|
|
 |
الحضارية «تاريخ
العراق» |
|
الاثنين: 16/06/2008
جذور الاستبداد وبذور الديمقراطية وآفاقها في العراق(2/1)
عادل
حبه
شهد القرن الحالي أهم
موجتين من تطلع البشرية نحو الديمقراطية. الموجة الأولى ترافقت مع نتائج
الحرب العالمية الثانية وانهيار أعتى الأنظمة الاستبدادية في العالم
آنذاك أي الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية والعسكرية اليابانية.
وإثر هذا الانهيار انتقلت القيم الديمقراطية إلى مرحلة جديدة من تغلغلها
في وعي وممارسات البشر، وتأثيرها على أنظمة الحكم القائمة في العالم
آنذاك. أما الموجة الثانية فقد اقترنت بانهيار نظام الحزب الواحد في
أوربا الشرقية وما رافق ذلك من نزوع نحو الديمقراطية عمت أرجاء المعمورة.
وتأثرت بهذه الموجة حتى الدول التي قطعت شوطاً في إقامة المؤسسات
المنتخبة وفي استتباب نظام الحكم الديمقراطي الليبرالي، ونقصد هنا
الأنظمة الديمقراطية في الدول الغربية. لقد شكل إنهيار أنظمة الحزب
الواحد مؤشراً على أن الديمقراطية كحاجة وكقيمة في حياة البشر وفي شكل
المؤسسات السياسية الحديثة من أنظمة وأحزاب قد أحرزت إنتصاراً تاريخياً
على الأشكال الأخرى من أنظمة الحكم. وكسبت الديمقراطية مشروعية الحياة
السياسية الحديثة، فالقوانين والقواعد والسياسات أصبحت مبررة حيثما
إستندت على الديمقراطية رغم الصعوبات والإشكالات أو الثغرات والمثالب
فيها او تلك التي ارتبطت بتطبيقاتها.
اليوم تعلن غالبية الحركات السياسية أنها ديمقراطية، وبما فيها قسم من
التيارات الدينية التي كانت ترفض إلى وقت قريب مفهوم الديمقراطية
باعتباره «بضاعة مستوردة» من الخارج لا تتناسب مع القيم الدينية، تبنيها
للديمقراطية أو تسعى إلى الديمقراطية بغض النظر عن التفسيرات المتباينة
بل وحتى المتناقضة لها. إن عدداً لا يستهان به من الدول قد تخلت عن النظم
الاستبدادية وانتقلت فعلياً إلى أنماط من الديمقراطية أو تتخذ خطوات
تدريجية في هذا الإتجاه. كما أن الكثير من الأحزاب والحركات السياسية
أخذت تدقق في برامجها بما يتفق مع القيم الديمقراطية في حياتها الداخلية
أو في برامجها. ودفعت هذه الموجة بعض الأنظمة أو الحركات السياسية إلى
خداع الرأي العام بتبني الديمقراطية. فالنظام العراقي البائد، على سبيل
المثال، سارع في ظل ضغط هذه الموجة إلى الإعلان عن نيته بإصدار قانون
تشكيل الأحزاب، رغم عدم الشروع به والتلاعب به لأن كل دعواته تخدم
أغراضاً لا علاقة لها بتغيير البناء الاستبدادي الفريد الذي كان قائماً
في العراق.
نبذة تاريخية
قبل الدخول في صلب موضوعنا، من المناسب إلقاء نظرة على مسار تطور القيم
الديمقراطية، أو بعبارة أخرى مسار تطور مشاركة المواطن في الحكم وإدارة
شؤونه. فقد شهد المجتمع الإنساني منذ بداية تبلور المجتمعات نماذج متنوعة
من هذه القيم، وربما ستخلق تجربة الإنسان وحاجاته وقريحته نماذج أخرى في
المستقبل.
