة خفيفة بين اللوح الأصلي والغلاف. وساعد إستخدام الغلاف على منع التزوير ومنع تلف الوثائق المهمة أيضاً، إذ أن إستخراج الرقيم الأصلي من الغلاف بعد أن يتصلب الرقيم والغلاف لا يمكن عملياً إلا إن كُسر الغلاف، وإذا حصل أي خلاف بين المتعاقدين كان يتم كسر الغلاف أمام القضاة للتأكد من صحة ما دون عليه.

ختم الألواح كان أحد طرق حفظ الوثائق(شكل11-12)، إذ كان يختم قبل فخره، فتصبح وثيقة مختومة، ويثبت في نهايتها أسماء الشهود والقسم بحياة الإله أو الملك أو كلاهما، وفي العصر الآشوري الحديث( 911- 612 ق.م.) كانت الأطراف المتعاقدة أو إحداهما يطبع إظفره أو حافة ردائه على الرقيم الطيني(26). عموماً من الممكن ختم الوجه الناعم من ألواح الطين بأدوات مناسبة، بحيث أن الطبعات تبقى على الدوام لا سيما إذا تم شيء الطين في فرنٍ خاص أو إذا جففت بواسطة الشمس.   

كانت الرقم تحفظ في سلال محمولة من الطين والقصب ويوضع معها بطاقة تعريفية بموادها، وحفظت ألواح أخرى في جرار طينية، فقد تم حفظ تسجيلات كبيرة عن إدارة أور الثالثة( 2112- 2004 ق.م. ) في سلال ذات بطاقات تناسبها، وقد عثر على أعداد كاملة منها. ولسهولة معرفة لوح خاص من بين تلك الألواح ذات الصفة الإدارية، فقد دونت علامات صغيرة على حافة اللوح ( كما في أور الثالثة)، وفي العهود الأخيرة أضيفت البطاقات الآرامية إلى وثائق الأعمال لاسيما في عصر الدولة البابلية الحديثة (650 -539 ق.م.) حيث وضعت تلك البطاقات من أجل الذين لم يتمكنوا من قراءة الكتابة المسمارية بسهولة(27).

  نخلص إلى القول أن الكتابة شكلت صفة مميزة لحضارة بلاد وادي الرافدين، وأن هذا الإبتكار شع بنوره على أرجاء واسعة من الشرق الأدنى القديم. وأن الكتابة ساهمت في تسريع العمليات الإقتصادية والدينية والسياسية وحتى الإتقان الصناعي، وأنها وضعت حلولاً للمشكلات الإدارية، وقد رافق هذا الإبتكار الإبداعي سلسلة كاملة من التجارب الجديدة في إدارة التنظيم البشري على النطاق الواسع والضيق، لذلك فأن الكتابة شكلت نقطة فارقة في الحياة البشرية.

الشكل 1                        الشكل 2     

                                                                                                                                   

الشكل 3              الشكل 4    

                                                                                                                                                 

 

الشكل 5                         الشكل 6     

 

الشكل 7                           الشكل 8 

 

 

الشكل 9                                          الشكل 10     

 

الشكل 11                الشكل 12     

 

 

 .......................
(*) مدرس/ قسم الآثار/ كلية الآداب / جامعة بغداد.

 

المصادر:
.............................


(1) - عثر على مايزيد عن ألف لوح مدون بأقدم أشكال الكتابة، التي تعرف بالكتابة الصورية في الطبقة الرابعة أ في أحد معابد مدينة الوركاء . ينظر :

 Van De Mieroop ," A History of the Ancient Near East ca.3000- 323 BC" ,Oxford,2004,P. 28-31.

 وكذلك : طه باقر، "  " مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة "، دار الوراق ، لندن ، 2009،        ص 267- 269.

(2) - فاضل عبد الواحد علي، " سومر أسطورة وملحمة " ، بغداد، 1996، ص23.

