الحضارية «تاريخ العراق»

الثلاثاء: 10/06/2008


 

كركوك في التاريخ
الحقبة الاسلامية

د. مصطفى جواد

كركوك يلفظها العراقيون بفتح الكاف ويكسر الافرنج كافها فيقولون كِركوك، ولعلهم أخذوا ذلك عن كتب بعض السيلح من الافرنج أيضاً.
وقد اجتمعت في هذا الأسم ثلاث كافات فصار من الأسماء النادرة من حيث الحروف، وتركيبه اللفظي يدل على أنه من الأسماء السامية الآرية أي الآرامية وكذلك القول في «الكرك» التي هي في الأصل جبل لبنان. والكرك اسم قلعة حصينة جداً في طرف الشام من نواحي البقاء في جبالها بين أبلة «العقبة» وبحر القلزم «البحر الأحمر» و«بيت المقدس» وهذه الصورة اللفظية قريبة من «الكرخ» السامية أيضاً وكلتاها تدل على الحصن والقلعة، ولذلك تعدد «الكرخ» و«الكرك» فمن الكروخ كرخ باجدا وكرخ البصرة وكرخ جدان وكرخ ميسان.
وقد يزاد على هذا الاسم لتأدية زيادة في المعنى مثل «كركين» اسم قرية كانت من قرى بغداد ممثل «كركين» التي يثبت الوصف الجغرافي انها كانت من قرى بغداد مثل «كرخيني»: التي يثبت الوصف الجغرافي انها كركوك الحالية. قال ياقوت الحمودي في (معجم البلدان): «كرخيني بكسر الخاء المعجمة ثم ياء ساكنة ونون وياء، وهي قلعة في وطاء من الأرض حسنة حصينة بين داقوقا وأربل رأيتها وهي على تل عال ولها ربض صغيرة».
ومعنى هذا أن ياقوت الحموي المتوفي سنة 626هـ ـ 1228 م، رأى قلعة حصينة في أرض سهلية لا حبلية بين «داقوقا ـ طاووق» و«أربل ـ أربيل» وحولها دور ومساكن وهي تسمى «كرخيني» وتلفظ «كرخينة» على التقريب، وهذا الوصف الجغرافي ينطبق تمام الانطباق على «كركوك» الحالية ويؤده التقارب بين حروف الاسمين. وكان لتلفظها صورة أخرى في القرن السادس للهجرة وهي «كرخاني» كما جاء في سيرة صلاح الدين الأيوبي لبن شداد الموصلي (ص 192) و(تاريخ بني سلجوق) لصدر الدين ناصر الحسيني (ص 179). وهذا الاختلاف يدلنا على أن أهل العصر الواحد قد يختلفون في تلفظ اسم واحد. وسماها ابن فضل الله العمري في فصل الأكراد من مسالك الأبصار «الكرخين» وذلك في أوساط القرن الثامن للهجرة.
ان تاريخ كركوك وتسميتها «كرخيني» أو «كرخاني» ثم «الكرخين» لا يزال مجهولا مثل تواريخ كثير من المدن التي لا يزال تنتظر سعادة حظها بانكشاف تواريخها بالاستحالة والحفر وبظهور مصادر تاريخية جديدة وليس من التحقيق في شيء اصطياد التشابه بين الأسماء لاطالة الدعوى كقول من قال إن كركوك اصلها «كرخ سلوخا» وأن «كرخ سلوخا» أصلها «كرخاد بيث سلوخ» أي مدينة السوقيين. فمن ينقل هذا القول يحجج قبل كل شيء إلى وصف جغرافي بعين موضوع «كرخ بيت سلوخ» ويجعله في موضع كركوك بالضبط والتحقيق والا فلا فائدة من تقارب الاسمين اذا اختلفت البقعتان. وقد اشرنا إلى تعدد «الكرك» و«الكرخ» فكرخ سلوخي، هي غير «الكرخيني».
وكذلك القول في رأي من اجتهد أن يوحد بين «بابا كور كور» التي ذكرها بطليموس مع أن بابا كور كور، تسمية حديثة لم تعرف قبل احتلال العثمانيين الأتراك العراق وما حوله وفيها «بابا» بمعنى الأب و«كور كور» تدل بالتركية على «النور والنار» وببغداد اليوم مسجد يعرف مسجد «بابا كور كور». كتب إلى مرة امامه يسألني أمور تاريخية فبابا كور كور يدل بصورته وتركيبه على أنه اسم انسان ولا صلة له بزمن الآشوريين، وهو لم يعرف الا في العصور المتأخرة ولا يرتقي تأريخه إلى أكثر من أربعمائة سنة ولا يكاد يبلغها.
