|
السبت: 07/03/2009
الحلقات
الدراسية
في مساجد
البصرة- الكوفة- بغداد
إعداد : د. مجيد
صادق العلاق
(خاص للمعهد)

المقدمة
أن تتمسك الأمة بتراثها أمر ضروري
وجوهري، لأن تراث أية أمة إنما هو مجموع الخبرات التي تحققتها عبر
تاريخها الطويل في السياسة والأدب والاقتصاد والفلسفة والتربية والعلوم
وسائر مجالات الفكر والعمل الأخرى. كما إنه يمثل وجدانها وعواطفها
ومشاعرها وذوقها تجاه مختلف القضايا الإنسانية. إن تخلي أية أمة عن
تراثها فضلا عن أنه أمر مستحيل، فهو يعني البداية من الصفر، كما إنه
يسهل مهمة إلغاء تراث الإنسانية كله، وإلغاء تراث الإنسانية يعني أيضاً
فيما يعنيه إلغاء ملايين السنين من الأشواط التي قطعتها البشرية في
مسيرة الحضارة.
ومن هذا المنطلق، فإن الدعوات التي
تطالب بتخلي الأمة العربية والإسلامية عن تراثها يعني أن تتخلى عن
وجودها وأن تذوب شخصيتها في كيانات أخرى بعيدة عنها نفسيا واجتماعيا
وتاريخيا.. وهذا يعني أيضاً أن تلقي بنفسها في الاغتراب، كما إن بعث
التراث وتوجيه أنظار الباحثين والدارسين والقارئين إليه ليس من أجل
الحفظ بل الاستيعاب، وليس من أجل التقليد بل الاستلهام وكسب الخبرة
والمعرفة وتقدير الذات المبدعة والرد على كل المزاعم التي صنفت الأمم
والشعوب على أسس عنصرية إلى أمم مبدعة وأخرى خاملة.
ويشكل تراثنا التربوي جانبا مهما
وحيويا من تراث الأمة. فقد خلفت لنا الأمة تراثا تربويا شامخا قد لا
نعرف عنه اليوم الكثير، ربما بسبب من جهلنا بهذا التراث أو بسبب
تقليدنا للتربية الغربية، ولكن كل ذلك لا يقلل من شأنه. فهو يضم بين
حناياه تجارب مضنية وجهدا خلاقاً وإبداعا دائبا وفناً غزيراً. لقد أسهم
فيه الأدباء والفلاسفة والعلماء والفقهاء وغيرهم، فهو كم هائل، متناثر
هنا وهناك في كتب اللغة والتاريخ والأصول والأدب والفلسفة والفقه
والحديث.. وغيرها.
إن دراسة تراثنا التربوي تعني في
جانب منه دراسة تجاربه التطبيقية التي كان لها أثر في الواقع ودور في
تطور المفاهيم والأفكار وفي تطبيقها. ومن هذا المنطلق، يأتي هذا البحث
عن الحلقات الدراسية في مساجد البصرة والكوفة وبغداد في العصر العباسي.
فالحلقات الدراسية كانت تشكل قوام
الحياة الفكرية والعلمية في ذلك العصر. وكانت أداة مهمة في نشر الثقافة
والمعرفة، فقد استوعب الثقافة والمعارف والعلوم وقدمتها للمجتمع وفيها
من الإضافة ما يشهد لها بالفضل، فنبغ فيها الكثير من العلماء والأدباء
والفقهاء ورجال الفكر الذين خدموا الدين والعلم والأدب والفكر خدمات
جليلة نلمسها واضحة في ما تركوه من آثار عملية عظيمة.
وقد لاحظ الباحث أن المعلومات
والأحداث التي تنطوي عليها المصادر عن (الحلقات الدراسية) هي معلومات
وأخبار محدودة وقليلة ومبعثرة في مصادر عديدة، ولم يجد بحثا أو مرجعا
يحمل عنوان (الحلقات الدراسية) في المؤلفات القديمة والمعاصرة.
والحقيقة أن هذه المعاناة يواجهها الباحث لدى دراسة تاريخ التربية خلال
مختلف عصور الدولة العربية الإسلامية.
وفي هذا الصدد، يقول محمد عطية
الأبراشي، مؤلف كتاب (التربية الإسلامية وفلاسفتها):"من المؤسف القول
إن المؤرخين والفقهاء والأدباء في القرون الوسطى لم يولوا التأليف في
مجالات التربية الإسلامية العناية التي يستحقها، في حين أنهم كتبوا،
وعلى نحو شامل ومفصل، وأجادوا التأليف في موضوعات الانتصارات الحربية
والجوانب الدينية والسياسية والاقتصادية والفكرية في الإسلام. فقد
تطالع كتابا عن نظام الملك أو صلاح الدين الأيوبي، فلا تعثر إلا على
معلومات ضئيلة عما شيده هذا أو ذاك من المدارس ودور العلم أو ما أنجزه
من إصلاحات في حقل التربية والتعليم، في الوقت الذين نجد فيه حقائق
ومعلومات مفصلة عن سيرة حياة كل منهما"(1).
