الحضارية «تاريخ العراق»

الخميس: 31/01/2008

 

مقدمة في الأدب السومري

أ.د. زهير صاحب(*)
(خاص للمعهد)

 

إن النتاجات الأدبية السومرية، وكما هي ممثلة في النصوص الأدبية المكتشفة لحال التاريخ، ذات أهمية عظمى في تاريخ تطور الآداب الإنسانية. ذلك إنها أول محاولات الإنسان، في التعبير عن إشكالات الحياة وقيمها وأحوال المجتمع ومشاكل الفرد، بأساليب أبداعية فنية مستندة إلى الخيال والتأمل. ورغم إيغال الآداب السومرية في القدم، وسبقها كافة الآداب العالمية. فإنها تتميز بالسمات الأساسية التي تميز النصوص الأدبية العالمية الناضجة، سواءً أكان ذلك في خصوصيات التعبير أو في بنية النصوص اللغوية، وكذلك الموضوعات الإنسانية المصورة، والأخيلة والصور الفنية والعرض القصصي والروائي.
ومصادر معرفتنا بالآداب السومرية، تكمن في ما تم اكتشافه من ألواح طينية مكتوبة بالخط المسماري واللغة السومرية، ويتجاوز عددها الألف لوح. وتكمن أهميتها في المدلولات الإنسانية التي تُعبر عنها، والتي ما زالت حية تشغل بال الفكر الإنساني المعاصر، والأسلوب الأدبي الفني في الشعر والنثر، المميز بطراز خاص من النظم والتأليف المؤثر في مشاعر القارئ أو السامع، وهي مهمة أيضاً، في اختيار الحوادث أو المواقف المؤثرة في أعراف الحضارة التي أبدعتها.
والأدب السومري، غني بموضوعاتهِ أو إشكالاتهِ الفكرية،، ويتنوع ليشمل، أصل الكون والوجود، وأصل الآلهة، والملاحم وأعمال الأبطال والآلهة، وقصص الطوفان، وأساطير عالم ما بعد الموت، وأدب الحكمة، وموضوعات الخير والشر والعدل الإلهي وأدب المفاخرة والمناظرة والحوار، ونصوص السخرية والفكاهة وقصص الحيوان، وأدب الرثاء، ونصوص جميلة في الغزل والحب، والصلوات والابتهالات والتراتيل والأدعية الدينية.
ودونت ملحمة كَلكَامش العظيمة على أثني عشر لوحاً من الطين، إذ كان من المتعذر كتابتها على لوح طيني واحد، نظراً لطول النص. ورُتبت على هيئة سلسلة متتابعة، وذُيلَ كل لوح من ألواحها بعنوان السلسلة العام مع رقم تسلسله، وبداية السطر الذي يبدأ به اللوح التالي. وعلى هذا المنوال "كانت كل مجموعة من سلاسل النصوص الأدبية تحفظ في أوعية من الجرار أو الخشب أو السلال وتوضع على رفوف، ويعلق في كل مجموعة عنوان السلسلة الذي يُسجل في بطاقة أو لوح صغير من الطين" (طه باقر، 2003، ص19). ونتج عن هذا الأسلوب في حفظ النصوص الأدبية عند السومريين، نظام الفهرسة والسجلات، وأقدم نظام المكتبات المعبدية، وأشهرها مكتبة مدينة (نُفَر) السومرية. وقد أسماها السومريون (بيت الألواح).
