الحضارية «تاريخ العراق»

 

 الاحد: 13/01/2008

 

دور نواب لواء المنتفك

في انتخابات واجتماعات المجلس التأسيسي العراقي

د.مؤيد شاكر كاظم(*)

(خاص للمعهد)

المقدمة:

عرف لواء المنتفك (محافظة ذي قار حاليا) بتعدد أدواره السياسية البارزة التي أداها في تاريخ العراق الحديث و المعاصر على حد سواء. ولغرض تسليط الضوء على احد هذه الأدوار وجدت من المناسب تناول (دور نواب لواء المنتفك في انتخابات واجتماعات المجلس التأسيسي)، مع العلم أن بعض الباحثين تناولوا هذا الموضوع وفي مقدمتهم الباحثة شيماء طالب عبد الله المكصوصي في دراستها الموسومه (المنتفق. دراسة تاريخية سياسية 1921-1939)إلا إننا وجدنا أن هذا الموضوع لم يأخذ حقه في هذه الدراسة لاسيما بعد حصولنا على وثائق لم تسنح الفرصة للباحثة المذكورة الاطلاع عليها.
اعتمد البحث على عدد من الوثائق غير المنشورة مثل وثائق دار الكتب والوثائق العراقية ومنها ملف الانتخابات في لواء المنتفك، فضلاً عن الوثائق المنشورة المتمثلة بمجموعة مناقشات المجلس التأسيسي التي نشرتها وزارة الداخلية العراقية، وعدد من الصحف مثل (صحيفة العراق وصحيفة العالم العربي)، فضلا عن المصادر العراقية مثل كتاب محمد مهدي البصير (تاريخ القضية العراقية) ومؤلفات عبد الرزاق الحسني (العراق في دوري الاحتلال والانتداب) و (تاريخ الوزارات العراقية ج1).
أولا – مبررات انتخاب المجلس التأسيسي العراقي:

وفق صكوك الأنتدابات التي وزعت في سان ريمو في 25 نيسان 1920 أُلزمت بريطانيا المنتدبة على العراق وضع قانون أساسي في غضون ثلاث سنوات من تاريخ تنفيذ انتدابها عليه، وقد نشر نائب الحاكم العسكري البريطاني العام في 17 حزيران 1920 بيان اشار فيه الى عقد مؤتمر عراقي يمثل جميع اهالي العراق ينتخب اعضاءه من قبل الاهالي ويكون من اول واجباته اعداد القانون العراقي (1).
وجاء في البلاغ الذي اصدره المندوب السامي البريطاني في العراق في 7 تشرين الثاني 1920«إن اختيار شكل الحكومة امر يجب ان يبت فيه العراقيون انفسهم ولا يمكن اصدار مثل هذا القرار بدون مؤتمر يمثل الشعب تمام التمثيل»، وجاء في نفس البلاغ ان وظيفة وزارة عبد الرحمن النقيب المؤقته التي الفها المندوب السامي هي القيام بالواجبات التي تخص ادارة العراق بارشاد المندوب السامي الى ان يصدر قرار المؤتمر ويسن القانون الأساسي للبلاد(2).
واكد بلاغ آخر اصدره الحاكم البريطاني في 10 تشرين الثاني 1920 «ان حكومة جلالة ملك بريطانيا اذنت بتشكل مجلس نيابي منتخب لسن قانون اساسي للعراق»(3).
من جهة اخرى، كانت اول مطاليب الحركة الوطنية العراقية بعد اعلان الانتداب البريطاني على العراق في 25 نيسان 1920 هو تأليف مؤتمر عراقي يعين الأسس التي يقوم عليها كيان العراق السياسي وهذا ما عرف لاحقا باسم المجلس التأسيسي العراقي (4).
اصبحت مسألة انتخاب المجلس التأسيسي اكثر حتمية بعد تتويج فيصل بن الحسين ملكاً على العراق في 23 اب 1921 اذ القى فيصل بن الحسين ذلك اليوم خطابا اعرب فيه عن تصميمه على ارساء دعائم حكومة ديمقراطية دستورية وإجراء انتخابات عامة للمجلس التأسيسي (5)، كما اكد ذلك منهاج الوزارة النقيبية الثانية الذي جاء فيه بخصوص انتخابات المجلس التأسيسي«ان من اهم الامور التي تسعى لها وزارتنا هو تأليف المؤتمر الممثل للشعب العراقي» (6).
ومما يؤكد حتمية الانتخابات هو ماجاء في المادة الثامنة عشر من المعاهدة العراقية – البريطانية لعام 1922 والتي نصت «أن لا تصدق المعاهدة من قبل الطرفيين الا بعد موافقة المجلس التأسيسي العراقي المنتظر عليها»(7)، وبذلك تكون مصالح بريطانيا قد اقتضت القيام بانتخابات المجلس التاسيسي المنتظر ما دامت المعاهدة العراقية مع بريطانيا والتي بذلت لأجلها بريطانيا الكشير من الجهود لتكون صورة مماثلة لصك الانتداب لا تنفذ الا بعد موافقة المجلس التأسيسي.
وفي ضوء ذلك، صدرت الارادة الملكية في 19 تشرين الاول 1922 بالمباشرة في انتخابات المجلس التأسيسي العراقي والذي حددت اعماله بما يلي:
1- وضع قانون اساسي (دستور) للمملكة العراقية.
2- سن قانون انتخاب مجلس النواب.
3- تصديق المعاهدة العراقية – البريطانية (8).
ثانيا- موقف لواء المنتفك من الانتخابات:

