|
أبرز الشعراء
والأدباء في العراق القديم
(بلاد ما بين النهرين)
د. صلاح سلمان
رميض الجبوري(*)
الملاحظ أن
معظم التأليفات الشعرية والأدبية، السومرية والبابلية، جاءت خلواً من أسماء مؤلفيها
باستثناء بعض الحالات النادرة جداً والتي لا تتجاوز أصابع اليد، وقد شمل هذا
الإغفال مظاهر حضارية أخرى شغلت مكانة متميزة في الحضارة العراقية الأصيلة ذات
الجذور الموغلة في القدم. وقد عبّر الأستاذ جورج كونتنيو بقوله: (قد نجد الأمر صعباً
عندما نواجه بأعمال فنية كالنقوش قليلة البروز(النحت البارز) وسبب ذلك هو أننا قد
لا نعرف يد أي فنان أسهمت في صنع مثل هذه الأعمال ويصدق نفس القول بصورة متساوية
على الوثائق المكتوبة).
فالمدونات الأدبية الرافدينية برغم التنوع الذي أصابها طيلة ثلاثين قرناً من
الازدهار، احتفظت بأسلوب نمط معين ضمن تشكيلة عظيمة مقدمة من خلالها معلومات خصبة
وكافية للأفكار الدينية والأخلاقية.
وكما قال أحد الباحثين: (ان الشعب الآشوري ـ البابلي هو الشعب الوحيد في العالم
الذي لا نعرف اسم أديب واحد لديه، برغم تاريخه الطويل جداً، ورغم نشاطه الأدبي
الرحب، ويبدو أن هذا يدل على انهم لم يكتبوا لهدف فني، ويعبّروا بأشكال جديدة عن
الأفكار الجديدة، بل ان هدفهم الأساس انصب من أجل الحفاظ على ذكريات السلف).
فالأعمال المتنوعة بمختلف ضروبها الفنية المتعددة جاءت خلواً من الأسماء الحقيقية
لأولئك الفنانين المبدعين، لربما قد تكون هناك بعض التبريرات لهذه الأعمال مثلاً
خاصة عندما تكون التقنية دقيقة ولا يوجد مجال لتدوين اسم الفنان خاصة على الأختام،
لكن الأمر ينطبق أيضاً على الأعمال الفنية الكبيرة كالتماثيل والمدونات المسمارية
على الألواح، فهي الأخرى قد أغفلت ذكر اسم الفنان أو المعمار أو الأديب، على الرغم
أن بحوزتنا العديد من القوائم المدونة بأسماء أصحاب الحرف والمهنيين.
ويبدوا أن سجل الحفائر الأثرية لم يعرف اسم فنان قام بانجاز عمل معين، وقد أشار
الأستاذ لمبرت إلى وجود بعض العوائل المتخصصة بالكتابة شخصت من خلال توثيقها الجيد.
وبقدر ما، يتعلق الأمر بأبرز الشعراء والأدباء، فقد أجمع الباحثون على ان الأدب
الرافديني كان يتداول شفاهاً عبر أجيال سبقت اختراع الكتابة. وبعد ان قطعت الكتابة
شوطاً من التطور وأصبحت أداة طيعة للاستخدام بدأت أولى المحاولات لتدوين النتاج
الأدبي، وذلك في حدود منتصف الألف الثالث قبل الميلاد. وقد نشطت عملية تدوين الأدب
السومري وجمعه واستنساخه من وثائقه القديمة بشكل لافت للنظر، وذلك نتيجة للضمور
الذي أصاب اللغة السومرية في نهاية الألف الثالث ق ـ م وبروز اللغة الأكدية
والبابلية لغة رسمية في البلاد، وقد جذبت أصالة الأدب السومري وغزارة التأليف
السومرية اهتمام رجال الأدب الجزريين من شعراء وأدباء ونسّاخ، فظهرت حركة واسعة
لاحياء التراث الأدبي السومري عن طريق استنساخ المؤلفات الأدبية السومرية من
وثائقها القديمة أو عن طريق تدوين ما كان متداولاً منها شفوياً.
وفي هذا المجال لعبت المدارس في العصر البابلي القديم دوراً بارزاً في استنساخ
المدونات، بوصفها المراكز الثقافية المسؤولة عن حفظ التراث وصيانته، أما بخصوص
أسماء المؤلفين. فكما أشرنا في موضع سابق فان الكتـّاب الجامعيين والنسّاخ كانوا
يجهلون حقيقة الأسماء الأصلية لمؤلفي تلك النتاجات الأدبية وانها أصبحت نتاجات
قومية لأجيال كثيرة من الشعراء، فباتت تراكمات موروثة تتداول من جيل إلى آخر عبر
العصور.
