|
الاثنين:
12/05/2008
من سرق كنوز العراق النفيسة
Who stole Iraq's priceless treasures
ترجمة: علي
البدران(*)
(خاص للمعهد)
خمس سنوات مضت على دخول الدبابات
الأمريكية إلى بغداد واختفاء الكنوز التاريخية من العراق، تلك الكنوز
التي لا تقدر بثمن. إن حقيقة ما جرى ما زالت تحير خبراء العالم. واليوم
ولأول مرة تصرح السلطة المشرفة على آثار العراق بحكمها كشاهد عيان على
الخراب والدمار الذي حدث في ذلك الجزء من العالم.
جون كورتز
قبل خمس سنوات وقف العالم متفرجاً
فيما كان المتحف العراقي في بغداد يتعرض للنهب والسلب، لقد كان من الواضح
جدا لدى الكثيرين أن كلفة إزاحة صدام من السلطة ستكون باهضة, إلا أن
القليل منهم فقط كان يدرك مدى فداحة الثمن، سواء على مستوى الضحايا أو
على مستوى الميراث الثقافي.
في الواقع أنني لم أكن مهيئا لتلقي الخبر الصارخ الذي طالعتنا به عناوين
الصحف «لقد نهب المتحف العراقي» فقد كنت عائدا للتو إلى «هثرو» من رحلة
إلى طهران كنت قد قمت بها في الثالث عشر من أبريل 2003. وقد كنت أقوم
برحلات منتظمة إلى العراق منذ عام 1970، وخلال عقد الثمانينيات كنت أدير
عمليات تنقيب عن الآثار في ثمان مواقع مختلفة في شمال العراق. تمكنت خلال
تلك الفترة من توطيد علاقات صداقة عديدة، وأحببت ذلك البلد الساحر
المضياف ولكنه في نفس الوقت كان مليئا بالمشاكل. وكغيري من الكثيرين كنت
أعارض تلك الحرب بشدة إلا أنني كنت أنطلق من خلفية إنسانية. فلم يخيل لي
يوما أن قوات التحالف سوف تتعامل مع الميراث الثقافي العراقي بهذا
المستوى من عدم الاكتراث. فهم لم يكلفوا أنفسهم حتى بوضع حراس لحماية
المتحف العراقي، بعد أن اخترقت دباباتهم قلب بغداد. لقد كان أمرا مروعا
أن تسمع أن متحف بغداد يتعرض للنهب.
وكوني رجل مهتم بالآثار والتاريخ فأن سبب صدمتي كان واضحا، فأنا أهتم لكل
ما هو عرضة للضياع، لكن لماذا يمكن أن يهتم أي شخص آخر بهذا الأمر؟
يشار إلى العراق أنه مهد الحضارة, وهو المكان الذي اخترعت فيه الكتابة
وفيه ظهرت المدن الأولى، فهو (الموسبتيميا) بلاد ما بين النهرين - دجلة
والفرات - بلد السومريين والبابليين والآشوريين. لقد كان المتحف العراقي
واحدا من أغنى المتاحف في منطقة الشرق الأوسط إن لم يكن في العالم بأسره.
فهو يضم مجموعة ضخمة من كنوز بلاد ما بين النهرين القديمة. شاركني هذا
الشعور الغاضب آخرون في مختلف أنحاء العالم، وهذا السبب الذي جعل فاجعة
المتحف العراقي ترخي ظلالها على المؤتمر الصحفي الذي عقده المتحف
البريطاني للاحتفال بالذكرى 250 لتأسيس المتحف العراقي والذي يصادف في 15
أبريل. حاولت سكرتيرة الدولة لشؤون الثقافة «تسا جويل» أن تجيب بصعوبة
على التساؤل العميق: لماذا سمح لهذه الكارثة أن تقع؟ لكن لا هي ولا أي
شخص آخر كان يملك جوابا شافيا لهذا السؤال. والأهم من ذلك، وبعد انتهاء
المؤتمر، حاولت القناة الإخبارية الرابعة أن تجري اتصالا هاتفيا عبر
الأقمار الصناعية مع صديقي القديم «دوني جورج» وهو مدير الأبحاث في قسم
الآثار العراقية، وتمكنت من التحدث إليه مباشرة، وكنت أول شخص يتمكن من
التحدث إليه من خارج العراق.
