|
الأربعاء:
28/11/2007
الإدارة البريطانية في الكوفة
1917-1920
(دراسة وثائقية)
(1\2)
د. اسامة عبد الرحمن
نعمان الدوري(*)
كانت الكوفة ضاحية من ضواحي مدينة
النجف الأشرف، ويمت أغلب سكانها السبعة آلاف بصلة القربى مع أهل النجف،
وتتمتع بموقع جغرافي متميز، فهي ضمن منطقة مليئة بالبساتين فضلا عن كونها
المرفأ الرئيس في المنطقة.
بلغت مساحة المدينة 150 كم2، وأبرز المهن فيها الزراعة والتجارة والعمل
بالنقل النهري.
ففي ميدان التجارة مثلث عقدة مواصلات بين النجف والصحراء من جهة، والحلة
وبغداد من جهة أخرى، ووقوعها على طريق الحج القديم الممتد إلى حدود الصين،
ولها تجارتها مع قبيلة شمر شمالي الجزيرة العربية، ومرت بها في الأحوال
الاعتيادية القوافل المحملة بشتى البضائع، ولا سيما الصوف والسمن
الحيواني ليبادل بالرز الذي اشتهرت به منطقة الشامية
وفي ميدان المواصلات ارتبطت مع النجف بطريق برى وآخر للترام، الذي أسس
منذ عام 1909، ومن الطبيعي أمام تلك الحقائق أن تنشط الحركة التجارية
والملاحة النهرية في الكوفة.
ولما كانت 90% من أهالي وأملاك الكوفة تعود لأهل النجف، كما يشير حميد
خان، وكيل الحاكم السياسي البريطاني في النجف، فقد انعكست الحالة
السياسية التي مرت بها مدينة النجف أواخر العهد العثماني ومدة الاحتلال
البريطاني على طبيعة الأوضاع في الكوفة فبعد طرد العثمانيين من النجف في
نيسان/ ابريل 1915 وتولي شيوخ الكوفة السلطة في المدينة حتى أواخر عام
1917، شعر أهلها، كما يشير التقرير البريطاني لعام 1918، بطعم الاستقلال
التام والحرية الكاملة ولم يدفعوا أية ضريبة، وإن هذا "الإحساس السعيد لن
ينسوه بسهولة"، وكان صاحب السلطة والنفوذ في المدينة علوان الحاج سعدون
زعيم قبيلة بني حسن.
بداية النفوذ البريطاني في الكوفة:
على الرغم من تمتع سكان المدينة بالاستقلال، ظلت تظهر حالة من عدم
الاستقرار وفقدان المن بين الحين والآخر، مما دفع عددا من الشيوخ وزعماء
العشائر إلى الاعتراف بالوجود البريطاني، وإجراء اتصالات مع رئيس الحكام
السياسيين منذ عام 1916، لقاء احترام العتبات المقدسة وعدم التعرض لها،
الأمر الذي رحبت به الإدارة البريطانية، وعرضت المساعدات المادية عند
تعرض النجف لمعاناة الضيق والضنك.
ومما تجدر الإشارة إليه، إلى أنه بعد احتلال بغداد في 11/آذار-مارس/1917،
وتحديدا يوم 29 آذار طالبت وزارة الحرب البريطانية إدارة الاحتلال
بالمحافظة على الأمن والسكينة طالما كانت الحرب مستعرة الأوار، وان يقتصر
الدور البريطاني في مناطق العراق المحتلة على إسداء النصح والمشورة، علما
أنه، وفي مثل تلك المرحلة من الحرب، لا يمكن لقوات الاحتلال الاستغناء عن
عدد من الضباط والجنود لتعيينهم في إدارة المناطق المحتلة، هذا فضلا عن
أوامر وزارة الحرب السابق ذكرها، وعليه فقد أوكلت مهمة تصريف الأمور إلى
الشيوخ وقتيا، مقابل مخصصات منحت لهم، وعدت المس بيل Miss G. L. Bell ذلك
هو الخيار الوحيد الذي "التجأنا إليه".
