الحضارية «تاريخ العراق»

الاحد: 16/03/2008

 

مقدمة في بنية الفكر السومري الإبداعية

أ. د. زهير صاحب(*)
(خاص للمعهد)

«هو الذي رأى كل شيء ـ فغنى باسمه يا بلادي». مطلع ملحمة كلكامش، والذي يشفّر كنظام من نسق العلامات في قراءته الأفقية عن بنية الفكر السومري الابستمولوجيه. شعب أوجد نظام الكتابة الآيقونية، ثم اختزلها إلى رموز معرفية، وأوصلها إلى نظامها الصوتي المقطعي، حيث ترتبط بنائية الصوت كبنائية دال، بمفاهيم معرفية ذهنية في تركيب مفردات الحضارة كقيمة مدلول. فكر أوجد السلم الموسيقي واحتفل بتعظيم الإله في أول مراحل المثالية، إنسانية الفكر السومري وضعت الإنسان كأعظم قيمة في الوجود، حين دون أعظم مشرعيه: «جئت لأخلص الضعيف من القوي ولن أدع أحد ينام وهو جائع» هذا الإبداع الفكري الأصيل والكشف الإبداعي يشكل الجوهر في بنائية الفكر في سومر العظيمة، باعتباره تعبيراً جاداً عن الزمان والمكان، وهو صورة لروح وثقافة المجتمع. فانبعثت شرارة الوعي كانعكاس لهذه الفاعلية بفعل إدراك فكري ذو بنية اجتماعية وروحية.
ويعتبر عامل البيئة الطبيعية، واحداً من أهم محركات الفكر السومري في بنيته. ففي سومر لا تضبط الطبيعة ذاتها، إنها ببطشها تتحكم بمشيئة الإنسان، وتدفعه إلى الشعور بتفاهته إزاءها.
والذي يبرز في البدء، بنوع من الاضطراب السايكولوجي الذي يحفز نوع من الدفع الباطني على المستوى الاجتماعي أثر الاحتكاك والتفاعل مع خصوصية العوامل البيئية، فهناك شبكة واسعة من المعطيات الثقافية، هي بمثابة استجابة الفكر الحضاري لضغوط عوامل البيئة وإرهاصاتها. ذلك إن مكنونات الإنسان الفكرية في سومر، قد ولدت كرد فعل أو كتآلف وفقاً لمعادلة الصراع هذه. وهذا هو التفسير الأكثر منطقية باتجاه خلق موازنة بين الإحساس الداخلي (الذاتي) وعالم التجربة الخارجي، حيث تكون مهمة الفن تأشير خطوط هذه الموازنة.
وإزاء مثل هذا النوع من التحدي الذي أصاب في الصميم كيان الإنسان في سومر ووجوده. استطاعت عبقرية الفكر أن توجد نوع من نظام الخبرة في تفسير هذا النوع من التجربة وتنظيمه وتوحيده. والذي هو بمثابة الوسيط بين الظواهر الحسية الطبيعية بخصائصها المعروفة، وعالم الموجودات الذهنية والروحية، في تفاعل كبير بين الشيء وجوهره والشكل وبنيته الدلالية. وإشكالية الإبداع الفكري الأصيل في هذا المقام، تكمن في فهم الفكرة العامة وبكيفية تصورها وتمثيلها، ذلك إن أسطورة الطوفان وعشتار ومأساة تموز والإيماءة أو الصورة أو الصوت أو الكلمة، هي دلالات شأنها شأن الفأس اليدوية. كنوع من التعبير البرجسوني الذي قولب بنائية الفكر في سومر بمثابة حجر المغناطيس وكان له كالحامل. إن الاكتشاف المثير: اكتشاف الإنسان في سومر إن الأفكار الكامنة في ذاته التعبيرية يمكن أن تتحول إلى قوى لها التأثير الفعال في حركة الظواهر الخارجية وتحولاتها. فالفكر كان يجرب بلا توقف وقد أدرك أن المستحيل نفسه يمكن أن يتحقق بأدوات سحرية، وتنقلنا هذه الطقوس والشعائر السحرية التي شغلت جزءاً من بنائية الفكر السومرية، إلى فكرة إن الصلة بالعالم المنظور غير كافية لإنجاح الطقوس السحرية، بل يجب إضافة تيار محسوس من العوامل السايكولوجية والهيجان العاطفي لخلق صلة متممة مع العالم الخارجي. إن الجوانب التعبيرية لهذه الفعاليات الطقوسية السحرية، فيها من خصوصية الذات التي بدأت تستفيق الشيء الكثير، متضمنة فكرة جوهرية، هي ان إدراك العالم الخارجي، يمكن أن يتحول بتأثير الموقف الذاتي للإنسان إزاءه فأوجد بذلك معادلاً مشابهاً لعواطفه وأفكاره.