وفق النظام الخاص بانتخاب المجلس التأسيسي عد كل لواء من الوية العراق المختلفة دائرة انتخابية وكل ناحية اومحلة في اللواء الواحد شعبة تابعة لهذه الدائرة، وقسم العراق بأجمعه الى ثلاث دوائر انتخابية كان لواء المنتفك ضمن الدائرة الانتخابية الثالثة التي ضمت ألوية البصرة والعمارة فضلاً عن لواء المنتفك (9).
في البداية سارت عملية الانتخابات وتسجيل اسماء الناخبين الأوليين بشكل جيد لكن رجال الحركة الوطنية الذين هددوا منذ تموز 1922 بمقاطعة انتخابات المجلس التأسيسي ما لم ترفض المعاهدة سرعان ما اعلنوا امر مقاطعة انتخابات المجلس لحين تلبية شروط الحركة الوطنية للدخول في هذه الانتخابات (10).
لم تستجب الحكومة لمطاليب الحركة الوطنية فأعلن علماء الدين اتفاقهم مع رجال الحركة الوطنية وصدروا فتاويهم التي حرمت الاشتراك في هذه الانتخابات(11).
بسبب الارتباط الديني والمذهبي ما بين عشائر اللواء وعلماء الدين المصدرين لفتاوي حرمت الاشتراك في هذه الانتخابات ابدت عشائر اللواء التزاماً كبيراً في هذه الفتاوى (12)، فقد انتشرة بين معظم عشائر اللواء دعوة الرفض وعدم طاعة السلطة المحلية على شكل اتفاق سياسي موجه تبناه كبار رؤساء العشائر مثل بني ركاب وبني زيد وال حميد في الغراف وقلعة سكر، وعشائر خفاجة وبني سعيد في الشطرة، وعشائر المجرة وخيكان في سوق الشيوخ. ومن خلال اجتماعات رؤساء العشائر هؤلاء تم القسم على رفض الانتداب البريطاني والمطالبة بالاستقلال التام(13).
لم يكن يعني هذا الأمر ان جميع عشائر اللواء كانت رافضة لعملية الانتخابات فقد كان هناك تيار اخر من رؤساء العشائر تبنى برنامجاً معاكساً تماماً متمثل بوجوب الاعتماد على بريطانيا كدولة منتدبه على العراق لحين تمكنه من تأسيس دولة قوية بقدراته الذاتية، الا ان تيار المعارضة عبر عن نفسه بقوة ووصل الى حد النزاع المحلي(14).
ومهما يكن من امر،فأن بعض عشائر اللواء كعشائر خفاجة وبني زيد وال ابراهيم وبني سعيد أتبعت الاسلوب التقليدي في مقاومة السلطة القائمة الا وهو اسلوب الامتناع عن دفع الضرائب، ثم بدأت تلك العشائر تطالب بمساحات الارض المأخوذة بالقوة التي لا يحق لهم ولا لأفراد عشائرهم التصرف بها(15)، وهذا المطلب يؤكد وبدون شك على الذكاء لأنه كان يهدف الى ضم الشيوخ المؤيدين للانتداب الى جانبهم باغرائهم بهذه الاراضي.
كان الملك فيصل الاول على قناعة تامة بأن مصير استقلال العراق برمته يعتمد على إقامة المجلس التأسيسي وقراراته، فقد سبق لوزير المستعمرات البريطانية تشرشل ان ابلغه وبصراحة ان بلاده لا تلتزم بمنطوق المادة السادسة من المعاهدة العراقية- البريطانية(16) الا بعد ابرامها الاتفاقيات الملحقه بها(17).