مثّل الإجراء السابق بداية النفوذ البريطاني في مدن الفرات الأوسط، ومنها
الكوفة، إذ مرت الإدارة البريطانية في المدينة وحتى نهاية عام 1917 بثلاث
مراحل، الأولى بيد شيوخ العشائر، والثانية بدأت في شهر آب، بتعيين سركيس
أفندي أول وكيل حكومي في الكوفة، ثم بدأت المرحلة الثالثة عندما أصبحت
المدينة مركزا لإدارة منطقة الشامية، والتي ضمت النجف والشامية والكوفة،
وتم تعيين الكابتن بلفور Captain F. C. C. Balfour حاكما سياسيا لهذه
المنطقة في تشرين الأول-اكتوبر من عام 1917، جاء ذلك بعد ابتعاد الخطر
التركي وحاجة قوات الاحتلال المتزايدة للمواد الغذائية، التي يمكن
تأمينها من مناطق الفرات الأوسط ذات الإمكانات الزراعية الواسعة فضلا عن
أهمية السيطرة على المنطقة وضرورتها.
ويبدو إن اختيار الإدارة البريطانية للكوفة مركزا لمنطقة الشامية، لم يأت
اعتباطا، إذ وجدت فيها موقعا إداريا وعسكريا متميزا، إذ يمكن التحكم من
خلالها بمداخل النجف المحاطة بالأسوار تلك المدينة التي وقفت بوجه الوجود
البريطاني منذ البداية، كما إن أهمية النجف الدينية دفعت البريطانيين إلى
عدم إثارة المشاعر وتأجيجها، مما انعكس على الوجود البريطاني ليس في
العراق وحسب بل في العديد من الأقطار الإسلامية.
ظل حبل الأمن مفقودا في الكوفة بين احتلال بغداد وقدوم الحاكم السياسي
البريطاني بداية تشرين الثاني- نوفمبر 1917، إذ لم يستطع سركيس أفندي
توفير الأمن والاستقرار لقلة الكادر الإداري لديه، فقد ساتولى بني حسن
على جسر الكوفة الوحيد، فارضين ضريبة المرور (الخاوة) على الأفراد ووسائط
النقل النهرية مما دفع الموقف إلى التأزم في الكوفة، وتدخل النجفيون،
فأودى الاقتتال بحياة عدد من الأشخاص يوم 26/آب-اغسطس/1917 والأيام
التالية وصل عددهم إلى أكثر من 40 قتيلا، ولم يتوقف الا بعد تدخل عدد من
الشخصيات النجفية المرموقة فعاد الأمن أواخر تشرين الأول 1917، بعد
الاتفاق على تعويض ذوي القتلى وارجاع القديم إلى قدمه، وبذل سركيس أفندي
وحميد خان كل ما في وسعهما لإيقاف الاقتتال واعادة "المياه إلى مجاريها".
تزامن وصول الكابتن بلفور، الذي يتكلم العربية بطلاقة، إلى الكوفة مع
انتهاء تلك الحداث فوصل عن طريق الديوانية –أم البعرور- أبو صخير بداية
تشرين الثاني وهكذا سيطر البريطانيون على الكوفة دون قتال.
بعد شهر واحد من وصول بلفور زار اسر برسي كوكس Sir P. Cox الكوفة ضمن
جولته في الفرات الأوسط. وفي الرابع من كانون الأول- ديسمبر 1917 التقى
في المدينة بالسيد كاظم اليزدي، المجتهد الديني، وعدد من شيوخها ومنهم
الأخوين علوان وعمران الحاج سعدون، بوشر على أثرها بإرسال الحامية
العسكرية البريطانية إلى الكوفة في الثاني من كانون الثاني- يناير/1918،
والتي عسكرت في شريعة التبن على بعد سبعة أميال من مدينة النجف شرقا، تلك
المدينة التي أعلنت عدم خضوعها للإدارة البريطانية من البداية، فاعتقد
السر برسي كوكس أن وجود قوة عسكرية في الكوفة سيكون له التأثير المطلوب
على نحو غير مباشر في أهالي النجف، ومع ذلك لم تستطع تلك القوة إيقاف
انتفاضة أهالي النجف، فتعرضت إلى هجوم في 12 كانون الثاني 1918، أودى
بحياة خيال وجرح آخر مثلما هرب حميد خان وأتباعه إلى الكوفة. ولم توقف
الغرامات التي فرضتها الإدارة البريطانية على أهالي النجف، بل دوت صرختهم
ضد الوجود البريطاني مرة أخرى فأدت إلى مقتل الكابتن مارشال W. M.