وعلى هذا يواجه الباحث صعوبة كبيرة
"إذا ما أراد أن يكتب عن التربية في الإسلام، إذ يقرأ كثيرا من الكتب
العربية والأدبية والتاريخية والسياسية القديمة فلا يجد فيها إلا فصولا
مبعثرة ورسائل معينة تتصل بالمتعلم والمعلم –أو من قريب أو بعيد-
بالتربية والتعليم. وقد يحتاج إلى كثير من المراجع لكتابة أي موضوع من
موضوعات التربية الإسلامية"(2). وقد عبر الدكتور أحمد شلبي في كتابه
(التربية الإسلامية، نظمها- فلسفتها- تاريخها)، وهو في الأصل أطروحته
لنيل شهادة الدكتوراه- عن المعاناة نفسها، إذ يقول في هذا الصدد: "إن
دراسة تاريخ التربية –كدراسة غيره من موضوعات الحضارة- يحتاج إلى صبر
ودأب ومثابرة.. ولهذا احتاجت هذه الرسالة إلى جهد متصل وكفاح طويل في
سبيل إتمامها، وإذ انني طالما قرأت كتباً ضخمة بعضها يقع في عدة أجزاء
وكنت آمل أن أجد فيها ما يفيدني في هذا الموضوع، لكنني كنت أخرج منها
بمحصول ضئيل، أو أخرج بلا شيء. ويرجع السبب في ذلك إلى أن المؤرخين
المسلمين ركزوا جهودهم في تسجيل النشاط السياسي والعسكري للخلفاء
والملوك والعظماء، ولم يهتموا اهتماما يذكر بتسجيل الإصلاحات
التعليمية.. بل إن الرسائل التي كتبها المسلمون عن التعليم من أمثال
ابن جماعة وابن سحنون والزرنوجي والعاملي لم يتعد تشفي غليل الباحث في
العصر الحالي، لأنها مقتضبة، ولأن بعضها تكرار للبعض الآخر"(3).
إن موضوع الحلقات الدراسية متشعب
الأنحاء متعدد الجهات، يحتاج إلى كثير من المصادر، وقد رجع الباحث إلى
ما أمكنه الرجوع إليه من مصادر بعضها يكتفي بالنظرة السريعة، أو الوقفة
القصيرة، وبعضها لا ينفعبهذا القدر، فلا بد من إطالة الوقوف عنده وقد
قاسيت ما يقاسيه غيري ممن يعالج موضوعا يبدو أنه يعالج لأول مرة،
ويعتمد على مصادر لا يعرف صعوبة الرجوع إليها إلا من يعانيها.
الحلقات
الدراسية
شهدت المدة الممتدة بين قيام
الدولة العباسية سنة (132ﻫ) وتأسيس المدرسة النظامية في بغداد سنة
(459ﻫ)- وهي مدة تزيد على ثلاثة قرون –نشاطا علميا وفكريا واسعاً،
وخصوصا في المراكز الحضارية الثلاثة: البصرة والكوفة وبغداد.
لقد سبقت البصرة المدن الأخرى إلى
التحضر وحياة الاستقرار والاشتغال في العلوم والاستفادة من الثقافات
الاجنبية التي وفدت عليها مع من وفد من عناصر، فقد التقى فيها عرب وفرس
وهنود ويونان، والقت فيها النصرانية واليهودية والمجوسية والاسلام، إذ
تزدهر التجارة وتنشط الأيدي العاملة لاستغلال الأراضي والقيام ببعض
الصناعات. في مثل هذه البيئة تلتمس الحياة العقلية المنظمة وتبدو
بواكير العلوم المختلفة التي تحتاج إليها هذه الحياة المتحضرة. وكان في
البصرة -فضلا عن الاستقرار- ما يشبه الاندماج بين العناصر المختلفة،
عربية وغير عربية. وكانت المساجد منتشرة في أنحاء البصرة، ويبدو أن كل
قبيلة، بل كل عشيرة كانت تقيم لنفسها مسجدا، إذ إن الشاعر الفرزدق يقول
في معرض الهجاء:
لكل أناس مسجد يعمرونه وليس لنزال بن مرة مسجد(4)
إن الذي ينتقل بين مساجد البصرة
يجد فيها القاصين والواعظين والفقهاء والمحدثين من العرب وغيرهم وقد
جلس إلى حلقاتهم المستمعون والدارسون، إذ لم يكن المسجد يضمن المصلين
فقط، وإنما يضم طلاب العلم، فكان بعضهم يجلس إلى ألاخر، يخوضون فيما
يشغلهم، ويروي أبو الفرج إن قوما من تميم كانوا يتذاكرون في مسجد
البصرة أهل الكوفة فكان ذلك إيذانا بإشعال نار المنافسة بين
البلدين(5).