جدير بالذكر ان وجود فهارس تحوي عناوين تأليف متعددة، استوضحت منها فهرسين لعناوين
أعمال أدبية، إنما يعبّر عن وعي أدبي في فهرسة القطع الأدبية، فهناك لوحان، احدهما
في متحف اللوفر ويحتوي على 68 عنواناً، والآخر في متحف جامعة فيلادليفيا ويحوي 62
عنواناً.
وقد أوضح الاستاذ لمبرت من خلال دراسته لاحد تلك الفهارس بأن المصطلح البابلي
المستخدم للتعبير عن كلمة مؤلف أو من تأليف هو (Sapi) حرفياً من فم فلان، أي من
كلامه أو نسخه، وقد أوضح ان هناك بعض الدلائل المتعددة تشير إلى اعمال عديدة قيل
انها من فم الإله آيا of the mouth Ea مستخلصاً من ذلك المصطلح معنى من تأليف آيا،
المعروف عن هذا الإله انه رب الحكمة والمعرفة. ويلاحظ ان المؤلفين الذين نسبت اليهم
أعمال أدبية معينة في ذلك الفهرس هم من الآلهة (مثل إله الحكمة آيا) أو شخصيات
أسطورية عاشوا في عصور قديمة ووصفوا بكونهم حكماء (مثل آدبا ـ انميركار ـ ولوننا)
أو أشخاص ذكروا بأسمائهم المجردة فقط أو أسمائهم مع أسماء آبائهم متبوعة بسلسلة
النسب.
من ابرز الأدباء والشعراء:
1 ـ الشاعرة انخيدوانا:
ابنة الملك سرجون الأكدي مؤسس الامبراطورية الأكدية، تولت هذه الشاعرة منصب الكاهنة
العظمى مسترشدة بسيرة جدتها ام سرجون في أور مدة من الزمن، ويدخل في تركيب اسمها
إله السماء (آنو) والذي كانت مدينة الوركاء مركزاً لعبادته، إذ تولت هذه الشاعرة
بصفتها كاهنة عظمى أيضاً العمل في الوركاء فضلاً عن مدينة أور، وقد يكون هذا
التقليد الجديد في منصب الكاهنة ضمن سياق توحيد البلاد في إطار الوحدة الوطنية التي
حققها سرجون الأكدي، ولربما قد تمخض عنها أو كان منن جرائها توحيد مفردات الطقوس
الدينية التي كانت سائدة في المدن الرئيسية، ولربما يكون التجاوز المزعوم الذي حصل
على معبد الايكور في (نفـّر) كان من جملة تلك الاجراءات.
من مخلفات هذه الشاعرة ترتيلة في مديح إلهة الحب والحرب انانا (عشتار)، وهي ترتيلة
طويلة قسّمها الباحثون إلى قسمين، الأول أطول من الثاني، حيث يحتوي على أدعية
ومدائح موجهة إلى الإلهة مستعرضة قدراتها الكبيرة على إنزال العقاب والدمار، فهي
العاصفة المدمرة التي يرتعش لهولها البشر وهي إلهة الحرب الغاضبة التي لا يعرف
قلبها الرحمة والتي ينهزم أمامها الآله مثل الخفافيش، ونقتبس في أدناه فقرات من
ترتيلة الشاعرة انخيدوانا التي نظمتها في مديح إلهة الحب والحرب انانا (عشتار):
انخيدوانا تؤكد انها حظيت بقبول الإلهة انانا.
ـ يا سيدة النواميس الإلهية كلها، النور الساطع.
ـ المرأة واهبة الحياة التي تكتسي بالإجلال، محبوبة السماء والأرض.
ـ كاهنة الإله آنو، ذات الحلي العظيمة.
ـ التي تمسك بيدها النواميس الإلهية السبعة.
ـ يا سيدتي: أنت حارسة النواميس الإلهية العظيمة.
ـ أنت التي رفعت النواميس الإلهية وأنت علقت النواميس الإلهية في يدك.
ـ لقد ملأت البلاد بالسم الزعاف كالتنين.
ـ وأنت عندما تزأرين على الأرض يختفي كل ذي حضرة من سطحها.
ـ يا صاحبة المقام الأول، أنت (انانا) السماء والأرض.
ـ تمطرين البلاد بالنار الملتهبة.
ـ يا مدمرة البلدان الأجنبية لقد أعطيت أجنحة للعاصفة.
ـ يا سيدتي ان البلدان الأجنبية تنحني خوفاً من صرختك.
ـ وعندما يمثل الناس أمامك، خائفين مرتعشين من نورك الوهاج فانهم ينالون منك جزاءهم
العادل.
