|
الاربعاء:
13/02/2008
ملحمة جلجامش وثنائيّة
طبيعة ـ ثقافة، فناء ـ بقاء
د. عفيف فرّاج
تحتلّ ملحمة جلجامش مكانة مميّزة
بوصفها أوّل عمل أدبي كامل في تاريخ الأدب العالمي. وهي قصيدة ملحميّة
تتألف في آخر نسخة لها من اثني عشر لوحا (3600 سطرا) مكتوبة باللغة
الأكاديّة وهي اللغة الساميّة الرئيسية لبابل وآشور، وقد تمّ اكتشافها في
منتصف القرن التاسع عشر. وتشكـّل الملحمة قصّة رمزية (Allegory) ترمز إلى
صعود البشرية من البربرية إلى الحضارة ومن الحياة الرعوية إلى الحياة
المدينيّة. ويجسّد بطلها جلجامش مثال شعوب الرافدين الجمعيّ في التعلق
بالحياة والخوف من الموت، وهو شخصيّة تاريخيّة حقيقية حوّلتها المخيّلة
الشعبيّة إلى أسطورة ووشّحتها الأجيال التي سكن البطل ذاكرتها وحرّك
وجدانها بأساطير الألوهة والقداسة.
فقد تعاملت الأجيال المتلاحقة مع ملحمة جلجامش بمشاعر «الإجلال التي تحاط
بها عادة النصوص المقدّسة»(1). وتقديس شعوب الشرق الأدنى للملحمة
السومريّة يستدعي إلى الذاكرة تقديس اليونانيين للإلياذة والأوديسا،
الملحمتين اللـّتين اكتسبتا مهابة دينيّة أكسبت كاتبهما المفترض هوميروس
صفة النبي الذي علـّم اليونان دينها.
وإذا كانت الملحمة السومريّة تصف جلجامش بأنه إله بنسبة الثلثين وإنسان
بنسبة الثلث، فإنّ البابليين والآشوريين الذين أعقبوا السومريين وتوارثوا
ثقافتهم نفوا عنه ثلثه البشري ليكتسب صفة الألوهيّة الكاملة. أي أنّ
المخيّلة الشعبية التي تعاطفت مع معاناته حوّلت الأب البشري الذي أورثه
صفة الفناء إلى إله ليتمكـّنوا من إنزاله عن صليب الثنائيّة الذي سُمّر
عليه في الملحمة السومريّة وحققوا له ما عجز بكفاحه البطوليّ عن تحقيقه
وهو السعي إلى الخلود.
ويصف تيجاي جلجامش بأنّه «ملك حكم المدينة ـ الدولة السومريّة المعروفة
بإسم أوروك (Uruk) والتي يرد ذكرها في قصّة الخلق التوراتية، وقد عاش في
زمن ما يقع بين 2700 و 2500 قبل الميلاد، واشتهر في وقت لاحق ببنائه معبد
المدينة وأسوارها التي لا تضاهى»(2).
والأسوار المنيعة السامقة التي رفعها جلجامش الملك «لتلاقي أطراف الغمام»
هي التي يرد ذكرها في فاتحة الملحمة وفي نهايتها، فهي الفاتحة وهي
الخاتمة وهي كل ما تبقّى من منجزات يفاخر بها بطل صبا إلى قهر قوى
النسيان والموت واحتكار الآلهة للخلود. إنّ الأسوار هي رمز مزدوج: فهي
ترمز إلى الإنجاز الحضاري الذي يجمع بين الجماليّة والمنفعة العمليّة،
وترمز كذلك إلى الحدود التي تقف عندها قدرة الإنسان على الإنجاز.
فالأسوار التي يتماهى معها جلجامش هي حدود مساحة الحديقة الخاصّة التي
تمكـّن جلجامش من حراثتها، كأن الأسوار التي تبدأ بها الملحمة وتنتهي هي
جانباً غلاف الكتاب الذي يشتمل سيرة جهد ملحمي خارق يفوق طاقة البشر،
لكنّه ينتهي إلى نتيجة تمتزج فيها الواقعية بحرقة المأساة. وأسوار
المدينة التي تعدّاها البطل ليعود إليها ترسم للملحمة شكلها الدائري الذي
يطابق في الوعي السومري ـ البابلي شكل ومصير الزمن والكون والإنسان
والحياة.
