|
االثلاثاء: 17/06/2008
جذور الاستبداد وبذور الديمقراطية وآفاقها في العراق(2/2)
عادل
حبه
ملامح الحكم في العهد الملكي
لقد تطلب ضمان مصالح بريطانيا والعرش الهاشمي انتهاج سياسة تتنافى مع
القواعد والقيم الديمقراطية في بلد، مثل العراق، له خصائصه المتميزة عن
البلدان العربية الأخرى. فالتركيب الأثني ينطوي على التنوع عند تشكيل
الدولة العراقية، حيث يشكل العرب قرابة 70% من السكان والاكرد 17%
والبقية يتوزعون على الأقليات القومية كالأتراك والتركمان والآثوريين
والكلدان والفرس والأرمن واليهود. ويكفي أن نشير إلى إن عدد اليهود
القاطنين في بغداد بلغ 80 ألف من أصل 202 ألف نسمة هم سكان بغداد في
بداية القرن العشرين. وضمن هذه التركيبة الأثنية، هناك تنوع كبير في
الولاءات الدينية. فالعرب يتوزعون على الطائفة الشيعية والسنية والصابئة
وفريق من المسيحيين وهذه الطوائف أيضاً بدورها تنقسم إلى فرق مختلفة
وتعدد الطرق الحنبلية والشافعية والقادرية. أما الأكراد فبينهم السوراني
والبهديناني والفيلي والشبك والمسلم السني أو الشيعي أو اليزيدي. وكذا
الحال عند التركمان حيث نجد الشيعي والسني على حد سواء. ولا يشذ
المسيحيون عن هذه القاعدة حيث نجد بينهم من ينتسب إلى الكنيسة
الجاثوليقية (النسطورية) أوالكاثوليكية أوالأرثودوكسية أو البروتستانتية.
والحقيقة إن هذا التنوع الفريد هو سلاح ذي حدين، إذ يمكن أن يوفر ثراءاً
روحياً وثقافياً وتسامحاً لدى سكان وادي الرافدين وقاعدة للانتقال الى
الديمقراطية من ناحية، ومن ناحية أخرى وفي ظل تجاهل هذه الخصوصية أو
استخدام السلطة لهذا التنوع لإثارة الخصومة بين السكان لفرض تسلطها طبقاً
لمبدأ «فرق تسد»، فإنه يتحول إلى سلاح للاستبداد وللتطرف وعدم الاستقرار
والمواجهات الدينية والمذهبية والعرقية، وبذلك يصبح معرقلاً لأي تطلع
وتقدم نحو الديمقراطية.
ولقد انتهجت سلطة الانتداب والسلطة الملكية السبيل الثاني، حيث لجأت إلى
تطبيق نمط الإدارة التركية القائم على نمط النقاء العرقي والطائفي، أي
الإعتماد على النخبة من الطائفة السنية العربية التي لم تشكل في البلاد
إلاّ نسبة 17% من السكان. وتبعاً لذلك أمسك نفس الطاقم العراقي والعربي
الذي كان قد خدم الإدارة العثمانية بالحلقات الرئيسية لإدارة الدولة في
العهد الملكي . فمنذ عام 1921 حتى عام 1958 أي عام سقوط الملكية، كانت
80% من المناصب الحكومية الحساسة (رئيس الوزراء، وزير المالية، الداخلية،
الدفاع، الخارجية) بيد النخبة السنية. وخلال نفس الفترة شكلت 23 وزارة
شغل أربعة فقط من الشيعة منصب رئاسة الوزراء. وفي عام 1930 فقط، على سبيل
المثال، كان هناك 13 متصرفاً (محافظاً ) من أصل 14 متصرفاً و 43 مدير
قضاء من أصل 47 ينحدرون من أبناء الطائفة السنية. وهيمنت نخبة هذه
الطائفة على إدارة المؤسسات القمعية كالجيش والشرطة والأمن بحيث كان من
النادر على أبناء الطوائف الأخرى إختراق هذه المؤسسات.
ولم يقتصر الأمر على الجانب الإداري بل تخطاه إلى الجانب الإقتصادي
أيضاً. فالدولة وضعت أفضل أراضيها تحت تصرف المتنفذين من سياسيين وكبار
العسكريين وملاك الأراضي من أبناء الطائفة السنَية بشكل أكثر من الطوائف
الأخرى بحيث أصبح تحت حوزتهم حوالي 5,2 مليون دونم مقابل قرابة نفس
المساحة للملاكين الكبار من الطائفة الشيعية. وبلغ الأمر حداً أن يعترف
الملك فيصل الأول بهذا الواقع في حديث خاص له حيث قال : «إن الضرائب على
الشيعي والموت على الشيعي والمناصب للسني».
وطوى النسيان قضية حل المشاكل القومية (المشكلة الكردية والأقليات)
وتنامت دعوات الانصهار الاثني مما أدى إلى لجوء الحكومة المركزية فى شن
الحملات التأديبية كلما طالب هؤلاء بتحقيق مطاليبهم.
إن هذا النهج القائم على تمحور السلطة بيد الأقلية حال دون تبلور روح
المواطنة لبلد متنوع وجعل اللجوء إلى الاستبداد أمراً مفروغاً منه
وموضوعياً. فلا يمكن أن يؤدي هذا النمط في إدارة الدولة إلاّ إلى
الاستبداد الذي يصبح حصيلة طبيعية ومنطقية للاستئثار بالحكم من جانب نخبة
الأقلية.
