|
الخميس:
29/11/2007
الإدارة البريطانية في الكوفة
1917-1920
(دراسة وثائقية)
(2\2)
الواردات البريطانية من الكوفة
د.
اسامة عبد الرحمن
نعمان الدوري(*)
أولت الإدارة البريطانية موضوع
الضرائب من المناطق المحتلة أهمية كبيرة حتى تضاعفت إلى ثلاث مرات بين
1909 و1919، وعزى قسم الواردات تلك الزيادة إلى توسع وسائل الري وتحسينها
الذي أثر في زيادة القطعة الزراعية، وتوافر ظروف الأمن والاستقرار، فضلا
عن ارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية وجباية الضرائب بشكل أكثر عدلا؟!
وبسبب الوضع الاقتصادي المتردي لم تستطع الإدارة البريطانية في الكوفة
جمع أية عوائد من المحاصيل الشتوية عام 1917، سوى فرض ضرائب على التمور
والرز والمحاصيل الصيفية جيدة المنتوج، ووعد بلفور بزيادة حجم الضرائب
على الحاصل الشتوي عام 1918.
اقترح سركيس أفندي فرض الرسوم الخاصة ببلدية الكوفة حال البدء بتنظيف
قصبة الكوفة في 22 تموز 1917، ووافقت الإدارة على فرض الرسوم على
القصابين في الأول من تشرين الثاني 1917 بواقع (6) عانات على رأس الغنم
الكبير و(3) على صغار الغنم (الهرفي)، مثلما فرضت رسوما على أصحاب
المقاهي والدكاكين وحتى أولئك الباعة الذين يفرشون بضائعهم على أرصفة
الطرق العامة. وهناك، أيضا، الرسوم المفروضة على النقل النهري بلغت
مجموعها (1674) روبية في الربع الأول من العام 1918.
وفي عام 1918، حددت الإدارة البريطانية أنواع الضرائب المفروضة على نحو
أكثر وضوحا، وجمعتها بأساليب جديدة اختلفت عما كانت عليه أيام العثمانيين،
فضلا عن إدخال أنواع جديدة، وشمولها مناطق كانت تتهرب من دفعها. فقد فرضت
الإدارة أنواعا مختلفة من الرسوم والضرائب في الكوفة خلال مدة الاحتلال
تضمنت رسوم الذبيحة وعلى أصحاب المقاهي والدكاكين، ورسوما خاصة بالمقابر
ورسوم النقل النهري، ورسوم بيع الحيوانات والأبنية والنفط والأرضية ووقفة
الحيوانات المؤجرة، فضلا عن رسوم الخضراوات والخشب.
مثلت منطقة الشامية، ومنها الكوفة، موردا ماليا مهما بسبب الضرائب
الفادحة التي أثقلت كاهل سكان المدينة، فقد فرضت ضرائب على المنتجات
الزراعية، سواء كانت الأراضي سنية أم أميرية، فقد فرضت على المحاصيل
الشتوية والصيفية بنسبة 37%، وعلى النخيل في الكوفة والنجف (ميري) (4)
عانات لكل نخلة والسنية (6) عانات، والمحاصيل الشتوية والصيفية (الميري)
بوساطة الكرود 10% والفواكه 10% والخضراوات 20%.
ومما يذكر أن الفيضانات والأحداث السياسية أثرت في حصة الحكومة من
الضرائب الشتوية ولكن حاكم الشامية السياسي توقع أن تحصل الحكومة على
(4000) طن من المحاصيل الشتوية عام 1919.
وعلى الرغم من تلك العقبات وصلت عوائد الحكومة إلى (95) ألف روبية بوصفه
مجموع الضرائب كل منطقة الشامية عن المحصول الصيفي عام 1918 لمحاصيل الرز
والسمسم والذرة والماش فقط، وحسب ما جاء في إحصائيات عام 1918 فقد بلغت
حصة الحكومة من عوائد الرز نحو (4100) شلن، وكانت العوائد من إنتاج
التمور (95) ألف روبية، إذ تأتي الشامية بالدرجة الثانية بعد البصرة
بأعداد النخيل، فوصل العدد إلى أكثر من مليون نخلة.
وعلى الرغم من صعوبة جمع ضريبة الخضراوات، جمع مبلغ خمسين ألف روبية من
العلوة مباشرة، وقدرت عوائد عام 1919 بـ(80) ألف روبية من الخضراوات.