والعبرة من الملحمة هي تذكير الإنسان بحدوده وترويض طموحاته لتقبُّل قدره
وتعليمه، بطريقة المعاناة الصعبة، أن لا يتجاوز الحدّ الفاصل بينه وبين
آلهة وأقدار لا قدرة له على تحدّيها، وهذه هي الحكمة التي تلقّفها واعتصم
بها الإغريق بدءاً بهزيود وهوميروس. لكن العناصر الدرامية التي تجعل من
ملحمة جلجامش ملحمة العصور والدهور كافـّة تتمثـّل في الجدل الصراعي
الحادّ بين الواقع والحلم، الممكن والمستحيل، الحياة العابرة والديمومة،
وباختصار بين الرّوح التي تضيق بالمدينة ـ المكان والجسد الهالك والمحدود
والمغلق، فتكابد حرارة الوجد إلى المنطلق ويطلق الوجد في أشرعتها رياح
الترحال والبحث القـَلِق عن خلود مستحيل.
ويصف كرايمر جلجامش «بالشخصيّة التي ليس لها مثل في تاريخ الشرق الأدنى
بمجمله»(3). وما يجعل جلجامش على هذه الدرجة من الفرادة هو أنه شخصيّة
حقيقية وبطل مُتخيل، إنسان وإله، مفرد في صفاته الباهرة وجمع في تجسيده
لمثالات وقيم بلاد ما بين النهرين، يجيء من تاريخ يعود إلى الألف الثالث
قبل الميلاد ويستمرّ في الديمومة ليعاصر كلّ عصر، وهو اليوم معاصرنا، ذلك
أنّ ملحمة جلجامش لا تعرض لمرحلة عابرة وقيم قد انطوت، بل هي ملحمة الخلق
والتكوين وحاوية قصّة الطوفان الأولى التي ورد ذكرها في التوراة، وهي
تختصر في شخص بطلها وصديقه أو توأمه الروحي أنكيدو تاريخ انتقال البشرية
من مرحلة البداوة المتاخمة لحضارة الرافدين وتـُبيّن كيفية تدرّجها
ودخولها في حظيرة تلك الحضارات بفضائلها ورذائلها.
وجلجامش هو مفرد وجمع، وقلبه القلق، وهو مفتاح شخصيّته، يعبّر عن الشخصية
السومريّة
ـ الأكاديّة الجماعيّة التي عاشت قلق الوجود الذي كانت تستنبته الحروب
بين المدن ـ الدول وكابدت ثورات الطبيعة الغضوب التي تدمّر بالطوفان ما
تبنيه يد الإنسان، تقطع بالموت بهجة الحياة وتـُكسب الديانة السومريّة ـ
الأكادية تجهّماً وقتامة تتبدّى في آلهة غيورة وغضوبة وساديّة تـُكيد
للبشر وتـَسعَدُ بإشقائهم.
وتتخذ الملحمة شكل الدائرة. تبدأ من نقطة في المكان هي أوروك ـ المدينة،
منها ينطلق البطل لتحقيق الذات وصنع الحدث، وتنغلق الدائرة بعودة البطل
في النهاية إلى المدينة عينها مثقلاً بدروس أملتها عليه التجربة.
حدث الترحال الدائري
إن الترحال البطولي في الأدب القصصي والملحمي القديم يتميّز بالرجوع إلى
نقطة الإنطلاق، أي أنه سفر يتخذ شكل الرّحلة المستديرة ولا يفضي إلى
استقرار في المنافي والمهاجر. فشكل الرّحلة «متضمّن في الهدف منها وهو
تمدّد الشخصية في المكان (الجغرافيا) والزمان (الديمومة)»(4).
فالرّحلة الخطرة التي يقوم بها جلجامش إلى غابة الأرز أولاً «كانت تهدف
إلى تثبيت الشخصية في مواقع أفعالها، ذلك أن الأفعال العظيمة هي التي
تكتب صاحبها في الأدب وتنحته في الحجر وترسّخه في الذاكرة. وكان البطل
يستهدف في أول تطلـّعاته قهر النسيان باحتلال موقع دائم في ذاكرة البشر.
ذلك أن السمعة الطيبة أو الشهرة التي يرتجيها البطل من فعله البطوليّ
تتطلـّب وجود جمهور مشاهد يعترف بمآثره. ولابد للبطل بالتالي أن يعود إلى
مدينته وجمهوره ليُشهده على إنجازه. والعودة إلى المكان الأول والجمهور
الشاهد هو ما نطالعه في ملحمة جلجامش وأوديسا هوميروس سواء بسواء.
وحدث الترحال يطلقه وعي جلجامش بالتناقض بين طاقات روحيّة بلا حدود ومكان
يترمّز في سور المدينة أو الجدران التي يتسلـّقها البطل ليطلّ على
ماورائها وتتخطـّاها صبوات الروح اللامحدودة إلى المطلق، وهي صبوات
يحرّكها تحدّي الموت ماثلاً في جثث يراها البطل عائمة على صفحة النهر.
المكان إذن يحدّه سور المدينة الزمان ديمومة يقطعها جدار تبنيه يد الموت
الذي يقطع ديمومة الفرد ويحكم عليه بالفناء.