وفي البصرة أخذ الموالي يشعرون
بشخصيتهم ويتأهبون بمجاراة العرب في إحياء تراث ماضيهم، فأخذ المسجد
يردد أصداء هذا كله.
وكان لقصور البصرة دور كبير في
تنمية الحياة العقلية والفكرية والعلمية والأدبية. ويذكر البلاذري
كثيرا من القصور كالقصر الأحمر والقصر الأبيض وقصر النعمان وقصر أوس
وقصر أنس. وفي هذه القصور عقدت مجالس المناظرة وفي أفنيتها اجتمع
الأدباء والعلماء، فكانت تشارك المساجد في تنشيط الجو الأدبي والعلمي
والاجتماعي وفي توجيه العقول إلى البحث والمناقشة والتنقيب(6).
أما الكوفة، فكانت قبلة العرب
وزعمائهم وقادتهم. ففيها هبط سبعون رجلا من صحابة الرسول [صلى الله
عليه وآله وسلم] ممن شهدوا بدرا وثلائمائة من أصحاب الشجرة، وكان أبو
العباس السفاح يقول بعد أن استمع إلى ابن عياش الكوفي وأبي بكر الهذلي
البصري في مناظرة طويلة:
"الكوفة بلاد الأدب ووجه العراق،
وهي غاية الطالب ومنزل خيار الصحابة وأهل الشرف"(7).
ومر زمان على الكوفة كانت فيه
عاصمة الخلافة الإسلامية وذلك في عهد الخليفة علي بن أبي طالب [ع]،
والعاصمة تكون دائما متجه الأنظار من العلماء. وقد عرفت الكوفة
بمكانتها العسكرية، حتى كانوا يسمونها (كوفة الجند)، وحتى أن الإمام
علي بن أبي طالب [ع] كان يقول عنها: "الكوفة كنز الإيمان وجمجمة
الإسلام وسيف الله ورمحه، يضعه حيث يشاء"(8).
وفي الكوفة كان رواة الأشعار
والشعراء، وفيها النسابون وأصحاب الأخبار التي تتصل بأيام العرب وحياة
الأبطال. أما الخطابة فقد تعاقب على منبرها خطباء العرب، وفي مقدمتهم
علي بن أبي طالب [ع]، فقد ترك للناس مجموعة خطب تناقلتها الرواة متمثلة
في أكثر ما جاء في نهج البلاغة(9).
وما إن دبت الحياة في الكوفة حتى
توافد الناس عليها من كل صوب، فأخذ المجتمع يتعقد شيئا حتى أصبحت من
الأمصار الإسلامية التي قامت بنصيبها في خدمة الحضارة.
أما بغداد، فكانت على ما يرى
المستشرق نكلسن، الحقل العظيم للعبقرية والجهد، إذ كان للمواهب من كل
صنف أوسع نطاق وأسمى تشجيع، وبغداد عاصمة الإسلام، قد عجت بالرحالين
والتجار من جميع أرجاء الشرق محتضنة أشياع كل ملة ونحلة(10).
لقد قامت بغداد وأخذت الأموال
الطائلة تتدفق عليها وتصب فيها من أنحاء الدولة العباسية الواسعة، فعظم
الغنى واتسع الثراء. وكان حظ رجال الحكم والأمراء من ذلك كبيرا وصارت
بغداد قطب الرحى وموطن البروز والشهرة، وذلك هو مطمح كثير من الشعراء
والكتاب والعلماء. فجذبت إليها كثيرا منهم فظهرت ألوان الحضارة
والثقافة ظهورا قوياً.
لقد نهضت البصرة والكوفة وبغداد كل
بدورها ونصيبها في الحضارة العربية الإسلامية وفي مختلف جوانبها. أما
البصرة والكوفة فقد كانت الاصتالات بينهما مستمرة منذ تمصيرهما، وكان
التجاوب بينهما قائما، فلم يحدث شيء في البصرة إلا وجد صداه في الكوفة،
وما عرف شيء في الكوفة إلا كانت آثاره في البصرة، وكان الانتقال من مصر
إلى مصر ميسراً سهلا للذين يرغبون فيه، وربما اتخذ الكوفيون المغضوب
عليهم من البصرة مستقراً هربا من السلطان، وربما اتخذ البصريون من
الكوفة مستقرا ومقاما أيضا، لأن الكوفة –فضلاً عن أنها كانت مركزاً
سياسيا مدة طويلة من الزمن- كانت مركزا للفقه والحديث والقراءة ورواية
الشعر والأدب.
وقد اشتركت المدينتان في أشياء
وافترقنا في أشياء. اشتركتا جميعا في القراءة والإقراء، ووجد فيهما
شيوخ للإقراء.. واشتركتا في دراسة الأحكام رواية واستنباطا، ووجد فيهما
محدثون وفقهاء.. واشتركتا في رواية اللغة والشعر، ووجد فيهما نقدة شعر
ومصححو لغة.. واشتركتا في البحث في علل التأليف، ووجد فيهما من يعنون
باستخراج قواعد اللغة وأصولها(11).