النموذج الأول: الديمقراطية المباشرة التي شارك فيها المواطنون بشكل
مباشر في اتخاذ القرارات المتعلقة بالشؤون العامة. إنه نموذج أولي
للديمقراطية وجد في بلاد الرافدين القديمة وبلاد الأغريق،
أثينا القديمة،
والذي عرف بمجتمع المدينة أو دولة المدينة. وكان المجتمع البابلي المبكر
يتألف من مواطنين كاملي الحقوق وأناس أحرار متساوين من الناحية
القانونية. وتشير النصوص التاريخية إلى أن المؤشر الرئيسي لوضع المواطن
قانونياً تمثل في حقه في الاشتراك في المجلس الشعبي الذي كان يتولى البت
في مختلف القضايا الإدارية المحلية وفي دعاوي المِلكية. ولم يكن للسلطة
الملكية طابعاً إستبدادياً صرفاً، إذ كان المجلس الشعبي يحد من هذه
النزعة. وبالطبع لا بد من التذكير بأن من يمارس هذا الحق «الديمقراطي» هو
من يعتبر مواطناً فقط، ويستثنى منه العبيد والنساء.
النموذج الثاني: نظام الشورى الذي يسترشد بمبدأ «وأمركم شورى بينكم»،
والقائم على اختيار النخبة العارفة والملتزمة بالمعايير الأخلاقية
والدينية التي تعترف بها الغالبية في المجتمع. ولم يتسنى تطبيق هذا النمط
الا في فترات محدودة. ويضاف إلى ذلك فإن تعريف وتحديد هذا الشكل وآلية
تنفيذه خضع خلال فترات زمنية إلى اجتهادات وتطبيقات متناقضة. فتطبيقه
الآن في بعض دول الخليج، حيث يتم تعيين مجلس شورى استشاري من قبل المسؤول
الأول، يتفاوت عن ما يطبق في الجمهورية الإسلامية الإيرانية حيث تجري
أنتخابات لمجلس الشورى، ولكن بعد الموافقة على المرشحين وغربلتهم من قبل
هيئة الخبراء، علماً ان مفتاح الحل والفصل يبقى بيد المرشد الاعلى الديني
وليس بيد الهيئات المنتخبة من قبل الشعب كما هو الحال في ايران. ولكن
يبقى التطبيق لهذا النموذج في الظرف الراهن خاضعاً للتقييد إلى درجة
إهمال قطاع واسع من المواطنين والأحزاب السياسية في المشاركة في إدارة
شؤونهم. ولابد أن يؤدي هذا النموذج إلى فرض الاستبداد الديني الذي يعد
أفضع أشكال الاستبداد.
النموذج الثالث: الديمقراطية التمثيلية. فقد اقترح كارل ماركس الدولة
المشاعية «الكومون» بدلاً عن الديمقراطية الليبرالية. وهذه الصيغة
للديمقراطية لا تنفصل عن مفهوم الدولة لدى ماركس والتي إعتبرها جهاز
تطبيق العنف من قبل الطبقة المهيمنة وحسب، دون فرزها عن مفهوم السلطة.
وعلى اساس هذا النموذج تقوم أصغر خلية اجتماعية بإدارة شؤونها، وتنتخب
ممثليها إلى الوحدات الإدارية الأكبر وهذه بدورها إلى الإدارة الشاملة.
وهو ما يطلق عليه اسم «التركيب الهرمي للديمقراطية التمثيلية»، الذي
يستكمل بحلقة أخرى هي الحزب الذي يعتبر الأداة لخلق الإطار والوسيلة
لبناء المجتمع الأرقى. لقد أستندت هذه الفكرة عند ماركس إلى مركزية
الطبقة والموقع المهيمن للبروليتاريا ومفهوم السياسة التي تتبلور في
الإنتاج مع التقليل من أشكال البنى الاجتماعية الأخرى.
وينطوي هذا البناء على عدم وجود ترتيب مؤسساتي يلعب دور الوسيط
والمحاوِر مع المجاميع والحركات المعارضة؛ أي إنعدام نظام المنافسة
الحزبية وعدم وجود هيكيلية تسمح بتشكيل مجموعات الضغط والأحزاب السياسية
المستقلة وبقاء المجتمع المدني مقيداً بهيمنة الدولة كما حصل بالتطبيق
لاحقاً. وعلى الرغم من أن ماركس إعتبر الديمقراطية الليبرالية خطوة إلى
الأمام في التحرر الإنساني، ومقدمة لبناء مجتمع العدالة وقيّم عالياً
نموذجها في الولايات المتحدة باعتباره أرقى أشكال الديمقراطية في ذلك
الوقت، إلاَ إنه اعتقد أن المُثل العليا للحرية والمساواة والعدالة لا
يمكن أن تتحقق ببساطة عبر التصويت الحر في نظام سياسي يعمل في ظل حرية
الربح في السوق. ويدخل في إطار هذا النموذج الأشكال التي طبقت لاحقاً مثل
الديمقراطية الشعبية أو الديمقراطية الجديدة أو الديمقراطية الموجهة أو
الديمقراطية القومية.