والمشكلة الأخرى التي ورثتها الدولة العراقية عن الدولة العثمانية والتي
تهدد التطلعات الديمقراطية هي العسكرتاريا. فقد انتقلت تقاليد الجيش
العثماني على يد الضباط العراقيين والعرب الذين خدموا فيه، والذين تأثروا
بالضباط من أعضاء «تركيا الفتاة» المولعين بالعنف وحبك المؤامرات، إلى
الجيش العراقي منذ لحظة تأسيسه في عام 1921. وفرضت التقاليد المتعالية
للمؤسسة العسكرية العثمانية على المجتمع، والزجر والجلد في الجيش
العراقي.
فضلاً عن ذلك فقد أقحم الجيش منذ بداية تأسيسه في حل المشاكل الداخلية
السياسية التي تواجه البلاد لصالح الهيئة الحاكمة؛ أي القيام بوظيفة
القمع الداخلي وليس مهمة الدفاع عن الوطن ضد أي تهديد خارجي. فمهمة
مواجهة التهديد الخارجي التي لم تكن موجودة عملياً، «احتكرتها» القوات
البريطانية. ويتحدث الملك فيصل الأول بدقة عن مهمة الجيش العراقي ويقول :
«إنني لا أطلب من الجيش أن يقوم بحفظ الأمن الخارجي في الوقت الحاضر الذي
سوف تتطلبه منه بعد إعلان الخدمة العامة. أما ما أطلبه منه الآن هو أن
يكون مستعداً لإخماد ثورتين تقعان، لا سمح الله، في آن واحد في منطقتين
بعيدتين عن بعضهما». وهكذا زج الجيش العراقي خلال العهد الملكي في حل
مشاكل سياسية داخلية كقمع الأكراد والآشوريين أو إخماد انتفاضات الفلاحين
المطالبين بالحدود الدنيا من حقوقهم أو ملاحقة العمال المضربين في شركة
النفط البريطانية أو ميناء البصرة إلى قمع المظاهرات التي كانت تندلع بين
حين وآخر في شوارع مدن العراق وفرض الأحكام العرفية العسكرية، والتي لا
يمكن أن توضع ضمن إطار التهديدات الخارجية.
هذه المهمة التي أوكلتها السلطة للجيش إذ وفرت الحماية للسلطة وقتياً،
إلاّ أنها أضحت العامل الهام الذي أدى إلى زج القوات المسلحة في النشاط
السياسي العلني والسري وتحولها إلى حزب سياسي غير معلن، مما أثر سلباً
على تطور الديمقراطية في الدولة الفتية. وتبعاً لذلك بدأت المطامح تراود
الضباط حول الإمساك بزمام السلطة بأنفسهم ولصالحهم والعمل بالنيابة عن
السياسيين ورجال الحكومات المتعاقبة. وهكذا كان الجيش العراقي من
السبّاقين في تنظيم الانقلابات العسكرية في الأقطار العربية. ويكفي
الإشارة إلى أنه منذ عام 1936 وحتى عام 1941 نظم الجيش أو كان وراء سبعة
تغيرات حكومية أو انقلابات عسكرية (من انقلاب بكر صدقي حتى انقلاب
العقداء الأربعة). ومن اللافت للنظر أنه قد شارك عدد من الأحزاب التي
ترفع لواء الديمقراطية في هذه الانقلابات، رغم أنها سرعان ما تخلت عن
دعمها للانقلاب بعد أن أدركت عداء العسكريين لأي مظهر من مظاهر
الديمقراطية. لقد استخدم العسكريون العراقيون شعار الاستقرار والتحديث
ومكافحة النفوذ الأجنبي كواجهة لتصفية المؤسسات الدستورية والديمقراطية
المزيفة بدلاً من العمل على إزالة هذا التزييف واعتماد حكم المؤسسات
المنتخبة. فهناك غالبية من العسكريين اعتبرت الحزبية شر وتفرقة
والديمقراطية أمر منكر.
وانتقلت إلى الدولة العراقية الجديدة أيضاً تقاليد الدولة العثمانية
القائمة على ما يعرف بالاستبداد الشرقي؛ أي أن الدولة أقوى من المجتمع.
فمن ناحية، امتلكت الدولة وسائل الإنتاج الرئيسية، وخاصة الأرض التي
أصبحت ملكاً للدولة إثر إصدار قانون إصلاح الأراضي العثماني لعام 1858.
وأخذت الدولة العراقية بعد تأسيسها بتقديم الأراضي الأميرية طبقاً لقانون
«الأزمة والتسوية» (1920-1932) إلى من يقدمون الولاء للحكم ونهجه من شيوخ
العشائر القدامى والجدد. فقد عمدت السلطة البريطانية الى تأهيل رؤساء
عشائر موالين لها، وقدمت لهم السلاح والسيارات على غرار ما قام به صدام
حسين في آخر أيام حكمه. ان نهج الإدارة البريطانية هذا أثار السخرية لدى
المواطن العراقي، مما حدى بمدير مجلة «حبزبوز» الساخرة ان يعلق على تسمية
حصول حطّاب في الكاظمية على لقب رئيس لعشيرة حيث قال البيت التالي:
|
گومن يا حبايب جاچن ابن سهيل |
|
من بعد المُطية راكب طُرمبيل |
إن نمط الحكم الذي
يعتمد على الأقلية لابد وأن يدفع الحاكم إلى التفكير وينتابه القلق من
التحديات التي تهدد سلطته، ولذا يندفع إلى العمل بكل السبل للسطو على
ثروات البلاد من أجل الإنفاق على الجيش والأجهزة القمعية واحتياجات الحكم
نفسه بالدرجة الرئيسية. وفي هذا الإطار لا يبقى مجال للحديث عن الأجهزة
التمثيلية لكي تقوم بدور المحاور بين الحاكم والمحكوم ولا عن مؤسسات
الإدارة الذاتية في المدينة والريف ولا إنعاش منظمات المجتمع المدني أو
الأحزاب السياسية. وهكذا أصبح اللجوء إلى الأحكام العرفية في العهد
الملكي أمراً متعارفاً عليه سواء على نطاق البلاد كلها أو مناطقياً عند
أدنى بادرة من الاحتجاج الشعبي بما فيها القيام بمظاهرة او اضراب عمالي.