وافترقتا شكلا لا موضوعا، ويتمثل
هذا الافتراق باهتمام كل من المدينتين بجانب من هذه الدراسات، اهتماما
يفوق اهتمام المدينة الأخرى. فبينما كانت عناية الكوفيين تنصب على
دراسة القراءة والفقه والحديث، كانت عناية البصريين تنصب على الدراسة
اللغوية وما يستتبع ذلك من أقيسة ومباحث علم الكلام(12).
وبينما كان أهل الكوفة لا يتحرجون
من إعمال الرأي لأنهم واجهوا في حياتهم الجديدة كثيرا من الشؤون التي
تتصل بحياة الأسر، وبالأحداث الاقتصادية والجنائية، ولم يكن بد من
الحكم فيها فأفتوا بما يتفق مع العرف أو بما يهيدهم إليه الرأي
الاجتهادي، فظهرت مدرسة جديدة في الفقه تسمى مدرسة الرأي. ومن أشهر
شيوخها أبو حنيفة(13).
أما أهل البصرة، فكانوا أصحاب علوم
وفلسفات لأنهم أكثر اختلاطا بالأجانب من أهل الكوفة وأكثر حرية في
اعتناق المذاهب المختلفة وأسرع إلى الأخذ من الثقافات الأجنبية لتوافر
مصدرها عندهم، وكثرة انتقائهم للكسب والتجارة.
إن هذه الحالة في كلا المدينتين
ولدت التنافس بينهما، فكان من نتائجه أن كانوا يتناظرون في حلقاتهم
الدراسية وفي مجالس الخلفاء، إذ كان الخلفاء يستمتعون بهذا النوع من
المناظرات(14).
أما بغداد، فقد التقت فيها بيئة
البصرة العقلية مع بيئة الكوفة العقلية، إذ اجتمع البصريون والكوفيون
في بغداد، واجتمع حولهم الطلاب. وكان بين الشيوخ والطلاب من كلا
المدينتين اصتلات ومناظرات، ووجد أن كثيرا من طلاب الحلقات قد جلسوا
إلى شيوخ المدينتين، وأخذوا عنهم جميعا، فكانت هذه الظاهرة نقطة تحول
أو بادرة تومئ إلى نشأة اتجاه جديد فيه مزايا الاتجاهين اللذين عاشا
جنبا إلى جنب مدة طويلة من الزمن(15).
لقد صارت مدن البصرة والكوفة
وبغداد من أكبر المراكز الحضارية، راجت فيها العلوم وازدهرت فيها
الثقافة حتى غدت منارات للعم والأدب، وكانت المساجد في هذه المدن تمثل
الحياة العقلية تمثيلا صادقا، لأنها كانت حينئذ أشبه بجامعات حرة،
فالطلاب يختلفون إلى من يشاؤون الاستماع إليه دون أي شرط، فمنهم من
يأخذ الفقه أو الكلام أو الحديث النبوي أو اللغة أو النحو أو الشعر.
وكثير منهم كان يأخذ ما عند الشيخ ثم يتحول عنه إلى شيخ آخر. لهذا، فإن
الحديث عن المسجد يعني حديثا عن المكان الرئيس لنشر الثقافة العربية
الإسلامية. فقد قامت حلقات الدرس في المسجد منذ نشأ، واستمرت كذلك على
مرّ السنين والقرون وفي مختلف البلاد الإسلامية دون انقطاع. ويرى
الدكتور أحمد شلبي أن السبب في جعل المسجد مركزا ثقافيا، هو أن
الدراسات في سنيّ الإسلام الأولى كانت دراسات دينية، تشرح تعاليم الدين
الجديد وتوضح أسسه وأحكامه وأهدافه. وهذه تتصل بالمسجد أوثق اتصال. ثم
إن المسلمين في عصورهم الأولى توسعوا في فهم مهمة المسجد فاتخذوه مكانا
للعبادة ومعهدا للتعليم ودارا للقضاء وساحة تتجمع فيها الجيوش(16).
لذلك فقد بكر المسلمون بإنشاء
المسجد وأطلقوا عليه (بيت الله) إشارة إلى أن الداخل فيه لا يحتاج إلى
استئناس ولا استئذان، وكثرت المساجد وزاد انتشارها بتوسع الإسلام وأصبح
من المتبع أن يبنى مسجد أو أكثر في كل مكان فتحه المسلمون أو في كل
مدينة أسسوها.
وقبل نشأة المساجد في عهد الإسلام
المبكر، كان التعلم يجري بالمنزل، فلقد اتخذ الرسول [صلى الله عليه
وآله وسلم] دار الأرقم بن أبي الأرقم مركزا يلتقي فيه بأصحابه ومن تبعه
ليعلمهم مبادئ الدين الجديد، ويقرأهم ما نزل من آيات الذكر الحكيم(17).
