|
الثلاثاء:
22/04/2008
المستشفيات التراثية في بغداد
الأسس والفخامة
عبد
الأمير المؤمن(*)
(خاص للمعهد)
قدمت الحضارة
الإسلامية في مسيرتها الطويلة أفضل الانجازات العلمية في تاريخ
الإنسانية، قدمت انجازات مهمة في الطب والكيمياء والصيدلة والفلك
والرياضيات والحيوان والنبات ووكل مواد المعرفة العلمية الممكنة في الزمن
القديم.
وفي الوقت نفسه افرزت أعظم العلماء والمتخصصين وفي كل مجالات المعرفة
الممكنة، في الطب كابن سينا والرازي والزهراوي، وفي الفلك كالبتاني
والصوفي والبيروني والطوسي، وفي الرياضيات والجبر كالخوارزمي والبوزجاني،
وفي الكيمياء كجابر بن حيان وغيرهم الكثير ممن يطول ذكرهم.
وقد احتضنت هذه المواد العلمية الإبداعية واولئك العلماء المبدعين مؤسسات
أو معاهد علمية على درجة عالية من التقدم قياسا بزمانها، قدمت المراصد
والمدارس والمستشفيات ومدارس العلم المختلفة.
وعلى مستوى الطب وانشاء المستشفيات عني العباسيون بانشاء دور للمرضى
والمجانين، وقد تطورت هذه الدور حتى اصبحت مستشفيات كبيرة تضم إلى جانب
ردهات المرضى ومخازن الأدوية ، مكتبات وقاعات لتدريس الطب عدّت فيما بعد
مدارس للطب كان لها فضل كبير على العالم.
وقد اشتهرت مدينة بغداد بعدد من المستشفيات كان يتسابق في انشائها
الخلفاء ونساؤهم ووزراء الدولة كما اشتهرت نخبة ممتازة من الاطباء الذين
تركوا لنا رصيداً ضخماً من التراث الطبي الذي أسدت به بغداد خدمات جليلة
للإنسانية.
الطب والمستشفيات تنطلق من بغداد
الطب كغيره من العلوم الحضارية، كان متقدماً في الحضارة الإسلامية، وقد
اعتمد على اشارات القرآن الكريم وأحاديث الرسول الأعظم محمد صلى الله
عليه وآله وسلم وجهود العلماء المسلمين.
وعلى الرغم من وجود الطب والمادة الطبية في ما قبل العصر العباسي، الا
انه حين انتقل إلى العصر العباسي زاد الاهتمام به وتطور تطوراً واضحاً
كما تشير المراجع التاريخية المعتبرة. اذ عني الخلفاء العباسيون بهذا
العلم عناية كبيرة، فقد استقدم الخليفة ابو جعفر المنصور في بغداد الطبيب
جورجيس بن بختيشوع النسطوري المتوفى سنة 152 هجري، استقدمه من مدرسة
جنديسابور الطبية الشهيرة، حيث كانت ومازالت إلى عهد المنصور كعبة
القاصدين من الاطباء وطلاب الطب، وذلك عندما أدركه ضعف في معدته وسوء
استمراء وقلة شهية(1)، وكان من أشهر أطباء عصره، فأبرأه ثم استمر جورجيس
في خدمة المنصور حتى سنة 152 هجرية، ثم عاد إلى مدرسة جنديسابور فخلفً
وراءه أحد تلاميذه وهو عيسى بن شهلا طبيباً له، وفي اثناء بقاء جورجيس في
بغداد كلفه المنصور بتعريب كتب كثيرة في الطب عن الفارسية، ثم جاء ابنه
بختيشوع بطلب من الخليفة المهدي، وظل في خدمته وخدمة الهادي والرشيد، ظل
في بغداد إلى ان توفى(2). وتلاه ابنه جبريل الذي نبغ في حياة ابيه وصار
طبيباً لجعفر البرمكي، ثم صار الطبيب الخاص للخليفة هارون الرشيد وجعله
رئيساً للاطباء، وظل على ذلك إلى زمن الخليفة الأمين والخليفة المأمون،
حتى توفي في خلافة هذا الاخير (أي المأمون) في سنة 213 هجرية. وفي بغداد
نبغ الطبيب المسيحي يوحنا بن ماسويه نبع في الطب والتأليف والترجمة (توفى
سنة 243هجرية) فقد اشتهر إلى جانب كونه طبيباً حاذقاً اشتهر مترجماً
للكتب الطبية القديمة التي جلبت من خارج بغداد إلى اللغة العربية.
