الحضارية «تاريخ العراق»

الاثنين: 21/04/2008

 

الرسم العراقي المعاصر
(رؤى ذائقية)

(1)
المآل الفني بوصفه شهادة

د. مُنذر فاضل
(خاص للمعهد)

في دراسة الفن على العموم لابد لنا من إمساك خيوط السياقات و البنى التي تحرك النتاجات الفنية وتذوقها، والعمليات الثقافية التي تحتضن تلك النتاجات كبنية فوقية، لبنى تحتية قد يكون الإحاطة بها الغور داخل التأريخ الإنساني والفني، وهذا التأريخ متشعب في جنباته؛ ومن خلال ذلك فإن العمليات الفنية والذوقية للفن العراقي المعاصر لا تمنعنا في التشعب في مقدمات جمالية ونقدية تذكّر بالأُفقي والعمودي لهذا الفن العميق في تجربته الإنسانية.
مُنذ عصر الكهوف، مارس الإنسان صناعة الصور على جدرانها، وذلك ما وصل ألينا من رصيد هائل من الفنون البصرية، تعود لزمن يزيد على ستة آلاف سنة قبل الميلاد، استمر تأثيرها قائما حتى يومنا هذا(1). وعلى الرغم من اختلاف أسباب إنجاز تلك الرسوم، من عصر إلى عصر، إلا أنها تبقى شواهد حية، ومن ناحية أخرى، فلقد دلت تلك الصور، على حاجة الإنسان، منذ أن وجد على الأرض، إلى تلك الفنون على اختلافها أيضاً، مكوناً منها رموزاً صورية، مثّل بها تجاربه المريرة، والواصلة إلينا عبر السنين. وقد ظلت شاهداً على محاولات الإنسان، لحماية نفسه من الأخطار، وتمجيد آلهته، وأبطاله، على مر العصور(2).
إن ما أنتجه الإنسان من فنون بصرية، كشفت لنا أسرار الماضي، بكل ما يكتنفه من غموض، وظلت هذه الفنون، بمثابة حقائق مدونة امتازت بالمعرفة والمتعة الفنية، بغض النظر عن أسبابها التاريخية ومضامينها، سواء أكانت اجتماعية، أو سياسية، أو دينية. فكانت بذلك بمثابة إناء للارتواء الجمالي والفكري. وهو ما شكل أولى سلالم التذوق الفني فيما بعد. فأياً كان الشكل المرسوم على جدار الكهف، أو الآنية الفخارية، أو الصخور، فأنه كان يحمل سمات جمالية لا علاقة لها بالعامل الثقافي أو التاريخي.
إن العمل الفني بأشكاله المختلفة قد يكون خلاصة لخبرة ومهارة عالية الدقة، وقد يكون شاهدا على أسرار مجتمع بكل أنماطه الثقافية، والأخلاقية، وتجارب فنانيه الذاتية. وقد يكون مدوّناً لحكايات ذلك المجتمع، الحربية والدينية(3). من هنا كانت الأعمال الفنية بعد اكتمالها تخدم أغراضها، في حين تأتي مميزاتها الأخرى لاحقا، عندما يتم التجاوب مع المتلقي. وذلك هو حال التذوق الفني، وأنجازه يحقق اكتمالاً لدى الفنان. أما فيما يخص المتلقي، فإن معنى العمل لديه يبدأ مع بداية العمل نفسه، من خلال ما يتحقق من أثر ذوقي لذلك العمل، وهو أيضا يتوقف على عوامل عدة، أهمها:
العامل النفسي، ممثلاً بمزاجية المتكيف أثناء المشاهدة.
العامل الثقافي، ممثلاً بتراكم الخبرة عند المتلقي.
العامل الإدراكي، ممثلاً بقدرة المتلقي، ونفاذ بصيرته، في تذوق العمل نفسياً.
إن الفنون تجسد حالة بصريه، تصبح فيما بعد مادة للاستجابة عند المتلقي، يراعى فيها ردود الأفعال، وبهذا المعنى، فإن العمل قد يحل محل اللغة المنطوقة، في كثير من الأحيان، وذلك لوجود مصدر مهم من مصادر عملية الاتصال، بين الفنان والمتلقي، عن طريق وسيط، ممثلاً بالعمل الفني، حتى تكون الحالة أشبه بقارئ النص المكتوب، على المتلقي فيه تجسيد الرموز، واستنباطها، وتحليلها، وهو ما يحقق للأثر الفني، عملية تذوقه جماليا.