النموذج الرابع: الديمقراطية الليبرالية. وتم التوصل إلى هذا النموذج عبر
مرحلة طويلة نسبياً بدأت من القرن الثامن عشر إلى القرن العشرين وما تزال
تسير في عملية تكاملها. وتنطوي الديمقراطية الليبرالية على حماية المواطن
من الاستخدام الاستبدادي للسلطة، والحفاظ على المجتمع المدني المستند إلى
مبدأ الحكومة المنتخبة من قبل أفراد المجتمع بغض النظر عن الجنس والعرق
والدين والطبقة. وتؤمن الديمقراطية الليبرالية حرية المعتقد وحق معارضة
الحكومة القائمة وحماية المعارضة وحق تشكيل الحركات والاتحادات المستقلة
والأحزاب السياسية وبالطبع حرية الملكية الخاصة التي لها تأثير هام في
تطبيق هذا النموذج. لقد إنتشرت الديمقراطية الليبرالية في الولايات
المتحدة وأوربا الغربية، وفي اليابان وايطاليا بعد انهيار الفاشية
الايطالية والعسكرية اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية. وتنتشر الآن
في بقاع أخرى من عالمنا. ومن البديهي أن نشير هنا إلى أن الديمقراطية
الليبرالية هي ليست نهاية المطاف في التجربة الإنسانية، فحاجة الإنسان
والتغيرات في آلية المجتمع ستبتدع بالتأكيد أشكالاً أخرى.
النموذج الخامس: الديمقراطية التوافقية، وهي احد النماذج المقترحة
لمعالجة مسألة المشاركة في المجتمعات التعددية او المتعددة، فهي خلافاً
للديمقراطية التمثيلية، لاتستند الى عناصر التنافس في البرامج
والاستراتيجيات، والاحتكام الى منطق الاغلبية الحاكمة والاقلية المعارضة
والاعتماد المتواتر على اسلوب الاقتراع او الانتخاب كما هو الحال في
الديمقراطيات القائمة والمستقرة في العالم، بل تعتمد أساساً على اقامة
تحالفات من المكونات سياسية منتخبة التي في الغالب تكون ممثلة لمجاميع
طائفية وعرقية ولا تمثل برامج اجتماعية واقتصادية.إن مثل هذا الائتلاف
يقوم حتى ولو كانت لأطرافها برامج متعارضة، كي يتوفر لها فرص التمثيل
والمشاركة في صنع القرار من أعلى هرمه إلى أسفله من دون الخضوع لسلطة
الأغلبية. فمن حق الأقلية أن تحتفظ بحق النقض أو الاعتراض كي تحد من
هيمنة الأغلبية المنتخبة على صنع القرار، وهو ما لا تتيحه الديمقراطية
التمثيلية على الرغم من اعترافها بشرعية المعارضة وضمان حقوقها الدستورية
في النشاط والعمل من أجل التحول الى أغلبية بدورها.ويجري ممارسة هذا
النمط في الغالب في الدول التي تعاني من الاحتقان العرقي والطائفي. وهي
ممارسة يمكنها أن تتفادى مؤقتاً حالة المواجهة بين التكوينات السياسية
والاجتماعية وفي الغالب عرقية وطائفية، ولكنها لا يمكن أن تكون مستقرة
ولا تحل القضية الأساسية التي تقر بشكل كامل بدور الشعب وصندوق
الانتخابات في أية عملية ناجحة ومستقرة في ممارسة الديمقراطية وإرسائها.
ولعل ما عانته التجربة اللبنانية وتجربة السنوات الخمس العراقية خير دليل
على ذلك.