وبحكم ذلك ارتئى الملك فيصل الاول ان ينزل بنفسه الى الميدان كي يلقي بثقله بصورة مباشرة من اجل انجاح العملية الانتخابية فقرر القيام بجولة واسعة شملت مختلف المناطق ومنها لواء المنتفك تأييداً للانتخابات التي رأى فيها ترسيخا للسيادة الوطنية(18)، ففي الثامن عشر من حزيران 1923، زار الملك الألوية الجنوبية فوصل الناصرية بعد ان زار الكوت والعمارة والبصرة (19)، وحال دخوله الناصرية عن طريق محطة قطار اور استقبلته عشائر الغزي ثم حضر هيئة اللواء الادارية ومفتش الحاكم السياسي البريطاني وشيوخ العشائر البارزين وكبار الشخصيات، وبعد جولة واستراحة قصيرة عقد اجتماع موسع في سراي المتصرفية نوقشت فيه عدة قضايا كان ابرزها مسألة التزام الاراضي ومسألة الري والاهتمام بطرق المواصلات وبعدها تم التطرق الى موضوع الانتخابات كونه كان الشغل الشاغل يومذاك(20).
استثمر الملك فيصل زيارته بتسوية بعض الدعاوي المعلقه ذات الصيغة العشائرية، ثم القى خطابا في الناصرية وسوق الشيوخ اكد فيها على اهمية الاشتراك في الانتخابات كي يتسنى للأهالي اختيار من ينوب عنهم ويمثلهم بارادتهم وخاصة في مسألة وضع الدستور الذي يجب ان ينبثق من ارادة وتقاليد وشرائع الشعب(21).
كان صدى زيارة الملك فيصل الى لواء المنتفك ايجابيا في نفوس الأهالي،وقد اكد هذه الحقيقه متصرف اللواء جميل المدفعي في برقيته التي ارسلها الى وزارة الداخلية في الرابع من تموز1923 والتي اكد فيها ان الأوضاع في اللواء من الممكن في ظلها اجراء انتخابات المجلس وان ما يعرقل اجراء الانتخابات سابقا قد زال وهذا ما استنتجه من خلال جولته التي شملت جميع نواحي اللواء(22).
تزامنت هذه التطورات مع تغير اسلوب التوجيهات الدينية التي وصلت من الكاظمية الى عشائر لواء المنتفك اذ نصت هذه التوجيهات بشأن الانتخابات بجواز الاشتراك فيها اذ ما حصل اكراه واجبار بالقوة عليها(23).
بذلك تجدد امل الحكومة في اجراء الانتخابات فتألفت هيئة تفتيش في مناطق اللواء المختلفه، ففي الناصرية كانت هناك هيئة تفتيش من تسعة اعضاء ابرزهم عبد اللطيف جلبي وخضوري افندي هارون وايوب صبري، وفي الشطرة كان الحاج طعمة والسيد احمد السيد مهدي، وفي سوق الشيوخ تألفت هيئة تفتيش من الحاج احمد اليوسف وعبد الكريم الحاج حمادي وسالم العبد العزيز وغيرهم(24).
تمكنت وزارة عبد المحسن السعدون الأولى المؤلفة في 18 تشرين الثاني 1922 من اكمال عملية انتخاب الناخبين الثانويين والبالغ عددهم(383) ناخب وذلك في 2 كانون الاول 1923 بأسلوب اتبع فيه تسجيل العشائر مرادفا لأهل المدن وهذا عكس ماكان يحدث في بعض الألوية وتم إجراء امر التسجيل هذا داخل اللواء بمعاضدة بعض شيوخ العشائر، الا ان هذه الوزارة قدمت استقالتها قبل انتخاب اعضاء