وعلى سبيل المثال، قد لا يسبب النظر إلى أعمال فنية، متعة جمالية، في كل الأحوال، وبذلك لا يتحقق التذوق الفني، ومن المعروف إن الشخص الاعتيادي، قد يمتلك استجابة جمالية تلقائية، اتجاه بعض الأعمال فيما تثير أعمال أخرى اشمئزازه وغضبه وذلك بتأثير الحالة النفسية أيضا(4).
إن المتعة الجمالية، إنما تتحقق نتيجة امتزاج النزعات الذاتية للمتلقي، بقدراته المدركة امتزاجاً معقداً، قد يأتي عن طريق ردود أفعال إيجابية، أو سلبية، ويبقى على المتلقي، اقتيادها بشكل اكبر نحو تلك الايجابية، عندها يتحقق التذوق الفني، أو اقتيادها نحو السلبية، فيتحقق العكس من ذلك. فعندما يريد المتكيف تحقيق العامل الايجابي عليه تغيير الظروف التي تجعل الاستجابة سلبية(5).
ويرى (ألبرت تشارلز)، أن المرء، يجسد المتعة في الفنون، ومن خلالها يكتسب التجربة الجمالية، وبذلك يقول: "باستطاعتنا تحديد معنى التجربة الجمالية، بعبارة المتعة بالتأمل"، وقد تعني كلمة متعة، بمعناها الفلسفي، معنى التذوق على نحو غير مباشر، بحالة ذهنية متولدة من تكرار التجارب في موضوع ما، وهنا تكتسب خبرة التذوق عند المتلقي.
وفي الواقع إن التجربة الجمالية للمتلقي، إنما هي نتاج تواصل، ما بين الشيء أو المنتج والمكتسب، وذلك بتهيؤ ظروف حدوثه، وهي تساعد على تحسس معالم ذلك الأثر الفنيوإدراكه. فالتجربة الجمالية التي تؤدي إلى تذوق الإعمال الفنية إنما تنشأ بفعل الاستجابة الجمالية(6).
إن المشكلات الرئيسة التي تتعلق بتذوق الفن على وجه العموم، ولاسيما في الرسم، تنطبق على وما يماثلها في الفنون البصرية، وان الكشف عن تلك المشكلات وحلها ينطبق أيضاً على كل الفنون وبدون استثناء، وبناء على ذلك يمكن أن يطرح السؤال الآتي:
ما هو التذوق الفني في ضوء موقف التجربة الجمالية المطلوب؟ وبالإجابة عن هذا السؤال، يمكن القول، إن الناظر إلى العمل الفني يحب أن يوجه إدراكه واهتمامه وخبرته السابقة نحو هذا العمل، حتى يمكن له فك رموزه وتذوقه فيما بعد. وهنا قد يحدث اتصال ما بين المتلقي والعمل الفني، من خلال التركيز المطلق في ذلك العمل(7).
إن الاهتمام بالقيم الجمالية، يعبر عن تجاوب المتلقي مع الفنون البصرية، على اختلافها، وذلك يتطلب وضع أُسس لاختبارات صائبة، في مجال الفنون، لحساسيتها الجمالية المفرطة، إضافة إلى صعوبة تذوقها فنياً في كل الأوقات، لذلك هل يُشترط أن يهدف التذوق الفني إلى تطوير قابليات المتلقي، ليكون ذلك المتلقي قادراً على إصدار أحكام جمالية؟ والجواب عن ذلك يتجسد بسؤال آخر، وهو، هل أن الحكم الجمالي لأي أثر فني، يكون وفق صيغة، هذا جيداً، وذلك رديئاً، وهذا عظيماً، وذلك متواضعاً، وهل ينطبق ذلك على الفنون البصرية ام لا؟
إذن نفترض إن هناك مقياساً شاملاً (معياراً) يمكن من خلاله إصدار حكماً جمالياً ذوقياً على الفنون البصرية، فتطبق بذلك مسألة الجمالية عليها(8).