تجربة العراق الحديث
العهد الملكي
تأثر المجتمع والدولة العراقية الحديثة بطبيعة العملية الإنتاجية
القائمة على الدور المهيمن للدولة فيها، إضافة إلى الإرث الثقيل الذي
ورثاه عن الحكم المغولي ثم الحكم العثماني, علاوة على تأثير التجارب
السلبية للدول المجاورة ومنها ايران وتركيا ومصر. فالحكم المغولي الذي
بدأ منذ سقوط بغداد عام 1258، وإستمر حتى القرن السادس عشر تميز بتحطيم
كل البنى التحتية وأشاع الانحطاط والركود في كل مناحي الحياة الاقتصادية
والاجتماعية والفكرية. وبعد زوال الحكم المغولي أصبح العراق ميداناً
للحروب المدمرة بين الدولة الصفوية والعثمانية إلى أن تسلط الحكم
العثماني على العراق ليستمر هو الآخر في تكريس الركود والتدهور. وبذلك مر
العراق بفترة تزيد على السبعة قرون وهو في حالة من التراجع والانحطاط
الشامل. وفقدت البلاد مراحل التطور الطبيعي، وجرى تدمير البنية التحتية
الاجتماعية والاقتصادية وانطمرت شبكة الري الحاسمة في تطور الانتاج
الزراعي. وحصلت وقفة خطيرة في التطور والنمو امتدت منذ مرحلة الإزدهار
الذي شهدته البلاد في العصر العباسي وحتى بداية القرن العشرين. ولكي نوضح
صورة واحدة من هذا الدمار الذي أصاب وادي الرافدين نرجع إلى المنابع
التاريخية، التي تشير إلى أن نفوس القاطنين فيما يعرف اليوم بالعراق قد
بلغ 50 مليون نسمة في القرن التاسع الميلادي، إلا أن هذا الرقم تراجع إلى
2,5 مليون نسمة في عام 1800. فبالإضافة إلى المجازر التي إرتكبها
المحتلون الفرس والعثمانيون ضد أبناء وادي الرافدين، فقد طغت على العراق
أربع موجات من الطاعون بين أعوام 1689- 1802، أزهقت أرواح 50 ألف شخص في
كل شهر خلال موجة الطاعون عام 1831 فقط. وأضحى العراق في ظل الحكم
العثماني من أكثر أراضي الدولة العثمانية تخلفاً والأكثر استغلالاً وذات
إدارة ضعيفة وغير متطورة. فقد ركزت الدولة العثمانية جهدها على تطوير
مناطق أخرى من إمبراطوريتها.
إن ما يعرف بالعراق اليوم كان منقسماً إلى ثلاث ولايات، ولاية الموصل
وتتصل إدارياً بديار بكر وولاية بغداد وولاية البصرة، أي أنه لم يكن
كياناً إدارياً واقتصادياً واجتماعياً واحداً خلال فترة السيطرة
العثمانية. وفشلت محاولة الوالي مدحت باشا القيام بالإصلاحات الإدارية
والاقتصادية، ونشر بذور التمدن ومنها ملامح للديمقراطية في العراق في
بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر بعد أن قضى عليه السلطان عبد
الحميد.
وإضافة إلى ذلك ورث العراق شكل البناء الاستبدادي المغلف بالغطاء الديني
والمذهبي الطائفي من الدولة العثمانية، وتأثيره السلبي على وعي الناس
وأفكارهم وممارساتهم. فالسيطرة العثمانية غرست تقاليد إجتماعية مستمدة من
مفهوم حق الملوك الإلهي في الحكم. ولكن ينبغي الإشارة إلى أنه إلى جانب
هذه التركة. فقد تأثرالعراقيون أيضاً بالأفكار التنويرية التي تسربت من
أوربا والتجديد الذي طال الشعوب المجاورة؛ أي الشعب التركي وشعب بلاد
فارس(جمال الدين الأفغاني) وبالحركات الإصلاحية في مصر وبلاد الشام (عبد
الرحمن الكواكبي). وقام بعض العراقيين بإقامة صلات مع هذه الحركات
الإصلاحية والسياسية. فحركة «تركيا الفتاة» وثورتها على الطغيان وإعلان
الدستور عام 1908، وهو ما عرف بالمشروطة التركية، نقلت إلى العراقيين
مفاهيم جديدة كالانتخابات والأحزاب السياسية وحرية الصحافة. ويعتبر عام
1908 عام بداية تبلور إرهاصات الوعي الديمقراطي لدى العراقيين في العصر
الحديث. ونتيجة لذلك تكونت الجمعية العربية ومقرها في بغداد عام 1912. ثم
تشكلت مجموعة سياسية ملتفة حول سيد طالب النقيب ومقرها في البصرة ثم فروع
جمعية الاتحاد والترقي في بغداد والبصرة والموصل والنجف والحلة وكربلاء،
وكان الشاعران معروف الرصافي ومحمد صدقي الزهاوي من مؤسسي فرع بغداد. هذه
الحركات رفعت في البداية شعارات ديمقراطية بسيطة مثل الاستقلال الذاتي
وإستخدام اللغة العربية في المدارس والمحاكم وتوفير الوظائف للعراقيين.