وفي مواجهة محبستي الزمان والمكان تتململ الروح حتى تجيء لحظة الإشراق
التي يستبين الرّوح في ضوئها ضرورة التخطـّي. وهذه اللـّحظة تولدها شرارة
الاحتكاك بأنكيدو الذي ينقل إلى جلجامش الرسالة التي كلـّفته الآلة
بنقلها. وكانت رسالة أنكيدو للملك الظالم الذي يستبيح أجساد النساء
ويستغلّ عمل الرجال أن يحكم بالعدل وأن يكون راعياً لا ذئباً، وهي التي
تعلـّمها من باغية المعبد، لأن عين الإله شمس ترى وهي تراه.
هذه الاستنارة يحقـّقها الصراع بين جلجامش المتمدّن وأنكيدو القادم من
براءة الطبيعة وبساطة البداوة تطلق الترحال البطولي الهادف إلى التمدّد
والتوسّع في الجغرافيا ـ المكان والديمومة ـ الزمان. تحاول الشخصية تأكيد
حضورها وتحقيق ذاتها بإنجازاتها على أرض المكان، أي تثبيت ذاتها بأفعالها
في الذاكرة بما يكفل قهر النسيان في مرحلة أولى ثم في الانتصار على الموت
ثم في تخليد الجسد في الديمومة في مرحلة لاحقة.
وفي هاجس البقاء والخلود نقرأ خوف السومريين من موت لا قيامة بعده، كما
اعتقدوا، وإيمانهم بأن لا قيمة إلاّ لما يدوم ويبقى. وما تـُردّدُه
الأهرامات التي بناها المصريّون في وادي النيل، هو هاجس الخلود عينه الذي
تحكيه ملحمة جلجامش.
في جلجامش نطالع ولادة الإنسان المتفرّد بتعدّد أبعاده. فاسم جلجامش هو
أول الأسماء في تاريخ الحضارات العام، وهو «الإسم الذي يشير إليه كتـّاب
العالم القديم بلغات شتـّى على مدى ألفي سنة كمرجعية مألوفة»(5) كما يشير
الكاتب الأوروبي الحديث لليونان الكلاسيكية.
هذا يعني أن جلجامش هو الشاهد الأول على ولادة الإنسان الفرد أو الشخصية
المتعدّدة الأبعاد الصاعدة من العيش على المستوى الحواسي إلى الحياة كما
تمليها روح تضيق إمكاناتها بحدود المكان والزمان والجسد فتصفـّق بجناحيها
لتعلو بالإنسانية إلى مقام الربوبية.
وإذا كان «المقياس الأخيرة للحضارة الحقيقية هو ولادة ما يسمى بالضمير»،
وإذا كان «تجلي هذا الضمير في الثقافة والتاريخ هو المؤشّر لبداية تاريخ
الإنسان»(6)، كما يقول أرنولد توينبي بحق، فإنّ ملحمة جلجامش تؤكد أن
تاريخ الإنسان الخارج من البدايات الغرائزية إلى وعي الإنسان لذاته ككائن
روحي أو نوعي تمّت على أرض الرافدين التي تفاعلت مع الحضارة المصريّة
التي عاصرتها عبر الجسر السوري، وهي حضارة أنتجت بدورها شواهدها على
ولادة الضمير، من هرمس إلى أخناتون مؤسس الديانة التوحيدية وقائد الثورة
الثقافية الأولى في التاريخ.
جلجامش والمجتمع البطولي المأزوم
إن الملحمة، فضلاً عن قيمتها الأدبية، تقدم مادة معرفية مثيرة لعلماء
الاجتماع والنفس وللمؤرخين، وتضيف الكثير لعلم الثقافات المقارن. فهي
تعرض صورة مكتملة للمجتمع البطولي المأزوم القيم، وتعبّر عن وعي شعبي
ناقد لظاهرة الملك ـ المقدس أو لملكية تعسّفية تدّعي القداسة، وهي ظاهرة
تتجسد في جلجامش ملك مدينة أوروك الذي نطالعه في مستهلّ الملحمة كنموذج
فظ للملك المقدس أو الواحد الحر، الذي يحيل مواطنيه إلى عبيد لا يوجدون
لذاتهم وإنّما لسيّدهم الذي يسخـّر الرجال جميعاً في عمل بلا أجر
ويتهتـّك بالنساء دون تمييز. فهو يملك الأجساد والأرواح كما يملك الأشياء
والمقتنيات:
«لا يترك ابنّا لأبيه
لا يترك بكراً لأمّها
ولا ابنة لمحارب أو صفيّة لنبيل
يطأ العرائس المنذورات للزواج
هو يأتي أولاً ومن ورائه الزوج الموعود
هذا هو قضاء الآلهة
منذ أن قطع حبل سرّته
وقرّر عليه»(7).