(3) - ينقسم عصر السلالات المبكرة إلى ثلاثة أدوار، الأول يمتد من  حوالي 2900-2750 ق.م، والثاني من حوالي 2750 إلى حوالي 2600 ق.م، والثالث من حوالي 2600  إلى 2350 ق.م. ينظر: طه باقر،المصدر السابق الذكر، الفصل الخامس من ص279 إلى       ص 381. 

(4) - نائل حنون ، "  حقيقة السومريين ودراسات أخرى في علم الآثار والنصوص المسمارية"، دمشق،2006،ص 44.

(5)  - مرغريت روثن، " علوم البابليين " ، ترجمة، د.يوسف حبي، بغداد، 1980،       ص20 -22.

(6) - حول  المدارس في  بلاد وادي الرافدين وتطورها وطبيعة الدراسة فيها ، ينظر : صموئيل نوح كريمر ، " من ألواح سومر"، ترجمة طه باقر، بغداد 1956، الفصلين الأول والثاني من ص43 إلى ص79.

(7) - فاضل عبد الواحد، المصدر السابق، ص33-34.

(8) -  للمزيد من التفاصيل حول المكتبات وتطور، وتحديداً مكتبة الملك آشور- بانيبال،    ينظر: فؤاد يوسف قزانجي، " مكتبة آشوربانيبال أعظم مكتبات العصور القديمة " ،  إصدارات دار الشؤون الثقافية، بغداد ، 2007.

(9) - جاء ذلك في معرض الحديث عن برج بابل ، ينظر سفر التكوين : 11 : 3.

(10) - Larsen ,M,T," The Conquest of Assyria , Excavation in an antique land,1844-1860 ", London, 2996,P.262.

(11) - أدوارد كييرا ، " كتبوا على الطين" ، ترجمة ، محمود الأمين،  بغداد، 1964، ص 29.

(12) -  عامر سليمان ، " العراق في التاريخ" ، ج1، الموصل ، 1992، ص 264.

(13) - Labat ,R ," MDA", p.185, N, 399.

(14) -  جورج كونتينو، " الحياة اليومية في بلاد بابل وآشور" ، ترجمة سليم طه وبرهان عبد، بغداد، 1979، ص 303./ عامر سليمان، " الكتابة المسمارية "، الموصل ، 2000، ص 93./ عامر سليمان ، " اللغة الأكدية"، الموصل 1991، ص194.

(15) - أدوار كييرا، المصدر السابق الذكر، ص 29- 30.

(16) - بهيجة خليل إسماعيل، " الكتابة " ، حضارة العراق ، ج1، بغداد 1985، ص 243. / فاضل عبد الواحد علي، " الكتابة واللغة والأدب" ، العراق في موكب الحضارة والأصالة والتأثير،ج 1، بغداد، 1988، ص 182./ عامر سليمان ، " اللغة الأكدية"، المصدر السابق الذكر، ص 138.

(17) - جورج كونتينو، المصدر السابق الذكر ، ص312.

(18) - فاضل عبد الواحد ، 1997، المصدر السابق الذكر، ص 27- 28.

(19) - ليو أوبنهايم ، " بلاد ما بين النهرين" ، ترجمة، سعد فيضي عبد الرزاق، بغداد، 1981، ص 307. 

(20) - بهيجة خليل، المصدر السابق الذكر، ص 248 .

(21) - عامر سليمان، 2000، المصدر السابق الذكر ، ص76.

(22)-  عامر سليمان، 1991، المصدر السابق الذكر، ص 142./ بهيجة خليل إسماعيل ، المصدر السابق الذكر، ص 247.

(23) - ليو أوبنهايم ، المصدر السابق الذكر، ص311.

(24) - بهيجة خليل إسماعيل، المصدر السابق الذكر ، ص 248. / عامر سليمان ، 2000، المصدر السابق الذكر، ص 79.

(25)  - عامر سليمان، " القانون في العراق القديم" ، بغداد 1987، ص 120.

(26) - عامر سليمان ، 2000، المصدر السابق الذكر ، ص 132-133

(27) - ليو أوبنهايم، المصدر السابق الذكر، ص 309.