وإذ اكتشفت بعض النصوص الأدبية السومرية، وهي مُذيلة بأسماء أشخاص، فالغالب فيهم أن يكونوا نُساخاً أو جامعين. ولعله يمكن تفسير هذه الظاهرة، في إغفال أسماء المؤلفين. إن القسم الأعظم من النتاج الأدبي السومري، قد نشأ ونما على هيئة تراث شعبي، شاركت في إبداعهِ عدة أجيال من الشعراء والمنشدين والقصاصين، ولم يتفرد في إنتاجهِ أديب أو شاعر واحد.
ويتميز الأدب السومري وبالأخص (الشعر) بوجود الإيقاع الخاص أي الوزن أو العروض،و إتباع نظام خاص في تأليف الكلام الموزون من حيث تقسيمهُ إلى وحدات صغيرة، وضم هذه الوحدات في مجموعات أكبر منها، كالبيت والبيتين والأربعة أبيات والقصيدة. وكذلك في انتقاء مفردات لغوية خاصة (بلاغية)، وهي الألفاظ الشعرية من حيث الجرس اللفظي والمعنى بالنسبة لمقاييس اللغة التي ينظم فيها الشعر. "أما القافية، فلم تكن مستخدمة في الأشعار السومرية، فقد كان الشعر موزوناً إلا أنه غير مُقفى" (طه باقر، 2003، ص32).
والفكر التأملي المبعوث عِبرَ الآداب السومرية، هو طريقة حدسية من طرق الإدراك، تكاد تكون أقرب إلى الرؤيا. وبعبارة أخرى، كان السومريون يقصّون الأساطير عوضاً عن القيام بالتحليل والاستنتاج. فقد نظر السومريون إلى فكرة سقوط الأمطار بعد جدب، بأنها وساطة من الطير المركب العملاق (أمدكَود) إذ جاء لإنقاذهم، فكسا السماء بجناحيه من سحب الزوابع السوداء، وألتهم (ثور السماء) الذي كان قد أحرق الزرع بأنفاسهِ الملتهبة ولذلك يجب أن نأخذ الأسطورة، السومرية، محمل الجد، كونها تكشف عن حقائق مهمة، وإن يتعذر إثباتها، حقائق من النوع الذي ندعوه حقائق ميتافيزيقية. وهي تدعو المؤمن الاعتراف بها، وإزاء المتشكك لا تحاول تبرير نفسها.
لقد كانت (موضوعة) الفكر التأملي الأولى عند السومريين، هو الإنسان، طبيعتهُ، مشكلاتهُ قيمه ومصيره. والإنسان في سومر لم ينجح بل لم يحاول، في جعل نفسه موضوعاً علمياً لنفسهِ. وحاجتهِ المُلحّة للسمو على فوضى التجارب والحقائق المتناقضة، تُؤدي بهِ إلى البحث عن فرضية ميتافيزيقية. فالإنسان إذا ما تناول موضوع (ذاتهِ) لن يُحيد عن التأمل حتى يومنا هذا.