ـ يا سيدتي، ان انونا الآلهة العظام، ينهزمون أمامك إلى الكهوف مثل خفافيش مرفرفة.
ـ أيتها الرحيمة، المرأة واهبة الحياة، صاحبة القلب النير ها قد أنشدتها أمامك
بموجب النواميس الإلهية.
ـ ودخلت أمامك في الكيبار المقدس. أنا الكاهنة العظمى انخيدوانا.
ـ حملت سلة الطقوس وأنا أشدو ـ ولكني الآن لم أعد أسكن في المكان المريح الذي أقمته
لي.
ـ فإذا ما حل النهار، حرقتني الشمس، وإذا ما حلَّ ظلام الليل حدقت بي ريح الجنوب.
لقد أضحى صوتي العذب مضطرباً ـ وتحول كل ما يسعدني إلى تراب.
ـ أنا انخيدوانا، سوف أتلو الصلوات لها ـ وأقدم دموعي كالشراب العذب إلى انانا
المقدسة وأسلـّم عليها.
ـ يا سيدتي، يا محبوبة الإله آنو، عسى أن يرق عليّ قلبك.. أنت معروفة، أنت معروفة (بعظمتك)،
وما أنشدته لم يكن من أجل آنو، بل من أجلك أنت، لقد كومت الفحم (في المبخرة) وأقمت
الشعائر.
ـ وان ما تلوته عليك في منتصف الليل ـ عسى ان يعيده عليك الكاهن ـ المنشد في منتصف
النهار.
ـ السيدة الأولى، يا عماد قاعة العرش، تقبلت صلواتها ـ واستعاد قلب انانا راحته.
ـ كان يومها سعيد، وهي تكتسي بالحسن وتزخر بفتنة الأنوثة.
ـ المجد إلى سيدتي انانا، التي تكتسي بالحسن.
وقبل أن ننهي الحديث عن هذه الشاعرة نود أن نشير إلى قطعة فنية قرصية الشكل من
الحجر احتوت في أحد أوجهها نحتاً بارزاً يمثل الكاهنة العظمى وهي ترتدي ثوباً طويلاً
ذا أهداب له عدة طيات وقد تدلت ظفائرها على كتفيها يتقدمها كاهن يسكب الماء المقدس
في إناء بالقرب منه بناء مدرج شبيه بالزقورة، ومن ضمن المشهد مجموعة من الكاهنات،
أما الوجه الآخر من هذه المنحوتة فانها تحوي كتابة مضمونها: (انخيدوانا كاهنة الإله
ننار، زوجة الإله ننار، ابنة سرجون).
2 ـ الشاعر كبتي ـ ايلاني ـ مردوخ بن دابيبي:
والذي اشتهر من خلال أسطورة ايرا، وهي عبارة عن قصيدة شعرية بأسلوب بليغ مدونة على
خمسة ألواح، تدور حول إله الطاعون ايرا ومستشاره ايشوم، ويظهر اهتمام الشاعر في هذه
الأسطورة منصباً على توضيح بعض الأوصاف المتناقضة كويلات الحروب وما تفرزه من دمار
وتخريب، على نقيض ذلك ما يتركه السلام من رخاء وأمان. ان هذه الموضوعات كانت ذات
أهمية في تقاليد بلاد ما بين النهرين، إذ يتوضح ذلك جلياً في أسطورة ايرا، ضرب من
هذا الاستخدام فيما يتعلق بهذه التناقضات، ولقد كان داء الطاعون والحروب من أهم ما
يشغل ايرا، في خاتمة الأسطورة زعم مؤلفها الشاعر بأن الإله مردوخ نفسه قد ظهر له في
الحلم وأملى عليه، متن الأسطورة ولما استيقظ دونها بدون أن يضيف إليها أو ينقص منها
شيء، ويذكر ان الإله ايرا استمع إليها واستحسنها.
مقتبسات من الأسطورة: أقوال الآلهة السبعة إلى ايرا....
ـ قالوا لايرا هيا انهض لماذا تبقى في المدينة مثل شيخ هرم.. هل علينا ان نأكل من
خبز امرأة كمَنْ لم يخرج أبداً للمعركة، هل علينا أن نكون خائفين مضطربين كما لو
كنا لا نمتلك خبرة في الحرب، فذهابنا إلى المعركة كأنه العيد للشباب، ومن يبقى في
المدينة، وإن كان أميراً، لن يشبع بالخبز وحده، وسوف تفضحه أفواه شعبه ويحتقر، كيف
يجرأ على رفع يده في وجه من ذهب إلى المعركة؟ ومهما عظمت قوة من يبقى في المدينة،
كيف يمكنه التغلب على من كان في المعركة، ان طعام المدينة، مهما كان مزخرفاً، لا
يقارن بما يطبخ على الحجر... بعد ذلك يبدأ ايرا بشن الحرب:: (افتح لي الطريق لأسير
على الدرب.. أعاهدكم على ان احطم شعاع الشمس... وأحجب وجه القمر في منتصف الليل،
وسأقول لادد: أوقف ينابيع ـ بئرك ـ واطرد الغيوم، وأوقف الجليد والمطر واذكر كلاً
من مردوخ وايا بأن من شبَّ في السراء سوف يدفن في الضراء... وسوف أضع نهاية للبلاد
واجعلها في عداد الأطلال... سأصرع الناس ولا أترك نفساً واحدة.