ويلاحظ كرايمر ومن بعده تيجاي «أن جلجامش كان سليطاً في تحدّيه لفتيان
ورجال أوروك وأن قوّته الجسدية كانت تضمن له الانتصار في جولات المصارعة
مع أقرانه»(8)، وأنه في عدوانيّته وحبّه للمنافسة إنما كان يجسد ذلك
«الدافع اللاأخلاقيّ إلى السيادة والوجاهة وإلى الانتصار والنجاح الذي
كان يسود حياة السومريين»(9).
لكنّ الملحمة تـُكتب في زمن باتت فيه مثل هذه القيم التقليدية موضع رفض
أو تشكـّك. فشعب أوروك، المدينة العراقية الجنوبية التي يحكمها جلجامش،
لم يعد متقبلاً لقضاء إلهي مزعوم يمسخ الملك الذي يجب أن يكون «راعياً»
لجماعته إلى «ذئب» يستبيح تعب الرجال وأجساد النساء. ولأن الحضارة
السومريّة والبابلية، شأنها شأن كافة الحضارات القديمة، تقبّلت النظام
الاجتماعي الطبقي التراتبيّ واعتبرته حالة بشرية طبيعية، ولأن مثل هذا
الاعتقاد يستبعد فكرة الثورة الاجتماعية، اتـّجه شعب أوروك إلى الآلهة
مطالباً بخلق شخصية ضديّة لجلجامش تضع حداً لحريّة الملك ـ المقدس في نهب
العمل والمتعة، فتختلق الآلهة أنكيدو من الصلصال طبقاً لصورة ترتسم في
ذهن آلهة الخلق:
«فدعوا (جميعاً) آرورو العظيمة قائلين:
أنت يا من خلقت جلجامش
اخلقي له الآن ندّا يعادله صخباً في الفؤاد
فيد خلان في تنافس دائم وتستريح أوروك»(10).
أنكيدو: «المتوحّش النبيل»
وأنكيدو ليس تجسيداً لصورة في ذهن آلهة الخلق وحسب، وإنما هو صورة الوعي
الجمعي الجديد بضرورة تغيير النظام السياسي الاستبدادي وقيم المجتمع
البطولي المأزومة التي باتت تستدعي التغيير. فما إن تخبره باغية الهيكل
بانتهاكات جلجامش وتزيّن له حياة المدينة المتحضّرة حتى يعلن عزمه على
مفارقة الطبيعة والذهاب إلى المدينة ومواجهة جلجامش من أجل «تغيير النظام
القديم». والتغيير يتمّ بانقلاب داخلي يحدثه أنكيدو في وعي جلجامش أنه
ليس وحده الحر، وأن الحرية لابدّ أن تمتلئ بمضمون العدالة لكي تكون حرية
حقيقية. فالآلهة التي جعلته الأقوى بين الرجال تريده، كما يقول له أنكيدو،
أن لا يسيء استخدام قوّته وأن يجري الأحكام بالعدل طبقاً لإرادة «شمس»،
إله العدل الحادب على البشر والذي يشرق على جميع الخلق بالتساوي.
إنّ المصالحة التي ينتهي إليها الصراع بين جلجامش وأنكيدو تمثل وحدة
جدليّة (Synthesis) تؤلف بين القيم الأخلاقية التي يمثلها إنسان الطبيعة،
أنكيدو، وأسلوب الحياة الحضارية التي يمثلها جلجامش. إن مواجهة جلجامش
للآخر الضد توقظ فيه الوعي بالإنسان الآخر الكامن فيه، فيتماهى مع أنكيدو
ومن كان ضدّه يصبح بعضه. وما تنبّأ به أنكيدو لجلجامش يحدث بالفعل،
يتغيّر مسار ومصير جلجامش بفعل اللـّقاء الصدامي ـ التكامليّ مع أنكيدو،
والنتيجة الواضحة لهذا التأليف الجدلي بين الضدّين هي انتفاء الفساد
الخلقيّ والسياسي من شخصية جلجامش، وانتفاء البعد الطبيعي البدائي من
شخصية أنكيدو فتستقيم الشخصيتان اللتان تكمل كل منهما الأخرى على قاعدة
الإنسان النوعي الجديد المتـّجه إلى تحقيق الذات بواسطة الفعل الحضاري
المشهود. وتوحيد المثنّى هو الذي يفسر عمق وسعة الصداقة التي جمعت بين
التوأمين جلجامش وأنكيدو.