إن الفكر التأملي عند السومريين، لن يقنع بأفكارنا. فإذا بحث عن السبب، فإنه يبحث عن الـ (مَن) لا عن الـ (كيف)، وما دام عالم الظواهر هو (أنتَ) مجابهاً للإنسان كما أسلفنا، فإن السومري لن يفكر في وجود (تقنية) لا شخصية تنظم حياة الطبيعة، إنه يبحث عن إرادة ذات غرض خاص تأتي فعلاً معيناً. فإذا لم ترتفع مياه الأنهر، فلابد إنها رفضت فكرة الارتفاع، وبالتالي يُصار إلى تحليل ذلك بفكرة غضب (الإله). والحكمة هو أن النهر أو الإله، يُريد أن يُفهم الناس شيئاً، ولابد لهم من عمل مناسب يقومون بهِ. أما النتيجة فتكون اللجوء إلى القربان لفك الاشتباك.
ولم يستطع السومريون فهم (الرموز) في النصوص الأسطورية على إنها كينونات خاصة ترمز إلى الآلهة أو القوى الغيبية، وبذات الوقت هي منفصلة عنها. إنها تُعامل كالشبه بين شيئين، أي إنها تربط بين الشيئين المتشابهين، ولذا يلتئم الرمز والمرموز إليه معاً، كما يلتئم المتشابهان، بحيث يغدو الواحد بديل الآخر. فالأرواح (الشريرة) في الآداب السومرية، ما هي في الغالب إلا الشر نفسهُ، مجسداً ومزوداً بقوة إرادة.
وتتجلى الناحية (اللاعقلية) في الأسطورة، في أن السومريين، لم يكتفوا بسرد أساطيرهم كأقاصيص تحمل الأخبار، بل مثلوها روائياً معتقدين إن فيها قوة خاصة تنشط بالإلقاء (الجهوري). وخير مثال معروف عن التمثيل الدرامي للأسطورة السومرية، هو احتفالية رأس السنة السومرية، في أحداث تبدل الفصول. حيث تُرتل في كل أرض (سومر)، أسطورة الزوجين (إنانا ـ ودموزي) وبكل ما تتضمنه من أحداث تراجيدية ـ مأساوية ـ تنتهي بالعودة الموعودة، والفرح العميم. أنه تعبير الإنسان عن المعرفة التي يُشارك بها قوى الطبيعة، كي يّورطها ثانية في أن تكون، أن توجد، وأن تتجدد، وأن تعيِش.
إن الذهنية السومرية، كما تُعبر عن ذاتها في الأدب. تدور في فُلك القيم الروحانية. فهي القيم الطاغية في الفكر الاجتماعي. وكل العمليات الذهنية تخضع لها بشكل مباشر أو غير مباشر، حتى إن القيم (الموضوعية) نفسها، تُفعّل في تَدعيم التفسير الروحاني، فتقظمها الروحانية بفكيها الجبارين، وتقضي على حقيقة كونها قيم مستقلة.
فالحياة الذهنية للفرد في المجتمع السومري، مكيفّة اجتماعياً بشكل قوي جداً. فنمط الحياة الذي يغلب عليه طابع المشاركة، هو العنصر المُكيّف الأول. حين تخضع حياة الفرد لرأي وتقويم المجموعة. ذلك إن جميع تصوراته، يغلب عليها الطابع الجمعي، وتنبع من روح المشاركة الاجتماعية القوية جداً، والتي تُهيمن بشكل مطلق على مشاعره وعلى وظائفهِ الذهنية. وهذا ما يؤدي إلى فقدان عنصر (المُناقظة) في الذهنية السومرية، فطالما إن التصورات الفردية لا تختلف عن التصورات الجماعية، فلا مجال لعنصر المناقظة الذي يميز الذهنية (الوضعية).