واستمرت عائلة بختيشوع في بغداد في خدمة الدولة العباسية ما يقرب من
ثلاثة قرون، من سنة 148 هجرية إلى سنة 450 هجرية فأقامت على التدريس في
مدارس بغداد والتطبيب في المستشفيات فيها(3).
وكان لرجالها فضل على وضع الأساس المتين للطب عند المسلمين الذي انطلق من
الحاضرة الإسلامية الكبيرة بغداد.
واضافة إلى هؤلاء المذكورين يمكن أن نضيف من ساهم في نمو وتطور الطب في
بغداد، كالطبيب والمترجم الشهير حنين بن اسحاق، المتوفى سنة 264 هجرية،
وثابت بن قرة الحراني المتوفى سنة 288هجرية وغيرهما.
وكان للطب نظام لا يسمح للمتطبب بممارسة الطب الا بقدر اجتيازه امتحاناً
فيه ينظمه رئيس الأطباء، ومن اشهر هؤلاء الرؤساء كان سنان بن ثابت
المتوفى سنة 331 في بغداد.
كما كان الطب يخضع إلى ما يشبه نظام الاختصاص في ايامنا هذه، ففيهم
الطبيب العالم والجراح والفاصد والكحال(أي طبيب العيون) والأسناني (أي
طبيب الأسنان)، وطبيب النساء وطبيب المجانين(4).
وتطور الطب وظهرت مدارس خاصة بالطب، كالطب النظري والطب التطبيقي،
وتطوّرت المستشفيات، وظهرت المستشفيات المتنقلة التي تدور في المدن بحسب
الحاجة، وهو تطور كبير في الخدمات الصحية.
وقد انشترت املستشفيات بنوعيها، الثايتة والمتنقلة، في كثير من البلدان
الإسلامية فاضافة إلى بغداد كانت في القاهرة ودمشق وانطاكية وغيرها.
وعندما جال ابن جبير في الشرق الأدنى خلال السنوات 578 ـ 581 هجرية، اشار
إلى وجود مستشفى اوعدة مستشفيات في غالبية المدن التي اجتازها(5).فان دل
هذا على شيء فانما يدل على تقدم الطب والمؤسسات الطبية في العالم
الاسلامي الذي انطلق من بغداد في القرن الثاني الهجري.
المستشفيات في بغداد
وعلى الرغم من انتشار وشيوع البيمارستانات (المستشفيات) في انحاء مختلفة
من العالم الإسلامي ـ كما ذكرنا آنفاً ـ الا ان لبغداد عاصمة الخلافة
كانت حصة الاسد في هذا المجال، ويمكن هنا ان نذكر اهم هذه المستشفيات:
ـ مستشفى الرشيد (اول مستشفى في الإسلام)
ومستشفى الرشيد هو أول مستشفى أسس في العالم الإسلامي، ويرجع الفضل في
تأسيسه إلى الخليفة العباسي هارون الرشيد المتوفى سنة 170 هجرية وقد اسسه
جبرائيل بن بختيشوع بأمر من الخليفة الرشيد كما يقول القفطي في اخباره(6).
وليس لدينا اخبار مفصلة عن هذا المستشفى الرشيدي.
ـ المستشفى العضُدي (أفخم المستشفيات الإسلامية)
والمستشفى العضدي هو من افخم المستشفيات في العالم الإسلامي، واشهرها شيد
سنة 371 هجرية على الضفة الغربية من نهر دجلة. وفي موضع قصر الخلد القديم
الذي تداعى خراباً، ويتألف الفريق الطبي للمستشفى من 24 طبيباً منهم
الاختصاصيون في العيون والجراحة وفي التجبير وكانوا مرتبطين بالمستشفى.
وكان هذا المستشفى يتلقى مداخيل مهمة لتأمين استمراريته، وقد رآه ابن
جبير عندما مرّ في بغداد في أواخر القرن السادس للهجرة، وكان لا يزال
يعمل عندما كان الاطباء لا يزورونه الامرتين في الاسبوع(7).
واضافة إلى المستشفيين المذكورين (الرشيدي والعضدي) هناك عدد آخر من
مستشفيات بغداد أقل أهمية، وهي:
ـ مستشفى البرامكة: ويظهر من اسمه أنه من تأسيس البرامكة، أسسوه في بغداد
زمن الرشيد العباسي، وقلـّدوا رئاسته إلى طبيب هندي لاهتمامهم بطب
الهنود.
ـ مستشفى بدر، أو المستشفى الصاعدي: وهو مضاف إلى بدر المعتضدي ،غلام
المعتضد. ويقع بمحلة المخرم جنوبي الرصافة بالجانب الشرقي من بغداد.
