الحضارية «تاريخ العراق»

الإثنين: 09/03/2009

   

   

مفهوم الحرية في العراق القديم

 

 جمعه الطلبي(*)
(خاص للمعهد)

تمهيد :

عد بعض الباحثين إصلاحات " صولون "[1]  (594- 575 ق.م) في أثينا القديمة، بداية تأريخ الحرية من خلال إعطاء الفقراء السلطة لأن ينتخبوا الحكام، رغم أن هؤلاء الحكام كان يتم إختيارهم من الطبقات العليا فقط. ورأوا  أنه ليس هناك من بين المجتمعات الشرقية الكبيرة مجتمعاً حراً أساساً، رغم إطلاعهم ومعرفتهم بالإصلاحات والمراسيم الملكية من بلاد وادي الرافدين، ولكنهم رفضوا فكرة أن لهذه الإجراءات أي نتائج مؤثرة في هذه القضية. ويرون أن الخطبة الجنائزية      ل "بيركليس" (431 ق.م)، هي أول رواية عن تثمين وتقدير الحرية، وأن " يوربييدس " كان أول من شجب وأدان العبودية، وهذه الآراء تتوافق بشكل عام مع ما يعرف بالمعجزة أو التفرد  الإغريقي[2].

ولكننا سنحاول أن ننظر في ما لدينا من نصوص كتابية من بلاد وادي الرافدين باللغتين السومرية والأكدية لنرى هل أن المعاجم اللغوية في هاتين اللغتين قد ضمت مفردات يمكن أن تعطي معنى الحرية أو تقترب منه، وهل أن الشعوب القديمة في بلاد وادي الرافدين كانت تنظر إلى الحرية نظرة إحترام وتقدير، كما نفعل نحن الآن في حضارتنا الحديثة ؟.

بدءاً سنحاول أن نستقريء الوضع الإجتماعي والإقتصادي في بلاد وادي الرافدين القديمة، ويجب أن نلاحظ أن تشكل مجتمع منقسم إلى طبقات هدف أساساً إلى تطور القوى المنتجة، وبخاصة في مجالي الزراعة والتدجين، الذين صارا فرعي الإقتصاد الرئيسيين. لقد أدى التطور في القوى المنتجة في جنوب بلاد وادي الرافدين إلى تفكيك النظام المشاعي البدائي القديم[3]، وإلى تشكيل طبقات إجتماعية. وتظهر طبقية المجتمع واضحة في الحفريات التي كشفت المقبرة الملكية[4] في مدينة أور في جنوب بلاد الرافدين، والتي تعود بتأريخها إلى بداية الألف الثالث ق.م، فقد كانت القبور فيها على خلاف قبور العامة. إذ كانت مبنية بالآجر، ومؤلفة من عدة غرف، وكان الميت فيها مزدان بالحلي، ومدفوناً مع عربات مربوطة إلى الثيران، وبرفقتهم محاربين مسلحين، وفصيل من العبيد من الجنسين[5].

إن الشكل الإستثماري الأقدم الناجم عن التطور الكبير بقوى الإنتاج، هو إستغلال عمل العبيد. وحسب إحصائية، تقريبية جداً، للباحث الروسي " أ. دياكانوف"  كان عبيد مدينة لگش، إحدى مدن الجنوب الرافديني، يشكلون نصف السكان في أواسط الألف الثالث ق.م[6]. وكانت مصادر العبودية متعددة منها، الحروب والشراء من البلدان المجاورة وكذلك عن طريق تحول الناس المدنيين الأحرار إلى عبيد، وهذه الحالة لم تكن شائعة في العصور القديمة، وقد أشير إليها لأول مرة في وثائق القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد[7].

يمكن تعريف العبودية[8] بأنها الشكل الأول لإستغلال الإنسان على يد إنسان آخر. ويُعد ظهورها حادثة طبيعية ومنطقية، ناجمة عن تطور القوى المنتجة. وقد ترافق تشكيل الطبقات والدول في جنوب بلاد وادي الرافدين بنضالٍ ضارٍ بين السادة والعبيد، بين الناس الفقراء ونبلاء الدم. وقد مورست السيطرة على العبيد المزارعين بالعنف والإضطهاد، وكانت هذه الهيمنة تثير غضب ومقاومة المنتجين المباشرين. أخيراً، كانت نبالة الدم القديمة، المستقوية بأرزاقها الشاسعة وبموقعها المتميز في المعابد، تناقض وتعارض الأرستقراطية الحديثة، الناشئة من غزوات القتال والإدارة. للأسف، المصادر التاريخية لا تقول شيئاً هاماً في هذا المجال[9].

ويرى بعض الباحثين أن الأعداد الحقيقية للعبيد في بلاد وادي الرافدين لم تكن عالية جداً، وأنها كانت عنصراً ثانوياً في بناء المجتمع، وذلك بالرغم من ظهور بوادر هذا النظام في مراحل فجر التاريخ. ويمكن إدراك هذه الحقيقة عند مجرد الإطلاع على نظام إستثمار الأراضي الزراعية. فكون أراضي الملكيات الكبيرة موزعة بشكل حصص صغيرة على المواطنين، فذلك يعني بأن التركيز كان واقعاً على المواطنين سواء عُدّو من الناحية النظرية عمال أحرار أم شبه أحرار، أو أنهم يمثلون عموماً أساساً لكيان المجتمع العراقي القديم، عبر العصور التاريخية[10]. ومن ناحية ثانية فأن ظهور الملكية الفردية، وحقوق الإرث، وظهور الطبقات القيادية في المجتمع من النبلاء ( الأمير وحاشيته والكهنة)، ومن ثم ظهور طبقة عليا وأخرى دنيا. وكان مجرد مرور الطبقات الدنيا في أزمة قاسية، يدفعها إلى الإلتجاء إلى الطبقة العليا بهيئة تابعين أو حتى كعبيد. إلا أن الأمر بهذا الخصوص لم يكن متجاوزاً الحد الذي يحتم المظهر العبودي لمجتمع بلاد وادي الرافدين [11].

يمكن تعريف المجتمع العراقي القديم بأنه مجتمع قائم على أساس الطبقية، وبهذا الخصوص يُعد المجتمع البابلي في عصر حمورابي(القرن الثامن عشر ق.م.) مثالاً نموذجياً لدراسة تلك الطبقات، خاصة وأن لدينا معلومات وافية منه عن الأسس الإجتماعية والإقتصادية التي كان عليها المجتمع البابلي، وعن حقوق وإمتيازات الطبقة العليا وواقع الطبقة السفلى التي كانت تتمثل بطبقة العبيد، ومما لاشك فيه أن الجذور التاريخية لواقع المجتمع البابلي يمكن تتبعها في المراحل الحضارية السابقة. وقد كانت هناك طبقة هي ال " گوروش " [12]، يبدو أنها كانت تمثل فئة من تابعي البيوتات الرسمية(العرش والمعبد والنبلاء)، ولكونهم يشكلون الغالبية العظمى لطبقة تعيش فئاتها ظروفاً متشابهة فأن إصطلاح (گوروش) قد أستعمل من قبل البعض كعنوان لطبقة شبه حرة [13].

وتُعد شريعة حمورابي من أهم المصادر التي يمكن الإعتماد عليها لمعرفة الفروق الإجتماعية بين الطبقات، فبإستثناء البلاط ( الملك وحاشيته ورجال الدولة الكبار) ورجال الكهنوت البارزين، نجد أن هناك ثلاثة عناصر إجتماعية أساسية تتناولها الشريعة وهي طبقة (الآويلم)[14] و( المُشكينم)[15] وطبقة العبيد. ويبدو واضحاً أن هذه الطبقات الثلاث لم تكن متساوية في حقوقها وإلتزاماتها[16].

إن بعض أوجه النشاط الإقتصادي ساعدت على جعل بعض الأشخاص الأحرار يصبحون عبيداً، فمثلاً شكلت معاملات الإقراض أحد أوجه النشاط الإقتصادي المهمة في بلاد وادي الرافدين، فكان كلّ من الفلاح وصاحب الصنعة والتاجر والفرد الإعتيادي بحاجة إلى القرض لتصريف شؤونه المختلفة. وقد نظمت الأحكام القانونية هذه القروض من ناحية تحديد طبيعتها وتحديد العلاقة بين الدائن والمستدين. وما يهم المشرع هنا هو مصير الشخص المستدين وعائلته في حالة عجزه عن تسديد الدين[17].