Marshall في 19/آذار/1918، مما دفع الإدارة البريطانية إلى فرض الحصار
على النجف، ولم يرفع إلا بعد محاكمة الثوار، وتنفيذ حكم الإعدام بـ(11)
بطلا منهم يوم 30 آيار-مايو، شنقوا في خان علي حمزة النصر الله، جرى كل
ذلك في الكوفة كما صدرت تسعة أحكام بالسجن تراوحت بين المؤبد إلى ست
سنوات.
وعلى الرغم من تلك النهاية لانتفاضة النجف، بقيت إدارة الاحتلال تعلم علم
اليقين دور المدن المقدسة في تسعير النشاط المعادي للمحتلين سواء في
العراق أو في إيران.
الإدارة المدنية البريطانية في الكوفة:
1. العلاقة مع شيوخ الشعائر:
بعد أنت تولى البريطانيون إدارة الكوفة، على نحو مباشر لم يقطعوا حبل
الصلة بشيوخ العشائر، خاصة وإن الإدارة البريطانية أدركت حقيقة مهمة وهي
أن أولئك الشيوخ الذي كلفوا بجمع الضرائب نيابة عن الحكومة سوف لا يكونون
مسرورين للوضع الجديد وسيواجهون مهمة صعبة، خاصة وإن رغبة الشيوخ تنصب
على ضرورة تأكيد وجودهم وحقوقهم وسلطاتهم دون فقدان الصداقة والتعاطف مع
الإدارة الجديدة.
ومن ناحية ثانية، اعترف المسؤولون البريطانيون بأهمية الشيوخ الواضحة من
خلال تقديمهم النصيحة والمشورة في القضايا العشائرية.
وفي الكوفة أقام البريطانيون علاقة طيبة مع شيخي أكبر تجمع عشائري، علوان
وأخيه عمران الحاج سعدون، ولا سيما بعد أن أثبتت تلك العشيرة مكانتها في
الأحداث التي جرت في المدينة خلال أشهر آب وأيلول/سبتمبر وتشرين الأول
1917. ففي أثناء زيارة الحاكم المدني في العراق الميجر جنرال سر برسي
كوكس الكوفة التقى بعلوان وعمران وخصص لهما رواتب شهرية بواقع (300)
روبية، بعد أن عرضا خدماتهما عليه، الأمر الذي ثمنه حاكم الشامية السياسي
بتاريخ 16 كانون الأول من عام 1917، معترفا "بجهود الشيخ علوان، فاستمر
الشيخان باستلام رواتبهما الشهرية طوال عام 1918.
ولم تكتف الإدارة البريطانية بذلك بل استجابت لطلب الشيخ علوان في الأول
من كانون الثاني 1918 بمنحه قرضا بمبلغ (500) ليرة، بعد أن أشاد الحاكم
السياسي به، مرة أخرى بعمله الجيد بأمور الري، فضلا عن أنه أبدى تعاونا
شريفا في معاضدة الحكومة.
وبعد انتهاء انتفاضة النجف عينته الإدارة البريطانية وكيلا حكوميا
لمقاطعة الكوفة ابتداء من الأول من تموز-يوليو 1918 براتب شهري (300)
روبية. وقدم أخوة عمران هدية للمحتلين 130 رأس غنم بتاريخ 11 تشرين
الثاني 1918 قبلت بعد تردد.