إن مسألة وضع قيم مطلقة، في مجال الجماليات، وتذوق الفنون، سبق أن شغلت الفلاسفة وعلماء الجمال، قرونا طويلة، وقد حاول الكثير منهم، بناء نظام تقويمي للفنون، على اختلافها، ولكنها لم تنجح، لخضوع الذائقة الجمالية لمتغيرات كثيرة. كما إن من الصعوبة أن تنطبق قواعد الماضي على الحاضر، وهي غير صالحة للمستقبل، على الأقل في مجال الفنون البصرية، ذلك لأسباب عدة، منها، إن تطبيق القيم التقليدية على أشكال الفن الحديث، يثير ردود الأفعال بكل اتجاهاتها، لاختلاف الفلسفات ما بين القديم والحديث، إضافة إلى أن العملية النقدية في مجال الفنون، تخضع هي الأخرى لظروف ومتغيرات كثيرة، ومثال لذلك فقد عدت رسوم (مونيه) و(مانيه) و(بيسارو) المعاصرة في وقتها، أعمالاً رائعة، بعد أن كانت أعمالاً غير مرغوب فيها في السابق(9).
إن أغلب ما أنتجه المبدعين يتجاوز ذائقة العامة من الجمهور، ولهذا يحتاج المجتمع الى سنوات للتأكد من صدقية و مألوفية و تميّز ما ينتجه المبدعين. ولذلك فنحن نتوقع أن الفنانين يكوّنون مجتمع نخبوي داخ المجتمع العام، وهذا يشمل كل المجتمعات المتقدمة منها والمتأخرة.
ومن الواضح إن القيم الفنية، وتذوقها جمالياً، هي قيم معقدة في حالات عدة، من هنا تأتي أهمية التقويم المعتمدة على الخبرة والكفاءة المطلوبة للحكم على العمل الفني،لتشكّل عوناً على التذوق الفني(10).
وهنا يتبادر لنا السؤال الآتي:
هل إن هدف التذوق الفني، تطوير قابلية المتلقي، وإدراكه، لإصدار حكم جمالي؟ والجواب عن ذلك السؤال هو، إن هنالك خلطا ما بين التذوق الفني، والتقويم الفني، وعندما يكون الجواب بنعم، فإن ذلك يعني التقويم الفني، وليس التذوق الفني، لان التقويم، يعتمد على الخبرة والكفاءة المطلوبة للحكم على العمل الفني، والتقويم الصادق فقد يكون عاملا مساعدا لتنمية التذوق الفني عند المتلقي(11).
مع ولادة الإنسان في هذا الوجود، وجد نفسه في عالم مختلف الظواهر، فقد واجهته التقلبات الحياتية بكل أطرها، وأشكالها، فضلاً عن، ظروف الطبيعة ومتغيراتها، مما حدا به إلى التفكير والانشغال بقضية غاية في الأهمية، ألا وهي قضية الخوف، ثم التعجب، مما يحيط به. عند ذلك بدأ بالتساؤل:
ما هذا؟ لماذا كل هذه التغييرات؟ وماذا يدور؟ ومن أين أبدأ والى أين أسير؟
رأى عالمه لغزاً يحيط به من كل اتجاه، يسوده الغموض، ولا يدري ماذا يفعل، عندها حاول إيجاد الإجابة عن تلك الأسئلة ووضع الحلول لها.
تلك كانت الخطوط الأولى في الفلسفة والتفلسف لدى الإنسان، في أولى لحظات وجوده على الأرض، إذ "إن ما يلاقيه من فزع، وخوف، وصعوبة في حياته، بحكم عدم وجود الخبرة، إلى أعلى درجاتها ومستوياتها، لمواجهة تلك الصعوبات، والمشكلات، ووضع الحلول لها، والتفكير في درء أخطارها، أي مستوى المثل العليا في التفكير"(12).
يقول (أرسطو طاليس): "إن الدهشة هي أول باعث على الفلسفة"(13) ، وهو ما دعا الإنسان إلى أن يتفلسف، حين أحس بجهله بالشيء، فشكّ، ثم نظر، ثم فكر، ثم اعتقد، فكانت الفلسفة بذلك، هي الشوق في معرفة ما وراء الأسباب الخفية للأشياء. فالفلسفة إذن، بحث عن كل مسألة يمكن البحث فيه(14).
وفي تعرضنا لبواكير الفلسفة والتفكير الفلسفي يتحتم علينا الإجابة عن مصادر الفكر الفلسفي في العراق القديم عندها يمكن القول، إن المحاولات التأملية، في تجريد الظواهر، هي عمليات عقلية معقدة، سجلها الإنسان الرافديني، منذ الألف الثالث قبل الميلاد، ولعل أول وأهم وأخطر إنجاز حققه ذلك الإنسان، في هذا الصدد هو، اختراع الكتابة، ووضع رموزها، ثم تذوق أشكالها، فكان ذلك الجنين الشرعي لعملية التذوق الفني عند الإنسان لمخاض طويل تمثل لجملة عمليات فنية، ونشاطات اجتماعية مختلفة لمرحلة ما قبل ولادة الكتابة بكثير، وإلا لما تغيرت الأشكال، والرموز للكتابة، حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن، والتي لا تخرج، أي الكتابة، في مجملها، عن عملية التجريد الراقية، وذلك أشبه بالفنون الأخرى ومنها فن الرسم.