وشكلت حالات الفقر والمجاعة التي تحدث في بعض المواسم، مأزقاً لبعض المواطنين أُضطروا نتيجتها إلى أن يدخلو في الخدمة في بيوت الآخرين كعبيد بشكلٍ أو بآخر. وتشمل تلك الفئات، الفلاحين والصناع الذين يستدرون قوتهم من أراضي المعبد عن طريق فلاحتها، أو كمستأجرين من مؤسسات عامة تابعة للعرش أو المعبد أو النبلاء. ويبدو أن تلك الفئات من الفقراء في حالة مواجهتها لعارضٍ ما يُفقدها الرزق، تكون مستعدة إلى بيع نفسها إلى مؤسسات العرش أو المعبد أو النبلاء أو الأثرياء. ويقع ضمن تلك الفئات الفقيرة، الفارين من العدالة والأرامل والمشردين واللقطاء[18].

إن دخول الشخص في العبودية عند شخص آخر يصبح جزءاً من ممتلكاته يتصرف به مالكه وفقاً لمصلحته مثله مثل بقية الأشياء المحازة، كالماشية والأدوات والحبوب ... إلخ مع مراعاة بعض الجوانب الإنسانية فيما يخص العبد. عموماً فأن العبد نوع من الثروة يباع ويشترى ويرهن ويهدى ويدخل ضمن تسديد الديون أو تقسيم التركة والإرث[19].

وكان العبيد يعاملون بطرق مختلفة تتعلق بسادتهم وليس للقانون تدخل في هذا الجانب مثل تأديبهم بواسطة السوط أو السجن أو طرق أخرى يرونها مناسبة[20]. وتلعب العواطف الإنسانية دوراً مهماً في هذا الجانب، إذ يمكن أن يتعاطف السيد مع عبيده لرضاه عنهم وعن سلوكهم. وقد يبلغ التعاطف حداً يهيأ فرص جيدة للعبد، كالحصول على زوجة أو يُتخذ إبناً من قبل سيده ... إلخ [21].

يبدو هذا الجانب من الصورة التي عرضناها عن الوضع الإجتماعي في بلاد وادي الرافدين قاتماً ولا يتوافق مع مانهدف إليه من التعريف بمفهموم الحرية، ولكن للصورة وجهاً آخر سنحاول أن نعرف به في الفقرات القادمة.                      

يسعفنا هنا نصٍ، يشكل مدخلاً مهماً لبحثنا هذا، يعود بتاريخه إلى عصر السلالات الثالث ( 2600- 2371 ق.م.)، يخص أحد ملوك مدينة لگش، المدعو   " أوروإنمگينا "[22] ( 2351-2342 ق.م.)، الذي يعده الباحثون أول مصلح إجتماعي معروف عبر التاريخ، وقد ورد مصطلح الحرية (آمارگي = ama-ar-gi4) لأول مرة في نصه هذا كما سنفصل.  يتفرد هذا المصلح الإجتماعي - على حد معرفتنا- بأنه جعل إصلاحاته هذه موضوعاً رئيساً للنقوش الملكية. وهو يذكر بأنه ضيق الخناق على تجاوزات أسلافه وعبثهم بممتلكات المعبد وإستغلالهم جهود الشعوب بوساطة الموظفين، ثم يورد بالتفصيل ما يمكن القيام به لإصلاح هذا الوضع[23].

 يعكس هذا النص بحيوية عالية النضال بين الشرائح الإجتماعية في مدينة لگش، إذ نقرأ فيه أن سلفه في الحكم " لوگالندا "( حكم بعد حوالي 2400 ق.م.)، آذى حقوق المشاعات لصالح " المتنفذين " ومزق " قرارات الماضي "، وأقام رقباء في كل مشاعات لگش، الذين فرض عليهم ضرائب تعسفية لمصلحته ولمصلحة كهنته، ولم يكتف هؤلاء بالضرائب، بل قاموا بنهب الناس، فأنتزعوا من الفلاحين مواشيهم وطيورهم والأواني النحاسية والألبسة الخاصة بهم وأحسن أشجارهم وأطيب ثمارهم، وحتى طالبوهم بأسعار مرتفعة لدفن موتاهم أو إقامة المآتم والولائم، كما أنهم صادروا صوف أجمل الخراف البيضاء وفرضوا على الخراف الأخرى فرضة خمسة " شيقلات " من الفضة لكل رأس، وأدخلوا حقوق الضرائب الگمرگية على الوثائق والأعمال القضائية. فعمل بعد تسلمه مقاليد الأمور في مدينة لگش إلى إزالة هذه المظالم الإجتماعية، وسعى إلى نصرة العائلات الممزقة، وحارب اللصوص والمفسدين، فأعاد العمل بنظام الضرائب القديمة ومنع الإبتزاز ودفع المال، وعزل المراقبين من المشاعات، لذلك تفاخر بأنه(أرسى الحرية)[24].

 يرى بعض الباحثين من خلال قراءتهم للواقع السياسي في عصر السلالات المبكرة الثالث، أن إصلاحات هذا العاهل ربما يكون دافعها دعائي من أجل حشد الناس، وتحديداً الفقراء والمظلومين، لمناصرته في صراعه مع حكام دويلات المدن الأخرى [25]. مع هذا فأن محتويات هذه الوئيقة تؤشر رؤية إنسانية وإصلاحية واضحة مهما كانت دوافع إصدارها.

نقابل في هذا النص لأول إتجاهاً سيتردد كثيراً في عهود ملوك بلاد وادي الرافدين فيما بعد في التشريعات القانونية، وهو وصف الحاكم بأنه حامي " الأرامل والأيتام".  وقد أصبحت إجراءات الملك " أوروإنمگينا" الخاصة بتخفيف الضرائب وإلغاء الديون على رأس مراسيم ملكية أصدرها الملوك في العصور التالية. وكانت هذه المراسيم تهدف، بإجراءات دائمية أو مخففة من النوع نفسه، لوقف تيار الفقر والدين الذي كان يحدث سنوياً في أوقات المضاربات أو الأزمات الإقتصادية[26].      

حمل هذا النص مصطلح (4ama-ar-gi)، الذي ترجمه الباحثون إلى " الحرية " ، وتعني هذه المفردة حرفياً (يثبت العودة إلى الأم)، وهكذا يمكن للمرء أن يتخيل بأن الصورة كانت هي إعتاق (الطفل- العبد) وإرجاعه إلى عائلته[27].   

يمكن القول أنه لم يناقش أحد من الباحثين المصطلحات الرافدينية عن الحرية في السياق التاريخي للحرية، ولا ندري كيف أنهم إستطاعوا أن يغفلوها. لقد ظهرت الكلمات المناسبة لهذا المفهوم في أربعة مجالات من النشاطات هي: المراسيم الملكية والإمتيازات وتحرير وإعتاق العبيد وفي مجموعة من الكلمات التي تغير معناها عند إنتقالها إلى لغات أخرى[28].

أولاً : المراسيم الملكية:

إستشهد الكثير من ملوك بلاد وادي في أواخر الألف الثالث ق.م ومطلع الألف  الثاني ق.م، بأنهم نفذوا في بعض الأحيان ما كان يقلقهم في مفهموم العدالة، كما يظهر ذلك من خلال ( إرسائهم للحرية). وهذا يعني بأنهم شرعوا المراسيم من أجل إلغاء وتحرير المواطنين من بعض الضرائب وأنواع محددة من الديون. ولدينا إشارات متعددة عن هذه التشريعات الحقيقية.

أطلق السومريون على الحرية كلمة (4ama-ar-gi) كما أشرنا، وكانت ترتبط بإعتاق الأطفال وإعادتهم إلى أمهاتهم وعائلتهم. ولكن لا تظهر الحرية للعبيد دائماً، على أنها جزءاً من ممارسة الملوك المرئية. في الحقيقة أن المراسيم ربما كانت تصدر في أوامر لإلغاء ديون محدودة وتحرير أو إعتاق العبد لسنة واحدة، وكانت قد ظهرت لأول مرة في عهد حكم ملوك العصر البابلي القديم في حدود (2000 ق.م.) ويعتقد بعض الباحثين بأن محتويات هذه المراسيم تختلف من ملك لآخر، ولكن المصطلح العام إستمر بالإستعمال[29].

ومع هذا فقد تفاخر ملوك بلاد وادي الرافدين برفعهم لقيمة الحرية، وأبدوا إهتماماً كبيراً برعاية الفقراء والمستضعفين. وإنطلاقاً من الحرص على عدم إمكانية سوء إستخدام القوة المركزية التي توسع نطاقها كثيراً، ظهر لدى الملوك شعوراً بالمسؤولية ذو طبيعة دينية، وسعوا إلى تحقيق الرفاهية لكل المواطنين، ولا سيما الذين ينتسبون إلى الطبقة الفقيرة. ويمكن ملاحظة ذلك – حسب المصادر المتوافرة – بوضوحٍ تام لدى كلّ من "حمورابي" (1792-1750 ق.م) ملك بابل، و " شمشي- أدد الأول" (1813 – 1781 ق.م) ملك آشور وماري [30].