ويَعتبر (بروهل) "إن إحدى المفاصل الأساسية للذهنية السومرية، هي الذاكرة"، (معتوق، ص42). والتي تتألف من كم هائل من (الأحكام)، هي بمثابة السلطة المطلقة على الذهنية السومرية. وهي التي توجه روح المشاركة، وخارج تلك الذاكرة، كل شيء باطل، فالتصورات الجماعية الموروثة من الأسلاف هي الوحيدة الصحيحة. إنها المرجع الذي لا يقبل التجديد والتحديث. وهنا تكمن الأهمية القصوى للأسطورة والملحمة في بنية الفكر السومري الاجتماعية.
والأسطورة والملحمة السومرية، شكل من أشكال الأدب الرفيع، ذلك إنها (قصة) تحكمها قواعد السَرد القصصي من حبكة وعقدة وشخصيات وحلول وما أليها. وعادةً (يُصاغ) النص الأسطوري في قالب شعري يُساعد على ترتيلهِ وتداولهِ شفاهاً بين الأفراد وعِبرَ أجيال. وله سلطان على العواطف والقلوب، والعقول أيضاً.
وليس للأسطورة السومرية (زمن) محدد، أي أنها لا تقول مقولتها عن حدث جرى في الماضي وانتهى، بل عن حدث ذي حضور دائم، فزمانها (ماثل) أبداً ولا يتحول إلى ماضٍ. ذلك أن (الإله) تموز الذي قُتل ثم بُعثَ للحياة، إنما يحدث ذلك في كل عام، إذ يُقتل في الصيف، ليبعث في الربيع. ليبرر التجدد السنوي المحسوس في حياة الطبيعة.
وتتمتع الأسطورة السومرية بقدسية وبسلطة عظيمة على عقول الناس ونفوسهم، فالسطوة التي تتمتع بها الأسطورة عند السومريين، لا يدانيها سوى هيمنة العلم في العصر الحديث. ذلك إنها ترتبط بنظام ديني وتتشابك مع معتقدات ذلك النظام وطقوسهِ المؤسسة. فالأسطورة هي حكاية مقدسة مؤيدة بسلطان ذاتي، وهذه الذاتية المتفوقة في بنية النص الأسطوري، لا تأتي من أية عوامل خارجية عنها، بل من أسلوب صياغتها وطريقة مخاطبتها للجوانب الانفعالية وغير العقلانية في الإنسان. ومهمتها الأساسية، هي إكساب فكرة (الألوهة) ألوان وظلال حية، فالأساطير هي التي ترسم صور الآلهة وتعطيها أسمائها وتحدد لها صلاحياتها.
وتقص أسطورة (الخلق) السومرية، خلق الكون : ـ في البدء كانت الآلهة
(نَمّو) ولا أحد معها، وهي المياه ألأولى التي أنبثق عنها كل شيء. أنجبت الآلهة (نمو) ولداً وبنتاً، الأول (آن) إله السماء المذكر، والثانية (كي) إلهة الأرض المؤنثة، وكانا متصلين مع بعضهما. ثم إن (آن) تزوج (كي) فأنجبا بكرهما (أنليل) إله الهواء، الذي كان بينهما في مساحة ضيقة لا تسمح له بالحركة. فقام بقوته الخارقة بأبعاد أبيه عن أمه، أذ رفع الأولى فغدت السماء، وبسط الثانية فصارت أرضاً، ومضى يرتع بينهما. لكن (أنليل) كان يعيش في ظلام دامس، فأنجب (أنليل) أبنه (ننار) إله القمر، ليبدد الظلام في السماء وينير الأرض. و (ننار) إله القمر أنجب بعد ذلك (أوتو) إله الشمس، كي تغمر أشعته الدافئة وجه البسيطة. ثم كان خلق الظواهر الأخرى تباعاً.
فالإله السومري القابع فيما وراء الزمن الجاري، هو إله نظري ذو طبيعة فلسفية. وهو لا يباشر وجوده الفعلي، وصلته بعالم الإنسان، إلا عندما يعلن عن فعاليته الواضحة في الزمن، فيقوم بخلق وتكوين العالم. " فالأسطورة تقوم على مفهوم زماني لا مكاني" على حد قول (كاسيرر) (السواح 1994، ص59). فالأسطورة الحقة كما يراها، لا تقوم، ألا عندما يعزى للآلهة بداية محددة في الزمن، وعندما تباشر هذه الآلهة فعالياتها، وتنبئ عن وجودها في سياق زمني أي عندما يتحول الوعي الإنساني من فكرة الآلهة إلى تاريخها، فمن خلال هذا التاريخ الذي ترسمه الأسطورة، تعلو الآلهة على قوى ومظاهر الطبيعة، وتتسلط عليها. ومن خلال سيرتها الذاتية التي تؤشر خروجها من (العماء) الساكن إلى الزمن المتحرك، فتنتقل (الآلهة) من الوجود المجرد إلى الفعل، وذلك يظهرها في عالم الإنسان في سومر، ويشدها إلى مسار حياته.