فمنذ صدور مرسوم الإدارة العرفية رقم 18 عام 1935، وتكاد لا تمر سنة دون
العمل بهذا المرسوم من أجل قمع أي مطالبة شعبية بتطبيق الدستور والعمل
ضمن مبادئ الحريات الديمقراطية التي أقرها بالرغم من محدوديتها.
ولم تقتصر الإجراءات المعادية للديمقراطية على ذلك بل جرى عملياً تجميد
مواد الدستور العراقي الخاصة بالحريات العامة. فمنذ أوائل الثلاثينيات،
صدر 27 مرسوماً للحد من تمتع المواطن العراقي بحرياته الديمقراطية
وإشرافه على السلطة، بدءاً بالمرسوم المرقم 90 لعام 1931 والخاص بصيانة
الأمن وضد الإضرابات في ظل وزارة نوري السعيد، ومروراً بمرسوم خطير رقم
62 لعام 1933 حول إسقاط الجنسية عن العراقيين في عهد وزارة رشيد عالي
الكيلاني، ثم المرسوم السيئ الصيت والمرقم 16 لعام 1954 والذي أطلق عليه
المواطنون العراقيون «مرسوم ما شاكل ذلك»، بسبب عدم تقيّده بأي حدود
لإنزال العقوبات الصارمة بالمعارضة. وأخيراً صدر مرسوم الطوارئ رقم 10
والصادر في عام 1956 والذي أمتد العمل به حتى سقوط صدام حسين في نيسان
2003.
وإذا ما صادف أن اضطرت السلطة في العهد الملكي إلى التراجع بفعل الضغط
الشعبي للعمل ببعض مواد الدستور، إلاّ أنها سرعان ما تتنكر لقراراتها
وتصفي تلك المظاهر الأولية للممارسة الديمقراطية . فعلى سبيل المثال،
اضطرت السلطة عام 1945 بفعل الضغط الداخلي ونتائج الحرب العالمية الثانية
إلى التخفيف من نهج معاداة الديمقراطية، وأعطت المجال لعدد من الأحزاب
بالنشاط وإصدار عدد من الصحف المعارضة. كما سمحت لعدد من الاتحادات
المهنية بالنشاط الى حد السماح لليهود الشيوعيين بإصدار جريدة «العصبة»
الناطقة باسم عصبة مكافحة الصهيونية. ولكن ما أن شعرت الحكومة أن ذلك
سيؤثر على انفرادها بالقرار واحتكارها للسلطة حتى بادرت إلى سحب رخصة عدد
من الأحزاب وصحفها وغلق مراكز المنظمات المهنية. ورافقت ذلك حملة ضغوط
واعتقال المعارضين وصولاً إلى تنفيذ أحكام الإعدام بزعماء المعارضة لأول
مرة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة بدون أية مبررات قانونية حيث جرى
اعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي وفي مقدمتهم يوسف سلمان يوسف «فهد»
مؤسس الحزب بدون اي سبب واضح. ونفس الأمر حدث عام 1954 بعد إزالة الأحكام
العرفية التي فُرضت إثر الاحتجاجات الشعبية عام 1952 والتي أدت إلى تغيير
نظام الانتخابات إلى الانتخابات المباشرة، ثم إطلاق الوعود بإجراء
انتخابات نزيهة. وتبعاً لذلك جرت الانتخابات وفاز بالتزكية أنصار النظام
بالطبع في غالبية المراكز، ورغم ذلك تسنى لأحد عشر من المعارضين الفوز
بمقاعد في مجلس النواب رغم التزوير المعهود. إلاّ أن الحكم وباقتراح من
نوري السعيد، رمز العداء للديمقراطية آنذاك، وبعد أيام من إعلان نتيجة
الانتخابات وفي اول جلسة للمجلس الجديد بادر إلى حل المجلس و لم يتحمل
وجود هذه الأقلية البسيطة المعارضة في المجلس.
يؤكد علم الاجتماع الحديث وتجربة التطور الديمقراطي في البلدان
الديمقراطية على أن من الأركان الهامة في البناء السياسي الديمقراطي هو
قدرة جهاز الدولة على إعمال نفوذه واحتكاره للقمع وعدم تعدد المراكز
القمعية في الدولة واقتصار قرارات الدولة على جهاز تشريعي واحد. ولكن
تجربة الدولة العراقية منذ تشكيلها تتعارض مع هذه القاعدة، وبالتالي
عرقلت مسيرة العراقيين نحو الديمقراطية. فالإدارة البريطانية احتفظت
بقواتها وأجهزتها البوليسية والأمنية لفترة متأخرة من العهد الملكي، بل
واستخدمت هذه الأجهزة في أعمال قمع مباشرة ضد المواطنين العراقيين بمعزل
عن دور الأجهزة المحلية، ولعل أبرز مثال على ذلك هو دورها في إزاحة سلطة
انقلاب مايس عام 1941. ولم تكتف السلطات البريطانية بهذه المؤسسات بل
عمدت إلى تشكيل وحدات من العراقيين، الأشوريين والأكراد، والتي كانت تعرف
بوحدات «الليفي» أثناء ثورة العشرين لمجابهة الأحداث الداخلية. وقد بلغ
عددها 7500 مقاتل عام 1925. واستمر الاحتفاظ بهذه الوحدات، رغم تكامل
بناء الدولة العراقية وإعلان استقلالها، حتى عام 1955 حيث جرى تسريحها أو
إلحاق بعض أفرادها بوحدات الجيش أو الشرطة العراقية. ولم يقتصر الأمر على
ذلك بل أن شركة النفط البريطانية أسست وحدات بوليسية وأمنية خاصة بها.