عموماً يمكن متابعة أقدم الأمثلة عن هذه الإهتمامات الملكية، التي ترتبط بشكلٍ أو بآخر بمصطلح " الحرية "، بالكتابات الملكية من مدينة لگش من عصر السلالات المبكرة الثالث، إذ يتفاخر الملك  "أنتمينا" (2404 -2375 ق.م.) ملك لگش بأنه (ألغى جميع  الديون عن سكان مدينة لگش، وأرجع الطفل إلى أمه، وإستعادت الأم طفلها، آخذاً بعين الإعتبار ما تحمله هذه الديون من فوائد فألغاها أيضاً)، وغطت إلتفاته هذه على المعنى الحرفي للمصلح المستعمل للحرية (4ama-ar-gi)، فقد أكد في ما ذكره إعادته للأطفال إلى أحضان أمهاتهم، وهو التفسير الذي وضعه الباحثون لهذا المصطلح كما ذكرنا[31].

عموماً ليس لدينا في النصوص الأرشيفية من زمن هذا الملك ما يرينا كيف أن هذا المرسوم وأمثاله قد طبقت على أرض الواقع، وكيف تم تنفيذها، رغم انه لدينا من مرحلة لاحقة إستعمال مصطلح مشابه من قبل حاكم مدينة لگش  " أوروإنمگينا " كما أشرنا[32].

لقد كانت الغاية الأساسية من الكتابات الملكية في هذا الشأن هي أن ينظر الحكام بعين الرأفة في شؤون رعيتهم، في محاولة لإرضاء آلهتهم. فهاهو الأمير السومري        " گوديا " ( 2141- 2122 ق.م.) حاكم مدينة لگش، يصف لنا بشكل دقيق مجريات إحتفال ديني بتدشين أحد المعابد، ويبين أن العمل توقف في تلك المناسبة عدة أيام، وأُلغيت إمتيازات خاصة ممنوحة للموظفين الكبار، مثل تأديب العمال ومعاقبتهم، وصار الجميع متساوين أمام الإله، وأحتفلوا ببهجة، ولم يسمحوا بحدوث أية مشكلات[33].

قدم آخر العصور السومرية، المعروف بعصر سلالة أور الثالثة( 2112 -2004 ق.م.) تيارين للتقدم الإقتصادي والإجتماعي، قبل كل شيء تدعمت الملكية الخاصة للأرض. وراحت الملكيات العامة تنتقل شيئاً فشيئاً إلى أيدي الأسر الكبيرة والصغيرة، الأمر الذي أفضى إلى فوارق في الثروة. وفقد الكثير من الناس أرضهم وصاروا أُجراء أو مزارعين صغار يعملون في حقول المالكين ويباعون أحياناً كعبيد يؤمن لهم الحد الأدنى من الغذاء واللباس، ويحدد حجم الأعمال لهم. وتفاقم تطور الربا الناجم عن إتساع الإنتاج السلعي، ووضع الناس الأحرار، فراح المقرضون، بخاصة الرهبان والراهبات، يضاربون على المراعي والحقول والبيوت، ويقرضون الفقراء الحبوب والمال والآجر، بربا فاحش، فيتحول المدين العاجز إلى الخدمة : يعمل هو أو ذووه.

والتيار الآخر هو ترسيخ إقتصاد القصر. وإستمراراً لسياسة أسلافهم، إحتل ملوك سلالة أور الثالثة أراضي المعابد وأخضعوها كلياً لإرادتهم. وألحق الملك " شولگي "   (2094- 2047 ق.م.) عدداً كبيراً من الأرزاق المشاعة، وجعلها ملكيات كبرى تعمل فيها جمهرة من النساء العبيد وال " گوروش " [34].

إن توطيد الإقتصادي الملكي، وملكية الملك العقارية ساهمت بمركزة البلد سياسياً. لكن الإتساع غير المحدود للإقتصاد الملكي، حول الكثير من العمال الأحرار إلى    إلى عبيد أو إلى طبقة مسحوقة محرومة من كل الحقوق، وطور الربا والخدمة لقاء الدين، كل هذا كان يضعف المملكة. إذن فقد ظهرت في ظل هذه السلالة توجهات ونزوعات الملكية الفردية، الأمر الذي ترتب عليه تفاوت في المستويات الإقتصادية بين طبقات المجتمع، ومن المؤكد أن هذه الأوضاع رافقتها معاناة بعض السكان واضطرارهم إلى أن يصبحوا رقيقاً، وكذلك أسرهم. حملت هذه الأوضاع ملوك هذه السلالة لإصدار مراسيم تفاخروا بها، وإدعوا أنهم ( ثبتوا الحرية)، كما جاء ذلك على نحو متكرر في مراسيمهم الخاصة، وتحديداً في بداية توليهم مقاليدهم السلطة. إن مصطلح( ثبتوا الحرية أو أقاموها) وجد على نحو واسع، في الأسماء المعطاة للسنين، ويعتقد بأنه ربما هناك الكثير من هذه الأعمال، رغم إنها لم تكشف في المراسيم المكتوبة التي وصلتنا[35].

أفاد الملوك في العصر البابلي القديم ( 2000- 1595 ق.م.) من الخبرة الإدارية والسياسية التي كونها ملوك أسرة أور الثالثة، وتميز عهدهم بإصدار التشريعات القانونية، ولا شك في أن أهم هذه التشريعات كان قانون حمورابي[36]، فضلاً عن الكثير من المراسيم التي أصدرها ملوك هذا العصر. ربما جاءت هذه  الإجراءات والتدابير القانونية للتوافق مع الشروط الإقتصادية والإجتماعية في هذا العصر، التي لم تعد تلائمها التشريعات السومرية الأقدم[37].

سمى البابليون إصدار مرسوم قانوني يغير قواعد تنظيمية قديمة " إقامة العدالة "  وسموا المواد المتفرقة في المرسوم " صمداتوم= Simdatum ". وكانت تلك المراسيم تصدر في بداية إستلام ملك جديد عرش الحكم كتقديم لشخصه، وترافقت مع إعلان كثير من التسهيلات في مجال العمل. ونجد في الوثائق الكتابية الرسمية والرسائل إحالات إلى مواد مرسوم، وقد وصلتنا بشكل جزئي ثلاث مراسيم، منها المرسوم الذي أصدره " سمسو- إيلونا "( 1749- 1712 ق.م.)، وهو إبن الملك حمورابي، ومرسومٍ ثان أصدره أصدره ملك غير معروف، وكلاهما غير كامل، وإن كانا يتوافقان كثيراً مع المرسوم الثالث الذي أصدره الملك " أُمي- صدوقا" ( 1646- 1626 ق.م.)، وهو رابع خلفاء الملك حمورابي. تتضمن هذه المراسيم قرارات جزائية تتعلق بالشؤون الإقتصادية والإجتماعية[38].           

عموماً يمكن إدراج إصلاحات الملك  " أُمي – صدوقا" في إطار الأعمال التي تتعامل مع تثبيت الحرية وإلغاء الديون، إذ نرى نوعين من المواد التي يظهرها النص، أولاً المباديء الأخلاقية، التي ربما عدت النموذج الممثل للفكر الأخلاقي ضمن المجتمع في تلك الحقبة الزمنية، وثانياً أنواع محددة من القروض التي لايسمح بوضع مدة زمنية لها[39].

قبل مواصلة الحديث عن إصلاحات هذا الملك نود أن نشير إلى أن نصوص هذه المراسيم وموادها التشريعية كانت إلى حدٍ بعيد صعبة التطبيق كما يرى بعض الباحثين، لأنها جاءت من الملوك في شكل أنظمة قانونية، حيث أن معظم القرارات كانت تطبق من قبل مستشارين من المسنين، الذين لم يحسوا أو يشعروا بالمقصد أو الغاية من هذه المراسيم الملكية على ما يبدو. ربما طبقوها، إلى حدٍ كبير، وفقاً لمطابقتها لحوادثٍ سابقة مماثلة. إن الوظيفة الدقيقة للمراسيم في النظام القانوني ربما كانت غامضة لأن هناك أدلة عن بعض الجوانب من هذا النوع من القوانين التي طبقت في الحقيقة في ممارسة متوازية، بينما جوانب أخرى لم تطبق أو يعمل بها[40].

إذا ما تساءلنا عن تداخل المراسيم في بعض الأحيان مع المجاميع القانوية التي فيها    ( إرساء للحرية)، نجد أنها خططت ورسمت لتتوافق مع حالات الطواريء في حياة الأفراد، لذا فإنها لم تتطرق إلى إصلاح المفاسد العامة عادة، كما فعل الملك           " أوروإنمگينا " ذلك الأمر في وقت مبكر. لذلك يمكن للمرء أن يقول بأن تلك المراسيم لم تكن إمتيازات عامة لزيادة الحريات المدنية التي يمكن تصورها، ولكن هذه التشريعات ربما هدفت إلى تحسين الحياة الإقتصادية وتحسين حظوظ الأشخاص الذين إضطهدوا سايقاً[41].                               