ومن الملاحظ أن علاقة الشيخ علوان ظلت جيدة مع الإدارة البريطانية طوال
مدة الاحتلال، ففي آذار 1920 وافقت الإدارة البريطانية على منحه قرضا
بمبلغ (5000) روبية، بعد أن وافق على شروط القرض.
2. العلاقة مع رجال الدين:
أدركت الإدارة البريطانية، أيضا، مكانة رجال الدين المتميزة وخطورة
القرارات التي يصدرونها "الفتاوى" التي يلتزم بها كل الأتباع، لهذا حاولت
كسبهم والاستعانة بعدد من المجتهدين لإعادة النظام والاستقرار في النجف
والكوفة بعدما جرى من أحداث واضطرابات خلال شهري تشرين الأول وتشرين
الثاني 1917، قبل وصول القوات البريطانية الكافية، وقد نجحت الإدارة
البريطانية في كسب بعض رجال الدين إلى جانبها.
مما تقدم يمكن أن نفهم المغزى من وراء الاستنكار الذي أصدره السيد محمد
اليزدي لحادث مقتل النقيب مارشال، وبقاء اليزدي نفسه على اتصال مع القوات
التي حاصرت النجف اثر ذلك، وأثره الواضح في المحاولة لإيجاد مخرج للوضع
الحرج الذي مرت به مدينة النجف المقدسة، وكذلك إعفاء السيد اليزدي من
ضريبة البناء البالغة (1500) روبية على الخان الذي بناه على شط الكوفة
نهاية عام 1919. ومنحها في أوقات مختلفة عددا من رجال الدين في النجف
مبالغ نقدية تراوحت بين 500-3000 روبية.
واستمرارا على هذا النهج السياسي في التقرب من رجال الدين، فقد أسندت
سلطة الاحتلال مسألة حل المسائل الشرعية لعلماء الدين من المجتهدين وحكام
الشرع، بينما تولت الإدارة البريطانية حل القضايا الأخرى، كما حاولت
استغلال نفوذ بعض العوائل الدينية المتنفذة من خلال إشراكهم بالأمور
الإدارية سواء الشرعية منها أو حتى بعض القضايا المدنية.
3. التطور الإداري:
عينت الإدارة البريطانية الكابتن فيشر Capt. Fisher مساعدا للحاكم
السياسي في الكوفة، بعد مقتل الكابتن مارشال وحصار النجف عسكريا لتنظيم
الجانب الإداري.
في السادس من حزيران-يونيو 1918، تم تعيين وينكت R. E. L. Wingate حاكما
سياسيا في الشامية بدلا من الكابتن بلفور، وبقيت الكوفة مقرا له، وشملت
مسؤولية مساعد الحاكم السياسي في الكوفة إضافة للكوفة كلا من هو الدخن
وأبو شوره.
ولما كانت الكوفة ضاحية تابعة للنجف، فإن عمل مساعد الحاكم السياسي في
الكوفة وفي هذه المرحلة، لم يعد له شأن يذكر.
وبعد سيطرة الإدارة وانتهاء انتفاضة النجف، نقلت مقرات الحاكم السياسي
إلى النجف في الأول من آب 1918، وأصبح مساعد الحاكم السياسي في الكوفة
مساعدا للحاكم السياسي لمنطقة النجف-كوفة. ووضع سركيس أفندي، الذي أصبح
مسؤولا عن بلدية الكوفة تحت سيطرة مساعد الحاكم السياسي في النجف-كوفة.
4. بلدية الكوفة:
بعد تعيين سركيس أفندي وكيلا للإدارة البريطانية في الكوفة، وجه اهتمامه
لتوسيع النشاطات البلدية، وأول عمل قام به، طلبه في السادس من أيلول 1917
تبديل رئيس البلدية عبد الصاحب أفندي، ونسب محله عبد الرزاق أفندي العي،
إذا وافقت على ذلك الإدارة بعد أسبوعين فقط.