وتعد منطقة الشامية من المناطق الغنية بالثروة الحيوانية في العراق، ولا
سيما الغنم والماشية، إذ قدرت العوائد بحوالي (80) ألف روبية، وهناك
ضريبة السمك وضرائب أخرى مختلفة على الخشب والسجاد وإجازات جلب التبوغ
وأفران الطابوق وسبائك النحاس وأشجار الفواكه والطوابع وصلت إلى (40) ألف
روبية.
وقدر التقرير العوائد من بيع الخضراوات (70) ألف روبية من القيمة الصافية
لبيع الخضراوات في منطقة الشامية وهي (3.5) مليون روبية من القيمة
الصافية لبيع الخضراوات.
ولما كان للكوفة رصيف نهري للسفن، فقد فرضت ضريبة بواقع عانة واحدة لكل
بالة وضريبة رصيف للسفن نصف عانة للطن الواحد في اليوم.
ويعترف التقرير البريطاني، بأن نسبة العوائد في الكوفة تضاعفت في نهاية
السنة عما كان عليه في بدء عام 1918. فقد فرضت ضريبة الوردية، ووصل معدل
العوائد منها في الربع الأخير من عام 1918 إلى (520) روبية كل شهر. وذلك
بسبب قوافل الحج وحماس جامعي الضرائب، وضريبة الميدانية، ونسبتها 2.5%
وفرت لبلدية الكوفة دخلا بمقدار (300) روبية شهريا، فمثلا بيعت خلال شهر
واحد أعداد من الحمير والبغال والخيل والثيران والجمال والأبقار بأسعار
تراوحت بين (40-700) روبية للحيوان الواحد، كان أرخصها الحمير وأغلاها
ثمنا البغال، أكثرها بيعا الحمير والبغال ثم الخيل، وهذا مؤشر على الحاجة
الملحة لوسائل النقل والحمل.
وهناك ضريبة الدلالية التي فرضت على البضائع التي تباع بالمزاد وأعطت
عوائد بواقع (180) روبية شهريا في الكوفة، مثلما فرضت ضريبة الحراسة (البصوانية)
على المنازل والمحلات، وتوقع تقرير عام 1918 أن تصل الإيرادات في عام
1919 إلى (7500) روبية في الكوفة. كما فرضت ضريبة المنزل بواقع 10% من
قيمة الايجار، وبدأ بتطبيقها منذ بدء عام 1919، وهناك ضريبة البناء
والمجازر، التي كانت عوائدها قليلة بسبب صعوبة جمعها فضلا عن قلة أعداد
الأغنام بسبب شرائها للجيش، ومن أجل السيطرة على الأمر اقترح إنشاء مجزرة
في الكوفة.
أما ضريبة العبور (النقل النهري)، وهي وسيلة النقل الوحيدة حتى أيلول
1918، فقد بلغت (4475) روبية في الربع المنتهي في 30 حزيران، ازدادات إلى
(4655) في الربع المنتهي في 30 أيلول، أما ضريبة الأرضية فقد بلغت في
الكوفة في الربع المنتهي 30 حزيران (410) روبية، ارتفعت في الربع المنتهي
في 30 أيلول إلى (760) روبية.
وفي الوقت الذي بلغت فيه واردات الكوفة في عام 1918 ثلاثة أضعاف ما كانت
عليه في عام 1917، فإن تلك الواردات شهدت زيادة واضحة في عام 1919، إذ
بلغ مجموع الواردات البريطانية من الكوفة عام 1918 (38773) روبية، بينما
وصل مجموعها إلى (48802) روبية خلال ثمانية أشهر فقط من عام 1919 (من
نيسان-تشرين الثاني).
الأوضاع الاجتماعية في الكوفة:
انعكس تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي مر بها العراق على
الأوضاع الاجتماعية (الصحة والقضاء والتعليم).
ففي الميدان الصحي انتشرت أمراض عديدة، عانت منها المنطقة، أبرزها مشاكل
العيون والسفلس وأمراض السيلان والملاريا والسل وحصى المثانة وأمراض
الأطفال.
وفي الكوفة انتشر مرض الجدري والكوليرا خلال شهر أيلول 1918، وعمل السيد
ٍS. A. S. عبد اللطيف كل ما في وسعه لحصر انتشار الوبائين، ومن جهته عمل
المفتش عوض علي Ewas, Ali التركيز على النظافة ولا سيما الطرقات.