ويرى (فرويد) تشابهاً في آليات العمل بين الحلم والأسطورة، وتشابه الرموز بينهما. بأعتبارها نتاج العمليات النفسية اللاشعورية. ففي الأسطورة كما في (الحلم)، نجد الأحداث حرة الوقوع خارج قيود الزمان والمكان، فالبطل في الأسطورة، كما هي حال صاحب الحلم، يخضع لتحولات سحرية ويقوم بأعمال خارقة، هي انعكاس لرغبات مكبوتة، تنطلق من عقالها، بعيداً عن رقابة العقل الواعي، والذي يمارس دور (الحارس)على بوابة اللاشعور. (السواح،1985،ص13).
ويعتقد بعض المختصين في الآداب السومرية، بأن الأحلام الواردة في ملحمة كلكامش، هي من نوع الأحلام ـ الرسائل، فالحالم في النص الأسطوري، يقابل مجموعة من الأفعال والحركات أو الأحداث العقلية، لا يكون أبطالها محددين، مثل الآلهة والنجوم والظواهر الأخرى. "لقد نشأ الحلم عند كلكامش، نتيجة خطر كان يهدد أمنه كإنسان، ونتيجة عجزه أمام إيجاد حلول مناسبة لحالته النفسية" (المقداد، ص166) وهذا هو حال (الإنسان) على أرض الرافدين، حيث أخضعه قلقه الميتافيزيقي، وهو يؤسس أنظمة الفكر الأولى، إلى نوع من الفكر التأملي اللاشعوري، لأيجاد حلول لمثل هذا الفزع السايكلوجي. وحال كلكامش هو حال (أدبا) في أسطورته المعروفة.
أستيقظ كلكامش من نومهِ، في تلك اللحظة، وأخذ يقص على أمه رؤياه قائلاً لها : يا أمي لقد رأيت الليلة الماضية حلماً، رأيت إني أسير مختالاً بين الأبطال، فظهرت كواكب السماء، وقد سقط أحدها ألي وكأنه شهاب السماء (آنو)، أردت أن أرفعه ولكنة ثقل علي، وأردت أن أزحزحه فلم أستطع أن أحركه، تجمع حوله أهل بلاد (أوروك)، أزدحم الناس حوله... وتدافعوا عليه، وأجتمع عليه الأبطال، وقبل أصحابي قدميه....، أحببته وانحنيت كما أنحني على امرأة، ورفعته ووضعته عند قدميكِ فجعلتهِ نظيراً لي.
فأجابت كلكامش أمه البصيرة العارفة وقالت له :
قالت (ننسون) العارفه بكل شيء لكلكامش، إن رؤيتك نظيرك كوكب السماء، والذي سقط أليك وكأنه شهاب السماء (آنو)، إنه صاحب قوي يعين الصديق، إنه أقوى من في البلاد وذو عزم شديد. وعزمه مثل عزم (آنو) وذو بأس شديد. وأما أنك أحببته فانحنيت عليه كما تنحني على امرأة. فمعناه أنه سيلازمك ولن يتخلى عنك. وهذا هو تفسير رؤياك.
كان كلكامش يعرف إن جيش الآلهة (آنو ـ السماء ) قوامه نجوم السماء، وإن الصديق الذي يبحث عنه يجب أن يكون قوياً بقوة (إله). ومن جهة أخرى، كان كلكامش على علم بوجود (انكيدو) في السهل، لكن الذي ما زال يجهله، هل يمكن لهذا الوافد الجديد أن يكون بذات المواصفات، وأن يكون صديقاُ لهُ، وقد أطمئن كلكامش بعد تفسير الحلم، من أن الرغبة في الصداقة والصديق تكمن في (أنكيدو). ومن هنا كان عدوله عن الإجهاز على خصمه، حين احتدما في صراع عنيف. إنها فكرة أيجاد علاقة واقعية وطيدة من نوع خاص مع ما يشابهها في فكرة الحلم. وهذه الأحلام في بنيتها هي عبارة عن أحلام (مسبقة الصنع) صاغها المؤلف بما يتناسب مع أهدافهِ في آليات السرد القصصي، إنها هنا عنصر من عناصر بنية النص الأسطوري، ولا دخل لأحد فيها على الإطلاق.