وإضافة إلى ذلك فإن السلطة الملكية، ومن أجل فرض سيطرتها على المناطق
الريفية بالاستناد إلى كبار الملاكين، أصدرت قانون «دعاوي العشائر» الذي
ينص على تخويل الإقطاعيين صلاحيات كاملة لفرض الأمن وحل المشاكل المتنازع
عليها في الريف بما في ذلك تشكيل وحدات قمع وسجون دون الرجوع إلى التشريع
المدني القائم؛ أي استبداد داخل استبداد. وازداد نفوذ كبار الملاكين بشكل
كبير بعد أن تزعزعت ثقة النظام بولاء الجيش له إثر انقلاب بكر صدقي في
عام 1936 وحركة العقداء الأربعة في عام 1940. ويكفي الإشارة إلى أن نسبة
كبار الملاكين من الشيوخ والأغوات في مجلس النواب كانت تشكل 19,3% عام
1925، ولكنها ارتفعت إلى 35,9% في عام 1958؛ أي في الأيام الأخيرة من عمر
الملكية في العراق .
هذه السياسة التي اتبعها النظام أعاقت التحام العراقيين وتعزيز روح
المواطنة والهوية العراقية مما وفر تربة خصبة لانتعاش الميول الاستبدادية
المعادية للديمقراطية لدى النظام.
لقد تأثر المجتمع العراقي أيضاً بالنزعات الكاريزماتية الاستبدادية
وتجاربها والتي انتشرت في البلدان المجاورة او في العالم خلال فترة العهد
الملكي، بغض النظر عن الاختلاف في مضامينها، ومنها الانقلاب العسكري في
تركيا بزعامة أتاتورك والانقلاب العسكري في إيران بقيادة رضا خان، إضافة
إلى تصاعد النزعة الفاشية والنازية في أوربا قبل الحرب العالمية الثانية
أو الستالينية خلال الحرب وما بعدها ثم ظاهرة جمال عبد الناصر في فترة
الخمسينيات. ومن المعلوم أن مرافقي الملك فيصل من العرب الذين تأثروا
بموجة الإعجاب بأتاتورك والفاشية الإيطالية والنازية الالمانية احتلوا
مراكز حساسة في التعليم على وجه الخصوص. ولذا كرست غالبية المناهج
التعليمية لتسريب أفكارهم التي هي لباس عربي لخليط من النزعة القومية
التركية المتصاعدة في العشرينيات والثلاثينيات والنزعات القومية المتطرفة
التي استشرت في بعض البلدان الأوربية والتي تسلم أنصارها السلطة في
ألمانيا وإيطاليا. وكمثال على ذلك أطلق أنصار هذه النزعة على العراق اسم
«بروسيا العرب» في تلك الفترة، بما تعني هذه التسمية من معاني العسكرة
وتعاظم جبروت الدولة الاستبدادية والبيروقراطية الممركزة وسيطرة الدولة
على جميع مرافق الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية. ولم يقتصر
تشبيه العراق بالمثل البروسي، بل تعداه إلى تحديد دور أساسي للعراق في
بناء الدولة العربية الموحدة المرسومة في ذهن هؤلاء. فهم يشبهون العراق
ببروسيا ودورها في توحيد ألمانيا وبقوة السلاح دون الأخذ بنظر الاعتبار
الفوارق في الزمان والمكان. هذا الدور الذي لم يكن العراق مستعداً لأن
يلعبه لأسباب تتعلق بتركيبة العراق وقدراته، مما زج العراق في صراعات
داخلية وخارجية مازالت ذيولها تؤثر حتى الوقت الحاضر. وكمثال على ذلك فإن
ذريعة غزو الكويت في عام 1990 قد تم في إطار نفس هذه العقلية التي هلل
البعض لها من السياسيين العرب، والتي جلبت الكوارث للشعب العراقي.
ومن أجل ترسيخ هذه النزعة بدأت المؤسسة التعليمية في العهد الملكي، عندما
كان لساطع الحصري الدور النافذ فيها، حيث بادر إلى تشكيل «كتائب الفتوة»
على غرار حركات الشبيبة الفاشية في ألمانيا وإيطاليا، بحيث بلغ عدد
أفرادها 12 ألف شاب في عام 1930. وقد حدد مدير إدارة هذه الكتائب مهمتها
في تعليم «فن الموت» كما أشير في برنامجها. ولنا أن نقدر مدى الأضرار
التربوية التي أحدثتها هذه السياسة في أذهان الشبيبة في تلك الحقبة وما
تبعها.