فالاسم «كرخيني» اذن قديم وقد عثرنا على العصر الذي سميت به بلدة كرخيني «كركوك» وهو زمن الدولة التركمانية الفراقوينلية، وذلك اننا وجدنا نصوصاً تاريخية لحوادث جرت في كركوك فذكرت فيها تارة بأسم «كركوك» مع أن الحوادث لم تتبدل بحيث لا يبقى مجال شك في أن الاسمين كانا يتنازعان الشهرة، تنازع القوي والضعيف وتنازع الجديد والقديم، ثم غلب القوي على خصمه وقنح الجديد على القديم. قال عبد الله بن فتح الله البغدادي المؤرخ في ذكره سيرة «محمد بن قرا يوسف» القراقوينلي ملك بغداد وقسم من العراق:
«توجه اسكندر بن قرا يوسف ـ وكان قد عصى على والده ـ إلى اطراف الكرخينا واخذه فلم ينازعه أحد ومات أبوه سنة 832 هـ ـ 1428م، وقال قبل ذلك: «وكان لما توفي يوسف توجه ابنه إلى أطراف العراق هرباً من الجغتاي ووصل نواحي كركوك».
وفي القرن التاسع للهجرة أي الخامس عشر للميلاد شاع اسم «كركوك» ونازع الاسم القديم في الشهرة كما قدمنا آنفا، ويؤيد ذلك المؤرخ الغيائي المقدم ذكره. قال في حوادث سنة 895هـ ـ 1489م. في الحواث الخاصة بتيمورلنك: «عين خواجه مسعود الخراساني للمحافظة على بغداد ومن طريق كركوك وداقوق وصل أربل إلى الموصل». وقال من أخبار «محمد بن قرا يوسف القراقوينلي» أنه أعطى في سنة 836هـ ـ1422م كركوك وطاووق «لعلي آتابك» وقال في اخبار الملك اسبان بن قرا يوسف ملك العراق: «ثم ام اسبان بن قرا يوسف مرض ببغداد فخرج إلى بلاق قار حسن ليلة السبت 25 شوال 836هـ ـ 1422م وأخذ كركوك وداقوق وقتل علي آتابك». وقال في أخبار الأمير الوند بعد سنة 848هـ ـ 1432م فتوجه إلى كركوك وتوجه منها إلى أربل وآلتون كوبري والموصل فأخذها.
وفي هذه النصوص التي نقلناها فوائد أخرى يعلم بها أن «داقوقا» تغير اسمها إلى «طاووق» الحالي في ذلك العصر أيضاً وأن «آلتون كوبري» الحالي المشهور معروف من ذلك العصر أيضاً. والظاهر ان هذا من تصرف القبائل التركمانية التي سكنت العراق وحكمت فيه فداقوقا صارت «داقوق» وداقوق صارت «طاووق» أي الدجاجة باللغة التركية. واذا تلفظ الانسان «داقوق» بسرعة سمع كأنه يقول «داقوق» بسرعة واذا فخمت الدال وتفخيمها معرف عند الترك كما هو معروف عند العرب صار الاسم «طاووق». أما كركوك فالظاهر انها انتقلت من صورة «كرخيني» إلى «كركي» على الطريقة الفارسية فأصبحت كريك وانتقلت إلى كركوك.
فالحوادث التاريخية تؤيد أيضاً أن «كرخيني» وهي كركوك وتضامن الدليل الجغرافي والدليل التاريخي على ذلك. وظهرت «كرخيني» على محكى التاريخ، أي مسرحه في العصور السلجوقية وانتشار الاقطاع بالعراق وغيره واستولى بعض ارمائهم مهو المسمى (قبجاق بن أرسلان تاش التركماني) الايوائي ويقال الايواقي ايضاً على كورة شهرزور وما يجاورها من الحصون ومنها «كورخيني» كما يدل عليه كلام ابن الأثير المؤرخ، وكان حكم الأمير قبجاق ومنهم من يسميه قبجاق ومنهم من يسميه قفجاق نافذا على قاصي التركمان ودانيهم وكلمتهم لا تخالف وكانوا يرون طاعته فرضاً، فتحامى الملوك السلجوقيون التعرض له ولولايته لانها منيعة كثيرة المضايق فعظم شأنه وازدادت جموعه وأتاه التركمان من كل فج عميق فحده الأمير عماد الدين زنكي ابن أقسنقر موسس الدولة الآتابكية بالموصول، وكان طامعاً طامحاً ومقداماً فارسل جيشاً لانتزاع البلاد المذكورة من حكمه. والتقى الجيشان فهزم جيش قبجاق واستباح عسكره وسار الجيش الزنكي إلى الحصون والقلاع فحاصروها وملكوها وبذلوا الأمان للأمير قبجاق، فاضطر إلى الاستسلام والانخراط في سلك العساكر الزنكية، وبذلك دخلت «الكرخيني» أي كركوك في حكم عماد الدين الزنكي المذكور آنفا سنة 534هـ ـ 1139م، ذكر ذلك عزالدين بن الأثير أيضاً.