ويذكر ثابت بن سنان بن ثابت بن قرّة ان النفقة على هذا المستشفى كانت من
واردات الوقف الذي كان للسيدة شجاع ام المتوكل.
ـ مستشفى الحربية: وهو الذي انشأه الوزير أبو الحسن على بين عيسى بن
الجراح سنة 302 هجرية بالحربية في الجانب الغربي من بغداد، وانفق عليه من
امواله وقلده ابا عثمان سعد بن يعقوب الدمشقي، وهو احد النقلة المجيدين،
وكان منقطعاً إليه، إلى هذا المستشفى.
ـ مستشفى السيدة: وكان بالجانب الشرقي بمحلة سوق يحيى «وهي محلة السفينة
بالاعظيمة اليوم» وهو مضاف إلى السيدة شعنب ام المقتدر، انشأته بسوق يحيى
على نهر دجلة وافتتحه ابو سعيد سنان بن ثابت في اول المحرم من سنة 306
هجرية، وقد جلس فيه الطبيب سنان بن ثابت ورتب المتطببين وقبل فيه المرضى.
ـ المستشفى المقتدري: نسبة إلى الخليفة المقتدر بالله، أمر بانشائه سنة
306 هجرية وكان سنان بن ثابت اشار على الخليفة أن يتخذ مستشفى ينسب إليه،
فبنوه له في باب الشام في الجانب الغربي من بغداد وولاه سناناً. وممن
اشتغل في هذا المستشفى من الاطباء: يوسف الواسطي، وجبريل بن عبد الله من
بختيشوع.
ـ مستشفى ابن الفرات: وهو مضاف إلى ابي الحسن ابن الفرات وزير المقتدر.
وقد اتخذه في درب المفضل، وكان الوزير الخاقاني قد قلد امر هذا المستشفى
إلى أبي الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة سنة 313 هجرية.
ـ مستشفى الامير بجكم: انشئ هذا المستشفى في شنة 329 هجرية، وقد أسند
الامير بجكم رئاسته إلى سنان بن ثابت غير ان العمل في هذا المستشفى لم
يتم في عهد الأمير بجكم فقد كانت امارته سنتين وثمانية اشهر وتسعة أيام.
وقد جدد هذا المستشفى في عهد عضد الدولة.
ـ مستشفى معز الدولة البويهي: ابتدأ معز الدولة بن بويه بانشائه في سنة
355 في موضع الحبس الجديد، ويظهر أن المستشفى كان يقع على نهر دجلة.
ـ مستشفى الوزير فخر الملك الصيرفي: ذكر الذهبي أن محمد بن علي بن خلف
الوزير فخر الملك أبا غالب الصيرفي انشأ مستشفى ببغداد قل ان عمله مثله.
ـ مستشفى باب المحول: جاء ذكر هذا المستشفى في حوادث سنة 329 هجرية، وفي
حوادث سنة 449 هجرية. وباب المحول الذي يضاف اليه هذا المستشفى، محلة
كبيرة كانت منفردة بجانب الكرخ أول الأمر وقد دثرمنذ وقت مبكر.
المستشفى التُتشي: شيده خمارتكين في السوق المعروفة بسوق تـُتـُش بالقرب
من المدرسة النظامية.
ـ دار الشفاء، أو المستشفى المرجاني: نسبة إلى أمين الدين مرجان. وقد بني
هذا المستشفى على نهر دجلة بباب الغربة أحد أبواب دال الخلافة، واوقف
عليه وعلى المدرسة المرجانية كثيراً من العقار والضياع وجعل ثلثيها
للمستشفى وثلثها للمدرسة.
وإذا عرفنا أن كل مستشفى تحتوي على عدد من الاطباء والمختبرات والأجهزة
والملحقات أدركنا كم كانت بغداد متطورة في القرون الأولى من انشائها.
الهوامش
ــــــ
(1) تاريخ مختصر الدول، ابن العبري: 124.
(2) تاريخ الأمم والملوك، الطبري، ج5: 224.
(3) حضارة العرب، أسعد داغر: 186.
(4) طبقات الاطباء والحكماء، ابن جلجل: 186.
(5) موسوعة تاريخ العلوم العربية، فرانسواز ميشو، ج3: 1273 (مركز دراسات
الوحدة).
(6) اخبار العلماء باخبار الحكماء، جمال الدين القفطي، راجع (جبرائيل بن
بختيشوع): 93 وما بعدها.
(7) موسوعة تاريخ العلوم العربية، فرانسواز ميشو، ج3: 1265 (مرجع سابق).
|