الحضارية «تاريخ العراق»

الاربعاء: 06/08/2008


المراصد الفلكية في بغداد/ الانطلاقة الفلكية الكبرى

عبد الأمير المؤمن(*)

(خاص للمعهد)

زهت الحضارة الإسلامية في أوج عظمتها في مدينة بغداد حيث كانت في القرون الثالث والرابع والخامس وما بعدها عاصمة الدنيا عاصمة العلم الثقافة والحضارة، وخاصة زمن الخليفة المنصور والرشيد والمأمون، فكانت قبلة العلم، ومعقل الثقافة والمؤسسات الثقافية كان يفد اليها طلاب العلم من كل مكان لينهلوا من موردها العلمي العذب، لينهلوا الطب والهندسة وعلم الفلك والكيمياء والحيوان ثم يرجعون إلى بلدانهم وقد أصبحوا علماء، وهكذا انتشر العلم والعلماء في كل انحاء العالم الإسلامي، منطلقاً من بغداد الحضارة وفي وقت مبكر انشأ الخلفاء والعلماء المؤسسات العلمية والثقافية اسسوا المدارس على اختلاف انواعها واسسوا اعراصه الفلكية والرصدية وأسسوا المستشفيات ومدارس الطب.
ومن خلال هذه المؤسسات المتنوعة والمختلفة، طورت بغداد الحضارة الإسلامية ونشرتها إلى كافة انحاء العالم الممكنة في ذلك الزمن.
ومن خلال المراصد الفلكية الميدانية تطوّر الفلك الإسلامي، فسج الفلكيون المسلمون ملاحظات جمّة على الفلك القديم فلك بطليموس وطوّروا الأرصاد السماوية وانجزوا ارصاداً جديدة ساهمت في تطور علم الفلك اللاحق والفلك في العصر الحديث.
المراصد الفلكية قبل بغداد
المرصد الفلكي هو مكان أو مبنى لرصد الاجرام السماوية والظواهرالكونية المختلفة وتسجيل المعلومات التي توفر عملية الرصد(1).
والمراصد أنواع مختلفة، وفي العصر الحديث وخاصة القرن العشرين تخصصت المراصد وتنوعت، فهناك المراصد البصرية (وهي أقدم المراصد كلها)وهي مراصد اساسية تقام عادة على أماكن مرتفعة، تتخذ مبنى ذاقبة تضم تلسكوبات وأجهزة فلكية متنوعة، وهناك المراصد الراديوية وهي مراصد أساسية تقام في الأودية لتحميها المرتفعات المحيطة بها من تداخل الموجات، وتستخدم تلسكوبات راديوية ذات اطباق ضخمة وأجهزة أخرى مكملة.
اضافة إلى ذلك هناك المراصد الشمسية المخصصة لدراسة الشمس، وهناك المراصد الفضائية وهي التي تطلق إلى الفضاء خارج الغلاف الجوي الأرضي لالتقاط الأشعة التي يمتصها الغلاف الغازي الأرضي، واشتهرها تلسكوب الفضاء هابل المعروف.
لكن البداية كانت غير ذلك تماماً، فلم يكن المرصد واضح المعالم، ويمكن اعتبار التلال والأماكن المرتفعة مراصد بدائية أستخدمها الإنسان القديم للتطلع إلى السماء، ويمكن كذلك اعتبار الابراج والزقورات(2) وبعض الصخور القديمة المنظمة هندسياً نوعاً من المراصد ايضاً(3).
وكل الحضارات القديمة عرفت نوعاً من المراصد على ما بينها من تفاوت واختلاف في الثقافة والعلم.
وفي الحضارة اليونانية القديمة يرد ذكر مرصد هيبارخوى في جزيرة رودس في حدود سنة 140 قبل الميلاد. اما اشهر المراصد القديمة فهو مرصد الاسكندرية(4) (الذي بغلت قمة نشاطه في القرن الثاني الميلادي) والذي رصد فيه الفلكي اليوناني بطليموس أرصاده الفلكية الشهيرة وفي الحضارة الإسلامية انتشرت المراصد الفلكية في انحاء مختلفة من العالم الإسلامي وتطورت من حيث المكان والآلات الفلكية المستخدمة والشرط العلمية والانجازات القيمة والارصاد المكثفة(5).
وقد ذكر حاج خليفة في كتابه كشف الظنون عدداً من المراصد الفلكية المنتشرة في العالم الإسلامي نذكر منها: رَصَد(6) ابن الشاطر بالشام رصد ابي حنيفة باصفهان رصد ألغ بك بسمرقند رصد ايلخاني بمراغة رصد البتاني بالشام الرصد الحاكم بمصر ومراصد اخرى(7).
وفي كتاب (المراصد الفلكية في العالم الإسلامي للعالم المؤرخ ايدين صاييلي شرح داف للمراصد الإسلامية والآلات الفلكية المستخدمة في داخلها والكتاب مترجم إلى اللغة العرسة(8).
لكن المراصد الاهم في تاريخ الحضارة الإسلامية هي المراصد التي انشأها المأمون، أحدها مرصد جبل قاسيون على جبل قاسيون في دمشق في الشام والمرصد الثاني هو مرصد الشماسية في بغداد، وهذان المرصدان هما المرصدان الأولان في الحضارة الإسلامية.
مراصد بغداد
لقد انطلقت المراصد الأولى في العالم الإسلامي من بغداد وفي وقت مبكـّر من قيام الحضارة الإسلامية ونهضتها العلمية والثقافية، وذلك في عصر الخليفة المأمون العباسي وفي مدينة بغداد عاصمة الخلافة العباسية وعاصمة الدنيا في ذلك الزمن.
وقد اجتمع في مدينة بغداد خيرة الفلكين، فمن جهودهم وأرصادهم انطلق الفلك وتطوّر وجاء اللاحقون ليبنوا على ارصادهم البناء الفلكي الشامل الذي عرفت به الحضارة الإسلامية.