ومثال لذلك، لو استعرضنا، (بابل) سنة (2000) قبل الميلاد، لوجدنا، إنها تعج بأناس مثقفين، لم يبق عطاؤهم عند جيل محدد، ويشهد على ذلك، أكثر من مليون لوح طيني، وجد في آثار هذا المكان(15).
وهنا نجد كيف وضع (أفلاطون)، المسوغات المنطقية، في نشأة الفكر الفلسفي، وما انطبق على حضارة العراق القديم، حينما سعى الإنسان فيه، إلى ما وراء الطبيعة، وما وراء الظواهر الكونية، من أسباب لكشف مجاهلها وأسرارها، وكان ذلك عن طريق عمليتين فكريتين، يمكن تلخيصها بما يلي:
1. التفكير في الشيء
2. متابعة ذلك التفكير في ذلك الشيء من دون عزل التفكير عن الشيء المفّكر فيه(16).
وفي ذلك نرى أن هذه المعادلة، إنما هي معادلة رياضية، توصلنا إلى قضية إبداع الشيء، عند التفكير فيه، ومن ثم متابعة ذلك التفكير، حتى يتم تذوقه أو عدمه، ومن ثوابت تلك المعادلة، ما ينطبق على فن الرسم تحديدا، حتى ولد التذوق الفني للإبداعات الفنية وفق تلك المعادلة.
لقد وجدنا إن الذين أنكروا وجود الفكر الفلسفي، في حضارات الشرق، ولاسيما حضارتي العراق القديم، ووادي النيل، قد انطلقوا من رسم اتجاهاتها الفكرية بالأسطورة، والتي ترتقي في مفاهيمهم إلى مستوى التفكير الفلسفي، ولو حللنا الأسطورة، لوجدناها تعني تجسيم الحقيقة، كما عرفها الإنسان وفسرها، لما يحيط به من أهوال. وإذ سعى الإنسان الرافديني جاهداً، إلى اكتشاف مركزه في البيئة، والمجتمع، والكون. وهو ما يؤكده خبير (السومريات)، (نوح كريمر) عندما يقول عن الأساطير بأنها: "أول محاولة في تأريخ الفكر الفلسفي الإنساني، لوضع مفاهيم فلسفية، تهدف إلى إنقاذه من متاهات الجهل، بأسرار الطبيعة، وظواهرها"(17). ولدينا من الأسباب الجوهرية المعقولة ما يحملنا على الاستنتاج، إنه ظهر في الألف الثالث قبل الميلاد، طائفة من المفكرين السومريين، حاولوا الوصول إلى إجابات مرضية عن المسائل التي أثارتها تأملاتهم في الكون، وأصل الأشياء، فكوّنوا آراء وعقائد، في أصل الكون، والآلهيات، اتسمت بقدر عظيم من الإقناع العقلي، حتى أصبحت تلك الآراء والمعتقدات فيما بعد، بمثابة عقائد ومبادئ فكرية أساسية لكثير من شعوب الشرق الأولى القديمة(18). وبما أن المعتقدات، والأساطير، والتصورات الدينية، كانت بمثابة المادة الأساسية، لجميع الفنون على مر التاريخ، فان للقيم الدينية أثراً واضح المعالم، على مسيرة الفنون، وإذا ما نظرنا إلى الأعمال الفنية آنذاك، وبرغم كونها قد أُنجزت بتأثيرات دينية، إلا أنها، لا تخلو من صفاتها الخاصة من الناحية الجمالية(19).
وهناك من يخلط ما بين الجمال والفلسفة، لاسيما في القيم التي وضع أسسها فلاسفة الأخلاق ولعل ما يقوله (ت س اليوت): "إن اصدق فلسفة هي أفضل مادة لأعظم فنان أو شاعر"(20) ، ما يؤكد قولنا ذلك.