بعدها اهتم بفرض بعض الضرائب وتعيين المراقبين ورواتب العاملين في
البلدية، حتى وصلت رواتب العاملين في بلدية الكوفة خلال الشهر الأخير من
عام 1917 إلى نحو (1113) روبية شملت رواتب رئيس البلدية والمراقبين
الثمانية وعمال التنوير والخادم. وهو مقارب لمجموع الواردات التي قدرها
(1113) روبية وشملت ضرائب على المسلخ وضريبة البيع والأرضية وبيع
الخضراوات والعبور. وفي 25 تشرين الثاني من عام 1918 تطور ملاك بلدية
الكوفة ليشمل الخدمات الصحية فأصبح كما يلي:
العدد الوظيفة الراتب الشهري (بالروبية)
1 مفتش
100
1 كاتب
70
2 مراقب
25 لكل منهما
22 ناطور
20 لكل منهم
4 مختارون
25 لكل منهم
3 جامعو الضرائب 50 لكل
منهم
2 كولجيه
25 لكل منهما
1 كواز
30
2 منورون
25 لكل منهما
1 كاتب المسلخ
50
المؤسسة الصحية:
1 المفتش الصحي 100
4 مراقبون
35 لكل منهم
20 كناس
25 لكل منهم
6 أشخاص يقودون الحيوانات (57) روبية لكل منهم مع
حيواناتهم
ويشير التقرير البريطاني لعام 1918 إلى اهتمام سكان مدينة الكوفة بنظافة
مدينتهم وإنجازهم الخدمات البلدية بأنفسهم.
إن الخدمات البلدية التي شهدتها مدينة الكوفة قد أدت إلى ارتفاع قيمة
المنازل خمس مرات، فضلا عن الزيادة الكبيرة في الأعمال التجارية،
والطلبات المتزايدة حتى من أولئك الذين يعيشون خارج المدينة للحصول على
موافقة البناء في البلدة، وهذا أدى إلى زيادة الهجرة إلى الكوفة ليس من
النجف فحسب بل من مدن أخرى عديدة، وحذر التقرير البريطاني لعام 1918 من
التوسع غير المسيطر عليه، وأكد على ضرورة الاهتمام بتخطيط المدينة.
إن طلبات الأهالي المتزايدة للحصول على الخدمات البلدية ما هي إلا دليل
على حياة الاستقرار في المدينة، ففي النصف الثاني من العام 1919 طالب
أهالي محلتي البلوش ومسجد الكوفة شمولها بالخدمات البلدية وأبدوا
استعدادا لدفع الضرائب البلدية، فاستجابت الإدارة البريطانية لطلب هؤلاء
مما تطلب الأمر تعيين موظفين جدد للمحلتين الجديدتين، فتم تعيين مختارين
ومراقبين ومنورين للمصابيح وعشرة كناسين ليباشروا عملهم في الأول من
تشرين الثاني 1919، وخمن الضرائب التي ستقع على المحلتين ستة آلاف روبية
سنويا.
وهكذا اتسع حجم الخدمات البلدية عام 1919-1920، وتزايدت أعداد العاملين
في البلدية لتضم مفتشا ومحاسبا وكاتبين وأربعة جباة للضرائب وكولجية عدد
(2) وكوازا وأربعة مختارين فضلا عن عدد من المراقبين والإداريين ومهندس
البلدية ورئيس منورين وأربعة عمال تنوير ومفتش صحي ورئيس مراقبين مع ستة
مراقبين وأربعة منظفي مراحيض وثلاثين كناسا وعشرة أولاد مع حيواناتهم
تراوحت رواتبهم الشهرية بين (30-120) روبية.
وأشرت التقارير أن مجموع مصروفات بلدية الكوفة ضمن ميزانية العام
1919-1920 بلغت (45962) روبية وخمس عانات، تضمنت رواتب الموظفين والحراس
والمختارين وأجور السكن وتكاليف الوقود والإنارة،بينما بلغت الواردات
لشهر تموز 1920 (43533) روبية و(13) عانة و(2) بيزة، تضمنت ضرائب السكن
والبناء والمسالخ والحراسات الليلية وغيرها.