يعد نص الملك البابلي أُمي- صدوقا الذي صدر عام 1646 ق.م، من أبرز الإصلاحات. ويتالف من إثنين وعشرين فقرة قانونية، يتعلق أغلبها بحالات الديون والقروض وغيرها من المعاملات الإقتصادية. تتعامل الفقرة الثانية والعشرين منه مع نوعين من المواد، بعضها قدمت كمنة أو هبة ملكية، والتي ربما تعززت فقط في وقت إعلان المرسوم، ولم ترتبط بالقانون المستعمل، وأعمال أخرى تلغي بعض الديون لفترة محددة. النوع الأول كان مزوداً  بشروح ربما لتوضح أن " الملك كان يضع العدالة للبلاد ".  تذكر ست فقرات فقط من إثنين وعشرين فقرة العدالة الملكية. تشتمل الفقرات عادة على شيء يمكن للملك أن يسيطر عليه، متضمنة إلغاء ضرائب سابقة كما في الفقرات " 14، و 15، و 16 ". تحدد الفقرة التاسعة عشرة المقدار الذي يجب دفعه من قبل الجندي الذي يؤجر حقلاً، ولكن في " السنة الحالية " فقط     (ربما يقصد سنة الإيجار تحديداً). لم يفهم الباحثون المصطلح الوارد للإشارة إلى القرض في الفقرة الرابعة، وربما كان يشير إلى حالة القروض بين عامة الناس وليس مع الدولة، لذا لايستطيع الملك أن يعدل هذا  النوع من القروض على نحو مباشر. كانت الفقرة العشرين هي الأكثر أهمية في هذا المرسوم، إذ أنها تشير إلى أن  بعض المواطنين من مناطق ومدن محددة بالإسم، كانوا قد وضعوا أنفسهم أو أولادهم أو زوجاتهم في حالة العبودية نتيجة المديونية، فأنهم يصبحون أحراراً بموجب هذا المرسوم. رغم أن الفقرة الحادية والعشرون لم تعط الحرية لمن كانوا عبيداً بالأصل في نفس هذه المدن[42].

بالرغم من أن عدداً من ملوك العهد البابلي القديم الآخرين ذكروا في كتاباتهم الملكية أنهم أقاموا العدالة والحرية، لكن للأسف لم يبق لدينا مراسيم أخرى. عموماً يأمل الباحثون أن نحصل على أعمالٍ مشابهة لما فعل " أُمي – صدوقا "، تخص ملوكاً آخرين، تورد مثل هذه المصطلحات. فهذا العصر، كما هو معروف، يغطي ثلاث سلالات رئيسة حكمت لحوالي 400 سنة من حوالي من ( 2000- 1595 ق.م.)[43]، فإذا كانت هناك مثل هذه المراسيم فهي مفقودة الآن، ومن ثم فأن المرء، وعلى نحوالمعقول، يمكن أن يشير إلى أن الملوك في هذا العصر كانوا، على الأقل، قد  تكفلوا أو تعهدوا بشكل كبير جداً في دعم الإلغاءات المتعددة للضرائب، التي ربما ضمنوها كتعبيرات عن قيمة مشتركة بقيت طويلاً في العصر البابلي القديم. بالطبع فأن كل هؤلاء الملوك كانوا سياسيين، ومن الواضح بأنهم ذكروا تكريسهم للعدالة والحرية لغرض ترسيخ الدعم لأهدافهم الأخرى، وربما يكون الموضوع ذروات أدبية من خطبة ل(وريث) سياسي مثلاً، وليس دائماً أوحتى عادة موضوع إصلاح إداري، وبالرغم من ذلك فأن تكريس النخب لهذه القيمة كان مدوناً[44].

ثانياً : الإمتيازات :

إستعمل أهالي بلاد وادي الرافدين بعض المصطلحات في أواخر الألف الثاني ق.م، ومطلع الألف الأول ق.م، منها ما يشير إلى حالات من الإستثناءات، وبشكل خاص من الضرائب وأعمال السخرة تمنح من قبل الملوك إلى المدن الموقرة تحديداً. كانت هذه الإمتيازات تسمى (kindinnu, Subarru)[45]، وقد كانت ذات أهمية سياسية على نحو إستثنائي، وبخاصة في أواخر هذا العصر. بدأ مصطلح ( Kindinnu) ككلمة، كانت تعني راية أو رمز للإله في العصر البابلي القديم في مدينة سوسة الإيرانية، على الحافة الشرقية من بلاد وادي الرافدين في حوالي ( 1800 ق.م.). وظهرت بعد عام 1500 ق.م، في مركز بلاد وادي الرافدين، ودلت على الإمتياز السياسي للمدن الأقدم، رغم أنها في عصور لاحقة كانت تشير في بعض الأحيان إلى الإمتياز الديني فقط.

وتظهر لنا تعليمات لأمير آشوري من العصر الحديث ( 911-612 ق.م.)،أن (Subarru) ربما تتضمن إعفاء أو إستثناءات من أعمال السخرة[46].

 وأصدر الملوك في العصر البابلي الوسيط (1595 –  900 ق.م.) العديد من الأوامر التي تعفي الكثير من المواطنين من الضرائب، إذ كانوا مضطرين إلى الإكثار من منح الإمتيازات، ومنها بشكل خاص إمتيازات خاصة لرجال الدين وبعض المدن، وقد أُطلق عليها المصطلح الأكدي (andararu) ومايماثل ذلك[47].     

شكلت قضية الحريات أحد أسباب الخلافات بين الملوك الذين رغبوا في تقليصها، والمواطنين الذين رغبوا في صيانتها وحمايتها. ربما يمكن للمرء أن يقول أن مثل هذه الإمتيازات لم تكن ذات صلة عامة بموضوع الحرية، ومن الواضح بأنها كانت مهمة جداً في تلك المدن الخاصة. يبدو أن هذه الإمتيازات لم تكن في الحرية المدنية، التي ترتبط أو تتعلق بالحقوق الفردية، ومنها المشاركة في الأعمال الإجتماعية، التي هي الهدف والمبتغى، ولكنها ترتبط على نحو أكثر في كيفية الحد من مقاومة سيطرة السلطة[48].

ثالثاً : تحرير وإعتاق العبيد :

ظهر مفهوم تحرير العبيد في معظم العصور، خصوصاً وأن الأعداد الحقيقية للعبيد ليست عالية مطلقاً في بلاد وادي الرافدين كما أشرنا، وربما كان ذلك بسبب رغبة أهالي بلاد وادي الرافدين، وخاصة الدولة والمتنفذين من النبلاء والأعيان، في الإعتماد على القرويين، الذين يمكن أن يجبروا على أن يخصصوا بعض الأيام من العمل الشهري للسلطة المركزية. ولكن هناك دائماً عبيد لهم أصول أجنبية قبض عليهم في الحرب أو جلبوا من قبل تجار العبيد كما ذكرنا.

كان المصطلح الذي يستخدم لإعتاق العبيد هو (ama-ar-gi4)) في اللغة السومرية ويعني حرفياً ( يثبت العودة إلى الأم)، كما أوردنا ذلك في الفقرات السابقة.

يوجد لدينا الكثير من قضايا المحاكم من الفترة بعد 2050 ق.م. تظهر كيف أن بعض العبيد حاولوا أن يثبتوا بأنهم يمكن عملياً أن يتحرروا من العبودية، وهذا يدل على أن عملية إعتاق العبيد لم تكن شائعة. في قضايا المحاكم المحفوظة، على أية حال، يبدو أنه ليس العبد الذي يدعي أنه كان حراً يمكن أن يكون حراً على نحو عملي وصريح. عموماً لدينا نوعين من العتق، عتق مشروط قانونياً وعتق غير إلزامي، النوع الأول يتضمن عتق العبد الذي دفع ديونه أو ما عليه، أو زواج العبد من الأحرار ( رجل أو أنثى)، أما النوع الثاني فأنه يتم أولاً وأخيراً بناءاً على رغبة المالك ولأسباب مختلفة[49].        

 رابعاً : مجموعة من الكلمات التي تغير معناها عند إنتقالها إلى لغات أخرى.

ظهرت مجموعة من المصطلحات الأكدية في لغات، وأصبحت كلمات دالة على الشخص الحر أو الحرية،على الأقل بمعنى العبد المعتق من الرق. وكان الأكثر أهمية منها فيما بعد المصطلح (hurru)[50]، الذي ربما بدء كمصطلح لمجموعة عرقية، إزدادت أهميتها في مناطق أعالي الفرات في الألف الثاني ق.م، ونعني الحوريون[51] . وقد إستمر كمصطلح أثني حتى قضي على الحوريين كمجموعة عرقية منفصلة بعد عام 1200 ق.م. ولم يكن هذا المصطلح يعني " حراً " بشكل عام، ولكن من المفيد أن نشير إلى أنه قد أصبح يعني( نبيل) في بعض المعاني في التوراة العبري، وربما كان الأساس لكلمة الحرية في اللغات الحديثة[52].