كما تبارى بعض السياسيين العراقيين في الاقتداء بالأمثلة الاستبدادية
التي كانت موجودة إقليمياً وعالمياً. فناجي شوكت، مثلاً، أراد تأسيس حزب
يمثل كل الأمة ويغفل كل إشارة إلى البرلمان أو الانتخابات. ويشير المؤرخ
العراقي عبد الرزاق الحسني إلى أن «نوري السعيد كانت لديه فكرة ترمي إلى
تشكيل حزب فاشي ينتهج سياسة العنف». وكان كل من رشيد عالي الكيلاني
ومزاحم الباججي وعلي جودت الأيوبي وياسين الهاشمي، رؤساء وزراء متعاقبون،
من المعجبين بمصطفى كمال أتاتورك. ولعب ساطع الحصري دور المنظر، ويشير
إلى ذلك ناجي شوكت في مذكراته وعلى لسان الحصري قائلاً «إن النظام الذي
يجب أن تتجه نحوه آمالنا ومساعينا هو نظام فاشي لا نظام بلشفي»، وإن
«الوطنية والقومية قبل وفوق كل شئ ... وحتى فوق وقبل الحرية».
ومن اللافت للنظر إن هذه الأفكار لم تقتصر على الموالين للحكم فحسب بل
تبنتها أيضاً تيارات وشخصيات سياسية معارضة، خاصة في التيار القومي
العربي، وشقت طريقها إلى الشارع أيضاً.
الديمقراطية والمعارضة
انتهجت السلطة في العهد الملكي، كما أشرنا آنفاً، سياسة الحد من الحريات
الديمقراطية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف لم يكتف المسؤولون عن شؤون الحكم
آنذاك بالإجراءات القسرية، بل تجاوزوا ذلك إلى الإجراءات الاحتماعية
والاقتصادية. فالسلطة هيمنت على مفاصل العملية الاقتصادية في البلاد ولم
تطورها خشية من نمو الفئات الاجتماعية الحديثة التي لها مصلحة في إرساء
قواعد الديمقراطية. وعرقلت الحكومة التطور اللازم للقطاع الصناعي الخاص
باعتبار أن مثل هذه السياسة الاقتصادية تؤدي إلى تنامي دور الفئات
المتوسطة في المجتمع والتي ستطالب بدورها بتغيرات في البناء السياسي
باتجاه الديمقراطية. لقد خطى الحكم خطوات بسيطة في مجال التنمية الصناعية
ولأسباب سياسية، منها إن الذين تولوا المناصب الهامة في الحكم لفترة
طويلة ومنهم نوري السعيد كان يرد دائماً على المطالبين بأهمية التنمية
محذراً من مخاطر تعاظم وزن الفئات الاجتماعية الجديدة كالعمال والمثقفين
والتكنوقراط والفئات الوسطى على البناء السياسي القائم.
إلاّ أن منطق حركة أي مجتمع كان يفرض إرادته بالرغم من نهج السلطة. إذ أن
حاجة قوات الاحتلال البريطاني في بداية الاحتلال بُعيد الحرب العالمية
الأولى وأثناء الحرب العالمية الثانية إضافة إلى الحاجات المادية للمجتمع
تطلبت، رغم عرقلة السلطة في قيام قدر من المؤسسات الاقتصادية الحديثة
كصناعة استخراج النفط والسكك الحديدية والميناء والنسيج والتبوغ وغيرها.
وفرض هذا التطور المحدود على الدولة قدراً من توسيع التعليم وإرسال
الطلبة إلى الدراسة في الخارج، علماً أن الأمية بقيت حتى أواخر العهد
الملكي تشكل نسبة مرتفعة تصل إلى حوالي 70%. وأدى كل ذلك إلى نمو الفئات
الاجتماعية الجديدة التي بدأت بدورها تبدي ضغوطها من أجل الإصلاحات
السياسية باتجاه الديمقراطية.
وبرزت شخصيات سياسية منذ العشرينيات وخلال مختلف مراحل العهد الملكي وحتى
عام 1958 كانت تتبنى الديمقراطية كمنهج في إدارة الدولة مثل الشخصيات
البارزة الحاج جعفر أبو التمن ويوسف سلمان يوسف (فهد) وكامل الجادرجي
والشعراء محمد صدقي الزهاوي والرصافي ومحمد مهدي الجواهري وحسين الرحال
وعبد الفتاح إبراهيم ومحمد حديد والعلامة والشاعر محمد رضا الشبيبي وعبد
القادر إسماعيل وعزيز شريف وعبد الرحيم شريف وتوفيق منير وحسين جميل وسعد
صالح جريو ومسعود محمد وعبدالله مسعود القريني وذو النون ايوب وكامل
قزانجي والعالم عبد الجبار عبدالله وخدوري خدوري وطلعت الشيباني والضابط
الطيار جلال الاوقاتي وتوفيق منير وناجي يوسف وفيصل السامر ونائل سمحيري
وإبراهيم كبة وعبد اللطيف الشواف ...الخ. وساهم هؤلاء وفي سنوات مختلفة
في تشكيل أحزاب سياسية عراقية الهوية وذات برامج ديمقراطية مما عرضهم أما
للسجن والتشريد وإسقاط الجنسية العراقية أو الإعدام والموت تحت التعذيب
والاغتيال.