وفي هذه الفترة أيضاً لوحظ الاهتمام بإصدار الصحف، حيث ازداد عدد الصحف
العلنية من 6 صحف عام 1910 إلى 50 صحيفة في عام 1914. وجرت أولى إنتخابات
لمجلس المبعوثين فاز فيها 16 مبعوثاً(شيعي واحد، ويهودي واحد والبقية
من أبناء الطائفة السنية، وهو ما يعكس تأثيرات التمييز الطائفي السائد في
الدولة العثمانية). لقد تأثرت العناصر المتنورة «الأفندية» من الطائفة
السنية بالإصلاحية التركية بالأساس، علماً أن المؤسسة الدينية السنية ظلت
على علاقتها بالدولة أساساً جرياً على التقاليد الدارجة باعتبار ان
الدولة كانت مصدر تأمينها إقتصادياً. ولهذا السبب شكلت النخبة الدينية
السنيّة مع أنصارها جمعية «المشور» وكان هدفها الدفاع عن الشريعة
المحمدية ومقاومة الأفكار اللادينية والتصدي لجمعية الاتحاد والترقي.
أما النخبة الشيعية فقد تأثرت أكثر بالحركات الإصلاحية التي عمت إيران أو
بلاد فارس كما سميت آنذاك. فامتد الصراع الحاد الذي جرى في بلاد فارس بين
أنصار«المشروطة» و«المشروعة» إلى أوساط الطائفة الشيعية وخاصة المؤسسة
الدينية. فأنصار المشروطة اعتقدوا أن الإمام الحسين إنما قتل بسيف
الإستبداد وإنه لو كان نظام المشروطة سائداً في زمانه لأختاره المسلمون
خليفة عليهم بدلاً من يزيد. أما أنصار «المشروعة» فرأوا أن المشروطة تعني
الشورى، وإن الشورى هي التي أدت إلى ضياع الخلافة من أهل البيت ووصولها
إلى رجل مثل يزيد. وأصدر أحد رجال الدين وهو المرزا محمد حسين النائيني
كتاباً جريئاً تحت عنوان «تنبيه الأمة في وجوب المشروطة»، إحتوى على
أفكار مستنيرة حول تعليم المرأة وإصدار الصحف وحرية الرأي. وطبع هذا
الكتاب بعدئذ في جريدة «العرفان» الصيداوية اللبنانية، ولكن منع من توزيع
المجلة في العراق بتوصية من الكاتب نفسه بعد أن أصبح من المراجع الكبار
للطائفة الشيعية.
وإنقسمت المؤسسة الدينية وأتباعها في النجف وكربلاء إلى فريقين، أحدهما
يدعو إلى المشروطة بزعامة الملا كاظم الخراساني، وآخر يدعو إلى المشروعة
بزعامة السيد كاظم اليزدي. وإعتبر دعاة «المشروعة» الملا كاظم الخراساني
كافراً. ووصل الصراع إلى حد أنه عندما يسمع أنصار المشروعة عن إنحياز أحد
العلماء الـى «المشروطة»، فإنهم يدعون إلى الإنفضاض عنه، ويوجهون اللعنات
إليه ويرفضون الصلاة خلفه. أما «الأفندية» والمتعلمون من الطائفة الشيعية
فكان موقفهم إلى جانب المشروطة، وبادروا إلى تنسيق مواقفهم مع «الأفندية»
من الطوائف الأخرى في إطار التوجه لتحديث المجتمع وبملامح ديمقراطية
أولية.