يتفق معظم الباحثين على أن التوراة لا يمتلك ذاكرة واضحة عن الوجود الحوري التاريخي. فقد لاحظ  " گيروم "، وهو من أهالي القرن الخامس الميلادي، بأن الربط بين الحوريين والحرية، تبع التقليد اليهودي، ويمكن للمرء أن يرى بأن هذا كان تعليلاً شائعاً، رغم أن ربط الإسم العرقي مع الفكرة كان بدون أساس تاريخي[53].

 أما كيف تطور مصطلح  "الحرية = hurriyah " العربي في تلك اللغات، فهذا الأمر ليس معروفاً، رغم أن المعنى الحديث مشتق تماماً، أو على نحو مؤكد من عصر التحرر من القرون الأخيرة، ولكنه ربما كان مشتقاً من نفس الجذر العبري(hor)[54] .

إن الحرية الشخصية تعني غياب الإكراه من قبل الحكومات أو المجموعات، ويمكن إختصارها بالقول أنها تعني حرية الحركة، إذ تركز التعريفات الحديثة على هذا الجانب. وقد لاحظ  بعض الباحثين بأن المصطلح الأكدي (andurarum) المستعمل كتعبير عن الحرية كان يرتبط بالفعل(naduraru)، الذي يعني " ليتحرك بحرية " أو " ليهرب "، وهذا المعنى ربما إرتبط بتحرير أو إعتاق العبيد، وهكذا فأنه أصبح يعني (الحرية). وجرت مناقشات مستفيضة لهذا المصطلح، وأشارت أحدث هذه الآراء  إلى أن أحسن حالات الفهم تكون بالعودة إلى الحالات الأقدم، حينما حاول الملوك أن ينظموا إقتصاديات مجتمعاتهم غير العملية، ويخرجوا منها بعض المظاهر القاهرة، وبالنسبة للإفراد فأنهم بشكلٍ طبيعي ربما تحرروا من الإكراه أو الإجبار. ونود أن نشير إلى بعض المصطلحات عن إعتاق الرقيق، منها المصطلح السومري      ama-ar-gi4)) الذي يعني حرفياً (يثبت العودة إلى الأم) كما أشرنا، ويقابله في اللغة الأكدية مصطلح (andurarum issakan)، الذي يعني حرفياً (تثبيت الحرية)، وهناك مصطلحاتٍ أُخرى ﻟمعنى (أصبح حراً)، منها (dararu) و(elelu ) و(nuram/ šamaš amaru ) ، وجميعها تعني (أصبح حراً) [55].

 يجب علينا أن نناقش قضية مهمة ترتبط بهذا الموضوع، وهي فيما إذا كانت (النخب) في مجتمع بلاد وادي الرافدين، ومن خلال مالدينا من أدلة كتابية، قد ثمنوا وقدروا الحرية كجزء مهم في فهمهم لما كانت تعنيه للبشرية[56].

لدينا بعض الأدلة الواضحة تظهر أن (النخب) كانت تقدر الحرية وتثمنها في بعض المعاني، كما يظهر ذلك في المراسيم الملكية، وخاصة التي جاءت من العصر البابلي القديم، إذ أن هناك العديد من الإشارات على أن الملوك في هذا العصر (أطلقوا الحريات) لمجموعات مختلفة كما ذكرنا. وقد تابعنا أن هذه المراسيم قد بدأت بالظهور منذ عصر السلالات المبكرة ( 2900- 2371 ق.م.)، وهي تشير إلى أن الملوك (ألغوا ديون مجموعة من المواطنين.( ويبدو أن هذه المراسيم الملكية، حاولت بشكل عام ذكر مبادئ أخلاقية ذات طبيعة عامة، رغم أنها كانت قد صدرت من أجل إطفاء أنواع محددة من القروض والضرائب، ربما لمدةٍ محدودة ولأناسٍ محددين. وكانت إنعكاس للسياسة الإقتصادية للملوك وتصدر عندما تكون الظروف والأحوال صعبة بشكل واضح بالنسبة للفقراء. تنفيذ وتأثير هذه المراسيم لم يكن مفهوماً بشكلٍ جيدٍ، ولكن كانت هناك إشارات إليها في النصوص الأرشيفية، تبين بأن الكتاب كانوا مهتمين بكيف ومتى يجب أن تفرض هذه المراسيم[57]. من الواضح في المراسيم الأكثر تميزاً أن الملك أراد تحرير الأشخاص الذين أُستعبدوا من خلال وضع أنفسهم ضماناً عن قروضهم، ولكنه لم يكن ينوي بكل تأكيد أن يجعل جميع العبيد أحراراً [58].

إذن، هل كان سكان بلاد وادي الرافدين يقييمون ويقدرون الحرية بنفس الطرق التي ظهرت عند الإغريق؟. تصعب الإجابة على مثل هذا السؤال، لأن سكان بلاد وادي الرافدين لم يكتبوا، بشكلٍ عام، مقالات مطولة ومستطردة عن كل شيء، ولكن يمكن القول أن الملوك في بلاد وادي الرافدين، لم يكونوا يعلمون بمعزل عن " الرأي العام" ، وأنهم في الحقيقة كانوا يلجأون إليه، ويتباهون بأنهم عملوا لأجله، إذ نقرأ في الكثير من المجموعات القانونية في الشرق الأدنى القديم عن تفاخر الملوك بما فعلوه لشعوبهم، فهذا الملك " أور – نمو"(2112- 2095 ق.م.) مؤسس سلالة أور الثالثة يقول : [أنا حررت الأكديين والأجانب (؟) في أراضي سومر وأكد]. وفعل مثله الملك  "لبث – عشتار" ملك إيسن (1934-1924ق.م.)، الذي إدعى أنه أعطى الحرية لأبناء وبنات مدينة نفر [59] .

وإذا ما إنتقلنا إلى العبيد، وإلى ما فعلوه لأجل تحرير أنفسهم، يمكن القول أنهم كبشر كان لديهم ميل نحو الهروب، وهذا أمر طبيعي، تفرضه نوازع إنسانية متأصلة بذاته البشرية، كالرغبة في الحرية والإستقلال ... إلخ في سبيل التخلص من نير العبودية.

إن مؤشرات ميل العبيد للهروب واضحة من خلال معالجة القوانين العراقية القديمة لقضايا الهروب، كما هو الحال في قوانين العصر البابلي القديم، وكذلك من خلال الحيطة والحذر الظاهر في عقود شراء وإرتهان العبيد في العصور التأريخية اللاحقة للعصر البابلي القديم، وأيضاًمن خلال إزدياد وسائل إعاقة العبد من الهروب. ونلاحظ أن بعض القوانين قد فرضت عقوبات رادعة بحق " الحلاق= الطبيب " الذي يزيل علامات العبودية، وكذلك بحق من يأوي العبد الهارب، ما نستفيده من هذه الإشارات أنها كانت علامة ودليل على وجود تعاطف من بعض الناس مع العبد الهارب، ومحاولتهم مساعدته، ربما لإعتبارات إنسانية ولإحساسهم بقيمة الحرية للإنسان.

لدينا بعض القوانين التي تمنع التجاوز على العبيد، وإن كان دافعها هو حماية الأملاك الخاصة، وهناك حالة فريدة من العصر البابلي الحديث من حوالي (650 -539 ق.م.)، تتمثل بدعوة قضائية عن " أمة = عبدة " تدعى " آدي – ماتي – عشتار " تقاضي سيدتها المدعوة " لاتوباشي"، ويظهر من مضمون النص أن خلافاً بينهما وصل إلى حد منصة القضاء، وجاء قرار المحكمة لصالح الأمة ضد سيدتها. فإذا صح الإعتقاد بأن سبب المقاضاة معاملة السيدة القاسية لعبدتها وإحداث إعتلال في صحتها، فأن هذا يشير إلى حقوق العبيد في الإلتجاء إلى القضاء لإنصافهم من سوء معاملة أسيادهم[60].

وتوجد بعض الدلائل تشير إلى أن أبواب المسؤولين لم تكن موصدة بوجه العبيد لعرض مشاكلهم وسماع شكواهم. ففي حالة من العصر البابلي القديم، تمثل شكوى عبد إلى مسؤول كبير، يعرض فيها ظروف إستعباده فيقول:(أخذوني منذ صغري إلى بابل وأناعبد للقصر في بابل والآن حولوني من القصر للخدمة كراعي). ثم يطلب المستدعي إنصافه وذلك بتحريره من العبودية، ذاكراً بأنه يعود إلى أصل حر بدليل أن هناك حقلاً يعود إلى أبيه، وأن هناك وثائق تؤيد ذلك محفوظة في معبد " ندابا" في مدينة سبار(تل أبو حبة الآن في منطقة اليوسفية). وقد أوعز المسؤول إلى الموظفين في تلك المدينة بتحري الأمر والتأكد من صحة إدعاء هذا العبد ورفع تقرير بذلك[61].