لقد كان «دوني» في غاية الحزن والاضطراب. فالمتحف وعلى مدى يومين كان
مسرحا للصوص، حيث أن المبنى كان بدون حراسة في ذلك الوقت وهذا ما جعله
عرضة للهجوم. حثّني «دوني» على القدوم إلى بغداد في أقرب وقت ممكن لكي
نرى ماذا يمكننا أن نفعل لتقديم المساعدة. وبمجرد أن علم بعض الصحفيين أن
«دوني» قد طلب مني التوجه إلى بغداد، عرضوا عليّ المساعدة من أجل تسهيل
رحلتي إلى هناك. انضممت إلى فريق «البي بي سي» وطرت إلى عمّان في 22
أبريل، حيث اخترنا فريق الحماية الذي سيرافقنا إلى العراق. انطلقت
القافلة عبر طريق صحراوي طويل باتجاه بغداد. وفور اجتيازنا الحدود
العراقية بدأت تقابلنا بعض آثار الحرب الجديدة، قوافل عسكرية، عربات
محترقة، جسور مهدمة. وعند وصولنا إلى ضواحي مدينة بغداد تراءت لنا
البنايات السوداء التي مازال الدخان يتصاعد من بعضها. الشوارع كانت شبه
مهجورة. هناك هدوء كاذب تكسره بين فترة وأخرى صوت إطلاق نار مما يشير إلى
وجود بعض جيوب المقاومة لقوات التحالف. اتجهنا مباشرة إلى المتحف حيث سمح
لمركباتنا بالمرور عبر البوابات المقفلة. كان في استقبالنا كل من «دوني»
و دكتور جابر إسماعيل، مدير قسم الآثار, والدكتورة نوال المتولي مديرة
المتحف العراقي. في صباح اليوم التالي تمكنا من المباشرة بمعاينة المتحف.
لقد كان المنظر مفجعا! لقد أشعر أن شيئا كهذا سيقع. وفي مرحلة الاستعداد
للحرب، باشر القيمون على المتحف بنقل معظم القطع الأثرية من صالات العرض
إلى مخزن سري يقع أسفل المتحف، ولكن مع ذلك بقيت هناك قطع أخرى لم
يتمكنوا من نقلها بسبب صعوبة نقلها أو لأنهم تغاضوا عنها. وتلك القطع
سرقت أو دمرت فيما بعد. كثير من الصناديق الزجاجية تم تحطيمها حيث كان
الزجاج يغطي أرضية المتحف.
علاوة على ذلك، المكاتب المائة والعشرين الموجودة في المبنى كانت قد
اقتحمت عن طريق تحطيم أبوابها وتم العبث بمحتوياتها. فالملفات والأوراق
والصور والأقلام وبرامج الكومبيوتر كانت مبعثرة على الأرض بعد أن تمت
إزاحتها من الرفوف. ويبدو هناك نية كانت لحرقها، ولكن حمدا ً لله أن هذا
الأمر لم يحدث. كل الخزائن الموجودة في المبنى قد حطمت أبوابها.
هناك الكثير من الجدل يدور اليوم حول ما إذا كانت عملية النهب هذه عفوية،
أم أنها كانت مخطط لها، ومن بالتحديد يقف وراءها. لقد تراوحت النظريات
بين تورط أتباع النظام السابق مرورا بالاستياء الشعبي العارم وانتهاءً
بمهربي الآثار الدوليين الذين كانوا يطلبون سرقة قطع أثرية معينة.
خمس سنوات مرت، وهذه الأسئلة ظلت بلا جواب. أما أماكن هذه الآثار
المسروقة فما زال موضع جدل كبير. من الواضح أن هناك سوق سوداء تتداول
فيها الآثار العراقية، لكن أين انتهت هذه القطع الأثرية؟ لحد الآن لا أحد
يعرف.
اليوم التالي كان مليئا بالحيرة. فقد كانت مهمتنا الأولى هي إعداد قائمة
بالمفقودات، وقد ساعدت «دوني» في هذه المهمة. كانت هناك أربعين قطعة
أثرية مفقودة، وهي من أهم كنوز العراق، من ضمنها «مزهرية الوركاء» و «رأس
الوركاء» وكلاهما يعود تاريخه إلى 3100 قبل الميلاد. و تمثال «ملك لكش»
الحجري الذي يعود تاريخه إلى 2400 قبل الميلاد، وقاعدة تمثال نحاسية ضخمة
عليها نقش ملك أكد «نارمسين» يعود تاريخها إلى 2250 قبل الميلاد، ولوحة
«النمرود» العاجية التي يعود تاريخها إلى 800 قبل الميلاد وتظهر عليها
صورة لبوة تهاجم شخص أفريقي على خلفية لأزهار اللوتوس.