زيادة على دار الأرقم، كان الرسول [صلى الله عليه وآله وسلم] يجلس
أيضاً بمنزله بمكة والمدينة ويلتف حوله المسلمون يعلمهم ويزكيهم، وقد
ظلوا كذلك إلى أن نزلت الآية الكريمة "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى
طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ
فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ
لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي
مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ"(18).
ومن الواضح أن منزل الرسول [صلى
الله عليه وآله وسلم] هو الذي أشارت إليه الآية الكريمة وقد فهم من هذا
عدم ارغبة في اتخاذ البيوت مكانا للدرس، غير أن ذلك لم يرق إلى درجة
المنع. لذلك لم يعد المسلمون المنازل مكاناً صالحا للتعليم العام، إذ
أن السكان والطلاب جميعاً لا يجدون الراحة واليسر في التوفيق بين هدوء
المنزل وجلاله وبين حلقة الدرس وما تستدعيه من حركة ونشاط. وقد شرح
العبدري في كتابه (المدخل) هذه القضية ذاكراً أن أفضل مواضع التدريس هو
المسجد، لأن الجلوس للتدريس إنما فائدته أن تظهر به سنة، أو تخمد به
بدعة، أو يتعلم به حكم من أحكام الله تعالى، والمسجد يحصل فيه هذا
الغرض متوفرا لأنه موضع لاجتماع الناس، رفيعهم ووضيعهم، عالمهم
وجاهلهم، بخلاف البيت، فإنه محجوز على الناس إلا من أبيح له، والبيوت
تحترم وتهاب حتى لو أبيحت للجميع(19).
وازدادت أهمية المسجد بعد عمليات
الفتح الإسلامي، كما تعددت المساجد في الأمصار التي مصرت واستمرت تؤدي
وظيفتها العلمية في العصر الأموي، فكان مسجد البصرة مركزا لحركة علمية
كبيرة، تعقد فيه حلقات القراءة واللغة والنحو، ويختلف إليها الدارسون،
ويزدحم فيها طلاب العلم، وكانت فيه لأبي عمرو بن العلاء حلقة حافلة
بالطلاب. مر الحسن البصري به وحلقته ومتوافرة والناس عكوف عليه، فقال:
"لا إله إلا الله، لقد كاد العلماء أن يكونوا أرباباً. كل عز لم يوطد
بعلم فإلى ذل يؤول"(20).
وكان الحسن البصري يجلس في مسجد
البصرة، وكان يجتذب النفوس بعلمه وسمته. فقد يروى أن راهبين دخلال عليه
المسجد فوجداه في حلقته، وقال أحدهما للآخر: "مل بنا إلى هذا الذي كان
سمته سمت المسيح"(21)، وحول الحسن البصري ومن حلقته نشأت المباحث
الكلامية، حيث خرج واصل بن عطاء على الحسن البصري وأسس مذهب الاعتزال،
ودوى المسجد بخلافه مع الحسن البصري حول القدر وفي المنزلة بين
المنزلتين، وانظم عمرو بن عبيد إلى واصل بن عطاء، ثم اتسعت الدائرة
فوجدت النظامية والهذلية والحائطية والجاحظية(22) وغيرها، مثل هؤلاء
أروع نشاط عقلي في الحياة احتضنه المسجد(23).
وبعد انشاء بغداد واتخاذها من قبل
الخليفة أبي جعفر المنصور حاضرة جديدة للدولة العربية الإسلامية، كان
جامعها المعروف بجامع المنصور الذي شيده الخليفة بجانب مقره من عجائب
المدينة المدورة(24). وقد أصبح هذا الجامع من أشهر مراكز التعليم
والحركة الفكرية في الدولة العباسية، حيث تنوعت حلقات الدراسة فيه.
فكان للنحو حلقات، وللشعر والأدب حلقات، ولعلم الكلام حلقات. وبنى
الخليفة المهدي مسجد الرصافة، فكان من المساجد الكبيرة التي كانت تعقد
فيها حلقات علمية يؤمها عدد كبير من طلاب العلم، ومنهم المحدث عاصم بن
عاصم بن علي الواسطي الذي نزل بغداد ومات بها سنة 230ﻫ(25). كما اشتهر
محمد بن إبراهيم، ابو حمزة الصوفي في جلوسه بجامع الرصافة. وكان عالما
بالقراءات. وكانت تعقد في المسجد حلقات للمناظرة في مختلف المسائل،
ومنها المناظرات التي جرت بينه وبين أ؛مد بن حنبل وبشر بن الحارث وأبي
نصر التمار وسريا السقطي(26).
وبجانب المساجد الجامعة هنالك
مساجد خاصة منتشرة في أماكن بغداد وتكون أصغر من المساجد الجامعة وتسمى
بأسماء الأحياء التي تبنى فيها أو باسم من أنشأها ومنها مسجد وكيع بن
الجراح، أبو سفيان الرؤاسي (ت: 198ﻫ)، وهو محدث مشهور، قدم بغداد وحدث
بها في مسجده، فكان يلقي دروسه يوميا من الصباح إلى ارتفاع النهار، ثم
بعد صلاة الظهر.. ثم يدرس القرآن بعد صلاة العصر(27).