ورغم أن العبد، كملكية خاصة، يمكن أن يوهب أو يهدى، حتى ولو بعد عمر طويل، ولكن كان ينظر إلى هذا العمل على أنه سلوك يعوزه الإحساس الجميل. وقد كتبت السيدة " أدد- دوري " من مدينة ماري( تل الحريري)، قرب الحدود العراقية – السورية عند منطقة البوكمال، في رسالة موجهة إلى أحد المسؤولين تقول :          ( ترعرع داكان – إيلاسو في هذا القصر منذ أن كان طفلاً رضيعاً وأنت ستهبه هدية إلى سومو- هاديم وقد بلغ من الكبر عتياً. إجتمع " أخوته"  الخدم  " ليحتجوا " ولا أستطيع إقناعهم).

وهناك حالة مقاربة حملتها رسالة أخرى من نفس المدينة، توضح إمكانية التوسل بالملك وطلب الرأفة منه، وهي مرسلة من إمرأة إلى الملك زمري- ليم( 1775- 1762 ق.م.)، تتضرع إليه إلا يهب أمها العجوز هدية إلى أحد. ويحتمل أن تكون الأُم أمة (عبدة)،غير أن إبنتها، سواء أكانت أمة أم حرة، فإنها إستطاعت أن تكتب إلى الملك تتضرع إليه أن يغير رأيه[62].       

وفي حالة مشابهة بعض الشيء من مدينة آشور، تستنجد مجموعة من العبيد بإمرأة آشورية ذات نفوذ لإيقاف عملية نقلهم إلى بيت ثانٍ لايرغبون بالإنضمام إليه، ويبدو أن تلك السيدة إستجابت لإغاثتهم وقامت بدورها بتحرير رسالة إلى كاتب القصر، والذي دعته فيها بسيدها ترجوه بأن يتدخل في الأمر لصالح أولئك العبيد[63].

  إن بعض العبيد في بلاد وادي الرافدين كانوا يحملون أختاماً خاصاً، في بعض المراحل التاريخية المتقدمة، ويقومون بالتوقيع بصفة شاهد على عقود المعاملات المختلفة. وكان لهم الحق في المثول بصفة شاهد في المحاكم في قضايا مختلفة تهم العبيد أو الأحرار. ونجد في بعض النصوص إشارات إلى أن بعض العبيد كانوا ينوبون عن أسيادهم في حضور بعض جلسات المحاكمات ويصرفون بعض أعمالهم[64]. ويؤكد الباحث " ديانداننيف " أن من يوصفون بأنهم كانوا عبيداً، أخذوا يعملون كحرفيين وتجار وصيارفة ومزارعين، والبعض منهم كانوا يملكون مشاغل حرفية تعليمية، كما كانت لهم عوائلهم الخاصة، وكان يحق لهم تملك الأراضي والبيوت والأموال المنقولة المختلفة، كما كانوا يقرضون ويقترضون الأموال، وكان يحق لهم أخذ الرهائن، بمختلف أنواعها من مدينيهم، ضماناً لقروضهم، وكان لهم حق إستئجار مواطنين أحرار كعمال أو وكلاء تجاريين[65].       

ذكرنا أن هناك إمكانية لإعتاق العبيد من خلال قرارات ومراسيم رسمية، ونشير هنا إلى حالات إعتاق يقوم بها بعض المالكين، منها عن طريق الزواج ببعض الإماء وثم إعتاقهن، وهذا الأمر كان له الأثر الطيب في تخفيف وطأة العبودية وتلطيف أجوائها. وهناك أيضاً حالات التبني للعبيد، وهو ممارسة إجتماعية، يدخل بموجبها الفرد كإبن لشخص غير أبيه الحقيقي، وتحدد هذه العلاقة إلتزامات أخلاقية ومصالح مشتركة. وممكن أن تؤدي إلى أن يصبح العبد حراً، أولاً من خلال الإقتران به كإبن أو بنت، وثانياً بتدوين هذه القضية في عقد[66].

أن هذه الدلائل وغيرها الكثير تؤشر تعاطف الناس مع العبيدن الذين يرغون في التخلص من وطأة ونير العبودية. ويلخص نص كتابي من  العصر الآشوري الحديث (911-612 ق.م.)، بشكل تعويذة أورقية، في إحدى فقراته، أن الحرية تبقى في الذهن الإنساني قيمة كبيرة، وأنها كانت موضع تقدير من قبل الناس: (الذي يقصي القرين من قرينه، الذي لا يحرر الأسير، ولا يحرر الرجل من قيوده، الذي لا يدع السجين يرى النور، الذي قال للأسير "دعه في أسره" وللرجل في قيوده: " قيده  بإحكام" ، هو لايعرف أن هذه جريمة ضد الإله، ولايعرف أن هذه خطيئة ضد الإلهة). وكذلك جاء في إحدى الفقرات: (الحاكم، أي حاكم كبير، ومالك الحرية الشخصية للآخر، ولا يعمل من أجل تحرير السجين كان ينظر لعمله هذا كجريمة كبرى. ولكنها نوع من الجرائم كان من الصعب على المحاكم إثباتها، ولذلك فأنها تبقى في عالم التعليمات الأخلاقية) [67] .

 

 

........................
(*) مدرس مساعد / قسم الآثار - كلية الآداب / جامعة بغداد

 

 

 

المصادر :
....................................

 

[1] -- اختير  الشاعر " صولون" في عام 594 ق.م ، ليكون حاكماً عاماً في أثينا، وليضع حداً للشقاق والنزاع في المجتمع الأثيني، وليقوم بإجراء إصلاحات إجتماعية وسياسية. وبدأ نشاطاته بتخفيف الحمل عن كاهل المواطنين من خلال إجراءات محددة منها :(رفع من الحقول  حدود الرهن، وألغى الديون، والرهونات، وحرر كل المدنيين المحولين إلى العبودية. واشترى على نفقة الدولة كل الناس المباعين للغريب كعبيد. وللمستقبل، يحرم من كل حق شخصي على المدين أو ، كما يقول أرسطو " حرر صولون الشعب في الحاضر والمستقبل بمنع الإقراض بإرتهان الأشخاص" ). سنرى أن هذه الإصلاحات تتوافق، على الأقل في خطوطها الرئيسة، مع إصلاحات الملك السومري " أوروإنمگينا  " من حوالي 2450 ق.م، أي قبل صولون بحوالي ثمانية عشر قرناً.

حول إصلاحات صولون  ينظر :  Aristotle " The politics " ,(Ed) Stephen

  Everson.Cambridge .1988.Vol  2, part 1,2./

وكذلك ، صبيح مسكوني " تاريخ القانون العراقي القديم" ، بغداد، 1971، ص 80.    

[2] -" The National  Archives " Washington ,1994./ Herbert J. Muller " Freedom in the Ancient world " New York : Bantam 1964,P.37,41,139-140,191.

[3] - يقصد بتعبير النظام المشاعي البدائي، التشكيلة الإجتماعية والإقتصادية التي عاشت حقبة طويلة من الزمان، أي منذ ظهور المجتمع البشري حتى تشكيل الدول الأولى. وقد شغلت هذه المرحلة فاصلاً زمنياً يقدر بمئات الآلاف من السنين. فهو إذن مرحلة واسعة من تاريخ البشرية، وهذا يعني أن كل الشعوب مرت بهذه المرحلة.  ينظر :  ف. دياكوف ، س. كوفاليف " الحضارات القديمة "، ج 1، ترجمة ، نسيم واكيم اليازجي ، دمشق ، 2006، ص 5 . 

 

[4] - حول المقبرة الملكية ينظر: جين بوتيرو وآخرون " الشرق الأدنى والحضارات المبكرة "، ترجمة د. عامر سليمان، الموصل 1985, ص 80./ أنطون مورتكات " تموز- فن النحت ومواضيعه في الشرق الأدنى "، ترجمة  د.توفيق سليمان، دمشق ، 1985، ص 139-177. / شاه محمد علي الصيواني  " أور "،  بغداد 1976. / Woolly,  L. " Ur  Excavations " , Vol 4, London, 1955.    

 

[5] - ف. دياكوف ، س. كوفاليف، المصدر السابق الذكر، ص 83-84 . 

[6] - ربما جاءت هذه النسبة من أن الدولة كانت تملك كل شيء، وأن دور الفرد فيها متواضع إلى درجة يكاد يكون فيها لاشيء. ينظر : جين بوتيرو، المصدر السابق الذكر، ص151./ وكذلك،  ف. دياكوف ، س. كوفاليف، المصدر السابق الذكر، ص 85.