الأمريكيون كانوا مهتمون بمعرفة العدد الحقيقي للقطع المفقودة. لقد عملت
جاهدا أن أبين لهم مدى صعوبة هذا الأمر. إن كارثة بهذا الحجم تجعل من
الصعب على أفضل المتاحف في العالم - بما في ذلك المتحف البريطاني - أن
تقدم إجابة سريعة بهذا الخصوص. وكنت أواجه متاعب مشابهة مع فريق (بس بي
سي)، حيث أنهم مقتنعين بأن القيمين على المتحف كانوا متورطين في تلك
الكارثة. إن وجهة النظر هذه تم التعبير عنها في وثائق لاحقة. بالرغم من
وجود بعض الإهمال إلا أني شخصيا كنت وما زلت واثقا أنه لا يوجد أي دليل
على الخيانة لدى أكبر ثلاث شخصيات. لقد كان بدا وضاحا في تلك المرحلة أن
من المفيد جدا لفت أنظار العالم لحقيقة ما جرى. وبدا أن أفضل طريقة
للقيام بذلك هو أن يرافقني «توني جورج» على لندن للظهور في مؤتمر صحفي
عقد بدون تحضير مسبق في 29 أبريل. وعلى وجه السرعة استأجرنا سيارة (GMC)
رباعية الدفع، وانطلقنا على الفور (بدون حماية) على الطريق الصحراوي
السريع المؤدي إلى الحدود الأردنية. وفجأة وبدون تحذير تجاوزتنا سيارة
نيسان وهي تسير بسرعة كبيرة جدا، ثم أجبرتنا على التوقف. كان في السيارة
أربعة رجال وهم مدججين بالأسلحة، حيث اقتادوا سائق سيارتنا إلى السيارة
الأخرى ثم ركب اثنان منهم إلى سيارتنا وقادوا السيارتين ثم انحرفوا بهما
إلى طريق فرعي حتى وصلنا إلى منطقة تحيط بها الأشجار تبعد ميل واحد
تقريبا عن الطريق الرئيسي. قام المسلحون بتفتيش جيوبنا وحقائبنا بخشونة.
أخذوا نقودنا وجوازات سفرنا، ثم وجهوا لنا بضعة أسئلة. وبمجرد أن عرفوا
أننا مختصين بالآثار، حاولوا معرفة فيما إذا كنا نملك بعض التحف. وبالطبع
أننا لم نكن نملك شيئا من هذا، لكنهم على أية حال أخذوا حقيبتي ليفتشوها
كما يشاءون. ثم بعد ذلك دفعوا بنا إلى سيارتنا. كنت قد تجرأت وسألتهم
فيما إذا كنت قادرا على أخذ جواز سفري، وكما لم يكن متوقعا قام قائدهم
برمي الجواز إلى داخل السيارة ثم قادوا سيارتهم ورحلوا. لحسن الحظ إن
حادث وقع لنا قبل أن يبدأ المتمردون باختطاف الأجانب. ضغط سائقنا بفرح
على دواسة البنزين متوجا بنا نحو الحدود الأردنية، حيث وصلنا بعد 12 ساعة
إلى فندقنا في عمّان.
لقد نال ذلك المؤتمر الذي حضرته «تسا جويل» والذي أقيم في المتحف
البريطاني، اهتماما كبيرا. حيث تمكنا من إعداد قائمة بأهم القطع الأثرية
المطلوبة. ثم بعد ذلك رتبنا لرحلة تفتيش أقوم بها أنا وفريق صغير من
القيمين والمعنيين بحفظ الآثار في الفترة من 3-25 حزيران عام 2003. وفي
المتحف العراقي، انهمك كل من «كين أبريتشارد» و «بيرث كريستينسن» وهما
اثنان من المهتمين بحفظ الآثار، بإجراء تقييم للأضرار، كما قاموا بإعداد
خطة طويلة الأمد للمحافظ على الآثار. فيما قمت أنا وزميلي المختص بالآثار
«دومونيك كوكون» بتفتيش غرف المخازن لجمع المزيد من المعلومات حول ما حصل
وعمل جرد دقيق به.