وتحول المسجد في العصر العباسي إلى
معهد ضخم تروى فيه الأحاديث ويفسر فيه القرآن، وتقص القصص، وتعقد فيه
المناظرات، وتسرد الأخبار، فصار بذلك أهم مركز للحركة العلمية في
العراق. ومما يدل على مكانته السامية في نفوس العلماء، أن الخطيب
البغدادي لما حج وشرب من ماء زمزم، سأل الله تعالى أن يحقق له ثلاث
حاجات كان من بينها أن يتاح له أن يملي الحديث بجامع المنصور(28).
لقد كانت المساجد مفتوحة، يقصدها
من يشاء ومن يأنس في نفسه الكفاءة لتعليم الناس. وقد ظل العلماء
يقصدونها ليؤدوا هذا العمل دون انتظار من يحثم على الذهاب، وظل الناس
يتحلقون حولهم ويأخذون عنهم من غير أن تتدخل الحكومات في ذلك الوقت.
فقد كان هذا العمل غير داخل في دائرة سلطانها. فما دام الشيخ غير معين
منها وما دام لا يتقاضى من الدولة عن عمله أجراً، فقد ترك له يدرس ما
يشاء وقت ما يشاء. فمن يرغب في أن يكمل تعليمه، عليه أن يختلف إلى
حلقات المساجد، حيث يجد الشيخ جالسا ويغلب أن يكون ظهره إلى حائط أو
سارية من سواري المسجد. ويكون الحضور حلقة امامه يكون الشيخ في أبرز
نقطة في محيطها، ويجلس الرفقاء في درس واحد في جهة واحدة من الحلقة
ليكون نظر الشيخ إليهم جميعا، ويترك في الحلقة فراغ ليجلس فيه من يحب أ
نيستمع إلى الدرس من الطارئين الذين لا يحضرون الدرس بانتظام، ذلك أن
العرب المسلمين عنوا عناية ملحوظة في أخذ العلم عن الشيوخ، وكرهوا
كراهة شديدة أن يتلقى الطالب العلم من الكتب وحدها. وكان بعضهم يقول:
"من أعظم البلية تشييخ الصحيفة"، أي أن يتعلم الإنسان من الصحف. وروي
عن الإمام الشافعي قوله: "من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام"(29).
كانت الحلقة التي يعقدها الرسول
[صلى الله عليه وآله وسلم] تعد من أقدم الحلقات في المساجد، فقد كان
يجلس بأصحابه يفقههم في الدين ويقرؤهم القرآن الكريم ويعظهم ويهذب
أخلاقهم. وقد خرج الرسول [صلى الله عليه وآله وسلم] ذات يوم إلى المسجد
فرأى فيه حلقتين إحداهما فيها قوم يدعون الله عز وجل ويرغبون إليه، وفي
الثانية جماعة يعلمون الناس، فقال الرسول [صلى الله عليه وآله وسلم]:
"أما هؤلاء فيسألون الله فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء
فيعلمون الناس وإنما بعثت معلما". ثم عدل إليهم وجلس معهم(30). ويقول
محمد طلس أن النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] أول من جمع العرب حوله في
حلقة لأخذ العلم ولم تكن العرب في الجاهلية تعرف الاجتماع لهذا
الغرض(31).
وتطورت الحلقات الدراسية
بتطور الزمن.. حتى بلغت ما هي عليه في العصر العباسي بفعل عوامل دينية
وسياسية وفكرية واجتماعية واقتصادية، تفاعلت فيما بينها وانعكست
بآثراها على جوانب الحياة المختلفة، وتنوعت الحلقات الدراسية وتوسعت
بتوسع العلم وتنوعها، واستمرت في أداء دورها حتى بعد إنشاء المدارس
وخضوعها بشكل قوي للسلطة المركزية، حتى أن بعض العلماء الذين التزموا
مبدأ الحرية في طلب العلم، اعتبروا أن إنشاء المدارس وخضوعها للسلطة
وتعيين الرواتب للعاملين فيها، اعتبروا ذلك نكسة شديد ةفي أساليب
التعليم الصحيحة، فقد ذكر أن علماء ما وراء النهر لما بلغهم بناء
المدارس ببغداد، وتخصيص الرواتب للمعلمين، أقاموا مأتماً وقالوا "كان
يشتغل به أرباب الهمم العلية، والأنفس الزكية، الذين يقصدون العلم
لشرفه، والكمال به، فيأتون علماء فينتفع بهم وبعلمهم، لكن العلم إذا
صار عليه أجره تدنى إليه الأخساء وأرباب الكسل"(32).