إنّ أنكيدوا هو الفرد الثاني الحر في تاريخ الأدب العالمي، وهو المثال
الأول للكائن الذي يعيش حالة الحرية الطبيعية قبل اقتحامه عالم المدينة
والمجتمع الحضري. ومعايشة أنكيدو لحالتين: الطبيعية والحضارية هي التي
تفرد شخصيته. إنّ أنكيدو في براءته الطبيعية يقدّم أقدم وأنقى النماذج
لمثال «المتوحش النبيل» (The Noble Savage) طبقاً للمواصفات التي وضعها
له روسو(11).
وأنكيدو الذي يمثـّل في أحد أبعاده صورة الراعي الذي استأنس أو دجّن
الحيوانات البرّيّة هو الإنسان البرّي الذي استأنسته أو دجّنته باغية
المعبد بالفعل الجنسي أو «الطقس الإدخالي» في تجسيد شاعري للموضوعة
العلمية القائلة «إن الرجل دجّن الحيوان لكن المرأة دجّنت الرجل». ولا
يختلف علماء التاريخ الحضاري على الدور التأسيسي الذي لعبته المرأة في
تاريخ الحضارة، وهي المعنية باسترداد الرجل من ترحال البداوة وتجوال
الصيد واستبقائه إلى جانبها على أرض زراعيّة ثابتة، وهو الشرط الأساسي
لبناء العائلة المستقرة.
إن ولادة أنكيدو الثقافية ـ الاجتماعية تبدأ بعد الاتصال الجنسي الأول
بباغية المعبد. وليس صدفة أن يأخذ هذا الاتصال فترة ستة أيام وسبع ليال
وهي الفترة الزمنية نفسها التي استغرقها خلق العالم كما نقرا في كتب
الديانات السامية السماوية الثلاث، وهي الموصولة بالتراث السومري ـ
البابلي . إنّ الفعل الجنسي الأول هو المدخل إلى المعرفة في الأسطورة كما
في الدين وهو الفاصل بين عالمي الحيوان والإنسان. إذ إنّ هذا الفعل
يُخرجُ أنيكدو من فردوسه الطبيعي ومجتمعه الحيواني الغرائزي إلى مدار
الوعي بذاته الإنسانية وينقله إلى حياة الجماعة والمدينة. والتعارض بين
الطبيعة والثقافة، الطاقة الجسدية الغرائزية والوعي يتجلى، أول ما يتجلى،
في خسارة أنكيدو للطاقة الحية التي كانت تمكـّنه قبل مضاجعة الباغية من
مجاراة الغزلان في جريها السريع، واكتسابه بعد المضاجعة الذكاء والحكمة
بديلاً عن الطاقة البيولوجية الحية كما تلاحظ الباغية:
«ستة أيام وسبع ليل قضاها أنكيدو مع فتاة البهجة.
وبعدأن روى نفسه من مفاتنها،
يمّم وجهه شطر رفاقه الحيوان،
فولـّت لرؤيته الغزلان هاربة.
حيوان الفلاة فرّت أمامه،
تمهّل خلفها، ثقيلاً كان جسمه
خائرة كانت ركبتاه، ورفاقه ولـّوا بعيداً.
تعثـّر أنكيدوا في جريه، صار غير الذي كان.
لكنه غدا عارفاً واسع الفهم.
حدّثته باغية المعبد قائلة:
«حكيم أنت يا أنكيدو، شبه الإله أنت.
لماذا مع حيوان الفلاة ترعى البراري؟»»(12).
وهكذا يرمز الجنس إلى المعرفة والعلم، فيما تجسّد باغية المعبد صورة
المعلمة. يرفع أنكيدو «الحكيم» صوت مثال الوعي الجماعي الجديد بضرورة
تغيير النظام الاجتماعي ـ السياسي مجسداً في ملك غرائزي يدّعي القداسة،
وهو «رجل الملذات، صاحب جسد مزيّن بالمتع والشهوات»، كما تصفه الباغية.
فيعلوا صوت جلجامش قائلاً:
«سأناديه وأكلـّمه بجرأة
سيجلجل صوتي في أوروك: «أنا الأقوى».
نعم أنا من سيغيّر نظام الأشياء
من ولد في البراري هو الأقوى»(13).
هذا الصدام العنيف بين أنكيدو،حامل قيم العدالة، وجلجامش، المدافع عن
امتيازات الملك التقليدية، وفي مقدمتها حقّ «الليلة الأولى» يمهّد لولادة
جلجامش الثقافية الثانية، وإعلانه عن عزمه في السفر إلى أرض الأحياء هو
عنوان المسار المعنوي الجديد. إن الباغية تقود أنكيدو إلى تذوّق حلو
الحضارة ومرّها، وتجعل من تجربته أولى التجارب الرّائدة في كشفها لحقيقة
أن الحضارة هي نعمة ونقمة، تقدّم وتراجع، رفاه ماديّ وصراع وحشيّ فرداني
تنافسي يمزّق نسيج المتـّحد القبلي التكافليّ ونشر الشرّ الخلقي.