ومن خلال ما وصل إلينا من أخبار المراصد الفكلية في العالم الإسلامي وفي بغداد بالذات ذكر لنا التاريخ أربعة مراصد الشماسية وهو أول مصرد بني في الإسلام في بغداد كماسيأتي، والثاني مرصد أبناء موسى بن شاكر، والثالث مرصد ابن الاعلم والرابع مرصد شرف الدولة البويهي، وسنأتي على كل واحد بما توافر لنا من معلومات.
1- ...المرصد الشماسية في بغداد
وهو مرصد أو مكان للرصد (لا نعرف تفاصيله بشكل دقيق) يقع في حي الشماسية ببغداد، وبعد هذا المرصد الفلكي من اوائل المراصد الفلكية في الحضارة الإسلامية زمن المأمون، لانعرف عنه سوى نثف متفرقة من العلومات.
تمت في هذا المرصد الفلكي أو هذا المكان أولى الارصاد الفلكية في الحضارة الإسلامية (ومثله كان مرصد جبل قاسيون في دمشق الذي أسسه الخليفة المأمون أيضاً).
وكانت تلك الارصاد الفلكية الأولى بأمر من الخليفة المأمون المتوفى سنة 218 هجرية وضمن برنامج علمي دقيق اهتم بشكل خاص بالشمس والقمر، وكان في السنوات الأخيرة من خلافة المأمون أي في حدود سنة 216 وسنة 217 هجرية.
ومن الذين رصدوا في هذا المرصد الفلكي يحيى بن ابي منصور والفلكي الفلكي العباس الجوهري والفلكي سند بن علي، مستخدمين آلات فلكية صـُغت على عزار الآلات الفلكية اليونانية. ومن انجازا هذا المرصد المأمون يتوافر جداول فلكية جديدة عرفت في الحضارة الإسلامية باسم (ازباج جمع زبح) وفيها ارقام وقيم فلكية جديدة وهي تجديد للارقام والقيم الفلكية اليونانية القديمة.
2- مرصد ابناء موسى بن شاكر في بغداد
وهو مرصد فلكي السماوي أجرى فيه أولاد موسى بن شاكر ارصدهم الفلكية، واولاد موسى بن شاكر هم: محمد بن موسى بن شاكر، وأحمد بن موسى بن شاكر، والحسن بن موسى بن شاكر وقد اشتهروا بعلوم الفلك والرياضيات والفيزياء (الحيل كما تسمى قديماً) وقد اجروا أرصاداً فلكية في اواسط القرن الثاني الهجري أي بعد وفاة الخليفة العباسي عبد الله المأمون سنة 218 هجرية.
درس الباحثون هذا المرصد الفلكي لكن لم يستطيعوا أن يحدّدوا مرصداً أو مبنى محدداً لبناء موسى الثلاثة، لكنهم يعتقدون أن منزلهم الواقع بجانب جسر دجلة والقريب من باب المدينة المسمى باب الطاق في مدينة بغداد كان مسرحاً لعمليات ارصادهم. واما آلات المرصد الفلكية فلا نعرف عنها شيئاً.
3- المرصد ابن الاعلم في بغداد
وهو مرصد فلكي أو مكان للرصد الفلكي يقع في مدينة بغداد عاصمة الخلافة العباسية، في هذا المرصد أجرى العالم الفلكي الشريف ابوالقاسم ابن لاعلم الذي عاش في بغداد، والمتوفى سنة 375 هجرية أجرى ارصاده الفلكية مستخدماً في ذلك آلات فلكية متنوعة وكبيرة صنع الكثير منها بنفسه،وقد استعان ابن الاعلم بالحاكم البويهي عضد الدولة الذي أبدى اهتماماً به كمنجم وفلكي.
من انجازات ابن الاعلم في مرصده الفلكي أنه قاس ميل فلك البروج بطريقة دقيقة جداً ووجد انه يبلغ 23 درجة و34 دقيقة وثانيتين، وذلك لا يتم الا من خلال آلات كبيرة.
4- مرصد شرف الدولة في بغداد
وهو مرصد فلكي كبير ومهم ومنظم بني في مدينة بغداد بحدائق القصر الملكي في عهد شرف الدولة بن عضد الدولة البويهي (سنة 372-379 هجرية).
وهذا المرصد كان أكثر تطوراً من المراصد البغدادية الأخرى كمرصد الشماسية الذي انشأه الخليفة المأمون وغيره أيضاً على حد علمنا. وخاصة من حيث التنظيم والادارة. وقد تضمن برنامج العمل في المرصد رصداً للكواكب السيّارة السبعة (الكواكب السيّارة الخمسة والشمس والقمر) بأمر من شرف الدولة البويهي.
وفي هذا المرصد عمل عدد من كبار الفلكيين منهم العالم الفلكي ويجن الكوهي، والعالم الفلكي ولارياضي ابو الوفاء البوزجاني، والعالم الفلكي الصاغاني، وكانت نتائج ارصاد المرصد تسجل بحضور محضر علمي حفظه لنا التاريخ.
ذكر جمال الدين القفطي: أمر [شرف الدولة] في سنة ثمان وسبعين وتلثمائة وتقدم برصد الكواكب السبعة في مسيرها وتنقلها في بروجها على مثل ما كان المأمون فعله في أيامه، وعوّل على أبي سهل (ويجن) بن رستم الكوهي في القيام بذلكوكان حسن المعرفة بالهندسة وعلم الهيئة متقدماً فيهما إلى الغتية المتناهية، فبنى بيتاً في دار المملكة في آخر البستان مما يلي باب الحطابين وأحكم أساسه وقواعد لئلا يظطرب بنيانه أو يجلس شيء من حيطانه، وعمل آليات استخرجها ورصد ما كتب به محضران أخذت منهما خطوط الحاضرين بما شهدوا واتفقوا عليه(9) هذه المراصد الفلكية هي كل ما عرفناه في مدينة بغداد، ولا نعرف كم من المراصد صناع خبره ولم ايصل الينا من آثاره، ولكن ومع ذلك فاربعة مراصد في مدينة واحد في ذلك الزمن لا شك يدل على الاهتمام غير العادي بالفلك والارصاد الجوية.