المجلس التأسيسي، فألف الوزارة الجديدة جعفر العسكري وذلك في 28 تشرين الثاني 1923 فتمكنت من إجراء الانتخابات والانتهاء منها في 25 شباط 1924(25) في ظروف غير يسيرة بالنسبة للحكومة فقد جاء في تقرير متصرف اللواء المرفوع الى وزارة الداخلية ما نصه «ان أمر الانتخاب في اللواء قد رافقته مشاكل جمة، وان السلطات لم تكن مرتاحة لعبد الكريم السبتي المرشح من منطقة سوق الشيوخ وهو الوحيد الذي يستلزم التعليق عليه، كذلك جرت محاولة العبث بصناديق الأقتراع السري، وفي قلعة سكر لم يكن الوضع مستقر خاصة في عشيرة الشويلات، وفي سوق الشيوخ كان صادق بن الشيخ بكر يحرض العشائر على عدم الاشتراك في الانتخابات»(26).
كانت نتيجة الانتخابات فوزتسع نواب ليمثلو اللواء في المجلس التأسيسي وهم:
السيد عبد المهدي (قلعة سكر)
الشيخ موحان الخير الله (قلعة سكر)
الشيخ سالم الخيون (الجبايش)
الشيخ صكبان العلي (الشطرة)
محمد حسن حيدر (سوق الشيوخ)
عبد الكريم السبتي (سوق الشيوخ)
الشيخ منشد الحبيب (الناصرية)
الشيخ عبد اللطيف جلبي المعروف (الناصرية)
الشيخ زامل المناع (الناصرية)(27).
الا ان هذه القائمة لم تكن النهائية اذ حدث عليها عدد من التغييرات قبيل وبعد افتتاح جلسات المجلس التأسيسي من قبل الملك فيصل الاول في 27 اذار 1924 اذ قبيل الافتتاح اغتيل نائب سوق الشيوخ عبد الكريم السبتي في ظل ظروف غامظه(28)، الا ان متصرف اللواء اكد في تقرير له ان سبب الاغتيال هو عدم رضا السلطات على النائب عبد الكريم السبتي، اما النواب (السيد عيد المهدي وموحان الخير الله ومحمد حسن حيدر) فلم يحضروا جلسة المجلس الافتتاحية ولا الجلسات الأخرى لحين وصول كتاب استقالتهم الى رئاسة المجلس في التاسع من نيسان 1924 والذي تعذروا به عن حضور جلسات المجلس لانشغالهم في اعمالهم الاقتصادية(29). يعزو عبد الرضا ال كاشف الغطاء سبب الاستقالة هذه الى تأثير فتاوى علماء الدين التي حرمت الاشتراك في هذه الانتخابات(30)، وفي رأينا ان هذا التعليل لا يمكن الاخذ به لان هؤلاء الأعضاء لو كانوا متأثرين فعلا بفتاوى علماء الدين لما اشتركوا في الانتخابات من بدايتها ما دامت حرمت وعلموا بحرمتها، وان التعليل الاكثر قبولا هو ان سبب الاستقالة هذه مقرونه لما حدث لنائب لواء المنتفك عبد الكريم السبتي عندما اغتيل مما ولد الخوف لدى بقية نواب المنتفك فقدموا استقالتهم.
اكتمل نصاب لواء المنتفك مرة اخرى بانتخاب النواب التالية اسماءهم عوضا عن النواب الاربع المستقيلين:
(1) قريش بن علي (الناصرية)
(2) الشيخ كاطع البطي (الناصرية)
(3) محمد حسين الموسوي (قلعة سكر)
(4) ميرزا محمد حسن (طبيب الشطرة الاهلي)(31).
ثالثا- دور نواب المنتفك في مناقشات المجلس التأسيسي.

