|
|
|
 |
الحضارية
«تاريخ العراق» |
|
الاثنين: 27/10/2008
الدالية العراقية
حسن العاني
أول محطة ري
«معاصرة» في التاريخ
الايضاح الاولي مطلوب للتمييز بين مفردتين، الاولى هي الدالية ويراد بها
البناء الحجري الذي يقام في الماء على ضفة النهر ومهمته حمل الناعورة،
والثانية هي الناعورة ويراد بها العجلة الخشبية المزودة بأوان فخارية
ومهمتها رفع الماء من النهر وايصاله الى البساتين والاراضي الزراعية
لاغراض السقي، وليس هناك مجال مفاضلة بينهما، ولا يمكن ان تتم عملية
الارواء الا بإجتماعهما معاً ولكن aواصبح يعني المفردتين وبذلك تراجع اسم
الدالية حتى كاد ينسى.
ومن يعرف اسرار الدائرة قادر على تأسيس الحضارة الكونية، وقد كان
العراقيون سادة هذا الشكل الهندسي يوم اخترعوا «العجلة» البرية ونقلوا
عبرها اربعة ارباع معارفهم العلمية الى العالم القديم ثم ابتكروا قبل
آلاف السنين ناعورة الماء (الدائرية) فعلموا البشرية اول وسائل الري
وأرقاها، وفي كل المرات والازمنة والعهود لم يحتكروا اكتشافاً ولم يفرضوا
حصاراً علمياً حتى على خصومهم. وانها لمفارقة طريفة حقاً ألا تصمد اعظم
منجزات الثورة الصناعية امام عاديات الدهر ومتاعب الاستهلاك سوى بضعة
عقود، في حين تواصل نواعير الفرات عملها الدؤوب ودورانها الذي لا يتوقف
منذ اكثر من3600 سنة من دون ان تشكو وهناً او آلام مفاصل ومن غير ان تكلف
اصحابها زيتاً او وقوداً او مواد احتياطية. واهم من ذلك ان أياً من
منظمات الصحة او البيئة لم ترفع في وجهها يوماً بطاقة صفراء او تشهر
البطاقة.
في ما رواه الحاج حمدي عفتان احد الفولكلوريين المعنيين بالنواعير وفي ما
كتبه الحاج نجاح الهيتي في مؤلفه الموسوم (شذرات من تراث هيت)، وفي ما
اجمع عليه العاملون في مركز احياء التراث العلمي العربي في جامعة بغداد،
وبالتعاون مع اساتذة جامعة الانبار، يمكن الاطمئنان الى احتجاجهم بالأدلة
الجغرافية واللغات القديمة والمكتشفات الآثارية على ان الدالية، هي
الابنة الشرعية لسكان وادي الرافدين، وان مصدرها حقاً ذاكرة التاريخ
البعيد.