إنّ أنكيدو، القادم من براءة الطبيعة إلى مدينة زيّنت له الباغية فيها
أسلوب الحياة، ينعم في البداية بمتع الرّفاه التي وعدته بها ولكن إلى
حين. فهو يأكل الخبز «عماد الحياة» بدل الشعب، ويشرب الخمرة «التي تليق
بالآلهة»، فتدخل البهجة قلبه ويشرق وجهه، ويرتدي الملابس التي تظهر جمال
الجسد، وينام في سرير نظيف الأغطية، ويعيش فرح الأعياد في احتفالات
المدينة اليومية، ويتعرف وجدانه، قبل وبعد، إلى تجربة الصداقة مع جلجامش
و«هي الصداقة الأسطورية التي دخلت الإرث الثقافي لشعوب الشرق الأدنى،
وغدت مثلاً تغنّت به تلك الشعوب لعشرات القرون. لكن الحضارة سرعان ما
حطـّمت قلب «المتوحش النبيل» الذي جذبه بريقها وشارك في مغامرة بنائها،
ذلك «أن الرحلة الحضارية التي استقدمت أنكيدو من الطبيعة مكان الحرية
الوحشية إلى القلق المديني ذي النظام المعقد استنزفت قوته الجسدية»(14).
فيقول أنكيدو:
«أنا ضعيف
وهنت قوة ذراعي
صرخة الأسى عالقة في حلقي
وحياة البطالة تجثم ثقيلة على صدري»(15).
وهذا الشعور يجيء في أعقاب الرّحلة الخطرة إلى غابة الأرز والتجاسر على
قتل خمبابا المكلـّف من ربّ العاصفة أنليل بحراسة الغابة، وإذلال عشتار
(ربّة الحب الجنسيّ وسيّدة المعارك الدامية) بعد النجاح في قتل ثور
السماء الذي أرسلته للانتقام من البطلين، فتـُنزل الآلهة بأنكيدو حكم
الموت المبكر عقاباً له على قتل خمبابا. وتدهم أنكيدو الممدّد على فراش
الموت لحظة الندم التي انتابت البشرية جمعاء في أوقات متفاوتة على مفارقة
الحالة الطبيعية وحياة العشيرة. فأنكيدو لا يمثل الإنسان المتوحش (Savage
man) وإنما الإنسان البريّ (Wild man)(16)، ويدرك أن انتقاله من البداوة
إلى الحضارة أفقده قوة الجسد وحرية الروح وعفوية المسلك، وجلبت عليه
النقمة لا النعمة.
ويترجم ندمه إلى لعنة ينزلها بالباغية التي زينت له حياة المدينة، ويعلن
سخطه على الحضارة لأنه يربط بين مرضه من جهة والثقافة والحضارة من جهة
أخرى. ويلعن الصيّاد، الذي كان أول من شاهده وأبلغ عن وجوده، والباغية،
ليس لأنهما قد عرّفاه على جلجامش وإنما لأنهما استدرجاه إلى عالم المرض
والموت البطيء بعيداً عن عالم البراري حيث «الموت يأتي فجأة قبل حلول
الشيخوخة وفساد الجسد»(17). واللافت أن إمام اليونانيين الثقافي هزيود قد
تخيّل العصر الذهبي بأنه عصر «يموت فيه البشر بسرعة وكأنهم في حالة
الرقاد ولا يعرفون شيئاً اسمه الشيخوخة(18).
الحضارة وجدليّة تقدّم / تخلـّف
يختصر أنكيدو وتجربته الرامزة لجدلية تقدّم ـ تخلّف التي وسمت نشوء
الحضارة وتطوّرها المعاناة التي عاشتها البشرية مع سلبيات التمايز الطبقي
والاستبداد السياسي والتردّي المعنوي، وهي السمات التي لازمت التقدم
الحضاري منذ فجر التاريخ وتمثلت في «تقدم الفرد وانحطاط النوع»، كما لاحظ
أنجلز. ويلفت ليندساي (Loindsay) إلى أن الصداقة العميقة بين أنكيدو
وجلجامش ترمز إلى الأخوة العشائرية (Clan brother hood) السابقة للحضارة،
ممّا يسمح بالاستنتاج أنّ عذابات جلجامش التي تأتـّت من موت صديقه البكر
هي عذابات ناجمة عن تمزّق علاقات التكافل والتعاضد، التي سادت مجتمعات لم
تكن قد عرفت الملكية الفردية والتفاوت الاجتماعي والصراع الوحشي على
البقاء. وهذه المعاناة التي لا زمت تقدّم الحضارة هي مصدر الحنين
الأسطوري إلى «ماضٍ ذهبي» تغنّت به الأساطير السومريّة ـ البابلية،
وأشهرها أسطورة «أرض ديلمون والعصر الذهبي». وديلمون، يقول كرايمر، «هي
الجنة التي تشرق منها الشمس»(19) والتي تتحدّث عن أيام:
«لم يكن فيها حيّة ولا عقرب
لا سبع ولا ضبع ولا ذئب
لا خوف ولا رعب
لا منافس للإنسان ولا غريم
كانت البلاد آمنة مطمئنة
وكان الكون والناس جميعاً يمجّدون أنليل بلسان واحد».