ادى نواب لواء المنتفك دوراً بارزاً في جلسات المجلس التأسيسي والتي بلغت(49) جلسه منذ 27 اذار 1924 ولغاية 2 اب من نفس العام، اذ كان لهم دور واضح سواء في مناقشة المعاهدة العراقية البريطانية الذي كان النائب سالم الخيون عضو في لجنة تدقيقها او مناقشة لائحة القانون الأساسي(32).
لقد اوضح النائب سالم الخيون كيفية مناقشة المعاهدة والقانون الأساسي عندما اشار الى ان هذين الموضوعين هما روح البلاد، ويجب ان ينتخب الأشخاص الأكفاء القادرين على اصدار الحكم حول حولهما عن طريق انتخاب نائبين عن كل لواء الاول يكون عضو في لجنة دراسة المعاهدة والثاني عضو في لجنة دراسة القانون الأساسي(33). وحينما ناقش اعضاء المجلس الماده السابعة عشر من المعاهدة(34) اكد سالم الخيون على ضرورة ان يكون موقف اعضاء المجلس كحد السيف في صيانة حقوق الامة التي انتخبت نوابها كي ينوبوها بشرف في المجلس متسائلا «بأي وجه نلقي هذه الامة وبأي لسان نعتذر لها اذ ما تنازلنا عن حقوقها وبأي تبرير نبرر امام الله والامة والتأريخ» (35).
لم يكتف النائب سالم الخيون بذلك بل انتقد ايضا الحكومة البريطانية بشدة وذلك لعدم تنفيذها وعودها بتأليف حكومة عراقية مستقلة ذات سيادة وطنية موضحاً ان الحكومة البريطانية لو كانت صادقة بوعودها للبت رغبة اعضاء المجلس بإعادة مفاوضات المعاهدة العراقية- البريطانية لعام 1922 من جديد(36).
وشبه نفس النائب بنود المعاهدة بأنها صورة مماثلة لبنود صك الانتداب البريطاني وانه من غير الممكن وجود مواطن عراقي يوافق على بنود الانتداب، واوضح «ان الحكومة البريطانية يسايرها خطأ كبير في رغبتها في تطبيق بنود هذه المعاهدة لانها العارفه بشهامة العرب وعزمهم وانهم لا يقبلوا ان يتجاوز عليهم احد »، مبينا ان صداقة العراق وبريطانيا يجب ان تكون صداقة متوازنه ولاتكون على حساب العراق فتفقده عزته وكرامته ويكون العراق بها قد باع شرفه وكرامته بمسائل طفيفة(37).
وانتقد النائب سالم الخيون ايضا في جلسة اخرى طلب بعض نواب المجلس بشأن الانتظار في حسم المعاهدة لحين انتهاء مشكلة الموصل موضحا سبب هذا الانتقاد كي لا يتم خلط الاوراق ما بين المعاهدة ومشكلة الموصل فتكون الثانية وسيلة ضغط على الاولى، وبين ان بمرور الوقت في مناقشة المعاهدة تبين ان النواب من خلال خطاباتهم قد تغير موقفهم من موقف المعارض الى موقف القبول من المعاهدة لعدم ثباتهم والخطر في ذلك تحول المجلس خلال فترة التأجيل في مناقشة المعاهدة الى اكثرية موافقة عليها واقلية رافضة لها(38).
وحول اهمية المعاهدة بين النائب محمد حسين الموسوي مدى اهميتها واهمية مناقشتها طالبا ان تتم مناقشتها مادة بعد مادة وبدقه كبيره،وان يكون التصويت على المادة الواحدة وليس على المعاهدة دفعة واحدة (39)، وهو لم يقل جرأة عن موقف زميله الخيون حيث رفض الموسوي المعاهدة رفضا قاطعا مذكرا زملائه النواب ببيت شعري ذا دلاله وطنيه عميقه هو:
اذ لم نجد غير الاسنة مركبا فما امام المضطر الا ركوبها
فضلا عن ذلك فقد عبر الموسوي عن موقف مبدأي رصين عندما قال ما نصه «من خامر ضميره خيانه وطنه او في نيته اغماض العين عن حقوق شعبه فقد خسر ثلاثة اشياء، وهي: الدين، والشرف، والمعيشة الحرة»(40).