تذهب اولى الروايات الى القول بأن المنطقة الواقعة بين مدينتي هيت وعنة
كانت موطناً لجنّة عدن يوم كان نهر الفرات أعلى من الارض المحيطة به كما
تدل على ذلك الطبقان الرسوبية اي ان السقي كان يتم سيحاً، ولكن انخفاض
الماء التدريجي خلال الخمسة آلاف سنة الأخيرة ادى الى متاعب اروائية جمة،
دفعت سكان «الجنة» وهم الساميون القدماء او الأكديون كما يطلق عليهم، الى
ابتكار اسلوب اروائي يناسب الوضع الجديد، اي ارتفاع مستوى الارض عن
الفرات، وتمثل الابتكار بالمحطة الحجرية العملاقة (الدالية) ودائرتها
الخشبية (الناعورة)، الا ان سؤالاً يفرض نفسه هنا وهو: من يثبت ان
الأكديين قد توصلوا الى هذا الاختراع الذي يعد سابقاً لعصره ومتقدماً على
ما بلغته علوم الهندسة؟
هنا تبدأ الرواية الثانية المستمدة من لغة قدامى العراقيين انفسهم، ذلك
لان كلمة «ناعورة» مشتقة من الفعل «نئارو» او «نعارو» والفعل «نئارو» في
اللغة العراقية القديمة معناه «نعر» والناعور مشتق من لفظة «نعر» التي
يراد بها في اللغة العربية «الصوت العالي». ومن المعروف أن الصوت العالي
المصحوب بالشجن هو من اهم مميزات الناعورة، وحين تقول ان هذا الدليل
اللغوي وحده لا يكفي حجة على بابلية او أكدية هذا الانجاز الهندسي، تبدأ
الرواية الثالثة التي لا يرقى اليها الاعتراض لأن التنقيبات الانقاذية
التي اجريت قبل الشروع ببناء سد حديثة بالقرب من مدينة «الفحيمي» في
منتصف المسافة بين حديثة وعنّة، قد مكنت المنقبين من العثور على العديد
من الكسر الفخارية التي يعود تاريخها الى الالف الاول قبل الميلاد. وهذه
المكتشفات الفخارية هي عبارة عن أوان اسطوانية هي نفسها الاواني
الاسطوانية التي لا تزال مستعملة الى اليوم من دون ان يطرأ عليها أي
تغيير او تحور، حيث تربط على محيط الناعورة، وفي اثناء الدوران تغرف
الماء من النهر عند نزولها ثم تقوم بسكبه او تفريغه عند ارتفاعها، في
ساقية معدة لهذا الغرض تتولى نقل الماء الى الاراضي المزروعة. ويجدر
التنويه هنا الى أن هذه الاواني يتناسب وزنها حسابياً دقيقاً مع القدرة
الجسدية للناعور على رفع الاثقال الاضافية فوق محيطه الواسع.
رحلة حول العالم
بعيداً عن الخوض في تفاصيل أكاديمية مملة، نشير الى ان الابحاث التاريخية
والآثارية اجمعت على ان العراق هو موطن النواعير الاول، ومنه انتقل الى
مدن العالم الأخرى التي تعاني من مشكلة الري بسبب ارتفاع اراضيها نسبة
الى الانهار، ومن هنا اقتبسته بعض المدن المصرية، وكذلك كانت نواعير حلب
السورية على نهر العاصي. والحال نفسه في العديد من مدن اسبانيا والمانيا،
ذلك لان نظام الدالية العراقية اكد بأنه الامثل كونها على حد تعبير
العلاّمة احمد سوسة صممت بطريقة هندسية بارعة لم يتمكن العلم الحديث من
تطويرها الى شكل افضل مما هي عليه الآن.
يقطع الفرات اكثر من 1200 كيلومتر عبر جريانه في الأراضي العراقية ومع
ذلك فإن منطقة النواعير محصورة بمسافة قدرها (200 كيلومتر) تقريباً، وهي
المعروفة باسم «اعالي الفرات» ما بين صعودا ومدينتي عنة وراوة
المتقابلتين، ولعل طوبوغرافية النهر والاراضي المحيطة به في منطقة أعالي
الفرات هي التي تفسر اسباب قيام النواعير. زيادة على ارتفاع مستوى الارض
فإن التيارات في هذا الجزء من الفرات سريعة وقوية وهو امر بالغ الاهمية
لتدوير عجلة الناعورة الثقيلة.
مع متاعب الاواء الناجمة عن تكوين الارض - النهر والتي قادت الى التفكير
بالدالية، فإن سكان المنطقة الذين اختاروا هذا المكان نظروا الى الامر من
زاوية اخرى، فهذه الرقعة الجغرافية تقع فوق مستوى اعلى الفيضانات بمعنى
ان مناسيب الفرات في هذا الجزء مهما ارتفعت لا تهدد بالغرق، وبذلك ضمنوا
سلامتهم وسلامة حيواناتهم ومزروعاتهم في زمن كانت فيه مواجهة الفيضانات
من اصعب واقسى المواجهات، وهذا ما كانت تعاني منه، والى عقود قريبة خلت،
العديد من مدن وسط العراق.