وقد عادت سلطة القفجاقيين على «الكرخيني» أو «الكرخاني» أو «الكرخين» أي كركوك أيام الأمير عزالدين حسن بن يعقوب بن قفجاق بن أرسلان تاش التركماني الايواقي. وانفصل هذا الأمير عن الدولة الاتابلكية وانضوى تحت حماية الخلفية العظيم الناصر لدين الله أحمد بن المستضيء بأمر الله العباسي. واليه التجأ في الكرخاني السلطان طغرل الثالث بن أرسلان بن طغرل الثاني بن محمد بن ملكشاه السلجوقي بعدما هرب من جيش الخليفة الناصر لدين الله الموجه من شرقي ايران سنة 586هـ ـ 1190م ولاخراجه من مملكة السلجوقيين الكبرى وهو الذي شفع للسطان المذكور عند الخليفة المتقدم ذكره ليعفو عنه كما جاء في تاريخ السلجوقيين لصدر الدين الحسيني والفتح القسي لعماد الدين الاصفهاني كاتب صلاح الدين الأيوبي. وقد عنوان ابن الأثير تاريخ هذا الحادث المهم في نشره الأول بصورة «وصول السلطان طغرل إلى بلدان قفجاق» يعني لكرخاني أي كركوك. وذلك واضح في النسخة الفسطية بدار الكتب الأهلية بباريس من كامل التواريخ المرقمة 499، ولم يذكر العنوان ولا كتب الخبر في النشرة الثانية من تاريخه وهي المطبوعة المتداولة بين الناس.
ومن اجل عز الدين بن حسن يعقوب الفقجاقي أمير الكرخاني أي كركوك عتب الخليفة الناصر لدين الله على السطان صلاح الدين الأيوبي لأن احد أمرائه يومئذ مظفر الدين كوكبري، وهو زوج إحدى أخوات صلاح الدين الأيوبي وأمير أربل «أربيل». اعتقل الأمير عز الدين الفقجاقي المذكور سنة 587هـ ـ1191م. وفي ذلك يقول أرشد الموصلي في سيرة صلاح الدين ولما كان الثاني من شوال سنة 583هـ من دمشق كتاب من النواب في طيه كتاب من الديوان العزيز النبوي ومجده الله.. يتضمن فصولاً ثلاثة. الأول والفصل الثاني يتضمن الانكار على مظفر الدين في اسماك حسن بن قفجاق والأمر بإعادته إلى كرخاني أي كركوك زبولغ في الكتاب حتى قيل ان الديوان لم يأذن لغيره سكناها. وكانت قصة حسن بن فقجاق، انه قصد أرمية إلى السطان طغرل فانه كان قد نزل به. لما هرب من ديار العجم واستنصر به وتزوج أخته.. وكانت معقله الكرخاتي.. وقد أطلق عز الدين بن فقجاق انوف معتقليه رواغم.
ثم دخلت «الكرخاني» في مملكة أربل «أربيل» تحت حماية الخليفة الناصر لدين الله وانفصالها عن الدولة الأيوبية وإن كانت جمع الدول الاسلامية يومئذ تحت حماية الخليفة السالف الذكر. استهللنا على ذلك بانخراط اعظم أمرائها وهو فلك الدين بن قفجاق التركماني الايواقي الأمير في خدمة الناصر لدين الله وقد ذكره المؤرخ تاج الدين علي بن الساعي في كتابه «الروض الناظر في أخبار الامام الناصر» قال:
«فلك الدين أبو المظفر بن قفجاق وعبد الله اليوائي التركي الأمير كان من أمراء الناصرية المشهورين بالاقدام والفروسية. وكان جميع الصورة متواضعاً حسن السيرة. ولما توفي الامام الناصر سنة اثنتين وعشرين وستمائة (1225م) كان فلك الدين غازي بك على امارته وكذلك ايام الامام الظاهر وبقي إلى أيام الامام المستنصر بالله».