اما عن رأي بعض النواب باجراء التعديل على بنود المعاهدة بعد ابرامها فقد اوضح النائب الموسوي «ان اصل المعاهدة 18 مادة ثم بعد مدة دخل عليها بروتكول ثم الاتفاقيات، فكيف نقبل التعديل لاجل اسائتنا ولا نقبل التعديل لاجل تحريرنا ؟ وانا متعجب بل متأسف ان ارى حكومة بريطانيا تؤثر منافعها على صداقتنا مع ان صداقتنا لها امر يتوقف على حل ما بيننا بالحسنى» (41).
اما النائب زامل المناع فقد بين ان اهمية المعاهدة تقتضي قضاء الوقت الكافي لمناقشتها وليس كما ترى رئاسة المجلس بالنظر في المعاهدة والتصويت عليها بيوم واحد (42)،لأن تعديل نصوص المعاهدة امر في غاية الاهميه لما فيه خير وخدمة الوطن، وقد ذكر بهذا الخصوص ما نصه:«نحن ضحينا كثيرا في حقوق العراقيين حفضا لصداقة بريطانيا وامتثالا لامر جلالة الملك فيصل الاول، وبصفتي عضوا في المجلس اطلب تعديل نصوصها لما فيه خيرا للبلاد ويجب على بريطانيا الموافقه على هذا التعديل والا فيعتبر هذا الرفض منها والله اقوى من الجميع» (43).
من المواضيع الاخرى التي نالت اهتمام نواب المنتفك موضوع علم المملكة العراقية اذ كانت احد المقترحات حول هذا الموضوع مقترح النائب سالم الخيون الذي ينص على ازالة اللون الاسود من العام العراقي تفاؤلا بالسرور وان اللون الاسود لم يحمل كراية من قبل النبي محمد (ص) الا حدادا على استشهاد عم النبي الحمزة بن عبد المطلب (44). واحتل القانون الاساسي (الدستور) جزء كبير من مناقشات اعضاء المجلس من لواء المنتفك فحين مناقشة المادة الخامسة منه والمتعلقه بالحرية الفردية اوضح النائب سالم الخيون بوجوب خلو هذه المادة من عقاب النفي خارج العراق بالنسبة للمذنب اذ اجرم اذ اوضح ان للأجرام قوانين جزائية مخصصة وان السجون موجودة لهذا الغرض ولا داعي للنفي الذي هو من اسلوب الاتراك زمن الاستبداد(45).
وفيما يخص اسلوب تعيين اعضاء مجلس الاعيان فقد اقترح النائب نفسه بان يكون عدد اعضاء هذا المجلس(21) عضو بدل من(20) عضو(7) منهم يعينهم الملك تعيينا والاربعة عشر البقية ينتخبون من الوية العراق بنسبة عضو واحد من كل لواء لضمان تمثيل مناطق العراق المختلفة (46)، واشار ايضا الى وجوب ان تكون مدة العضوية في المجلس اربع سنوات بدل من ثمان سنوات معللا ذلك بضمان التجدد بمجيء النواب الاكثر خدمة للعراق(47). وفي خصوص مناقشة الفقرة الرابعة من المادة(87) من القانون الاساسي التي تنص على جواز سن قانون للفصل في القضايا العشائرية بين النائب سالم الخيون بأن عشائر العراق يؤلفون اكثرية سكان العراق ولهم خدمات جليلة فمن الواجب سن قانون للفصل بينهم، كذلك بين اهمية هذه الفقرة بقوله «ان حكومتنا اليوم عربية لا تركية كما في السابق ونحن منها وهي منا ولا يجب الرجوع الى سياسة الدول الغربية فأذ تبين حق الرئيس وحق المرؤس فذلك اسلم لانه يجب ان تصان رئاسة الرئيس وحق المرؤس وبذلك لا يتجاوزاحد على اخر لان كل ذي حق عرف حقه وبذلك ينتهي النزاع الذي يضر الحكومة»(48).
وأشار النائب ايضا الى وجوب اعتراف القانون الأساسي بحق رئيس العشيرة على عشيرته مبينا ان هذا الامر لا يخالف فقرة تساوي العراقيين بالحقوق والواجبات بل هو من الضرورة لمعرفة الدولة رئيس العشيرة وتكسب خدمته وتعرفه واجبه وحقوقه تجاه بلده(49).