سيرة ذاتية
لا يختلف بناء الدالية على مشروع اروائي حديث سواء من حيث الخطوات
المتبعة ام من حيث الجهود وتوفير المواد الاولية، ومن هنا تسبق البناء
مهمة تحديد المكان الذي يجب ان يراعى فيه توسطه للتجمعات السكانية، لان
مشروع الدالية مطالب بعد انجازه بأن يكون عادلاً في توزيع الحصص المائية.
ونبدأ خطوة العمل الاولى بتوفير الاطنان من احجار الكلس ومادة النورة -
البديل القديم عن الاسمنت المقاوم، وتتوقف كمية الاحجار كما يذكر الحاج
حمدي الدالية وما اذا كانت مخصصة لناعور واحد او اكثر(قد يصل عدد
النواعير في بعض التجمعات السكانية الزراعية الى عشرة وهذا يتطلب عدداً
مماثلاً من الدواليب)، وهي تجلب بواسطة الشخاتير- نوع من الزوارق الكبيرة
نسبياً. ويصف الدكتور صالح فليح حسن في دراسته الخاصة بانشاء الدالية
عملية البناء على النحو الآتي: ترمى تلك الاحجار عبر مجرى النهر على شكل
اكوام تسير مع اتجاه التيار بعرض مترين تفصل بينهما مسافة مترين ايضاً،
وبطول يتراوح ما بين 9-10 أمتار، حتى اذا ما ظهرت اسس البناء تبنى فوقها
جدران عريضة(1-1.5متر). اما مادة البناء فتكون من النورة والرمل والحصى
الصغيرة ويقوم فوق هذه الجدران بناء آخر اقل سمكاً لكنه اكثر ارتفاعاً،
وعلى هيئة عقود مثلثة او دائرية. وفي قمة العقود يتم بناء الساقية التي
تستقبل مياه الناعورة وتتولى توزيعها. ويلاحظ أن الساقية تكون شديدة
الارتفاع في الجزء المحاذي للناعورة، ثم تأخذ في التناقص كلما ابتعدت حتى
تصل الى مستوى الأرض عند بلوغها المناطق الزراعية.
تتضمن خريطة الدالية توفير فتحة في قاعدة البناء تدعى السِيب (بكسر
السين) تساعد على مرور الماء منها مروراً سريعاً وقوياً يعمل على تدوير
الناعورة كما تتضمن الخريطة بناء ممر او ممشى بعرض 60-80 سنتمتراً يستعين
به السكان للوقوف واجراء بعض الاصلاحات على الناعورة، كربط خشبة او آنية
فخارية او ابدالها. ولكي تؤدي الدالية عملها بصورة متقنة، يضاف الى
معمارها الخارجي عنصر جديد يدعى السِكر، وهو حاجز مائي يتكون من وضع
عشرات المئات من الصخور فوق بعضها البعض في الماء والى ارتفاع 40
سنتمتراً فوق سطح الماء، يبدأ من جسم الدالية ويمتد في النهر الى مسافة
طويلة جداً ووظيفته حجب الماء ودفعه الى فتحة السيب كي يكون جريانه
قوياً. وتزداد الحاجة الى السكر كلما انخفضت مناسيب المياه في الفرات.