ويبدو أن اهتمام الادارة البريطانية بمشاريع البزل قد دفع الى تعجيل
العمل بعدد من الاساسيات، ولكن على الرغم من ذلك أنشأت البلدية عددا من
المراحيض في الكوفة. وخصصت الإدارة مبلغ (39720) روبية رواتب سنوية
لـ(15) موظفا وعاملا في المنشآت الصحية في النجف والكوفة، ومبلغ (80280)
روبية على تنظيف البالوعات وبناء المراحيض والمقابر وتأمين الأدوية
والوقاية من الأوبئة.
وفي شباط 1918 افتتح مستوصف الكوفة تحت إشراف ٍS. A. S. عبد اللطيف، ولكن
خدمات المستوصف ظلت مقتصرة على معالجة حالات العيون، التي كانت منتشرة
على نحو غير اعتيادي، ولكنها توسعت خلال شهرين فقط، اذ فتحت ردهة بستة
أسرة، كما قدم الصليب الأحمر البريطاني مساعدة في تجهيز المستوصف، فازداد
عدد المراجعين إلى (200) مريض يوميا. كما فتح مستوصف طوارئ في النجف في
تشرين الثاني، مثلما تم إعادة بناء سراي الحكومة على هيئة مستشفى صغير،
دخله (130) مراجعا يوميا، حددت أجرة الدخول إليه في بدء عام 1919 بأربع
عانات للمرة الأولى و(2) عانة للمرات التالية، ولا تؤخذ أجور من الفقراء.
ودعا حاكم الشامية السياسي إلى حاجة المنطقة الملحة إلى مستشفى الأمراض
المعدية.
وفي الميدان القضائي أسندت القضايا الشرعية إلى أربعة مجتهدين فضلا عن
بعض القضايا المدنية التي أحالها لهم الحاكم السياسي، وأعطي لهم حق إعطاء
الفتاوى النهائية.
أما قضايا الجرائم والأراضي المدنية مثل الملكية والإيجار والديون فتعرض
على الحاكم السياسي ويستخدم سلطته بوصفه قاضيا.
ومن جهته طالب الحاكم السياسي بتعيين قاض في منطقته لسعتها وكثرة سكانها،
مثلما أوصى بتعيين حاكم شرعي في النجف من أحد المجتهدين لحل القضايا
المرسلة من الحاكم السياسي، كما أوصى بتأسيس محكمة مدنية في النجف.
وفي ميدان التعليم ألقت الأحداث السياسية وتعقيدات المنطقة وشحة الكوادر
العاملة بظلالها على هذا الميدان الحيوي، ولكن الحاكم السياسي طالب
بإنشاء مدارس في النجف والكوفة خلال عام 1919، وتخصيص المبالغ اللازمة
لهذا الغرض وحذر من استخدام معلمين من غير سكان المنطقة.
دور الكوفة في الحركة الوطنية:
لم تكن الكوفة بعيدة عما جرى في العراق خلال مدة الاحتلال البريطاني،
فكان دورها واضحا في انتفاضة النجف، ولها صوتها المدوي في استفتاء ويلسون
فضلا عن دور أهلها المشرف في ثورة العشرين.
ففي مساء نفس اليوم الذي تدفقت فيه جموع النجفيين على سراي الحكومة في
تشرين الثاني 1917، كانت الانتفاضة قد امتدت إلى الكوفة، إلا أن سركيس
أفندي سارع بالاتصال بشيوخ المدينة للسيطرة على الوضع، مثلما استنجد
بلفور بالسيد اليزدي للتدخل وتهدئة الأوضاع، وأخذه بنصيحة اليزدي بشأن
العفو عن عطية أبو كلل وكاظم الصبي لتعود الأمور إلى مجاريها.
ومن جهة ثانية، كانت الكوفة مقرا لاجتماعات النجفيين والبريطانيين
ومفاوضاتهم، فضلا عن لقاءات الحكام السياسيين البريطانيين وزعماء
الانتفاضة بالسيد اليزدي في داره. ومن أدل إرهاب أهل النجف فضلا عن ارهاب
شيوخ النجف والشامية ووجهائها ومختاريها قامت الإدارة العسكرية
البريطانية بدعوتهم لحضور تنفيذ حكمهم على ابطال الانتفاضة بالشنق، وعلى
مقربة من جسر الكوفة في خان الشيخ علي نصر الله، بعد أن احضرت قاربا
مسلحا قبالة الخان المذكور، ووجهت مدافعه شرقا وغربا، وجنوده على أهبة
الاستعداد، ثم حلقت طائرة ويلسون فوق الكوفة بعد تنفيذ الحكم على ابطال
الانتفاضة.