فهذا يدل على أن كثيرا من زهاد
العلماء وأهل البصيرة في المشرق قد كرهوا اتخاذ المدارس موضعا لطلب
العلم، لأن المدرسة لا تستطيع توصيل العلم إلى من لا يجد الفرصة
للانقطاع إليه. إن الدرساة في حلقات المسجد على مستويين: المستوى الأول
من الدراسة يميل إلى الإجمال والوضوح، وهذا أقرب إلى التعليم الثانوي
في وقتنا الحاضر، أما المستوى الثاني فهو أرفع مستوى وأكثر عمقا وهذا
أشبه بالتعليم الجامعي. وهذا يعني أن الحقات الدراسية في المسجد اتسعت
للنوعين من الدراسة، إذ إن الطالب حين يلتحق للدراسة بالمسجد فإنه ينضم
إلى حلقة من الحلقات التي تدرس بها كتب سهلة التناول غير معقدة، ولا
كثيرة التفاصيل، فإذا قطع في هذا الدور شوطا موفقا استطاع أن يلتحق
بحلقات أخرى في نفس المسجد أو في مسجد آخر، حيث يجلس إلى الشيوخ
المشاهير الذين يدرسون كتاب عالية المستوى، كثيرة التفاصيل والتعمق
والإحاطة(33).
أما تعليم الأطفال والصبيان، فقد
كان يجري خارج المسجد، وهو أشبه بالتعليم الابتدائي. فقد ورد في كتب
الحسبة ما يؤيد ذلك. فقد نصت على أنه لا يجوز تعليم الأطفال في المسجد
لأن النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] أمر بتنزيه المساجد من الصبيان
والمجانين لأنهم يسودون حيطانها ولا يتحرجون من النجاسات، بل يتخذ
لتعليمهم حوانيت في الدروب وأطراف الأسواق(34).
وفي الحلقات الدراسية لا توجد سن
معينة يبدأ عندها الطالب بتلقي العلم فيها، إذ شكانت تختلف باختلاف
الطلاب أنفسهم، وكذلك لا توجد مدة محددة للدراسة فيها أيضاً لأن
الدراسة في الحلقات الدراسية كانت تقوم على الاتصال الشخصي بين الطالب
وشيخه أو شيوخه المتعددين الذين يختلف إليهم. أما عدد الطلاب في
الحلقات، فكان غير محدود ويختلف من حلقة إلى أخرى تبعا لشهةر الشيخ
ورغبة الطلاب في السماع منه وتلقي العلم عنه، إلا أن أكثر الحلقات
طلابا كانت حلقات المتكلمين والفقهاء. أما المتكلمون فلكثرة ما كان
يجري بينهم من مناظرات، فقد كان الطلاب يختلفون إليهم؛ وأما الفقهاء،
فلإنّ الإلمام بالفقه كان الوسيلة إلى تولي مناصب الحسبة والشرطة
والقضاء والولاية أحيانا(35).
لقد ساهمت العوامل الحضارية
الدينية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها في تكوني البيئة
العقلية والفكرية والعلمية في البصرة والكوفة وبغداد. وجعلت منها منارا
يشع الثقافة العربية الإسلامية طوال القرون الأربعة الهجرية الأولى.
فقد زخرت هذه المدة بالدارسين والباحثين والمصنفين والعلماء والفلاسفة
والمترجمين وأئمة الفكر والفقه واللغة والأدب بشكل لم يسبق له مثيل،
وتوضحت فيها معالم الكثير من البيئات وألوان المدارس الفكرية التي كان
بينها خلاف وحجاج في مسائل متعددة في مختلف الأمور.
وكان للدولة العباسية دور خطير في
هذا المجال، فقد وجد العباسيون، ومن اعتمدوا عليهم من كبار رجالاتهم،
أن الدولة العربية الإسلامية كانت قد توطدت أقدامها سياسيا وعسكريا في
العصر الراشدي والأموي، فيجب أن تتوطد ثقافيا وعلميا وحضاريا فانصرفوا
إلى ذلك وإلى تهيئة أسبابه المختلفة. فقد نشطت مختلف العلوم والآداب
والمعارف في العصر العباسي برعاية الخلفاء وبمساهمة العرب والأعاجم على
السواء. فقد كان لهذا النشاط أثر حميد أفاد العلم والتعليم. وحتى بعد
ضعف الدولة العباسية وانقسامها سياسيا وانفصال بعض الأجزاء عنها، فإن
الحياة العلمية والعقلية والفكرية بقيت واحدة في جميع أجزائها. وكان
العالم العربي وغير العربي في أية بقعة من بقاع العالم العربي الإسلامي
يجوب الديار من غير قيود أو حواجز، يحاضر ويناقش ويدرس ويناظر، وهو بين
قوم يفهمونه تمام الفهم.
إن المدة التي كانت عصورا مظلمة
بالنسبة لأوربا كانت عصراً ذهبياً بالنسبة للعرب المسلمين، يقول دورانت
في كتابه قصة الحضارة: "وبلغ الإسلام في ذلك الوقت أوج حياته الثقافية،
وكنت تجد في ألف مسجد منتشرة من قرطبة إلى سمرقند علماء لا يحصيهم
العدد، وكانت تدوي أركانها بفصاحتهم. وكانت قصور مائة أمير تتجاوب
أصداؤها بالشعراء والمناقشات الفلسفية"(36).