وقد وصل هذا الحنين إلى الماضي الذهبي الإرث الثقافي الإغريقيّ مع
هوميروس، وأصبح أفلاطون كبير فلاسفة الإغريق المصدوم بشرور أثينا بركليس
وخلفائه كبير دعاته. ويلاحظ Kirk في هذا السياق «أن فكرة العصر الذهبي
ترتكز ربّما على نماذج في ثقافات الشرق الأدنى حيث نجد أساطير تتحدث عن
أرض كاملة الطاهرة يعيش فوقها الآلهة وحسب». والحقيقة أن الرؤية الرجوعية
إلى الوجود نجد تعابيرها في مؤلفات هزيود، خاصة كتابه «الأعمال والأيام»،
حيث نجد رجال العصر الذهبي يعيشون كالآلهة وليس مع الآلهة، «متحرّرين من
مشقـّة العمل والحزن والشيخوخة»(20). ومن الملفت أن أسطورة «العصر
الذهبي» اليونانية تقول إن «رجال العصر البرونزي المتدنّي عن الذهبي
والفضّي يذهبون إلى عالم الموتى دون أن يتركوا وراءهم رسماً يذكر»(21).
أي أن السمعة أو الشهرة كانت هاجساً ومحركاً للملوك كما هي عند جلجامش.
إنّ مأساة أنكيدو مع الحضارة والتناقض الموجع بين أفكار ومخططات ومقاصد
البشر من جهة والمآل المفجع لهذه الأفكار والمقاصد من جهة ثانية يجعلان
«ملحمة جلجامش تطل ليس على الأوديسا وحسب، وإنّما على التراجيديا
الإغريقية كذلك».
ويؤكد صحّة هذه الملاحظة التوازي الملحوظ بين العقاب الذي أنزله كبير
آلهة السومريين أنليل بأنكيدو، والعذاب الذي فرضه ربّ الأرباب الإغريقي
زيوس على بروميثيوس رداً على إفشائه بسرّ النـّار للإنسان. وقد جسّد
اليونانيون جدليّة تقدّم ـ تخلـّف في أسطورة باندورا (Pandora) التي
خلقها زيوس ليحبط ما يمكن أن يحققه الإنسان من انتصارات حضارية بفضل
استخدام النار، فكان أن جاءت باندورا إلى الأرض حاملة معها وعاءها المليء
بالأوبئة والمجاعات والحروب وشتـّى الشرور. وهكذا ترافق التقدم الحضاري
الذي شاءه بروميثيوس (صديق الإنسان) للبشر إلى لعنة ردّ بها زيوس الرّب
الغيور والسلطان الاستبدادي المستأثر على صنيع بروميثيوس.
ويلاحظ تيجاي (Tigay) أنّ ملحمة جلجامش، في نسختها الأكاديّة المتطوّرة،
معنيّة جزئيّاً على مستوى الوعي أو اللاوعي باستكشاف علاقة التضاد أو
التأقطب بين أسلوب الحياة البدويّة وأسلوب الحياة الزراعية المستقرّة،
بين الأرض المزروعة الخضراء المحيطة بالقرى أو المدن والصحراء القاحلة
المحيطة بها. «إنّ التناقض والمنافسة بين طريقتي الحياة: حياة الصحراء
وحياة الأرض المزروعة يخترق تاريخ الشرق الأدنى كله»، وهو من النوع الذي
يبحث عن وسائل تعبيره الأدبية «بصورة عفويّة وبشكل مستقلّ عن الزمان
والمكان»(22). ويلفت هذا الباحث في ملحمة جلجامش من زاوية التعارض بين
الطبيعة والحضارة إلى حضور الحيوان في سلوك بَطـَلي الملحمة، جلجامش
وأنكيدو، في مراحل مختلفة من تطوّرهما. إنّ جلجامش الملك لا يتصرف قبل
لقائه أنكيدو كإنسان وإنما تحكـّم بالبشر «كثور هائج».