إن الشئ المتميز لجميع هؤلاء هو طموحهم لتشكيل احزاب تحتضن كل العراقيين
ومعارضتهم لتشكيل أحزاب سياسية على أساس طائفي معتبرين أن بناء الدولة
والحركات السياسية على أساس طائفي يغذي نزعة الاستبداد، وإن المهمة
الأساسية للمعارضة تكمن في تعزيز روح المواطنة العراقية والهوية العراقية
والامة العراقية بغض النظر عن الطائفة أو الدين او العرق. ومن هنا فإن
الحاج جعفر أبو التمن، الشيعي المتدين، كان يعارض البناء الطائفي للحركات
السياسية التي شكلها أو شارك في تشكيلها، وتعرض جراء ذلك للضغط سواء من
السلطة الحاكمة او النقد من بعض رجال الدين الشيعة على حد سواء. واتجهت
جهود أبو التمن لتوحيد جهود العراقيين على اختلاف منحدراتهم الطائفية
والدينية والقومية في الحزب الوطني العراقي الذي شكله في مطلع العشرينيات
والذي تعرض للحظر ثم نفي أبو التمن إلى جزيرة هنكام في الخليج. ولعب موقف
أبو التمن دوراً هاماً في تطويق محاولات تشكيل أحزاب طائفية شيعية صرفة
بالرغم من سياسة التمييز الطائفي للسلطة. وهكذا لم يستطع حزب النهضة
الشيعي الذي تأسس في أواخر العشرينيات من أن يستمر في نشاطه السياسي. إن
ظاهرة البناء الطائفي للحركات السياسة لم تنتعش الا في بداية العقد
السادس من القرن العشرين عندما أمعن الحكام في سياسة تمييز طائفية
مكشوفة. واستمر ألمرحوم أبو التمن، هذا الرجل العراقي الاصيل، بنهجه حتى
وافته المنية بعد الحرب العالمية الثانية دون ان تتحقق احلامه في ان تورق
شجرة الديمقراطية في وادي الرافدين.
كانت الابواب موصدة امام الحركة المطالبة بالديمقراطية في العراق بسبب
تعنت الحكم الملكي بعدم تطبيق بنود الدستور العراقي الخاصة بتوفير
الحريات الديمقراطية. لقد كانت النخبة الحاكمة تخشى من ان اشاعة
الديمقراطية ستفضي الى ازالة احتكارها للسلطة علاوة على تقليص وازالة
التدخل البريطاني في الشؤون الداخلية، بما يضمن احترام سيادة الشعب
العراقي على اراضيه والتمتع بثرواته الطبيعية. مع العلم ان العراقيين
لجأوا الى اسلوب النضال السلمي لتحقيق مطلبهم في الحريات الديمقراطية مع
استثناء مواجهات عنفية في بعض الفترات سواء في كردستان العراق او في
الريف العراقي الذي كان يأن من وطأة النير الاقطاعي. الا ان انعدام اي
بصيص امل في النضال السلمي دفع غالبية الاحزاب والشخصيات السياسية الى
التوجه الى الجيش لتحويله الى اداة للتغيير. ان التوجه الى الجيش
والعسكريين انطوى على آثار سلبية تمثلت في تصفية اي مظهر من مظاهر
الديمقراطية في حالة نجاح العسكريين في استلام السلطة. وهذا ما حدث في
انقلاب بكر صدقي عام 1936 ثم حركة العقداء الاربعة ورشيد عالي الكيلاني
عام 1941 على سبيل المثال، والتي لم تضع في جدول عملها مهمة إقامة نظام
ديمقراطي في العراق وتأمين الحريات الديمقراطية بل بالعكس.
ومن الامور التي لم تساهم في تنمية الوعي الديمقراطي في البلاد هو ان
المعارضة التي كانت تطالب بحرية العمال لنشاطها السياسي هي الاخرى لم يكن
لديها وضوح ورؤية متكاملة عن العملية الديمقراطية. فالحركات القومية
العربية في عقد الثلاثينيات والاربعينيات بالرغم من دعوتها الخجولة
للديمقراطية الا ان مثلها في الحكم كانت انظمة استبدادية كالنظام النازي
والفاشي في اوربا. وينطبق نفس الامر حتى على الحزب الشيوعي العراقي
واليسار ورموزه عموماً الذي كان الاكثر مطالبة بالحريات الديمقراطية،
ويكاد لا يخلو اي بيان او صفحة من صفحات الجريدة السرية للحزب الشيوعي او
التيار اليساري عموماً عن معالجة الحريات الديمقراطية ومطالباً بتطبيقها.
غير ان هذه المطالبة تصطدم بقضية فكرية تتعلق بالمثل الذي يحتذيه الحزب
وهو نظام الحزب الواحد في الاتحاد السوفييتي آنذاك. وهنا تقع هذه الاحزاب
اليسارية والقومية في تناقض، فمن جهة انها تطالب بالحريات الديمقراطية،
إلا انها كانت تلتزم الصمت بل وتهلل الانظمة في غاية الاستبداد ومنهمكة
في قمع الحريات الديمقراطية بالرغم من ان هذه الاحزاب هي نفسها ضحية
للاستبداد ولمطالبتها بالحريات الديمقراطية في بلادها. اما على نطاق
كردستان فان الطابع المميز لبرامج الاحزاب الكوردية هو تأكيدها على
القضية القومية دون ان تربط هذه القضية بشكل وثيق بقضية تحقيق
الديمقراطية في عموم العراق، مع استثناء الحزب الشيوعي العراقي وفرعه
الكوردي الذي كان يعتبر القضية الكوردية قضية ديمقراطية لا يمكن حلها
بدون حل المسألة الديمقراطية في العراق، مطالباً بشكل عام بحق تقرير
المصير للكورد وهو ما انفرد به الحزب عن سائر الاحزاب العراقية.