[7] -I.J.Gelb " Quantitative estimates of slavery and serfdom  in  Cuneiform studies " in Honor of Samuel Noah Kramer (ed) Barry Eichler. P. 195- 208/

 Leemans.W.F " Foreign trade in the old Babylonian period " Leiden,1960,P.9 ff.

   وكذلك : عامر سليمان " القانون في العراق القديم"، بغداد، 1977 ، ص 45 -47 .    

[8] - للإستزادة حول موضوع العبيد والعبودية يمكن مراجعة الدراسات التالية : I . Mendelsohn "  Slavery in the Ancient  Near East "  , New York, 1949 . / I.J. Gelb " Definition and Discussion of Slavery and Serfdom"  UF11,1979.P.283 ff.

  

[9] - ف.دياكوف،س. كوفاليف، المصدر السابق الذكر ، ص54، 88 .

[10] - هناك بعض الباحثين ومنهم " ديوكونوف" يرفضون فكرة العبودية المطلقة، ويرون أن هؤلاء الناس الذين يوصفون بالعبيد هم جماهير مستغلة. ويرى آخرون أن إستخدام العبيد في الإنتاج لاسيما في المشروعات الزراعية ذات الحجم الكبير كان يشكل مسالة معقدة وقليلة الربحية، وهو الأمر الذي حال دون هيمنة النظام العبودي في العراق القديم. ينظر: عبد الرضا الطعان " الفكر السياسي في العراق القديم" ج1، بغداد، 1985 ،195-196.

[11] - صالح حسين الرويح " العبيد في العراق القديم"، بغداد، 1976، ص 5 .

[12] - "  گوروش = gurus  " مصطلح يكتنفه الغموض، فهو غالباً ما كان يشير إلى المعتمدين أو التابعين للقصر في الألف الثالث ق.م. وقد أشار الباحث " گي-  گيلب" إلى أن قوائم الأرزاق التي كان يصدرها المعبد في العصور الأولى كانت تذكر صنفين من الأفراد  ضمن فئة الأحرار، أطلق على الأول منهم إسم " گوروش " وعلى الثاني إسم " إنگار " ، وعليه يمكن ترجمة الأول ب " رجل " ، وأنه كان يستعمل للدلالة على أفراد شريحة إجتماعية، ذات وضع قانوني خاص " شبه حرة " . أما المصطلح الثاني فكان يطلق على أفراد شريحة الأحرار، ويمكن أن يترجم بكلمة " فلاح ". ينظر :  I.J. Gelb " Prisoners of war in early Mesopotamia "  JNES ( Journal of Near Eastern studies ) ,Vol 32,P.83/    

Van de Mieroop,M " The Ancient Mesopotamia city " Oxford ,1999.P.125.

[13] - يرى بعض الباحثين أنه رأي متسرع أن نرى أن هذه الفئة كانت ذات حرية مقيدة. ينظر:  جين بوتيرو، المصدر السابق الذكر، ص 89.

[14] - " آويلُم " مصطلح أكدي معناه " إنسان أو مواطن" وهو يشير إلى  إحدى طبقات المجتمع البابلي القديم ، هي الأعلى مكانة بين طبقاته. ينظر : ف. فون زودن " مدخل إلى حضارات الشرق الأدنى القديم " ، ترجمة د. فاروق إساماعيل ، دمشق ، 2003، ص 88 .

[15] - " مُشكينُم " مصطلح أكدي، يعني حرفياً " الخاضع أو الساجد أو المنبطح على الأرض"، وليس هناك بعد رأي متفق عليه في بيان طبيعة الطبقة الإجتماعية التي أطلق عليها. عموماً فأنها كانت أدنى منزلة من  طبقة ال" آويلُم" . وبعد عام 1500 ق.م، بدأت التسمية تستعمل بدلالة أخرى، هي " الفقير أو المسكين" ، وبهذه الدلالة دخلت إلى اللغات العبرية والآرامية والعربية، وكذلك إلى اللغات الرومانية المتأخرة جداً ، كما في الفرنسية Mesquin " " وفي الإيطالية " Meschino ". ينظر : ف.فون زودن ، المصدر السابق، ص88-89 ./ Stol , Marten "Muškenu " RLA8 ,1997, P. 492- 483.  

[16] - للمزيد من التفاصيل حول التمايز بين الطبقات في شريعة حمورابي . ينظر : فوزي رشيد "الشرائع العراقية القديمة "، بغداد، 1979 ، ص 104-172.

[17] -  يمكن ملاحظة أن القوانين العراقية القديمة تعرض عائلة المتخلف عن تسديد الدين لإلقاء القبض عليها وحجزها كرهينة، كما في المواد ( 115، و116، و 117 ) من قانون حمورابي، ففي المادة الأخيرة يمكن لمن عليه دين أن يتصرف بعائلته كأن يبيع زوجته أو إبنه أو إبنته، أو يعطيهم كرهينة . ويبدو أن هذه المادة صدرت من قبل حمورابي للحد من ظاهرة بيع النفس والطفل نتيجة وقوع المواطنين في العبودية بسبب الدين.  ينظر : صالح حسين الرويح ، المصدر السابق الذكر ، ص 55. 

[18] - Gelb ,I.J " From Freedom to slavery " GAZ ( Gesellscha Ftsklassen im Alten Zweistromland und in den Angrenzenden Gebieten), No 18, Munchen,1972.P 85.

[19] - صالح حسين الرويح ، المصدر السابق الذكر، ص 73.

[20] - يرى بعض الباحثين أن هذا التضييق النسبي الذي كان يرد على حقوق العبيد لم يكن من شأنه أن يفقدهم إنسانيتهم ليحولهم إلى أشياء، إن هذه الحقيقة تتجلى واضحة إذا ما تمت المقارنة بين العبيد من جهة والمرأة والأولاد داخل الأسرة من جهة أخرى، حيث كانوا هم الآخرون يفتقدون لبعض الحقوق، فمن  المعروف أن الزوج كان يملك الحق في أن يرهن زوجته، رهن العبيد لقاء دين عليه، وكذلك أولاده. ينظر : عبد الرضا الطعان " الفكر السياسي في العراق القديم)، ج1 ، بغداد 1985، ص 198.    

[21] - لم تكن فئة العبيد في المجتمع البابلي تؤلف فئة إجتماعية مغلقة وإنما كان بإمكان العبد إستعادة حريته وكذلك تتمتع الأمة (أم ولد) بحريتها بعد موت سيدها، كما جاء في المادة        " 171  " من قانون حمورابي. وكان يحق للسيد أن يتزوج من أمته بعد وفاة زوجته، أو إن كانت عاقراً، وكان لأولادها منه حق في تركة أبيهم بعد وصية يتركها لهم بذلك، كما جاء في المادة " 170 " من قانون حمورابي، وكانوا ينالون حريتهم بعد وفاة أبيهم، وفق المادة "171 " من نفس القانون. للمزيد ينظر : رضا جواد الهاشمي " نظام العائلة في العهد البابلي القديم   "، بغداد، 1971، ص150-153.

وأيضاً، فوزي رشيد، المصدر السابق الذكر، ص149. 

[22] - الإسم الذي نستعمله هنا هو القراءة الجديدة لإسم هذا العاهل ، إذ كان يعرف في الكتابات القديمة بإسم " أوروكاجينا " .

[23] - ف.فون زودن، المصدر السابق الذكر، ص 77.

[24] - صموئيل نوح كريمر " من ألواح سومر" ، ترجمة طه باقر، القاهرة ، 1957، ص 105- 116.

وكذلك : فوزي رشيد، المصدر السابق الذكر، ص 14 ./ Diakanov, I.M, " Some Remarks on the  ( Reforms) of Urukagina" , RA (Revue d' Assyriologie), No52,1958.

[25] - J.S. Copper " Presargonic inscriptions " New Haven.P.73.

[26] -  جين بوتيرو وآخرون، المصدر السابق الذكر، ص 92.

[27] - نشير هنا إلى وجود مناقشات تناولت المصطلح (ama-ar-gi4) بكونه يعني (العودة إلى الوضع أو المكان الأصلي) الباحث " شاربن " رفض فكرة وجود مفهوم الحرية بشكل عام لدى البابليين، وقال : ( لم يعرف البابليون في الحقيقة فكرة أن الرجال قد ولدوا أحرارا ً ومتساوين)، وقال أيضاً : ( من الواضح أن المرء في تلك البلاد  كان يعارض أي فكرة عن     " العدالة الاجتماعية " أو عن " الإصلاح الإيديولوجي" ). وقد  شكك الباحث  " دانيال سنيل "  في طرح زميله لهذا الرأي، وقال( أن النخب لم تكن تبحث عما يمكن أن يُرى  كإصلاحٍ حقيقي، ولكن من المؤكد أن العمال والعبيد، الذين يعملون قسراً كانوا يبحثون عن الحرية والتحرر من الإكراه والعمل الإجباري). ينظر :

 Snell D, C. " Flight and freedom in the Ancient Near East " Brill,2001,P.24.  note 25.   