ولما كان غرض جمالية الفن، هو رفع مستوى الخبرة المباشرة نفسها، ليرتفع فيما بعد، مستوى التذوق الفني بتلك المادة، فليس بدعا أن نراه يستخدم الملائمة لتحقيق هذا الغرض، إلا وهي واسطة التذوق، بيد إننا لا ننكر بطبيعة الحال، انه قد تكون للفنان أو الشاعر فلسفته الخاصة وان هذه الفلسفة قد تؤثر في عمله الفني(21).
إن لكل فنان اتجاهه الفلسفي الخاص، إضافة لخبرته الخاصة في هذا المجال، وذلك في نهاية الأمر سيحتم عليه، التعامل مع ثوابت محددة للجمال. وإذا ما حاولنا استقصاء معنى كلمة (فن)، لوجدنا إنها، مجموعة العمليات الشعورية الفعالة التي يؤثر الفنان عن طريقها في بيئته المحيطة، لكي يصوغها ويشكّلها ويكيّفها(22).
ولهذا يمكننا القول، إن الفن بشكل عام والفن العراقي بشكل خاص، ما هو إلا فعل عملي، خرج للوجود من بعد تفكير فلسفي، وتفلسف مسبق، أي بمعنى آخر ؛ هو عملية تطبيق أو إيجاد حل لتساؤل في مظهر أو حدث ما وقد ظهر لنا بهيئة تشكيلية فنية قد تكون شعراً، نحتاً، رسماً، رمزاً. ونستخلص من ذلك كله، إن بداية تجسيد أي عمل فني كان في صورته الأولى، ما هو إلا تساؤل في فكرة، أو موضوع ما قد أدهش الإنسان؛ حتى حيرته الاعتقادات المتعددة حول ذلك الموضوع، مما أدى به إلى الوصول نحو نقطة نهائية واحدة، تم من خلالها التعبير عن مكنوناته الداخلية، ومن اجل إزاحة مشاعره، وإحساسه، ووجدانه، إذ أن ذلك التفكير، هو ما نطلق عليه (الفلسفة)، أما طريقة التعبير للوصول إلى حلول قد شغلت فكر الإنسان، هي ما نطلق عليها (العملية الفنية)، أو (العمل الفني)، وهذا لا يتم إلا بعد أن يتخذ عقل الإنسان قرارا لصنع شيء لذلك الحل.
وهنا يأتي دور الحواس (العين، اليد،…)، وبمساعدة المادة، في عملية إخراج ذلك العمل الفني إلى الوجود والذي لا يخلو من مسحة جمالية يستمدها الفنان من بيئته المحيطة إرضاءً لرغباته، وميوله، وحاجاته.
ونرى إن الإنسان الرافديني الأول قد فكر وجسد فكرة معينة عبر نشاطات منها (الأدب، والفن)، ممثلاً بالقصص، والشعر الأسطوري، والموضوعات الأسطورية، والرمزية، والتعبيرية، حتى سارع إلى مادة الطين، والحجارة، لتجسيد ذلك، ممهدا السبل لعملية التذوق الفني لأعماله تلك على مختلف المستويات.
ومع تطور الفكر الرافديني شيئا فشيئا بدأ الإنسان أكثر وعيا في استلهام موضوعاته الفنية، وتطويرها، وفقا لتطور ذوقه الفني، حتى استلهم الموضوعات الفلسفية والفنية وتذوقها على حد سواء، فأخذت الموضوعات أشكال (الأختام الاسطوانية، المسلات، الآنيّات الفخارية، التماثيل، وغيرها من الأعمال الفنية)، جاء كل ذلك نتيجة لتطوير خبرته وذوقه الفني من عصر إلى آخر(23).
وبعد عدة ادوار وأطوار حضارية، مرت بها البشرية جمعاء، ظهر الى الوجود الفكر الإسلامي، وبعد مجيء الإسلام، وتنامي دوره الاجتماعي، وما حقق من جدوى في ازدهار الفكر الإنساني، منذ القرن التاسع للميلاد، فأن الكشف عن المعالم الشخصية للفن، وعن أبعاده الحضارية والجمالية، هو ما يحدد مدى تعبيره عن ملامح الفكر الإسلامي(24).