كما قدمت خدمات بلدية في العام 1919 بلغت تكاليفها (19) ألف روبية منها
(6650) روبية في المجالين الصحي والتعليمي، إذ أشار التقرير إلى وجود
مدرسة في الكوفة، وأولت بلدية الكوفة مشاريع الماء والكهرباء اهتماما
خاصا ولا سيما إضاءة المدينة وتزويد مضخات المياه والمطاحن ووسائط النقل
بالطاقة.
وبالتعاون مع أصحاب المنازل المطلة على شط الفرات قامت البلدية ببناء
جدار النهر بكلفة (لكّين) من الروبيات. وبعد أن تسلمت قرضا بمبلغ (44)
ألف روبية من دائرة الواردات العامة، قامت بلدية الكوفة بتجفيف
المستنقعات في الأسواق وإنشاء أرصفة الطرق من الطابوق، كما أولت البلدية
اهتماما بتخصيص المبالغ الكافية لإجراء التحسينات على الطرق.
5. الشرطة والشبانة:
اهتمت الإدارة البريطانية بتكوين قوة من الشرطة والشبانة منذ بدء نفوذها
في منطقة الشامية، واتخذت قوات الشرطة والشبانة من الكوفة مقرا لها.
في البدء تكونت قوة الشرطة من رجال محليين، إلا أن الإدارة البريطانية
أدركت حالة عدم الاستفادة منهم "فالنجفي في النجف ميؤوس منه، وإن أبناء
القبائل المجندين في خدمة الشرطة لا يمكن الاعتماد عليهم في مواجهة أبناء
المدينة".
ومن جهة أخرى جابهت الإدارة رفض السكان وعدم استجابتهم الانخراط في سلك
الشرطة، مما اضطر ادارة الحاكم السياسي في كانون الثاني إلى استقدام شرطة
من بغداد والكوت بواقع 25-30 رجل شرطة، كونت نواة شرطة النجف في
شباط-فبراير 1918، تحت إمرة اثنين من البريطانيين، وعملوا في ظروف غاية
في الصعوبة، إذ عملوا بين أناس يكنون العداء للحكومة وفي مدينة يكون عمل
الشرطي فيها صعبا، فقتل اثنان منهم أثناء انتفاضة النجف في آذار وتعرضت
حياة آخرين منهم للخطر.
وبعد رفع الحصار عن مدينة النجف، عين فيير Sergt Fear مسؤولا عن فصيل
الشرطة، وقام بتدريبهم على استخدام السلاح وكيفية ضبط النظام وواجبات
الدورية، وأسكنوا في خان البهرة Bohra داخل بوابة الكوفة، ووصل عددهم
نهاية عام 1918 إلى (65) شرطيا، وقد أوصت الإدارة البريطانية في منطقة
الشامية بأهمية وجود قوة من الشرطة في النجف شرط أن يكونوا من غير
أبنائها (عجم وكرد) وأكد على الحاجة لزيادة العدد إلى (150) رجل شرطة
لتلبية كل المتطلبات، ولأغراض نظامية ربطوا بالحاكم السياسي مباشرة منذ
الأول من كانون الثاني 1919.
ومما تجدر الإشارة إليه اهتمام الإدارة البريطانية في منطقة الشامية منذ
العاشر من شباط 1918 لبناء ثكنات الشرطة في الكوفة، قدرت تكاليفها بـ(1090)
روبية متضمنة تكاليف الحجر والخشب والجص والحصران والأبواب والشبابيك
وأجور العمل.