دائرة الحياة
وبقدر البساطة التي يوحي بها مشهد الناعورة، بقدر ما يتضمن من تفاصيل
واسرار صناعية ودقة متناهية في العمل ولعل اول ما يسترعي الانتباه ذلك
العدد الهائل من الاشجار التي يلزم توفيرها لانجازه، فهي تزيد في العادة
على (100) شجرة كلها من التوت لما تتميز به جذوعها من خاصية التعامل مع
الماء. يتراوح قطر الناعورة بين 10-12 متراً اي ان محيطه يصل الى 37
تقريباً ويتألف المحيط من عجلتين او طوقين يسمى الخارجي «الظهارة»
والداخلي «البطانة»، وتتصل بهذا الاطار المزدوج مجموعة عيدان تسمى
«الصلبان»، كل صليب يمثل نصف القطر. ويتباين عددها وفق حجم الناعورة، وقد
تصل الى الثلاثين وان كان الشائع هو 24 صليباً تلتقي كلها عند المحور
المركزي الوسطي، وهو عبارة عن جذع شجرة «فحل التوت» يعد اعداداً خاصاً
لهذا الغرض، فهو لا يقطع الا بعد ان تمضي عليه اكثر من (20) سنة كي يكتسب
الصلابة المطلوبة والقدرة على تحمل اثقال الناعورة. وتطلق على هذا المحور
مسميات عدة بحسب المنطقة مثل العابر، العوبر، الجبة، وهو بطول 4-6 أمتار
اما قطره فبين 50-60 سنتمتراً. ويوضع فوق بناء الدالية عند فتحة السيب
ويستند طرفاه على خشبتين تحته من اشجار المشمش او التوت، وتدعى كل خشبة
«السندان» ويجري بإستمرار «تزييت» السندانين لمنع احتكاك الخشب وتسريع
دوران الناعورة.
واذا ما تجاوزنا الكثير من التفاصيل كالاربطة والقيود والمسامير الخشبية
فإن ما هو واضح للعيان يتمثل بالسرايج مفردها سريجة وهي زعانف مصنوعة من
سعف النخيل تلحق بإطار الناعورة لمنحها طاقة حركية اكبر. ويبلغ عددها بين
8-12 سريجة تقتضي دقة بالغة في توزيعها على الاطار، وبخلاف ذلك تتعرقل
حركة الناعورة. هناك ايضاً دلاء الماء الفخارية ذات الشكل الاسطواني
وتسمى الكوز (بضم الكاف وفتح الواو ومفردها كُوْز، وهي كلمة عربية، لكن
الاسم الشائع لها هو القواقة (ومفردها قوق) وعددها يتوقف على سعة
الناعورة، ويتم توزيعها بطريقة توزيع السريج نفسها اي الحفاظ على
التوازن.
عملية تصنيع الناعورة اقتضت توفير مساحة ارض كافية قريبة من مكان نصبه
كما انجبت «بخارين» او حرفين متخصصين وهما قلة وعادة ما يستغرق انجاز
الناعورة ثلاثة اسابيع من العمل. ويقول سكان اعالي الفرات: نحن شهود عيان
كذلك على أن هذه المحطة الاروائية ذات مردود اقتصادي كبير، فهي لا تكلف
المستفيدين منها آلات او معدات او وقوداً او طاقة كهربائية وتبقى في
الخدمة مئات السنين، ولا تحتاج إلا الى تبديل خشبة او مسمار او سريجة او
قوق في مدد زمنية متباعدة. كما يلاحظ أن هذه المحطة وجدت نوعاً من
التعاون الاجتماعي بين السكان، فهم جميعاً منتفعون منها، وبالتالي فإنهم
مسؤولون جماعياً عن ادامتها وصيانتها. ويذكر الحاج منجاح الهيتي أن
الارواء بواسطة الناعورة انفع للزراعة من الآلات الحديثة لان مياهه تصل
الى المزروعات بصورة هادئة ومتزنة وتجدر الاشارة اخيراً الى ان النواعير
تتمتع عادة باجازات سنوية في مواسم الشتاء التي تهدل فيها الامطار بكميات
غزيرة، حيث تربط الى جدران الدالية بحبال متينة لمنع دورانها، وذلك
لانتفاء الحاجة الى الماء. ويبقى بعد ذلك السؤال الاكثر ايلاماً: لماذا
احيلت هذه المحطات التاريخية على التقاعد وهي في عز شبابها، ولم تبلغ
السن القانونية؟
عن: الاسبوعية
|
|
|