وبعد أن كانت أسرارا ومجاهل وخبايا أسئلة تدور في خلد الإنسان قبل الإسلام، وكيف كان الإنسان يؤمن بتعدد الآلهة، وبالأرواح، والسحر، وهو ما كان له الأثر المباشر على الفن، تجلّت بوضوح في العصر الإسلامي بوادر الإيمان بالوحدانية لله عز وجل، وهو ما سمي بنظام (التوحيد) في الإسلام، وكان لذلك أثره أيضا في الفن أو الفنان، وهكذا تطورت في ظل فكرة (التوحيد)، قيم الحضارة الإسلامية، وبضمتها الأعمال الفنية، وجماليتها، خلال المراحل الحضارية المتعاقبة في أنحاء العالم الإسلامي(25).
وإذا ما حاولنا أن نفرق بين الفن في العصور القديمة، والفن الإسلامي، لوجدنا أن الأول كان يستخدم جميع الأساليب الفنية في أعماله الفنية، تارة التجريد عبر خطوط، ورموز، وحزوز على الطين، وأخرى يصور الأشكال بصورتها الواقعية، المستلهمة من الطبيعة، أي إنه استخدم (المحاكاة)، ثم استخدم الأسلوب الرمزي التجريدي، أو التعبيري، وهو ما يشابه رسوم للأطفال، أو بأشكال زُخرفيه، أو هندسية، وخلاصة لذلك، يمكن القول انه استخدم جميع الأساليب الفنية آنذاك، بعيدا عن كونه عارفا بأساليب، وقواعد دراسة عملية ومنطقية محددة، ولكن كانت المادة، هي التي تحكم طريقة تنفيذ الفكرة، أو الموضوع. وخير شاهد على ذلك جميع الأعمال المختلفة في حضارة العراق القديم، والمتمثلة بحضارات (سومر، أكد، بابل، آشور).
وفي جميع الأحوال، لابد لنا من معرفة الخطوط العامة، التي سار عليها العمل الفني منذ الحضارات القديمة، والتي يسرت لنا فيما بعد ازدهاره في الحضارة الإسلامية، والذي تم فيه التعبير عن معطيات هذا الفكر التجريدي التوحيدي، وبصورة تتكافأ فيها الصيّغ الفنية وتتطابق كل التطابق، فالتجريد هو النسخة العامة للفكر الإسلامي، وهو أيضا المناخ الأساس للتوحيد، ومغادرة نشدان المعنى العام (اللاشخصي)(26). وقد تبع ذلك عملية (التذوق الفني) لذلك التجريد، وفق النظرة تلك، وهو ما تأثر به الفن المعاصر فيما بعد، فالتجريد الإسلامي على هيئته الجمالية تجاوز حدود الطرح المباشرة، في حالة التقاء الإنسان بالمحيط إلى حالة الطرح غير المباشر، مما شكل قاعدة أُخرى مضافة لعملية التذوق الفني للأعمال الفنية الإسلامية(27).
إن مبدأ التجريد في الفن ولاسيما الرسم، كان أساسه تحويل المرئي إلى اللامرئي، أو المادي إلى الروحي. أما آليته، فهي الابتعاد عن إظهار الشكل بصورته الواقعية وذلك ما تطلب من المتلقي الرجوع إلى خبرته لتحليل ذلك الشكل وفق نظرته في التذوق الفني لذلك العمل.
وبذلك تبين لنا معنى التجريد كأسلوب جمالية من أساليب الفن في الحضارات القديمة (خاصة حضارة العراق القديم)، إزاء الوضع الأمثل لذلك الفن، وسبر أغوار البحث في أشكال اقرب إلى التجريد الزُخرفي في الفكر الإسلامي(28).
إن خير مثال، أو شاهد، على ذلك جميع النقوش الزخرفية، المنفذة على جدران المعابد، أو المساجد، أو العتبات، فهي تمثل أشكالاً رمزية تجريدية وهندسية زُخرفية، لا يمكننا إغفال أبعادها الفكرية الفلسفية، في بيان عُنصر الوحدانية وبعض الصفات الإلهية وعلاقة العبد بربه، لذلك يَشعر الناظر بجماليتها المتفردة، من خلال إتباع قواعد النِسب، والمنظور (الخاص بها)، والتناظر، والتناسق، وغيرها من القواعد الهندسية، التي استعاض بها الفنان العربي المسلم، عما كان يمارسه، ويزاوله، الفنان الرافديني القديم (أو بكلام أخر تجسيد خصوصية أفكاره)، إذ كان يُمثّل موضوعات الصراع، والأساطير، وتخليد الملوك، والانتصارات. بينما الفنان المسلم بدأ باللجوء إلى الإيماء إلى الرمز بالتجريد، أي تجريد الأشكال المصورة، ولاسيما ذات الهيئة البشرية، لكنه ظل مستمرا في تصوير أشكال الحيوانات بصورتها الواقعية الطبيعية، وخير شاهد على ذلك ما وصلنا من مصورات لـ(الواسطي)، تمثل التصوير الواقعي المحرف، الذي أُدخِلت معه كلمات وأقوال وحكم ومناظر زخرفية متنوعة.