إن الوجود في بنائية الفكر السومري ينتمي إلى واقع وإلى ما فوق الواقع، إلى عالم ظاهري محسوس ومعاش، وعالم أرواح وقوى غيبية غير منظورة، قوى فعالة إلا إنها مكتنفة بالأسرار، ولعل سر فعاليتها في انفصالها التام عن عوالم الإنسان، ولعل هذا الانفصال والترقب هو الأساس في الولاء للطقوس الدينية المقدمة إليها، وقد عمل الفكر بفعالية على تقارب تلك الحقيقتين، المادية واللامادية حيث تحيا الروح، إنها الجذور الأولى لحضور المثالية، التي أوجدت الصور الأزلية العليا، والصور العضوية الأرضية حسب التعبير (الأفلاطوني). فبدا المعتقد الديني وقد امتلك كل حيز الفكر الاجتماعي، كحقيقة تفرض ذاتها على العقول لها صفة الفضيلة الآمرة. ومن هذا التطور كله تبرز ماهيات تميز روحية الزمن وقد أشـّرت إسقاطاتها كمرجعيات في بنائية الفكر السومري.
وفي تعبير بنية الفكر عن الصفة الروحية الكامنة وراء المظاهر أن أصبحت الظواهر حوامل لقوى سرية، وهذه القدرة ليست صفتها بل هو الموقف الفكري منها، فلقد أصبح معبد الآلهة كياناً معقداً، مما يؤكد ضخامة الطقوس الدينية الجماعية، وقد كانت تؤدى باستمرار. فبدأ المعتقد الديني وقد امتلك كل حيز الفكر الاجتماعي، وهذا هو المحرك الثاني في بنائية الفكر في سومر.
وتكمن ركيزة الفكر الثالثة في بنية النظم الاجتماعية ودور الفن الاجتماعي في (سوسيولوجيا الفن). ذلك إن إنسان سومر قد اعتبر الفن على قدر من الأهمية، وقد بلغ حداً صار فيه نشاطاً اجتماعياً. وتمحور ذلك في العلاقات والبنى الذهنية المشتركة وارتباطها بقيمها التعبيرية الرمزية بوجود الجماعة، والذي يقرر ما وراء هذه التمثلات التقنية والشكلية من دلالات تكمن وراء هذه المظاهر.
ومع ظهور شخصية الحاكم (أنسي) وجد أناس سومر سر وجودهم بالعمل الجماعي والتعاون الاجتماعي الواسع النطاق، وهذا الشعور بالعضوية المشتركة أصبح الآن أكثر وضوحاً، وقد فهم على أنه روح الجماعة، حيث تكون العواطف المشتركة عامل توحيد، وهذا التوحد الجمعي أحل وحدة نوعية في مستوى التفكير وتشابهاً في الشعور العام، ونظرة متوارثة إزاء معظم متطلبات الحياة الاجتماعية، وهذه الاستعاضة أو التماثلية بين الأفراد، ولدت تشابههم في وعيهم العام المحيط، فنشأت حالة من الذاتية الجمعية بدلاً من الأنا الفردية المتمايزة، لقد كانت حركة المتجمع متشابهة، وكان الجزء فيها تعبيراً عن الكل، فكان للمنجزات الفنية دلالات اجتماعية. وكانت قضية الفن، أن يحرك الفكر الإنساني في مجموعته وأن يمكن الأنا الاتحاد بفكر الآخرين، وإزاء هكذا حقيقة تربط الإبداع الفني بفكر الجماعة، كان على الفنان أن يحمل مكونات المجتمع في وعيه وإدراكه، فكانت شخصية المبدع تتبادل جدلياً التأثر والتأثير بطريقة دينامية إزاء الركائز الأساسية في بنائية الفكر.
وأخيراً فان السمة الرمزية هي أهم ما يميز الأسلوب في الفكر السومري، حين بدأ الفكر يوجد لذاته مجموعة كبيرة من الدلالات هي نظم من الرموز، نظم بها معطيات الخبرة التراكمية التي امتلكها. فكانت نظم وأنساق اللغة والفن التشكيلي والأسطورة بمثابة الوسيط بين ما هو معاش وبين ما يحيى في الواقع الروحي ذي الطبيعة الميتافيزيقية. وكان لهذه المجاميع الرمزية أهمية اجتماعية تنظيمية لماهية الفكر، فهي كأداة تواصل لم تكن اعتباطية، ذلك إنها تنقل نفس المعنى لكافة أعضاء الجماعة، وسرعان ما وجدت هذه الرموز طريقها نحو الفن والذي أكسبها ترسخاً وثباتاً.
وقد تمكن بهذا من تصنيف نظم القوى والأشياء والظواهر، وإدراك ما بينها من علاقات فجعل لكل قوة رمزاً، وعلى هذا المنوال تحولت هذه المدركات إلى رموز ومفاهيم، فتحول نظام اللغة والتشكيل والأسطورة والملحمة، من صورة مماثلة للشيء، إلى صورة معبرة عن ذلك الشيء، فهذه الخطابات الفكرية في جوهرها لا تستقي البهجة من الطبيعة العفوية للأشياء، لكنها تسعى إلى نوع من الكشف الإيحائي وبما يضع الرمز في خصوصيته اللامحدودة، وذلك هو سر الكشف الابداعي الاول في تاريخ الفكر الانساني.


(*) استاذ الاثار، جامعة بغداد، استاذ الفن العراقي القديم، اكاديمية الفنون الجميلة.