ولم تقف تلك الأعمال الإرهابية حائلا أمام الموقف الوطني المشرف لأهالي
الكوفة والنجف، ولا سيما عندما دعت وزارة الهند في 30 تشرين الثاني 1918
أرنلد ويلسون إلى إجراء الاستفتاء على مستقبل العراق، فقد انصب اهتمام
ويلسون على إجراء الاستفتاء بما ينسجم واقامة حكم بريطاني مباشر، فقد
أوعز إلى نوربيري حاكم الشامية يوم 11 كانون الأول 1918، بدعوة علماء
النجف والكوفة والشامية وأشرافها وزعماء القبائل، وحضر شخصيا لتبليغهم
بمضمون الاستفتاء.
وفي سراي الحكومة لم يتفق الحضور مع رغبات ويلسون، وطلبوا منه مهلة، وافق
عليها ويلسون، فذهبوا إلى الكوفة لتدارس الموضوع مع السيد اليزدي الذي
عبر خطورة الأمر، وإن لكل شخص الحق بإبداء الرأي، ونصح بالاجتماع
والمداولة، وتشعبت الآراء وتباينت عندما اجتمعوا في دار الشيخ محمد جواد
صاحب الجوهر، وكانت لكلمات الشيخ عبد الواحد الحاج سكر القول الفصل إذ
طالب باختيار ملك عربي من البيت الهاشمي وبحكومة عربية مستقلة يترأسها
أحد أنجال الشريف حسين، ثم انتقل المجتمعون ثانية إلى الكوفة، مطالبين
السيد اليزدي بإبداء الرأي، وكما يشير المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني
فإن السيد اليزدي "تراجع وقال إنه بوصفه رجل دين لا يعرف غير الحلال
والحرام، ولا دخل له بالسياسة مطلقا" وبعد الإلحاح قال: "اختاروا ما هو
أصلح للمسلمين".
وعندما دعاهم نوربيري للاجتماع في الكوفة، أخفق في الحصول على الإجابة
التي تمناها ويلسون منهم، إذ وقع الجميع مضبطة طالبوا فيها بحكومة عربية
إسلامية يرأسها ملك عربي مسلم من أنجال الشريف حسين مقيدة بمجلس تشريعي،
وبعراق تمتد حدوده من شمالي الموصل إلى خليج البصرة.
ومما تجدر الإشارة إليه أن عدد الموقعين على تلك المضبطة بلغ (90) شخصا،
مثّل الكوفة عدد من وجهاء المدينة وتجارها، منهم الحاج سعد الدعمي وهادي
الحاج علوان.
كان لأهالي الكوفة الدور الوطني الواضح إبان ثورة العشرين، إذ حاصروا قوة
بريطانية في خان اليزدي، وفشلت كل المحاولات لإنقاذها إبان الثورة، فضلا
عن إغراقهم القارب البريطاني فاير فلاين بالتعاون مع عدد من الضباط
العراقيين الأبطال، ذلك القارب الذي جاء إلى الكوفة لحماية القوة
البريطانية المحاصرة.
ومن جهة ثانية فشلت كل المحاولات البريطانية لكسب ود رجال الدين وزعماء
العشائر وكان أثر رجال الدين واضحا إذ أصدروا الفتاوى بالجهاد، مثلما كان
للشيخ علوان الحاج سعدون ولأخيه عمران، الأثر المشرف، وهما الأخوان
اللذان حاولت الإدارة البريطانية استمالتهما طوال مدة الاحتلال، حتى يشير
أحد المعاصرين للثورة إلى ما للشيخ علوان من "شأن كبير في الثورة
العراقية بحيث لا يمكن أن يستغنى عنه في مثل حركة خطيرة كتلك الحركة" مما
أكد عليه أكثر من شخصية معاصرة منهم علوان الأسرى والخليلي والشيخ عبد
الكريم الجزائري، حتى أن الأخير أكد أنه "لولاه لتغير مجرى الحوادث ولم
تقم الثورة يومذاك"، ولم يكن دور عمران بأقل من أخيه الأكبر، إذ وزع
الأسلحة والأموال على شباب عشيرته، وكان جزاؤه أن هدمت قوات الاحتلال
منزله واستولوا على مواشيه وخيله ولم يتركوا له شيئا، وسجن في الحلة حتى
صدور العفو العام.
وهكذا تتضح معالم فترة تاريخية مهمة من تاريخ الكوفة الوطني وكيف واجه
أهلها الاحتلال البريطاني وكذلك دور أبنائها في المساهمة مع أبناء العراق
في وضع اللمسات الأولى لمستقبل العراق السياسي.
(*) قسم التاريخ/ كلية الآداب/ جامعة
بغداد.
|