عندئذ تمكنا من تشخيص حوالي (16000) قطعة مفقودة، بما فيها المجموعة
الكاملة للأختام الاسطوانية المنقوشة التي تعود إلى المتحف العراقي وقد
تمت سرقتها من المخازن. ولم يقتصر الأمر على القطع المفقودة بل هناك عدد
كبير من الآثار التي تم إتلافها بعد أن أنزلت من الرفوف أو أخرجت من
الصناديق وسحقت بالأقدام. وكانت هناك مشكلة خاصة فيما يتعلق بالقطع
العاجية الدقيقة التي تعود إلى عهد النمرود، تلك القطع وغيرها ليس لها
ثمن ومن المستحيل تقدير الضرر المالي الذي تسببت به تلك الكارثة. بعد ذلك
توجهنا لرؤية المجوهرات الذهبية التي تعود لملكات الآشوريين في زمن
النمرود، والتي تم وضعها في قبو تحت البنك المركزي للمحافظة عليها.
وبالرغم من أن ذلك القبو قد غمر بالمياه أثناء الحرب إلا أنها كانت سليمة
نسبيا، وكان ذلك أمرا يبعث على الكثير من الارتياح.
لكن المشاكل لم تقتصر على متحف بغداد فحسب، فقد كنا بحاجة لمعرفة ما حدث
في متاحف أخرى وفي العديد من المواقع الأثرية في عموم البلاد. لذلك
توجهنا أولا إلى بابل، ولم نلاحظ هناك آثار واضحة للنهب باستثناء بعض
الأضرار التي لحقت بالآجر الذي تتكون منه لوحتي التنينين في بوابة عشتار،
وبعض الأكشاك الحديثة التي تبيع الهدايا قد تم حرقها، كان ذلك بسبب
التواجد العسكري هناك وإن لم يكن هذا التواجد كبيرا. المشكلة الكبيرة
التي واجهتنا، وبالرغم من وجود «دوني جورج» معنا هو أننا أجبرنا على
الانتظار عند البوابة لمدة ساعتين ونصف وفي درجة حرارة 45 درجة. هذه
المشكلة تكررت مرة أخرى في (أور الكلدانيين) وهي مدينة السومريين الشهيرة
في جنوب العراق.
بعد زيارتنا إلى بابل توجهنا إلى شمال العراق، إلى آشور القديمة حيث
وردتنا بضعة تقارير عن حالة الميراث الثقافي في تلك المنطقة. في الحقيقة،
كنّا أول فريق غربي من المختصين بالآثار يزور متحف الموصل بعد عملية
النهب التي تعرض لها. أن ما حدث هناك يشبه ما حدث في بغداد، وقد حدث في
نفس الفترة الزمنية، أي في الأيام 10-11 أبريل. لقد كان أمرا مفجعا عندما
رأينا بوابات الملك الآشوري (آشور ناصر بال) التي يرجع تاريخها إلى
الفترة ما بين (883) و( 859) قبل الميلاد، والتي اكتشفها (السير ماكس
مالوان). المرصعات التي كانت تزين البوابات الخشبية كلها قد اقتلعت
وسرقت. وفي النمرود، المدينة التي جعلها آشور ناصر بال عاصمة للآشوريين،
كان الضرر أقل نسبيا. كانت هناك محاولات لإزالة بعض القطع الحجرية وقد
نجحت إحداها للأسف.
في نينوى أفزعتنا رؤية السقف الفولاذي الذي كان يغطي قصر سنحاريب وقد تمت
إزالته بالكامل بواسطة اللصوص تاركين التماثيل عرضة للتغيرات الجوية،
لكني سمعت أن السقف قد أعيد بناءه الآن.
على العموم كانت زيارتنا إلى الشمال مشجعة لأن الأضرار التي تعرض لها
الميراث الثقافي هناك لم تكن كبيرة وكذا الحال في الجنوب.
لقد تدهورت الحالة الأمنية في العراق بشكل كبير منذ عام 2003، ومع تصاعد
حدة التمرد لم يعد ممكنا التنقل بحرية في عموم العراق، فهناك العديد من
المواقع الأثرية لا يمكن الوصول إليها مطلقا. وفي الشمال أصبحت زيارة بعض
المواقع مثل النمرود صعبة جدا حتى للعراقيين أنفسهم.
وفي النتيجة، لم يعد من الممكن إتباع التوصيات التي أصدرها المتحف
البريطاني، حيث أن السفر للعراق أصبح صعبا جدا, كما أنني لم تتح لي فرصة
زيارة العراق إلا في ديسمبر 2004، وذلك حينما وجهت لي دعوة لزيارة بابل.