كان المجتمع العباسي زاخرا
بالتيارات الاجتماعية والدينية المختلفة، فهناك الكثير من الملل والنحل
وهناك أ؛زاب وفرق إسلامية، وهناك الديانات النصرانية واليهودية
والصابئة. وهناك تيارات الفلسفة والتفكير الحر. لقد كان المجتمع آنذاك
يموج بهذه التيارات كلها. وشهد العصر العباسي أيضا نمو وتطور دراسات
النحو واللغة والأدب والقراءات والتفسير والفقه والفلسفة، ووضع في هذا
العصر أيضاً أساس علم الكلام، وابتكر العروض ذلك الفن الذي لم يزل
قائما بصورته الأولى حتى الآن. وشهد هذا العصر نشوء المذاهب الإسلامية
ورقي عقول أصحاب الفرق المختلفة وتطور أساليب حجاجهم ومناظراتهم. وكان
الخلفاء العباسيون قد شجعوا حركة الترجمة والنقل الواسعة بشكل عز نظيره
وأسسوا دار الحكمة ولم يبخلوا على النقلة بشيء من جهد أو مال. واشترك
المسلم وغير المسلم في ترجمة أروع ما أنتجته الثقافات الأجنبية من
العلوم والمعارف المختلفة التي لا تتعارض كثيرا مع الدين الإسلامي.
وكان لحركة الترجمة هذه جذور في العصر الأموي، ولكنها اتسعت اتساعا
كبيرا في العصر العباسي، إذ أصبحت الحاجة إلى الاطلاع على ما عند الأمم
الأخرى من معارف وعلوم ملحة بعد أن شرع خصوم الدين الإسلامي وأعدائه
يوجهون إليه السهام بعنف وشراسة. وكان هؤلاء الخصوم على جانب كبير من
الثقافات والفلسفات وأساليب الجدل والمناظرة. وكان على المسلمين أن
يدافعوا عن دينهم بأسلحة تمثل أسلحة خصومهم إن لم تفقها. فأقبلوا على
تعلم المنطق وأساليب الجدل، وطرق الحجاج وألوان الفلسفة مما جعل الناس
تندفع لقراءة كتب الثقافة. يقول ر. أ. نيكلسون في كتابه (تاريخ الأدب
العباسي): "لقد صحب هذا التوسع انفجار فعالية عقلية لا عهد للشرق بها
من قبل أبداً، وبدا كما لو أن العالم جميعا من الخليفة إلى أوضع مواطن
قد أصبحوا فجأة طلابا للعلم أو على الأقل من مناصريه. وفي طلب المعرفة
كان الناس يسافرون عبر ثلاث قارات ويعودون إلى أوطانهم كنحل مثقل
بالعسل، لينقلوا المكتنزات القيمة الثمينة التي اختزنوها إلى جماهير
المريدين المتلهفة ويؤلفوا بجهد لا يصدق المؤلفات ذات النطاق والاطلاع
الموسوعي، تلك التي استمد منها العلم الحديث، بأسوع معانيه، اكثر مما
يظن بصورة عامة"(37).
لقد انعكس كل ذلك على الحلقات
الدراسية في المساجد، نتج عنه تعدد الحلقات وتنوعها وكثرة الآراء
والمذاهب فيها. فكان لكل شيخ مذهبه وآراؤه. وقد ساهمت الحرية الفكرية
التي تمتع بها المجتمع في العصر العباسي بدورها. فلم تكن هناك سلطة
دينية أو سياسية تحظر الدراسة في الحلقات أو تمنع شيوخها وطلابها من
تداول الأفكار ومناقشتها أو تفرض على الشيوخ تدريس موضوع دون غيره...
وقد نتج عن ذلك اشتداد المنافسة بين العلماء. وكان الخلاف بينهم محتدما
من نواحٍ عديدة من الناحية الحزبية بين علوي ومعتزلي وخارجي وغيره. ومن
الناحية العلمية، فبعضهم أصحاب فقه وحديث وقراءة، وبعضهم أصحاب علوم
وفلسفات، وبعضهم يتحرج من الأخذ بالثقافات الاجنبية، والبعض الآخر أكثر
حرية في اعتناق المذاهب المختلفة وأسرع إلى الأخذ بالثقافات الاجنبية.
وتبعا لذلك، فقد انقسم الطلاب بين مؤيد ومعارض لهذا المذهب أو ذاك.
فكان من نتائج هذا التنافس والاختلاف ازدهار الحياة العقلية، فكانت
الحلقات مسرحا لهذا الازدهار وهذا التنافس. فقد جادل بعضهم بعضا وكان
العطاء فذا في التاريخ الفكري للعرب والمسلمين.
|