من الصعب حساب الزمن في النصوص الأسطورية والملحمية السومرية، وفقاً لقياساتنا ومفاهيمنا المعتادة. فالزمن لا يعلن عن ذاته، إلا في ضوء النتائج والأفعال. نحن لا نعرف مثلاً كم استغرق كل من (أدبا ـ وايتانا) في رحلتيهما نحو السماء، وكم مكثا هناك، ومتى كانت العودة. وفي ذات الوقت، كم احتاجت (أورورو) لخلق أنكيدو، كما نجهل مدة أقامته في السهل، قبل صداقتهِ لكلكامش. فإذا كان الزمن يؤثر على الفعل في السرد القصصي، فأن أثر الفعل أهم من فترة ديمومته في السرد الأسطوري.
ونلاحظ كذلك (تغييب) مقصود للأمكنة، في بنية النصوص الأسطورية السومرية. فالدروب التي تسلكها الشخصيات، تكاد تكون مموهة، وبعيدة عن التحديد، لا عرض لها ولا طول، وفي نفس الآن، لا بداية لها ولا نهاية. إنها تبدأ في نقطة لا يمكن تحديدها إلا في خيال المتلقي، وطالما إن المتلقي هو الفكر الإنساني في عالميتهِ غير المحددة، تبقى الإشكالية، هي إشكالية إبداع في بنية النصوص الأسطورية. ذلك إن النص في ملحمة كلكامش مثلاً، لم يتقيد بتحديد مكاني هندسي معروف لمدينة الوركاء أو للسهل، كما إنه لم يعلن في أبلاغه عن المسافة التي قطعها (الصديقان) نحو غابات الأرز، وكذلك لا نجد تحديداً للدروب والبحار والأمكنة التي أجتازها كلكامش وصولاً لجده (أتونابشتيم). فالنصوص الأسطورية السومرية، لم تتوقف عند جغرافية حدود الأمكنة، وإنما وجدت خصوصيتها، في تفعيل الإبلاغ عن الحدث أو الحدوث بدلالة المكان الغير معين. إنها أزمنة وأمكنة كونية، لا واقعية، في بنية الأساطير والملاحم السومرية.
وتجتاز بنية النصوص الأدبية السومرية، سمة التكرار، والذي أما أن يكون تكرار كلمات، أو تكرار مقاطع كاملة. الأمر الذي يُشعر القارئ (المسؤول) بالملل عند بحثه عن (المدلول) في بنية هذه النصوص. إلا إنه في قراءة الأساطير والملاحم السومرية (شكلانياً)، أي تقصي شكلانية المضامين، بدلالة تعالق الملفوضات. فأن للتكرار في بنية النصوص وظيفة إيقاعية تشبه تكرار الأنغام في المعزوفات الموسيقية، ذلك أن النص الأدبي السومري هو ليس دلالة معنى وإنما (موسعة) الألفاظ والكلمات كي تبلغ أو توحي بمدلولاتها. فالمقاطع المتكررة تتسع وتكبر وتفعّل، لتبلغ عن أبعاد جديدة لها مهام وصفية وتأكيدية. فكلكامش حين يقول في موت أنكيدو :
لتبكيك قمم الجبال والهضاب، ليبكيك زيت الأرض، لتبكيك الدببة، ليبكيك الضبع والنمر والأيل والثعلب، ليبكيك الحُرّاث.
إن كلكامش يريد أن يجعل من حزنه حزناً كونياً شاملاً في بنية النص الملحمي، ذلك أن ما يشكل جزءً من اليومي، يصبح في الوعي الجمعي نوعاً من الأسطورة، التي تنتمي إلى الخيال، وإلى مجال أللامحتمل. فالمعاش هنا يتحول إلى سرد. وهكذا فأن ما حدث بالأمس كحقيقة، يمكن أن يتحول الآن إلى أسطورة.
إن الطوفان، وعشتار ومأساة تموز، وايتانا، وأدبا، وكلكامش. ليست مجرد قصص مغامرات، إنها (الرمز) الدائم لذلك الكائن على أرض سومر، الباحث أبداً عن سر الحياة. فكل من هذه المسميات، هي (أدوار)، مرت عبر الواقع المتحرك نحو التاريخ. التاريخ الذي أحتضنها محيلاً أياها إلى نصوص أسطورية.

المصادر
ــــ

(*) أستاذ الآثار في جامعة بغداد، أستاذ الفن العراقي القديم، أكاديمية الفنون الجميلة.
(1) المقداد، قاسم. هندسة المعنى في ملحمة كلكامش، دمشق، 1984.
(2) الواح، فراس، دين الانسان، دمشق، 1994.
(3) الواح، فراس،. مغامرة العقل الاولى، دمشق، 1985.
(4) باقر، طه، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، بغداد، 1973.
(5) معتوق، فردريك، علم اجتماع المعرفة، بيروت، 1990.

 

mn_1966@yahoo.com