خلال صيف وخريف 2004، كانت هناك تذمر متزايد من حجم الوجود العسكري
المتواجد في معسكر بابل، والسبب في ذلك يعود إلى أن هذا المعسكر يقع في
أحد أكثر المواقع الأثرية أهمية في العالم. فهذه المدينة كانت عاصمة
لأشهر الملوك القدماء: حمورابي (1792 - 1750 قبل الميلاد) الذي أوجد أول
القوانين، ونبوخذ نصر (640-562 قبل الميلاد) الذي بنى الجنائن المعلقة،
أحدى عجائب الدنيا السبع. يقع المعسكر على مساحة 150 هكتار ويضم 2000
جندي. هناك العديد من التقارير والمقالات التي حاولت لفت الانتباه إلى
هذه المشكلة، وهذا ما جعل قوات التحالف تستشعر المشكلة ودفعها إلى إخلاء
المعسكر في أواخر 2004 وتسليمه إلى العراقيين.
لقد تلقيت دعوة للحضور إلى بابل لأن وزير الثقافة - في حينه - مفيد
الجزائري طلب تقرير من جهة مستقلة يوضح الأضرار التي أصابت المواقع
الأثرية في بابل عندما كانت تحت تصرف الاحتلال العسكري. في الطريق إلى
بابل، أقمت في غرفة واسعة جدا في أحد قصور صدام السابقة، أقيم هذا القصر
بالقرب من بحيرة صناعية بنيت عليها جسور مزينة. لقد كانت تجربة غريبة أن
تنام في قصر بني لدكتاتور سابق. وفي بابل اجتمعت اللجنة بحضور الدكتورة
(مريم عمران موسى) التي كانت في ذلك الوقت مسئولة عن بابل، وكانت مؤهلة
بشكل جيد جدا لتشخيص الكثير من الأضرار. وكانت كالتالي:
أولا: كانت هناك دزينة من الخنادق، أكبرها يصل طوله إلى 170 متر، تم
حفرها في منطقة أثرية لم تستكشف بعد، حيث تم العثور في تلك الخنادق على
فخاريات وعظام وشظايا من الطابوق وعليها نقوش قديمة أغلبها يعود إلى عهد
الملك نبوخذ نصر.
ثانيا: هناك أيضا حفر كبيرة، حيث تمت إزالة كميات كبيرة من التراب من
السطح، وكانت أشبه ما يكون بمنجم كبير مفتوح.. وأكياس الرمل منتشرة في
كافة أرجاء الموقع إلى جانب الحاويات الحديدية المملوءة بالتراب الذي تم
إخلائه من الموقع.
ثالثا: كما توجد هناك مساحة (300000) متر مربع في الموقع غطيت بالحصى،
وفي بعض الأحيان تكون هذه الحصى معاملة كيمياويا، وقد جيء به من مناطق
أخرى مما تسبب في تلويث الموقع بشكل كبير.
رابعا: ونفس الشيء يحدث في المواقع التي يتم فيها سكب الوقود في محطات
تعبئة الوقود، كما خصصت بعض الأماكن لتكون مواقف للسيارات أو مجمعات
سكنية.
خامسا: وعندما تم تشخيص هذه الممارسات، قام المقاولون بجلب التربة من
مواقع أثرية أخرى وهذا الإجراء قد يكون أسوء من السابق لأنه سيؤدي إلى
تلوث السجل الأثري في بابل.
سادسا: كما توجد في الكثير من أنحاء الموقع العديد من إطارات السيارات
العسكرية، وهذه الفعاليات ستؤدي بالتأكيد إلى تدمير القطع الأثرية الهشة
التي تتواجد تحت سطح التربة. حتى أن الرصيف الحجري القديم الموجود في
الجزء الجنوبي، والذي يعود تاريخه إلى القرن السادس قبل الميلاد قد تحطم
بسبب مرور الآليات الثقيلة عليه.
سابعا: أخيرا وليس آخرا، الضرر الذي أصاب أكثر من ثمان بوابات بفعل صيادو
الهدايا وقد اقتلعوا عدد من قط الآجر التي تدخل في تشكيل الرموز الموجودة
في بوابة عشتار.