وفي الحقيقة أنه في الفترة التي سبقت إندلاع الحرب العالمية الأولى، شهدت
مدن العراق الرئيسية نقاشات واسعة حول مسائل سياسية وإجتماعية وفكرية
واسعة مما تستحق دراسة خاصة بها. فعلى سبيل المثال، كتب الشاعر العراقي
الكبير محمد صدقي الزهاوي مقالة نشرتها جريدة المؤيد في السابع من آب عام
1910 وتنطوي على أفكار ربما يصعب الآن طرحها حيث قال:"أجاز المسلمون أن
يقسي الرجل فيطلق المرأة ويستبدلها بغيرها كسقط المتاع راداً إلى حضنها
أطفالها الذين هم نتائج شهوته غير راحم لدموعها ولا مصغ لنشيجها... لماذا
لم يجز المسلمون أن تطلقه لتنجو من شراسته، وقد قال تعالى في كتابه
المبين بعد آية الطلاق (ولهن مثل الذي عليهن)، لماذا لا يكون لها هذا
الطلاق مثل ما هو عليها لتعم المساواة وتسود العدالة كما هو مدلول الآية.
إني وحقك لأحب الشيعة لأنهم لا يقولون بالطلاق إلاّ إذا وقع أمام مجتهدهم،
وأحب الوهابية لأنها لا تقول بوقوعه ثلاثاً في قول واحد إلاّ إذا كان
القول متعدداً والأزمنة مختلفة، ولا يخفي ما في ذلك من التؤدة وإعطاء
المهلة ليجد فيها الزوج الطائش زماناً للندم عن ذنب جناه على أولاده
الصبية وعلى رفيقة حياته، وإن كان المذهبان جائرين لأنهما لا يخولانها
هذا الحق الذي شرعه العقل...
إلاّ إن إندلاع الحرب العالمية الأولى سرعان ما كبح هذه النقاشات، وكبتت
حرية الفكر وقمع هذا التيار الديمقراطي الوليد. وزاد من ذلك تنامي
النزعات الطورانية للقيادة التركية الجديدة وتنكرها للدعوات التحررية
وبالتالي توجهها لقمع أية تطلعات ديمقراطية للشعوب الخاضعة للأمبراطورية
العثمانية.
لقد انقسم الشارع العراقي، شأنه شأن الشعوب العربية الأخرى، حول الموقف
من الحرب. ففريق ظل مشدوداً لمقولة الأمة الإسلامية والدولة الإسلامية
ووقف إلى جانب العثمانيين، إلا أنه سرعان ما تقلص نفوذه مع اولى بوادر
هزيمة العثمانيين في الحرب. أما الفريق الآخر الذي سئم الاستبداد
العثماني وتخلفه، والذي كان يتطلع إلى بناء الدولة الوطنية، أو من تكونت
له مصالح مع الدول الأوربية، فقد اتخذ موقف الخصومة إزاء الدولة
العثمانية. وتجمع هذا الفريق تدريجياً، بمن فيهم عدد غير قليل من الضباط
العرب العاملين في صفوف القوات العثمانية، حول الشريف حسين الذي أعلن
الثورة على العثمانيين وبتشجيع بريطاني وذلك في أواخر فترة الحرب.
احتلت بريطانيا العراق بعد هزيمة الدولة العثمانية. وانتظر العراقيون
تنفيذ مطالبهم، وعادت نقاشاتهم حول مستقبل دولتهم الموعودة وطبيعة البناء
السياسي فيها وحول مستقبل العلاقة بين الشعوب العربية؛ أي هل تؤسس دولة
عربية موحدة أم لا؟. إلاّ أن العامل الدولي حسم الأمر عندما بادر إلى
تنفيذ خطة تقسيم ممتلكات الدولة العثمانية بين فرنسا وبريطانيا تطبيقاً
لاتفاقية سايكس ـ بيكو. وكان العراق من نصيب بريطانيا لاعتبارات لا مجال
هنا للخوض فيها. ثم ما لبث أن أصبح واضحاً لجميع العراقيين تلكؤ الحكومة
البريطانية في الاعتراف باستقلال العراق خلافاً لوعودها. هذا الموقف
البريطاني كان أحد العوامل في اندلاع ثورة العشرين الوطنية ضد المحتلين
البريطانيين، هذه الثورة التي شملت جميع مناطق العراق، مما كلفت بريطانيا
خسائر مادية وبشرية دفعتها إلى الاعتراف باستقلال العراق ضمن الحماية
البريطانية؛ أي الاستقلال الشكلي.