وفي سنة 628هـ ـ 1230م في ذي الحجة منها، وصلت طائفة من جيش التتار من المغول إلى أربل «أربيل» وأعمالها فقتلوا من رأوا على طريقهم من التركمان الايوائية وغيرهم، ووصلوا إلى الكرخين «كركوك» ودقوقا «طاووق» وغيرهما وعادوا موفورين، لم يخرج اليهم أحد كما ذكر ذلك ابن الأثير.
والظاهر أن عزالدين بن الأثير قد تفانى في قوله. ففي حوادث سنة 629هـ ـ 1231م من التاريخ الذي طبعناه وسميناه» الحوادث الجامعة (ص 27)، أن الأخبار انتشرت في تلك السنة تخبر بورود عساكر المغول إلى بلاد أذربيجان وما يقاربها من النواحي حتى شهرزور. فأخرج الخليفة المستنصر بالله العباسي الأموال وجهز العساكر وأرسل يكتب إلى سائر الجمع والاحتشاد، وبرز الجيش بقيادة جمال الدين قشتمر الناصري ومعه جماعة من الامراء وساروا قاصدين مظفر الدين كوكبري «ملك أربل» فالتقوا به في موضع قريب من الكرخيني «كركوك»، فاقاموا فيها أياماً. وذلك يدل على أنها كانت من المواضع الحصينة.
وفي سنة 646هـ ـ 1284م كثرت الأمطار وتواترت في الطرق والموصل وتستر من الاحواز وغير ذلك من البلاد وغرقت القرى وانهلت قلعة الكرخيني «كركوك» بالمرة، وتشعثت قلعة أربل على ما ذكر في التاريخ الذي أرنا إليه آنفاً (ص 29) فإنهدام قلعة كركوك بالمرة يوضح لنا عصر انقطاع الانتفاع بها حيث حصن حصين، ولكن الحوادث تدل على أنها أعيدت عمارتها وانتفع بها في الدفاع عند الحصار بعد ذلك. وفي سنة 1146هـ ـ 1733م أرسل السلطان محمود الثاني جيشا مع الوزير «طوبال عثمان باشا» لمحاربة نادر شاه الايراني. وكان قد توغل في العراق للاستيلاء عليه، فسار عثمان باشا الأعراج المذكور في الجيش إلى كركوك وجعها مقراً لأموره الحربية. والتقى الجيشان التركي والايراني عند وادي العظيم فغلب الجيش التركي ثم عاد عثمان باشا إلى كركوك وشتى هناك أرسل يستدعي الجنود فأول من قدم عليه «قول مصر» وهم رجاله وساروا إلى كركوك. وفي سنة 148 هـ ـ 1735م قدم نادر شاه العراق ثانية وهجم على كركوك، فخرج لقتاله عثمان باشا وعبد الله باشا الكبرلي ووالي الموصل الحاج حسين باشا ومعهم «قول مصر». ونشبت الحرب بينهما فقتل عثمان باشا وهرب من سلم من الجيش التركي الا المقاتلة المصريين فلم يسلم منهم أحد. فقد قتلوا في الموقعة وفي نسة 1156هـ ـ 1743م. زحف نادر باشا أيضاً في جيوشه إلى كركوك فهرب منها واليها «حسين جمال أوغلى» وهرب معه جنده الأتراك. ودافع عن كركوك أهلها، فحاصرهم نادرشاه وضرب كركوك بالمدافع ثلاثة أيام فطلب أهلها اليه الأمان فملك القلعة والبلد وقتل منهم من شاء وأسر من شاء، ذكر ذلك كله الشيخ ياسين بن خير الله العمري في «الدر المكنون في المآثر الماضية من القرون» المحفوظة نسخة منه بدار الكتب الوطنية بباريس.
وحوادث كركوك وأخبار ولاتها وحكامها كثيرون في العهد العثماني لا نرى حاجة إلى استقصائها وانما ذكر المهم منها ليكون ذلك بمثابة ما يسمونه «الخطوط الرئيسية». وقد علمنا أن صديقنا السيد شاكر صابر الضابط متوفر على كتابة تاريخ حافل لكركوك ونحن نأمل أن يخرج منه الجزء الأول قريبا ان شاء الله.

المصدر: مجلة «ميزوبوتاميا»، العدد 13-14، شباط 2008.