صحيح أن بابل كانت قد تعرضت إلى الكثير من الضرر في زمن صدام حسين، فمن
بين الأشياء التي قام بها صدام هو إعادة بناء قصر نبوخذ نصر بآجر مختوم
عليه أسم صدام حسين باللغة العربية، كما قام بإيجاد بحيرة صناعية في
الموقع، وبالقرب منها بنى مرتفع صناعي ضخم وعليه قصر. لكن لا يمكن بأية
حال أن تبرر المزيد من الخراب الذي تتسبب به قوات التحالف. فما كان ينبغي
بأي حال من الأحوال أن يتم اتخاذ موقع عسكري في بابل، فهل يمكن تخيل مدى
الضرر لو بني موقع عسكري بالقرب من الهرم الأعظم!
في أور في جنوب العراق كانت المشكلة تختلف عن تلك التي رأيناها في بابل.
ففي أور يوجد المكان الأسطوري الذي ولد فيه إبراهيم الخليل، حيث عثر
«السير ليونارد ولي» على المقبرة الملكية في عقد العشرينيات
والثلاثينيات.
فالموقع نفسه يقع بالقرب من القاعدة الجوية الصخمة " Tallil" (قاعدة
الإمام علي) وهي القاعدة الأكبر في منطقة الشرق الأوسط، وتمتد على مساحة
تصل إلى 28 كيلومتر مربع. هذه القاعدة الجوية كانت موجودة قبل حرب الخليج
الثانية، ولكن بعد ذلك تمت إحاطة موقع أور بسياج يمنع وصول العراقيين
العاديين إليها.
في مارس 2006 وردت تقارير تشير إلى عدد من الأحجار المنقوشة قد أزيلت من
موقع أور بدون رخصة قسم الآثار العراقي، حيث قام بهذا العمل بعض خبراء
الآثار العاملين مع قوات التحالف التي نقلت فيما بعد إلى متحف الناصرية.
وهذا الإجراء غير مقبول تماما، وقد أثار غضب «دوني جورج» الذي يشغل اليوم
منصب مدير الآثار، حيث أرسل فريقه على الفور للتحقيق في هذا الأمر. ولم
يكتف بذلك بل أعرب عن رغبته في زيارة موقع أور بنفسه ودعاني لمرافقته.
كان هناك حافز إضافي آخر بالنسبة لي، وهو إن التنقيب في هذا الموقع قد
أوكل إلى المتحف البريطاني. لكن قبل أن يتم ذلك غادر «دوني» العراق بعد
أن تلقى عدد من أفراد عائلته تهديدات بالقتل، وهو يعمل اليوم بالتدريس في
جامعة «ستوني بروك» في نيويورك. لكن هذا المشروع تم إحياءه عندما التقيت
بخليفته الدكتور «عباس الحسيني» في مؤتمر في لندن عام 2006، حيث تمكنت
أخيرا من الذهاب إلى أور في شباط 2007.
في «أور» وفي القاعدة الجوية نفسها، حيث كان يقع المخيم الذي يضم مساكن
القوات الأمريكية والاسترالية والرومانية، كانت الخطة تقضي بأن التقي
الدكتور عباس الذي كان قد قطع 250 ميل جنوبا من أجل هذا اللقاء. في
الساعة 11.30 قبل الظهر في يوم 22 شباط وصل إلى البوابة مع مجموعة تقدر
بحوالي 20 شخص في موكب يتألف من خمسة سيارات. ولكن فور وصولنا واجهتنا
مشكلة، فقد رفض الحراس الأمريكان السماح للفريق بالدخول بدون تفتيش، كما
رفضوا السماح لأعضاء الفريق الذين لا يملكون بطاقات تعريف نافذة. وكونه
مسئولا، رفض «الدكتور عباس» أن يتعرض للتفتيش، كما أن أعضاء فريقه لم
يكونوا جميعهم يملكون بطاقات تعريف صحيحة. فقد كانت وجهة نظره هو أنه يجب
أن لا تكون هناك قيود على دخوله أي موقع أثري في العراق كونه مديراً
للآثار، التي أصبحت فيما تحت إشرافه بالكامل. لسوء الحظ ذهبت جميع
المفاوضات بلا جدوى، وبعد ساعتين ونصف من الانتظار غادر الفريق العراقي.
من المؤسف أن لا يسمح لمدير الآثار أو كادره بالوصول إلى المواقع
الأثرية، ونأمل أن لا يتكرر هذه المشهد ثانية.