وجرى تنصيب الملك فيصل الأول ملكاً على العراق بعد أن أبعدته السلطات
الفرنسية من سورية إثر تتويجه ملكاً على بلاد الشام. ومهما قيل عن بيعة
العراقيين للملك فيصل الأول، إلاّ أن الواقع الفعلي يدل على أن قرار
بريطانيا بتنصيب الملك فيصل على عرش العراق كان هو الحاسم. أما استفتاء
الشعب حول هذا العرش، والذي أعلن نتائجه السير برسي كوكس مشيراً إلى أن
96% من العراقيين صوتوا إلى جانبه، فكان عملية شكلية وأول تزييف لإرادة
الشعب العراقي في ظل دولته الجديدة. إذ كان شعار «العراق للعراقيين» الذي
رفعه السيد طالب النقيب يجتذب وسطاً واسعاً من العراقيين بحيث أن
بريطانيا اضطرت إلى إبعاده إلى سيلان للحد من تأثير دعوته لهذا المطلب.
وإضافة إلى ذلك فإن المصادرالتاريخية المتوفرة تشير إلى وجود نزعة قوية
في تلك الفترة، وإمتدت حتى بعد تولي الملك فيصل الأول عرش العراق تطالب
بإعلان الجمهورية في العراق. ويؤكد هذه الحقيقة الكاتب البريطاني جون
فيلبي في كتابه «أيام عربية» حيث يورد العبارة التالية:«الشعور العام في
العراق كان يومذاك ميالاً بصورة جازمة إلى الجمهورية وضد الملكية». وكتبت
جريدة الاستقلال، المعبرة آنذاك عن أوساط واسعة في الحركة الوطنية
العراقية، إفتتاحية بتاريخ 17/10/1920 قالت فيها «الجمهورية أحسن بكثير
من الملوكية الوراثية لأن الأمة لا تنتخب إلاّ الذين تعتقد فيهم الآهلية،
والطراز الآخر تابع لما تلده البطون». هذا الشعور تأتى من الطموح نحو
ممارسة الانتخاب بإعتباره أحد القيم الديمقراطية؛ أي مشاركة المواطن في
إدارة شؤونه. وبُعيد إعتلاء الملك فيصل عرش العراق في 18 آب/ أغسطس عام
1921 خفت المطالبة بالنظام الجمهوري، ولكن مع استمرار المماطلة في إقامة
المؤسسات المنتخبة واستمرارالهيمنة البريطانية على شؤون الدولة وتردي
الأوضاع عادت نزعة المطالبة بالجمهورية تنتعش من جديد. وكتبت صحيفة
الأهرام القاهرية في عددها الصادر بتاريخ 12 تشرين الأول/ إكتوبر عام
1922 الخبر التالي من بغداد: «جماعة من العلماء تفتي بخلع الملك». إن
علماء الدين في النجف وكربلاء والكاظمية فكروا بنقض البيعة والتخلي عن
الملك إلى حد أن الشيخ مهدي الخالصي صرح لجمع من المعارضين في 26 حزيران
عام 1922: «إنه لما كان الملك لم ينفذ شروط انتخابه للعرش في أن يحافظ
على استقلال العراق فإن بيعتهم له بطلت وأصبحت لاغية». ولكن فكرة
الجمهورية خبت باغتيال توفيق الخالدي، وزير الداخلية في وزارة عبد الرحمن
النقيب الثانية ووزير العدلية في وزارة النقيب الثالثة الذي كان من
المناصرين للنظام الجمهوري.
إن مبايعة الملك فيصل الأول ارتبطت بشرط إقامة نظام المشروطة الديمقراطي
وإنتخاب المؤتمر التأسيسي الذي يسن القوانين والدستور في مدة ثلاثة أشهر
من استلام الملك لزمام الأمور. هذا إضافة إلى أن العاملين في الحركة
الوطنية في الموصل أضافوا شرطاً آخراً هو ضرورة انعقاد المؤتمر الوطني
خلال ثلاثة أشهر. أما في منطقة كردستان فقد «صوّت الكثيرون لفيصل بشرط
المحافظة على حقوق الأكراد والأقليات». إلاّ أن هذه المطالب المشروعة
اصطدمت بمصالح سلطات الانتداب البريطانية والنهج الذي اعتمده الملك فيصل
وحاشيته من العراقيين والعرب في إدارة البلاد.
عن:
الجيران
|
|
|