وهنا نرى إن الاختلاف الوارد الذكر، في الأعمال الفنية، والتي جاء كل منها حسب فلسفة وفكر معين، أدى ذلك إلى اختلاف مظهر التقويم من قبل المتلقي، فكل منهم تذوق تلك الأعمال كل حسب فلسفتها، واتجاهها الفني والفكري. وقد كان لمكانة الدولة العربية الإسلامية وانفتاحها على الثقافات والأمم الأخرى الدور الكبير في جذب المهارات و الخبرات في نختلف نواحي الحياة ومنها الفنية، مما أثر وبشكل واضح في نتاجات الفن الإسلامي.
فضلاً عن ذلك كان لبزوغ نجم الفلاسفة العرب، في هذا العصر، أثره الواضح في عملية إبداع الأشكال الفنية، وكذلك عملية بناء العمل الفني، وإدخال العنصر الجمالي عليه، إضافة لعملية تذوقه الفني، بحكم تأثير الفكر والفلسفة المعاصرة لتلك الأعمال آنذاك.
فـ (الغزالي)، و(ابن سينا)، و(الفارابي)، قد تأثروا بالفلسفة السابقة لهم، كالفلسفة الإغريقية، ممثله بـ (سقراط)، و(أفلاطون)، و(أرسطو)، وغيرهم، ولكن جاءت فلسفتهم الإسلامية، وفق مبدأ موحد، أدى في نهاية الأمر، إلى التأثير في الأعمال الفنية على اختلافها.
فيما بقي الفن يزاوله الفنانون من خلال، قدرته على وصف الأشياء، وخلق أشكال متكاملة. إذ يتم هذا الاكتمال في اتجاه الذاتية وكذلك الموضوعية. فالفن يمكن دائماً أن يكون، واقعي ومثالي في آن معاً، ما دام يقوم بإلغاء مظهر معين من مظاهر العالم المحيط، وذلك لتثبيت عالم آخر، لكنه يستطيع إن يتجه نحو المثالية أو نحو الواقعية(29).
إن كل عمل فني أصيل، يعبر عن شكل للوجود الإنساني، ومن هنا يترتب على ذلك نتيجتان:
الأولى: لا يوجد أي فن من غير اتصال بالواقع، فالواقعية في الفن هي الوعي بالمشاركة، في تحديد حيوية فكر الإنسان، باعتبار إن هذا الوعي، هو أرقى أشكال الحرية الفنية.
الثانية: إن مهمة الفنان، تختلف عن مهمة المؤرخ، والفيلسوف، فهو ليس مطالبا إن يعكس الواقع كله وكما هو(30). لاختلاف لغة الخطاب ووجدانه.
فإذا ما أصبح الفن تقليداً للطبيعة، ولاسيما في الأدب، والرسم، أو النحت، فانه عند ذاك يعد تقليدا للنسب، والعلاقات الرياضية، وتقليداً للروح الجوهرية للطبيعة، وهو بمثابة إحساسات شعر بها الفنان، وهو في سبيل ذلك يحاول إن يبدّل في أجزاء الموضوع الخارجي، هذا التبديل الذي يعد تكميلا للطبيعة، وكل ذلك يصب في قالب التعبير، عن مكنونات النفس البشرية.
إن كان استعراضاً عما مثلته المرحلة الرافدينية والمرحلة الإسلامية، ومدى تأثيرهما على الفن خاصة، وعلى الفن العراقي المعاصر، بشكل محدد فيما بعد، مما حدا بالفنانين إلى استلهام العديد من أفكار تلك المرحلة وفلسفتها في أعمالهم الفنية.
وبما إن عنصر الإيماء بالجمال، أو إدخاله في العمل الفني، أي خلقه، من قبل الفنان فإنه، ذو علاقة وطيدة، بقبول واستحسان ذلك العمل، استجابة من المتلقي، أو من يهوى البحث عن الجمال، داخل اللوحة الفنية(31). وهذه تتعلق بمستوى ذائقة الأفراد والمجتمع، ومدى تقديرهم لأهمية الثقافة والفنون في بناء حضارتهم وإنسانيتهم، وهو في القت نفسه يؤثر على طبيعة النتاج الفني كماً و كيفاً، وهو ماينطبق على الفن العراقي.