للأسف كانت هناك مشكلة أخرى في أور، فقد بنيت البوابة الرئيسية للمجمع
الأثري في إحدى ضواحي أور القديمة والتي تعرف «الدقدقة». إن بوابة
المجمع، أو ما يعرف بـ (مركز تفتيش الزائرين) تقع على مساحة تصل إلى 400
متر مربع، وبناءه بالتأكيد تسبب بأضرار كبيرة للمواقع الأثرية التي تقع
تحته. لم تجر هناك أعمال تنقيب مناسبة في «دقداقة» ولكن لو كانت سلطات
التحالف قد استشارت أي من المختصين في علم الآثار أو أي من الخبراء في
إدارة الميراث الثقافي، فإنهم بالتأكيد سوف يمتنعون عن بناء بوابة المجمع
في ذلك المكان. تشير هذه الحوادث إلى الحاجة الماسة إلى المزيد من
المشاورات مع سلطات التحالف مع قسم الآثار في العراق.
ما هي التوقعات الحالية للميراث الثقافي العراقي؟
لسوء الحظ لم يحصل هناك سوى تطور بسيط خلال السنوات الخمس التي تلت سرقة
المتحف العراقي عام 2003. اليوم يوجد هناك اهتمام كبير ومحادثات واسعة من
أجل إقامة مؤتمرات في مناطق مختلفة من العالم مثل باريس ونيويورك وطوكيو.
وهناك الكثير من الجهود التي تبذل في هذا الاتجاه لكن ذلك ما يزال لا يفي
بالغرض. فتردي الحالة الأمنية يجعل من الصعب على الناس العمل على الأرض .
كما أن تردد الحكومات المختلفة عن الاستثمار في العراق، باستثناء ما قامت
به إيطاليا واليابان اللذان قاما بتمويل جملة من المشاريع بما فيها مختبر
حفظ الآثار في المتحف العراقي. هذا المختبر أصبح اليوم جاهزا للاستخدام،
إلا أن الحالة الأمنية ذاتها، بالإضافة إلى إحجام الكادر عن المجيء إلى
العمل جعل المختبر متوقف عن العمل مع شديد الأسف. إضافة إلى ذلك، توجد
هناك دورات تدريبية للمختصين العراقيين، بعضها سيقام في المتحف
البريطاني.
كانت هذه صورة سوداوية للوضع بشكل عام، إلا أنه توجد هناك بعض المؤشرات
المشجعة. فأغلب الرموز الأثرية الأربعين التي سرقت من صالات المتحف
العراقي قد تمت استعادتها (باستثناء اللوحات العاجية الرائعة).
ما يزال نصف عدد القطع البالغ عددها 16000مفقودا، بما في ذلك (مجموعة
الأختام التي مازلت مفقودة. لقد تم تسريع عملية استرجاع القطع الأثرية
المفقودة وذلك من خلال تقديم الجوائز بواسطة القوات الأمريكية. كما تم
مؤخرا افتتاح صالتين للعرض في المتحف العراقي، لكن شروط الدخول إليها ما
زالت غير واضحة.
إن من الجدير بالذكر هو انخفاض مستوى النهب الذي تتعرض له المواقع
الأثرية في الجنوب، ويعود الفضل في ذلك بنسبة كبيرة إلى جهود الدكتور
عباس الذي استخدم علاقاته الواسعة في الجنوب من أجل الوصول إلى نتائج
طيبة. كما تتوفر هناك أخبار طيبة عن بابل، حيث قام قسم الآثار بالتوصل
إلى اتفاقية مع كل من صندوق النقد ومعهد «غيتي» لحفظ الآثار. حيث سيسهم
هذان الكيانان في التوصل إلى إيجاد خطة لإدارة المواقع، والشروع في إصلاح
بعض الأضرار. كما سيقوم المتحف البريطاني في نوفمبر2008، بإقامة معرض خاص
في بابل. وسيعطي هذا المعرض فرصة للزوار أن يتعلموا المزيد عن الوضع
الحالي للموقع.
كل هذه التطورات هيأت الأرضية لنوع من التفاؤل الحذر. وهناك عنصر مشجع
آخر في جنوب العراق وهو، حيث أعرب الجنرال «بارني سبونر» قائد الفرقة
الثالثة في الجيش البريطاني، أعرب عن رغبته في تقديم المساعدة وذلك
بالتنسيق مع المتحف البريطاني، من خلال وضع خطة تتضمن تنظيم زيارات إلى
أكثر المواقع الأثرية أهمية في الجنوب وإيجاد أفضل الطرق لحمايتها، وكذلك
صيانة بعض مباني المتحف في المحافظات.