ثورة تموز
إن المأزق الذي واجه الحكم في العهد الملكي، إضافة إلى تنامي بوادر الوعي
الديمقراطي بشكل محسوس في الفترة التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية،
هو الذي كان وراء الحاجة الملحة للتغيير وبأي شكل من أجل دخول العراق إلى
مرحلة الحداثة والعصرنة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وفكرياً. وهكذا
تفجرت ثورة 14 تموز عام 1958 كتعبير عن إرادة شعبية عارمة في التغيير
الشامل، وعن إرادة جميع الأحزاب السياسية في العراق وبما فيها تلك
الأحزاب التي كانت تتعامل مع الحكم الملكي، وعن إرادة قوية لدى جمهرة
واسعة من العسكريين العراقيين بدوافع وطنية وقومية.
وبغض النظر عن شكل تفجر هذه الثورة عن طريق الجيش، إلاّ أنها استقبلت
بقبول شعبي كاسح لم تشهده أي من حركات التغيير التي شهدها العراق الحديث.
وكان لهذا التحول أن يدشن أولى الخطوات نحو الشروع لإقامة نظام ديمقراطي
في العراق، إلاّ أن الثورة فشلت في تحقيق ذلك مما قاد البلاد إلى كارثة 8
شباط عام 1963 التي أرست تقاليد من العداء للديمقراطية والاستبداد والعنف
العرقي والطائفي لم يشهده العراق، ومازال تأثير هذا الحدث قائماً حتى بعد
سقوط الاستبداد في نيسان عام 2003. ويعود سبب هذا الفشل بالدرجة الرئيسية
إلى عدم قدرة ونضج الحركات السياسية التي تعاونت على إنضاج الحدث الكبير
في تحديد معالم البناء السياسي الجديد، والموقف من الديمقراطية تحديداً،
وعدم قدرتها على استيعاب مبدأ الرجوع إلى رأي الشعب في تحديد مستقبل هذا
البناء. وانعكس هذا الوضع على المؤسسة العسكرية التي كانت الأداة في نجاح
ثورة تموز، حيث لعب الخلاف بين الحركات السياسية دوراً في تأجيج النزعات
الفردية والمعادية للديمقراطية في هذه المؤسسة العسكرية وانفرادها بمسار
ثورة تموز ودفعها بطريق منافي للديمقراطية . وفي إطار هذا الصراع السياسي
الداخلي، كان لابد أن يلعب العامل الإقليمي والخارجي الذي تضرر أو فزع من
مسار الثورة، وفرض دوره السلبي الذي ترك آثاره المدمرة وصولاً إلى فاجعة
8 شباط عام 1963 المعادية للديمقراطية والحداثة. وفي الحقيقة إن الصراع
الداخلي وذيوله الخارجية بعد ثورة تموز لم يكن حول الوحدة العربية ولا
حول ادعاءات زائفة حول الاساءة إلى الدين ولا على الخوف من وقوع العراق
في أحضان الكتلة السوفييتية، بقدر ما هو صراع حول شكل الدولة الجديدة
وموقع الديمقراطية فيها، تماماً كما يحدث الآن حيث أن الصراع بقي هو نفسه
حول مضمون الدولة الجديدة التي يُراد بناؤها، دولة حديثة ديمقراطية أم
دولة استبدادية قمعية سواء بلافتات قومية أو دينية لايتمتع فيها
العراقيون بحقوق متساوية ولا يركن فيها إلى إرادة الشعب في إدارتها، بل
إلى المستبدين والجبابرة وأمراء الحرب والجيوش الزائفة والميليشيات .
ردة شباط
نجحت الردة في 8 شباط في لجم بوادر إرهاصات الوعي الديمقراطي في المجتمع
العراق لمدة أربعة عقود، خسر خلالها العراقيون فرص الاستقرار السياسي
والاجتماعي والبناء الاقتصادي. وأوقعت هذه الردة العراق في دائرة الركود
والتجاذبات العرقية والطائفية، وهيمنة الفئات الهامشية والمتخلفة على
مصادر القرارات، هذه الفئات التي تحولت إلى مجموعة اجتماعية طفيلية تنهب
وتبتز الدولة وتشيع الفساد المتعدد الجوانب في حياة المجتمع العراقي دون
حسيب أو رقيب. وبالطبع إن تسلق مثل هذه الفئات البعيدة عن عملية الانتاج
المادي لا يمكنها أن تلعب دوراً في تطوير أي شكل من أشكال الديمقراطية
والرجوع في إدارة الدولة إلى رأي الشعب. وتحولت إدارة الدولة تدريجياً من
يد مجموعة تدّعي أنها تمثل حزب، إلى ما يمثل الطائفة ثم العشيرة وتضيق
إلى من يمثل العائلة كما حدث في أواخر حكم صدام. وهذا النمط من الحكم
الغريب يثير دائماً الخوف والفزع لدى الحكام من احتمال فقدانهم زمام
الأمور، ولذا لا يلجأون إلا إلى طريق وحيد وهو صرف مبالغ طائلة من خزينة
الدولة على تشكيل مختلف الأجهزة القمعية والمؤسسات العسكرية التي تتحدد
مهمتها لا في الدفاع عن البلاد، بل عن كرسي الحاكم دون الرجوع إلى أي
قانون أو مؤسسات منتخبة. وتتصرف هذه الفئات بشكل بشع وغير معهود مع
المواطن العراقي المفترض أن يكون صاحب الرأي في إدارة شؤون البلاد. وهكذا
تعرض العراقيون إلى أنماط من القمع خاصة في عهد صدام حسين لم يتعرض لها
أي شعب على يد حاكمه مهما كان مستبداً. فالسلاح الكيمياوي والمقابر
الجماعية والتهجير والتغيير الديموغرافي القسري ونهب المال العام وقمع كل
الحركات السياسية والحظر على نشاطاتها، وبضمنها تلك الفئات البعثية التي
كان تشكك في صحة هذا الطريق ولو بهمس، أصبح هو النهج الثابت للحكم الذي
أكد في كل إحراءاته على أنه نظام معزول عن الشعب ومصاب بحالة من الرعب من
احتمال أي تغيير في الحكم.