وبحسب علاقة الموضوع من التشكيل العراقي، ومما تقدم نجد:
1. إن الذوق الفني يتأثر بعوامل شتى نفسية وثقافية واجتماعية واقتصادية، وكلها تؤثر في إنتاج الفن العراقي.
2. لابد لكل فن من الفنون من امتدادات أفقية و عمودية، وقد مثلت تجارب الفن العراقي القديم (الرافديني) والفن الإسلامي، تجارباً مؤثرة وحاضرة بشكل أو بآخر في الفن العراقي المعاصر بشكل عام، والرسم بشكل خاص.
3. إن الفكر هو حالة أساسية من التأثير في الإنتاج الفني و الثقافي، وبيان مدى الحراك الإنساني لهذا الفكر، ولذلك، فأن ما ينتج هو طبيعة الفكر بشكل عام داخل المجتمع، وهو ما يمكن تفحصه في المباحث الأخرى للرسم العراقي.د

الهوامش
ــــــ
(1) للمزيد ينظر: عبد الملك، بدر: الإنسان والجدار، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، 1997، ص 32-35.
(2) نوبلر، ناثان: حوار الرؤية، ت: فخري خليل، مراجعة جبرا إبراهيم جبرا، دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد، 1987، ص13.
(3) اليفي، محمد بن سعيد: سوسيولوجيا الفن، ط3، دار ابن خلدون للطباعة والنشر، تونس، د ت، ص 16.
(4) Ducasse, C.; Philosophy of Art , 3rd Ed. , free press. New York, 1959. P.18.
(5) إبراهيم، عبد الستار وآخرون: السلوك الإنساني، دار الكتب الجامعية، القاهرة، 1973، ص17.
(6) نوبلر، ناثان: حوار الرؤية، ت: فخري خليل، مراجعة: جبرا إبراهيم جبرا. دار المأمون للطباعة والنشر، بغداد، 1987، ص 15.
(7) للمزيد: نوبلر، ناثان: حوار الرؤية، المصدر السابق، ص24.
(8) المصدر السابق نفسه، ص 27.
(9) بن جلوان، الأخضر: سوسيولوجيا الفنون، المصدر السابق، ص 42.
(10) Albert , R. Chandler ; Beauty and Human Nature , New York 1934 , P. 10.
(11) نوبلر، ناثان: حوار الرؤية، المصدر السابق، ص 30.
(12) الآلوسي، حسام: بواكير الفلسفة قبل طاليس، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط31،  1968، ص 88.
(13) أمين، احمد: مبادئ الفلسفة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1969، ص 17.
(14) للمزيد: المصدر السابق نفسه، ص 20.
(15) الجابري، علي حسين: الحوار الفلسفي بين حضارات الشرق القديمة وحضارة اليونان، دار آفاق عربية للطباعة والنشر، 1985، ص 37.
(16) المصدر السابق نفسه ، ص 36.
(17) المصدر نفسه ، ص 28.
(18) كريمر، صموئيل: من ألواح سومر، مكتبة المثنى، بغداد، 1956، ص 151.
(19) ديوي، جون: الفن خبرة، ت: زكريا إبراهيم، مراجعة: زكي نجيب محمود، دار النهضة العربية، القاهرة، 1963، ص 95.
(20) المصدر السابق نفسه، ص 110.
(21) المصدر نفسه، ص 111.
(22) Contemporary American Philosophy: Edited by Adams and Montague , Macmillan 1930, vol.11 , P. 256.
(23) سوسه، احمد: حضارة وادي الرافدين و السومريون، بغداد، دار الحرية للطباعة، 1984، ص38.
(24) آل سعيد، شاكر حسن: الأصول الحضارية والجمالية للخط العربي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1988، ص17.
(25) آل سعيد، شاكر حسن: الأصول الحضارية والجمالية للخط العربي، المصدر السابق، ص 18.
(26) المصدر السابق نفسه، ص22.
(27) المصدر نفسه، ص23
(28) نفسه، ص26.
(29) فرويد، سجموند وآخرون: علم النفس والنظريات الحديثة، ت: فارس مصري، دار العلم، بيروت، 1976، ص144.
(30) شلش، علي: الفن والجمال: الموسوعة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1982، ص24.
(31) شلش، علي: الفن والجمال، المصدر السابق، ص71.