الهوامش
ــــــ

(*) باحث من العراق، متخصص في تاريخ العلوم وتاريخ الفلك.
(1) قاموس دار العلم الفلكي، عبد الأمير المؤمن: 452.
(2) الزقورة هي برج هرمي متعدد الطبقات عرف قديماً في بلاد الرافدين.
(3) من تلك الصخور المنظمة ما يعرف بـ (ستونهينج) وهي مجموعة احجار كبيرة الحجم، تقع في سهل سالزبوري في انجلترا يعتقد انها ترجع إلى نحو 4000 سنة.
(4) حول مرصد الاسكندرية انظر: مرصد الاسكندرية، قاموس دار العلم الفلكي، عبد الأمير المؤمن: 453.
(5) حول ذلك راجع بحث: «المراصد الفلكية الإسلامية نقله نوعية في تاريخ الفلك، عبد الأمير المؤمن، مجلة آفاق الثقافة والتراث، مركز جمعة الماجد، دبي، العدد 12، سنة 1996م».
(6) رصد يعني في التراث الحضاري الإسلامي (مـَرصَد)، راجع مادة مَرصد في كتاب قاموس دار العلم الفلكي، عبد الأمير المؤمن: 452.
(7) كشف الظنون في اسامي الكتب والفنون، حاج خليفة، ج1 : 907.
(8) اصل الكتاب للعالم التركي ايدين صابيلي كتبه باللغة الانجليزية، وترجمة د. عبد الله العمر وصدر عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي في الكويت سنة 1995.
(9) اخبار العلماء بأخبار الحكماء، جمال الدين القفطي: 230.