وأدى هذا النهج في الحكم إلى إشاعة أخطر ظاهرة مازالت تلحق الخراب
بالبلاد وهي ظاهرة الفساد الذي شمل كل المؤسسات وبما فيها القضائية
والأمنية والعسكرية. فالرشوة أضحت ظاهرة لا يسلم منها أي مرفق من مرافق
الدولة. أما النهب والرشوة فأصبحا ملازمين لكل من يعمل في أي جهاز يتعامل
مع العقود والتبادل التجاري، بل وحتى القضاء. ولم يكن من السهل على أي
مواطن عراقي أن يزور دائرة حكومية أو أن يحصل على عمل فيها أو يتابع
ملفاً أو عريضة له أو يحصل على جواز سفر دون أن يملأ جيبه برزمات من
النقود يوزعها على هذا الموظف أو ذاك كي يحصل على ضالته. ومما هو أخطر من
ذلك أن يصبح الفساد وسيلة لبيع آثارنا وممتلكات الدولة بل وحتى الضمائر
وبيع العضلات إلى قوى خارجية مقابل مبالغ معتبرة يحصل عليها هذا العارض
لبضاعته، وهو ما لاحظه العراقيون بشكل جلي بعد انهيار النظام السابق.
فهذه الظواهر وظواهر أخرى مارسها النظام لا تؤسس لنظام ديمقراطي وممارسات
ديمقراطية ولا لثقافة ديمقراطية ولا لبلد موحد، بل أسست لنظام وقيم مشوهة
وهشة.
خراب كشفه انهيار النظام في التاسع من نيسان
فهذه الظواهر وظواهر أخرى مارسها النظام لا تؤسس لنظام ديمقراطي وممارسات
ديمقراطية ولا لثقافة ديمقراطية في بلدنا، بل بالعكس وفي ظل التشويه في
كل القيم.
لقد بان للعيان ما زرعه النظام السابق من مفاسد وخراب في هذا البلد ومن
على كاميرات التلفزة في الساعات الأولى لسقوط النظام في التاسع من نيسان
عام 2003، بعد أن رفع الغطاء عن حجم الخراب في النفوس والعقول والقيم
ناهيك عن ما لحق بمرافق الدولة من دمار وخراب. ومن هنا يكمن السبب الرئيس
في ما نعانيه نحن العراقيون من سعي البعض إلى الاستمرار في السير على
القيم المدمرة القديمة وبستار جديد من التطرف المذهبي والديني بعد أن
تمزق الستار القومي المتطرف الذي مارسه النظام السابق. وهنا يكمن السر في
التعثر في مسيرتنا نحو إرساء قيم الديمقراطية وقواعدها والوصول إلى تحقيق
هدف العراقيين في قيام دولة عصرية ديمقراطية في البلاد. وهذا يتطلب إلغاء
كل القوانين والتشريعات التي تكرس عدم المساواة بين العراقيين على أساس
العرق والدين والمذهب والجنس، والتدقيق في الدستور الجديد وإلغاء كل ما
يصادر حق المواطن العراقي في المشاركة في تقرير مصيره أو فرض الوصاية
عليه بمبررات دينية أو مذهبية. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عن طريق الشروع
الجاد بتشغيل عجلة الاقتصاد بهدف تنشيط دور القوى الاجتماعية المرتبطة
بالعملية الانتاجية وتطويق مواقع القوى الاجتماعية الطفيلية والهامشية
المعرقلة لأي توجه نحو الديمقراطية والتي تعاظم حجمها بفعل السياسات
والحروب المدمرة التي خاضها النظام السابق. ولا يمكن أن نتقدم خطوات جادة
نحو ارساء الديمقراطية الا عن طريق حملة ثقافية واسعة تشمل المجتمع كله
من مدارس وجامعات ودوائر حكومية ومؤسسات المجتمع المدني. ويضاف إلى ذلك
إصلاح مناخ العمل والنشاط السياسي والعملية الانتخابية وتدقيق الاحزاب
السياسية العراقية في نشاطها بما يعمق من الممارسات الديمقراطية في
نشاطها الداخلي والوطني ويحد من ارتكازها على واجهات مثل السلاح أو الدين
والمذهب ورموزه بدلاً من الالتزام بالهوية الوطنية العراقي والتنافس على
خدمة العراق، أو التعكز على المؤسسات الاجتماعية غير الحديثة كمصدر في
تحركها بدلاً عن تقديم الحلول السياسية والاجتماعية والاقتصادية لإخراج
العراق من المأزق الذي وقع فيه.
نعم هناك إمكانية وأرضية لكي يسير العراق على درب الديمقراطية مستفيداً
من تجاربه السابقة بحلوها ومرها، وبالاستفادة من تجربة السنوات الخمس
الأخيرة بسلبياتها وابجابياتها ومن تجارب شعوب مرت بنفس المخاض. إن هذه
المسيرة هي ضمانة لازدهار البلاد واستقراره كي يلعب دورع الايجابي في
المجتمع الانساني الاوسع.
عن:
الجيران
|