أما أنكيدو المخلوق البرِّي أو الوحشي في الأصل يرفض أسلوب الحياة
الحيوانيّة بعد لقائه باغية المعبد ويستبدل حيويّته الجسدية الهائلة
بالحكمة التي تجعله «شبيه الآلهة»، ويتحول إلى صائد للحيوانات بأسلحة من
صنع البشر بعد أن كان حامياً للحيوانات ومحبطاً لأهداف الصيّادين حين كان
يحيا مع الحيوانات وعلى طريقتها.
وبعد موت أنكيدو يرتدّ جلجامش عن أسلوب الحياة الحضارية وينكص إلى
الطبيعة وأسلوب الحياة البريّة التي كان يعيشها أنكيدو البرّي قبل تعرّفه
إلى جلجامش ومدينته أوروك. فهو يرد على موت أنكيدو «بالانتقال إلى عالم
الطبيعة ورفض الثقافة في كليّتها»(23). وابتعاد جلجامش عن حياة الجماعة
الحضارية يبدأ بتمزيقه لملابسه في حين تبدأ أنسنة أنكيدو على يد الباغية
بإرتدائه لثيابها. وقد تعلـّمنا من دوركهايم أن الثياب هي أوّل طقوس
التدجين الاجتماعي للمولود الطبيعي. وتتوالى الردود التي تمظهر رفض
جلجامش للحضارة ونكوصه إلى الحياة البريّة التي تماهيه بأنكيدو، وكأنه
يريد بهذا التماهي التكفير عن مسؤوليته الشخصية في مصير الموت الذي أدرك
صديقه، فيرسل شعره على كتفيه ويحقّق ما تنبّأ به الإله شمس لأنكيدو من
أنّ جلجامش المحزون «سيطوف الأرض كحيوان البراري،
ليس كحيوان وحسب، وإنّما مرتدياً جلد الحيوان الوحشيّ كذلك».
ويُعِقب كيرك (kirk) على سلوك جلجامش النكوصي هذا بقوله
«إنّ جلجامش يرفض واقعة موت أنكيدوا بالعودة إلى عالم الطبيعة،
إلى الحيوانات التي كانت رفيقة أنكيدوا والتي بدت وكأنّها رموز
للحرِّيَّة، لغياب القيود وانعدام الفساد»(24).
وهذا التصوّر الرجوعي الذي ينسب الكمال للماضي ويتمثل الزمن التاريخي
المتقدم وكأنّه انحطاط تدريجي يجد انعكاسه اليوناني في أسطورة هزيود التي
تقسم البشر إلى أعراق خمسة: العرق الذهبي المبارك والعرق الفضيّ الذي
أدركه الاستكبار وانعدام التقوى، يليه العرق البرونزي ثم العرق الحديديّ
الذي يسخر منه هزيود وهو الحزين المدمّر والذي سيدمّره زيوس.
الهوامش
ــــــــ
(1) G.S. KIRK, MYTH, Its Meaning and Function in Ancient and Other
cultures (Cambridge University press, 1971),p.116.
(2) Jeffrey H.Tigay The Evolution of the Gilgamesh Epic (Philadelphia:
University of Pensylvania Press), p. p.3-4.
(3) S.N. Kramer, The Sumerians, Their History, Culture and Religion
(Chicago University press, 1963), p. 185.
(4) Tigay, op. cit.
(5) J.H Roberts, History of the World (England: Penguin Books, 1976),
p. 68-80.
(6)Arnold Toynbee, A Study of History (Oxford University Press,1947).
(7) فراس السوّاح، جلجامش ، دمشق، منشورات دار علاء الدّين، 1996م : 112.
(8) Kramer, op. cit., p. 264-268.
(9) Tigay, op. cit., p. 187.
(10) فراس السوّاح، م.م : 112.
(11) Tigay, op. cit., p. 186.
(12) فراس السوّاح، م.م : 118.
(13) فراس السوّاح، م.م : 119.
(14) Jack Lindsay, A short History of Culture from Prehistory to the
Renaissance (London: Stadio Books, 1962), p. 314.
(15) فراس السوّاح، م.م : 139.
(16) Lindsay, op. cit., p. 346.
(17) G.S. Kirk, op. cit., P. 149.
(18) Ibid., p. 198.
(19) S.N. Kramer, Mythologies of the Ancient World ( N. Y.: Anclion
Book, 1961), p. 139.
(20) Kirk, op. cit., P. 147.
(21) Ibid., p. 227.
(22) Tigay, op. cit., p. 146.
(23) Tigay, Ibid. cit., p. 149.
(24) Kirk, op. cit., p. 151.
المصدر: الجذور الشرقية للثقافة اليونانية ـ دار الآداب ـ بيروت ـ الطبعة
الأولى عام 2007م
|