يبدو أن جهاز الشرطة لم يتطور على النحو المطلوب بحيث يكون قادرا على
القيام بواجباته على أكمل وجه، إذ حدثت بعض الجرائم في النجف والكوفة،
كما أشار حاكم الشامية السياسي في تقريره المؤرخ في 14 كانون الأول 1919،
مما أرعب سكان المدينتين، لذلك طلب تخصيص المبالغ الكافية لتعيين مزيد من
الحراس الليليين (البصوانية)، مشيرا إلى تعيين عدد منهم منذ عدة أشهر،
وطلب أن يكونوا تحت إشرافه المركزي المباشر، ولكنه، وفي نفس التقرير،
اعترف بعدم نجاح تجربة الحراس، لذلك أكد على أهمية تنظيم العاملين
وزيادتهم في جهاز الشرطة ليعملوا مع الحراس بعد زيادة عددهم.
وعلى أية حال فإن الإدارة البريطانية وافقت على تعيين الحراس الليليين
واستخدامهم في الكوفة منذ20 كانون الأول 1919.
أما قوة الشبانة فقد تألفت من أبناء القبائل، وتعاون بعض شيوخ العشائر مع
الإدارة البريطانية لتهيئة أفرادها، فمثلا زود الشيخ علوان الحاج سعدون
هذه الإدارة بخمسين رجلا من عشيرته، بين مشاة وخيالة.
انصبت واجبات الشبانة على حراسة الحاكم السياسي وإحضار أي شخص تريده
الإدارة البريطانية، إضافة إلى حفظ النظام في المنطقة، إلا أنهم أثبتوا
عدم جدارة ولا سيما أثناء انتفاضة النجف، كما أشارت الوثيقة البريطانية،
وكانت أعدادهم حتى حزيران 1918 (100) رجل في الكوفة و(150) رجلا في أبو
صخير، فضلا عن عدم كفاءتهم ورداءة تسليحهم وقلة تدريبهم.
في الأول من آب 1918 استلم الملازم ماكونيني Lieut. MacWhinnie مسؤولية
إعداد الشبانة في المنطقة، وفي شهر تشرين الأول أرسل الملازم وايت
لمساعدته، وطلب ضابطا آخر لمساعدتهما.
اتخذ ماكونيني من الكوفة مقرا له، وأنشأ مقرات شبانة المنطقة فيها. وبدأ
بإعدادهم تنظيما وتدريبا حتى أنه أعد لهم زيا موحدا، وتزايد عددهم إلى أن
وصل إلى (724) فردا، و(13) ضابطا و(589) مشاة (بيادة) و(122) خيالة
(سواري) ولكن تناقص العدد بداية العام 1919 إلى (550) فردا.
وهكذا أصبحت الكوفة مركز التدريب المركزي لقوة الشبانة إلا أن انشغالهم
بواجبات متعددة ومستمرة في أنحاء متفرقة من منطقة الشامية جعلت تطبيق
الأمر صعبا إذ كلفوا بالدوريات في الصحراء وحراسة دور الحكومة والدوائر
الجسور وضبط (المجرمين).
الكوفة ومشروع الاستثمار الزراعي:
تبلورت فكرة البدء بمشروع الاستثمار الزراعي Agricultural Development
Scheme لدى إدارة الاحتلال البريطاني في تموز 1917 لمواجهة نقص الأغذية
وتكاليفه الباهظة، إذ انصب هدف المشروع على إنتاج (300) ألف طن من القمح،
مع تولي إدارة المشروع مهمة إيجاد البذور والمحاريث وتطهير القنوات.
وفضلا عن الجانب الاقتصادي فإن للمشروع فوائد سياسية، إذ انصرف أبناء
القبائل وهم أكثرية سكان البلاد إلى العمل في الحقول الأمر الذي اعترفت
به صراحة المس بيل عندما أشارت إلى أن موضوع الاستثمار الزراعي كان أقوى
سلاح لتهدئة العشائر.
بعد مصادقة الإدارة البريطانية في 19 أيلول 1917 على المشروع وتعيين
غاربيت ضابط الواردات الأول لإدارته، دعت الإدارة الملاكين والسراكيل
وشيوخ العشائر إلى التعاون معها وأنذرتهم بمصادرة الأراضي المهملة، كل
ذلك من أجل تنشيط العمل الزراعي ومضاعفة الإنتاج.