 

[28] - Ibid,P.20-21.

[29] -   يلاحظ إستمرار الكتاب الكلاسيكيين الليبراليين بإستعمال العلامات المسمارية السومرية(4am-ar-gi) كمصطلح للحرية. ينظر: Chicago Assyrian Dictionary ( CAD) , A .2 .p.115-117. .

 مع ملاحظة بأن الرجل الحر ( dumu-gi7) في اللغة الأكدية، وهو الشخص الذي بقي يطالب ببعض الإلتزامات من سيده السابق، ربما يرتبط إسمه ب( 4ama-ar-gi).  ينظر :

 W.W.Hallo " Slave release in the Biblical world in light of new text " U.S.A 1957,P.79-93.

 

[30] - ف.فون زودن، المصدر السابق الذكر، ص 75.

[31] - Snell D, C. Op .cit. P.69.

[32] -  J.S. Copper. Op.cit  .P.58.

[33] -  ف.فون زودن، المصدر السابق الذكر، ص208- 209 .

[34] - ف.دياكوف ، س. كوفاليف، المصدر السابق الذكر،ص 91- 92 .

[35] - المصدر نفسه، ص 85-86 .

[36] - رغم أن قانون حمورابي ليس الأقدم بين القوانين العراقية، إذ سبقه بأكثر من ثلاثة قرون قانون الملك أورنمو، مؤسس سلالة أور الثالثة، إلا أنه بز جميع التشريعات السابقة ، فهو الوحيد الذي وصلنا نصه الأصلي مدوناً على نصب حجري. وهو يشمل على 282 مادة قانونية. ولا يمكننا حصر الدراسات التي تناولت هذه الشريعة منذ إكتشافها وبالكثير من لغات العالم، ولكن يمكن أن نشير لبعض الدراسات التي ضمت في ثناياها مجموعة كبيرة من المراجع عن هذا القانون . ينظر :  صبيح مسكوني " تاريخ القانون العراقي القديم "، بغداد، 1971/ عامر سليمان " القانون في العراق القديم " الموصل 1977. / فوزي رشيد " الشرائع العراقية القديمة" بغداد 1978.

وكذلك : Roth, Marth " Law Collections from Mesopotamia and Asia Minor " Atlanta 1995.     

[37] - - ف.دياكوف ، س. كوفاليف، المصدر السابق الذكر،ص 97-98. /  .فون زودن، المصدر السابق الذكر، 153.

[38] - ف.فون زودن ، المصدر السابق ، ص 153-154.

[39] - .Snell D, C. Op .cit. p.66

[40] - Ibid,P.74-75.

[41] - يلاحظ إستمرار إصدار التشريعات والمراسيم والإصلاحات في العراق القديم عبر مختلف المراحل التاريخية، وهو أمر يدل على أن المجتمع لم يوصد أبواب الحرية بوجه أولئك الذين وقعوا في نير العبودية لأسباب مختلفة.

[42] - J.J. Finkelstein " Collections of Laws from Mesopotamia and Asia minor " in " Ancient Near Eastern texts" ( ANET) , (Ed) ,James B. Pritchard, Princeton .New Jersey ,1969,P.526-528./  J. J. Finkelstein, "Ammisaduqa' s  Edict   and   the Babylonian law codes" J.C.S. No.15.1961. P.91-104  

[43] -  نقصد بالسلالات الثلاث في العصر البابلي القديم، سلالة إيسن التي حكمت من 2117 إلى1794 ق.م. وسقطت على يد ملك لارسا ريم- سين الأول ( 1822-1763 ق.م) في عام 1794 ق.م. وسلالة لارسا التي حكمت من 2025- 1763 ق.م، وسقطت على يد الملك حمورابي ( 1792- 1750 ق.م) في عام 1763ق.م. وسلالة بابل الأولى التي حكمت من 1894- 1594ق.م. وسقطت على يد الأقوام الحثيّة في عام 1594ق.م.     

[44] -  Snell D, C. Op .cit. p.23.

[45] - حول هذه المفاهيم القانونية يمكن مراجعة بعض القواميس المسمارية باللغة الأكدية، وحسب الحرف الأول من كل كلمة. ومن أشهر هذه القواميس ( CAD )، وقد أشرنا إليه في الهامش رقم (24)./

 و " Von Soden ,W.Akkadisches Handworterbuch" ( AHw ) .

 

[46] -  W.W.G. Lambert " Babylonian wisdom literature " Oxford ,1960,P. 112-113.

[47] -   ف.فون زودن، المصدر السابق الذكر، ص 75.

[48] - Snell D, C. Op .cit. p.25

[49] - صالح حسين الرويح ، المصدر السابق الذكر، ص 120- 127.

[50] - حول مصطلح الحرية ( Hurru) ينظر : , H, P.241-242.( CAD)

[51] -  تعد منطقة شمال غرب إيران هي الموطن الأصلي للأقوام الحورية، التي أضحت واحدة من أهم القوى الفاعلة في تاريخ الألف الثاني ق.م. وشكلوا أقوى المجموعات السكانية في مملكة ميتاني، كما أنهم لعبوا دوراً  كبيراً في المملكة الحثية في بلاد الأناضول. وشاركوا بشكل كبير ومؤثر في تقرير سير تأريخ بلاد آشور وسوريا وحضارتها. ينظر :  ف.فون زودن، المصدر السابق الذكر، ص32.  

[52] -  كان الإرتباط واضحاً بين المصطلح التوراة العبراني (hor)، الذي إنتقل خلال اللغة العبرية المتأخرة، وأصبح بشكل (herut)، ومنها وصل إلى العربية بصيغة( hurr). عموماً يمكن القول أن هذه المفردة وصلت اللغة العربية من لغة ليس لها إختلاف عها. أما الكلمة المصرية (hwr) وتعني( قروي أو فلاح) فأنها لا ترتبط بمفردة ( حر أو حرية)، وكذلك الكلمة القبطية(hooure)، التي تعني ( يحرم أو يجرد). ينظر : Snell D, C. Op .cit. p.30 .note 32 .

 

[53] - Ibid,P.28.

[54] - ينظر الهامش رقم 42.

[55] - ينظر: Snell D, C. Op .cit. p.26. note 30

[56] - نشير هنا إلى أن بعض الباحثين، الذين يؤمنون بالمعجزة الإغريقية، يرون أن ( مفهوم الحرية بالمعنى الذي نتمسك به، نحن الأوربيون، لم يكن معروفاً من قبل الشعوب الشرقية). . إن هؤلاء الباحثين ينطلقون من منطلق ليبرالي بحت، تكون فيه الحرية، قبل كل شيء، هي حرية الفرد. وتكون الحرية، وفقاً لهذا المفهوم، هي الأداة التي بموجبها يستطيع الفرد أن يتحول من " موضوع" إلى " ذات"، وإذا ما تحول الفرد، بمساعدة الحرية، إلى "ذات" عند ذاك فقط سيستطيع أن يواجه " ذات " أخرى.  ينظر :  عبد الرضا الطعان ، المصدر السابق الذكر، ص 43-44.        

[57] - J.S.Copper ,Op.cit.P.58 .

[58] - J. J. Finkelstein, Op.cit,  P.91-104./Snell D.C.P.66.

[59] - Roth, Martha.Op.cit.P.15-16. 

[60] - Raymond, Dougherty," The Babylonian principle of suretyship as  Administrated by Temple Law " AJSL ( American Journal of  Semitic Languages and Literatures). Vol 46 , No 2, 1930, P.76.

 

[61] - Driver,G.R. " Letters of the first Babylonian Dynasty "  OECT ( Oxford Edition of Cuneiform Texts). Oxford, Vol 3,part1 , 1924,P.14,No40.

[62]. - ستيفاني، دالي " ماري وكرانا " ( مدينتان بابليتان قديمتان )، ترجمة كاظم سعدالدين، بغداد 2008، ص113.

 

 

[63] - Waterman ,L " Royal Correspondence of the Assyrian Empire " Vol 4, U.S.A.,1930,P,149.

[64] -  صالح حسين الرويح ، المصدر السابق الذكر، ص 102.

[65] -  جورج كونتينو " الحياة اليومية في بلاد بابل وآشور)،ترجمة سليم طه وبرهان عبد، بغداد 1979.ص .45- 46.

[66] - Harris, R " Ancient Sippar, a demographic study  of the old Babylonian city  ( 1894- 1595 B.C)" ,Istanbul, 1975, P .347,No 103.    

[67] -  Erica ,Reiner " šurpu. A Collection of Sumerian and Akkadian Incantations" Gras. 1958. P.13.