الهوامش

ــــــ

(*)جامعة ذي قار_ كلية الآداب

(1)محمد مهدي البصير، تاريخ القضية العراقية، مطبعة الفلاح، بغداد، 1923، ص177.
(2)عبد الرزاق الحسني، العراق في دوري الاحتلال والانتداب، ج2، مطبعة العرفان، سورية، 1938، ص26.
(3)محمد مظفر الادهمي، المجلس التأسيسي العراقي، ط2، ج1،بغداد، 1989، ص66.
(4) عبد الرزاق الحسني، المصدر السابق، ص26-ص27.
(5)مجموعة باحثين، المفصل في تاريخ العراق المعاصر، بيت الحكمة، بغداد،2000، ص423.
(6) عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ط4، ج1، بيروت، 1974، ص74.
(7)محمد مهدي البصير،المصدر السابق، ص178.
(8)عبد الرزاق الحسني، العراق في دوري الاحتلال والانتداب، ص27.
(9) محمد مظفر الادهمي، المصدر السابق، ص12.
(10) تصمنت شروط الحركة الوطنية ما يلي: الغاء الادارة العرفية، اطلاق حرية المطبوعات والاجتماعات، سحب المستشارين البريطانيين، اعادة المنفيين السياسين اثر حادثة البلاط في 23 اب 1922، السماح بتأليف الجمعيات السياسية.عبد الامير هادي العكام، الحركة الوطنية في العراق 1921-1932، مطبعة الاداب، النجف الاشرف، 1975، ص177.
(11) اصدر جمع من علماء الدين فتوى جاء فيها «قد حكمنا بحرمة الاشتراك في الانتخابات وان الداخل بها محارب لله ورسوله وللائمه الطاهرين »، وجاء في فتوى العلامه حسين النايني «لا اشكال في حرمه الانتخابات ومن انتخب فقد عصىوجاء بغضب من الله »، وفتى العلامه السيد ابو الحسن الاصبهاني «بان هذه الانتخابات مميته للامه الاسلاميه ومن انتخب بعد ان علم بحرمتها حرمت عليه زوجته وزيارته ولايجوز رد السلام عليه »،ولمزيد من التفاصيل ينظر الى عبد الامير هادي العكام، المصدر نفسه، ص118-ص120.
(12) دار الكتب والوثائق العراقية، وزارة الداخلية، ملفة الانتخابات في لواء المنتفك ن/ 4/1/s/تسلسل 2623، وثيقة 7(وسنرمز له فيما بعد ب(د، ك، و).
(13) د.ك.و،وزارة الداخلية، اراء الشعب في مواقفه السياسية،ملفة رقم51، وثيقة8،ص37.
(14) شيماء طالب عبد الله المكصوصي، المنتفق (دراسة تأريخية سياسية)1921-1939،رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، الجامعة المستنصرية، 1998،ص80.
(15) د.ك.و، وزارة الداخلية، الانتخابات والعشائر، ملفة رقم 2618، وثيقة 6،ص8.
(16) نصت المادة السادسة من المعاهدة على«موافقة بريطانيا على حسن ادارتها للعراق لضمان دخوله عصبة الامم باسرع وقت ممكن »
(17) مجموعة باحثين، المصدر السابق، ص425.