لم تعمل السلطات العسكرية بنصيحة خبراء الآثار، فعلى أقل التقديرات كان
ينبغي عليهم استشارة مختصين بالشأن العراقي، بل كان الأفضل لهم أن
يستفيدوا من مختصين بالآثار والميراث الثقافي عن طريق دمجهم ضمن فرق
الجيش، كما فعلوا أبان الحرب العالمية الثانية. بهذه الطريقة كان يمكن
تلافي الكثير من الكوارث.
في هذه الأثناء وفي دوامة الأحداث في العراق، تعرض الكثير من المواقع
الأثرية والأشياء القيمة في المتاحف العراقية إلى السرقة، وكثير من تلك
المواقع الأثرية نهبت ثانية بعد أن تم أعمارها. هذه الخسائر المتعاقبة
التي أصابت الميراث الثقافي العراقي الذي هو يعتبر ملك للعالم بأسره.
حينما اجتاحت القوات الأمريكية بغداد في 9 ابريل 2003 في المرحلة الأخيرة
من حملة «الصدمة والترويع»، وبعدما احتدم إطلاق النار، ترك المتحف
العراقي بدون حماية. وفي 16 أبريل قام الأمريكيون بوضع المتحف تحت
الحماية الأمريكية، لكن الوقت قد فات، فآلاف الكنوز كانت قد سرقت.
من كان هؤلاء اللصوص بالضبط؟ وأين اختفت هذه التحف الأثرية؟
يعتقد الكولونيل المارينز الأمريكي «ماثيو بوغدانوس» والذي يترأس لجنة
التحقيق الأمريكية، يعتقد أن شبكات إجرامية منظمة كانت قد هيأت نفسها
لهذا العمل قبل الغزو بانتظار تعطل أمن المتحف. لقد أفادت تحقيقاته بأن
هناك لصوص محترفين كانوا قد انتقلوا إلى فنادق بغداد أثناء فترة التحضير
للحرب، كما تم تهيئة التجار الذين سيقومون بشراء تلك التحف الأثرية ذات
المواصفات العالية قبل نهبها. لكن المتحف لم يكن سوى واحداً من 10000
موقع أثري مهم في العراق موزعة على آلاف الأميال.
يقول رئيس شرطة وحدة خدمات الآثار والتراث «فيرنن رابلي»: «السكان
المحليين كانوا يعرفون بوجود تلك التحف لكنهم لم يزعجوا أنفسهم يوما
بالبحث عنها». فجأة فتحت الحدود العراقية وأوجدت الأسواق، وبيعت تلك
التحف إلى عملاء أكثر تنظيما، وهم من قام بنقلها إلى بغداد ومن ثم إلى
عمّان، والحال نفسه ينطبق على التجار الإيرانيين المقيمين في لندن. أوضح
«رابلي»: «إن هؤلاء المهربين يحتفظون بكثير من القطع كاسطوانة الأختام -
علي سبيل المثال - طمعا في الحصول على أغلى الأثمان وأضاف: «اعتقد أن
هؤلاء المجرمين المنظمين قد تم التعاقد معهم لجلب قطع بعينها».
في الثلاثين من ابريل، احتجزت سلطات الكمارك في مطار (Newark) أربعة
صناديق (Fed Ex) قادمة من لندن معنونة إلى تجار تحف أثرية في نيويورك.
كانت تلك الصناديق تحوي على 669 قطعة أثرية مسروقة من المتحف العراقي.
كيف خرجت تلك الكنوز إلى خارج البلد؟
يشير «بوغدانوس» إلى أن هناك سماسرة قاموا بترتيب عملية التهريب عبر طرق
تم تدشينها خلال حرب الخليج في التسعينيات. والسؤال هو: أين يمكن أن تكون
تلك القطع؟ يقول «رابلي»: «كل المعلومات تشير إلى أن أغلب تلك القطع
المهمة ما زالت في محيط العراق نفسه». ويضيف: «من الأفضل للتاجر أن يعقد
صفقاته ويبيع بضاعته في تلك المنطقة، حيث ستصبح مسئولية اخراج البضاعة
على عهدة المشتري، لأن ذلك ينطوي على خطورة وكلفة عاليتين».
(*) كاتب من
العراق.
http://www.timesonline.co.uk/tol/news/world/iraq/article3721584.ece
abadr70@hotmail.com
|