وبمجرد التطبيق الفعلي للمشروع هبطت أسعار الحنطة نهاية العام إلى (680)
روبية وأسعار الشعير إلى (350) روبية للطن الواحد بعد أن ارتفعت في تشرين
الثاني عند وصول الكابتن بلفورالي (1020) روبية للحنطة و(600) للشعير،
وجاء ذلك الهبوط في الأسعار بفضل موسم الزراعة الذي بشر بإنتاج وفير، وضخ
إدارة الاحتلال لكميات من الحبوب إلى المنطقة، وتوزيع الخبز مجانا على
فقراء النجف والكوفة.
ومن أجل نجاح مشروع الاستثمار الزراعي اهتمت إدارة الاحتلال بعدد من
المشاريع الإروائية مثل سد أبو لوخه.
بعد أن اتضحت حاجة مزارعي هور الدخن لتطهير القنوات في ذلك السد مع إعطاء
البذور، حيث بلغت المصروفات عليه (30) ألف روبية كنفقات لتغيير المجرى
وتطهير القنوات إلى هور الدخن.
ومن جهة ثانية تولى الشيخ علوان الحاج سعدون عملية توزيع البذور على
المزارعين وقدم أسماءهم في 25 أيلول 1917، وطلب سركيس أفندي سرعة تقديم
المساعدة في أعمال السدة وإعطاء البذور، لأن أحوال المزارعين أصبحت
ميؤوسا منها، وحذر من ترك المزارعين أراضيهم الزراعية خلال مدة قصيرة.
وفي 19 تشرين الثاني 1917، طلب بلفور تخصيص مبلغ (34250) روبية لمساعدة
مزارعي الكوفة بالبذور، وسلم المبلغ إلى الحاج عبد المحسن جلبي شلاش الذي
وزع المبلغ خلال الشهر نفسه، وكانت تلك المبالغ جزءا من مجموع الأموال
التي قدمت إلى مزارعي منطقة الشامية خلال عام 1917 البالغة (87) ألف
روبية. ومن الملاحظ أن إدارة الاحتلال نجحت إلى أقصى حد في عملية استعادة
تلك القروض التي قدمت إلى الفلاحين.
لم يقتصر الأمر على القروض والاهتمام بمشاريع الري بل اهتمت الإدارة
بتقديم المساعدة الفنية، إذ عينت مهندس ري نهاية عام 1917، ليذلل مشاكل
الري المختلفة في منطقة الشامية.
وحتى قبل نهاية الحرب العالمية الأولى، أولت الإدارة البريطانية
وبالتنسيق مع بلدية الكوفة اهتماما بإصلاح سد الكوفة فخصصت مبلغ عشرة
آلاف روبية، وواجهت عملية إصلاح السد صعوبات كبيرة مثل تجهيز المواد
والحاجة إلى عدد من الفنيين فضلا عن العمل بأسلوب السخرة وتكمن أهمية
مشروع سد الكوفة الإروائي فضلا عن أهميته الزراعية أهمية في تنشيط تجارة
الكوفة وتنميتها وتطوير المدينة، مما استدعى تخصيص مبالغ إضافية.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الزراعة في الكوفة اعتمدت على السقي بواسطة
الكرود والنواعير والسيح وهو ما أشرته وثائق الاحتلال البريطاني وبينت
جداول عن عدد الأفدنة المزروعة واعداد الفلاحين فيها أيضا.
وظلت الإدارة البريطانية تتابع باهتمام تطور الإنتاج الزراعي، فقد عبر
حاكم الشامية السياسي في تقريره لعام 1919 عن خيبة الأمل الواضحة عند
أكثرية سكان منطقة الشامية، بسبب تلف المحاصيل الشتوية بسبب الفيضانات
والبرد والجراد واخفاق المشاريع الإروائية، وتكهن بإمكانية أن يؤدي ذلك
إلى اضطرابات خطيرة.
(*) قسم التاريخ/ كلية الآداب/ جامعة
بغداد.
|