(18)د.ك.و، ملفات البلاط الملكي،مفاوضات المعاهدة العراقية -البريطانية،ملفة31،وثيقة321.
(19) مؤيد شاكر كاظم، السيد عبد المهدي ودوره السياسي في العراق، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، جامعة بغداد، 2000،ص25-ص26.
(20) شيماء طالب عبد الله المكصوصي، المصدر السابق، ص82.
(21) احمد زكي الخياط، فيصل بن الحسين في خطبه واقواله، بغداد، 1945،ص271.
(22) د.ك.و، وزارة الداخلية، الانتخابات في لواء المنتفك، وثيقة 11.
(23) شيماء طالب عبد الله المكصوصي، المصدر السابق، 83.
(24) د.ك.و، وزارة الداخلية، ملفة الانتخابات في لواء المنتفك، وثيقة 13.
(25) عبد الامير هادي العكام، المصدر السابق، ص32.
(26) د.ك.و، وزارة الداخلية، ملفة الانتخابات في لواء المنتفك، وثيقة 15.
(27) المصدر نفسه، وثيقة15-16.
(28) محمد مظفر الادهمي، المصدر السابق، ص235.
(29) جريدة العالم العربي، العدد 31، 10 نيسان 1924.
(30) عبدالرضا ال كاشف الغطاء، نظرات في معارف العراق،ج1، بغداد، 1954، ص102.
(31) شيماء طالب عبد الله المكصوصي، المصدر السابق، ص84.
(32) المصدر نفسه، ص84-ص85.
(33) الحكومة العراقية، وزارة الداخلبية، مجموعة مذكرات المجلس التأسيسي لسنة 1924، بغداد، 1925، الجلسة الثالثة، 31اذار 1942، ص75.
(34) نصت المادة السابعة عشر من المعاهدة على تحديد مدة المعاهدة بعشرين سنه.
(35) مجموعة مذكرات المجلس التأسيسي،الجلسة الثامنة عشر،29 ايار1924،ص269.
(36) المصدر نفسه، ص270.
(37) مجموعة مذكرات المجلس التأسيسي، الجلسة العشرون، 3حزيران 1924،ص330.
(38) جريدة العراق، العدد 1240، 5حزيران 1924.
(39) مجموعة مذكرات المجلس التأسيسي، الجلسة الخامسة عشر، 27ايار 1924،ص232.
(40) مجموعة مذكرات المجلس التأسيسي، الجسة التاسعة عشر، 2حزيران 1924، ص319.
(41) مجموعة مذكرات المجلس التأسيسي،الجلسة الحادية والعشرون، 5حزيران، 1924، ص386- ص387.
(42) عبد الاميرهادي العكام، المصدر السايق، ص42.
(43) مجموعة مذكرات المجلس التأسيسي،الجلسة السابعة عشر،27 ايار 1942،ص249.
(44) مجموعة مذكرات المجلس التأسيسي، الجلسة 25، 14 حزيران 1924، ص 470
(45) المصدر نفسه، ص493-ص494.
(46) مجموعة مذكرات المجلس التاسيسي، الجلسة التاسعه والعشرون، 23حزيران 1924، ص625.
(47) مجموعة مذكرات المجلس التأسيسي، الجلسه الثلاثون، 25حزيران 1924، ص633.
(48) مجموعة مذكرات المجلس التأسيسي،الجلسة الخامسة والثلاثون، 2تموز 1924،ص898-ص899.
(49) جريدة العراق، العدد 1264، 3تموز 1924.