ـ أيها المحارب ايرا، لم تخش اسم مردوخ... لقد غادرت طبيعتك الإلهية وأصبحت مثل
البشر... وحملت أسلحتك ودخلت المدينة، ثم ان أبناء بابل، الذين ليس لديهم من يتولى
أمرهم، التفوا من حولك مثل القصب في الأدغال، فمن كان جاهلاً بالسلاح استل خنجره...
ومن كان جاهلاً بالحرب شن حرباً، ومن لا جناح له طار كالعصفور... وقد سدوا بأيديهم
بوابة بابل، شريان رخائهم.... أنت الذي كنت تسير في المقدمة وكنت تقودهم... أوقعتهم
في شبكتك وأمسكتهم وأبدتهم أيها المحارب ايرا ـ وجعلت دماءهم تسيل كالماء في
الميادين العامة ـ فلما رأى مردوخ ذلك صاح (وا أسفاه) وأمسك قلبه، وحلت في فمه لعنة
لا تبديل لها، و (يقول): أسفي على بابل التي جعلتها شامخة مثل تاج النخلة لكن الريح
أيبستها، وبعد ان استطاع ايشوم مستشار ايرا من ان يقنعه بالتوقف عن تخريب بابل من
خلال القسم الأخير من الملحمة كما نقتبس أدناه:
أيها المحارب: اهدأ واستمع إلى كلماتي، ما عليك الآن الا ان تستريح ونقوم نحن
بخدمتك، نحن نعرف جميعاً ان لا أحد يقدر على مجابهتك في يوم غضبك. فلما سمعه ايرا
ضاء وجهه، وشعت نسماته مثل فجر يوم جديد.... وعندئذ صاح ايشوم عالياً ونطق بكلام
مهم... عسى ان يتكاثر من جديد شعب البلاد المباد،.... وان يصرع الأكدي الضعيف
السوتي القوي،... وان يسوق رجل واحد سبعة منهم مثل الغنم،.... وتنزل في البلاد من
جديد الماشية والغلال،... وعسى ان يأتي دجلة والفرات بمياه الفيض، وان يأتي كل واحد
من حكام المدن بهبته إلى خازن معبد أي ـ ساكيلا وبابل، وعسى ان ينشد الإله العظيم
نرجال والمحارب ايشوم لسنين لا تحصى...
وفي ختمام القصيدة يذكر (نظمها كبتي ـ ايلاتي مردوخ بن دابيبي، فقد جاءه الإلهام في
منتصف الليل وانه عندما تلاها بعد ان استفاق لم ينقص منها شيء ولم يضف كلمة واحدة،
وان ايرا استمع إليها وأقرها، كما سرّبها أيضاً ايشوم الذي يسير أمامه وأثنى عليها
كل الآلهة الأخرى).
3 ـ الأديب والمعزم الآشوري ورد كولا:
إذ تولى منصب نائب كبير الأطباء في البلاط الآشوري في زمن الملك سنحاريب، وتدرج
بمنصبه إلى ان أصبح معزماً في البلاد في زمن الملك اسرحدون، وبقي محافظاً على منصبه
بداية عهد الملك آشور بانيبال، حيث أعفي من مهام منصبه لأسباب، ربما وجود خلاف شخصي
بين هذا الأديب والملك آشور بانيبال عندما كان ولياً للعهد، لذا فقد قام والد
الأديب ادد ـ شومو ـ اوصر بكتابة رسالتين إلى الملك آشوربانيبال يتشفع لابنه ورد
كولا، لكنها لم تسفر عن نتيجة وكانت عديمة الفائدة لعدم استجابة الملك إليها، الأمر
الذي حدا بهذا الأديب بتوجيه رسالة إلى الملك آشور بانيبال مؤرخة في اليوم الثلاثين
من شهر كانون الأول من عام 667 ق.م.
وبعد أن فشلت جميع محاولاته للعودة إلى منصبه، فقد أصبح متشائماً، بحيث لجأ في
النهاية إلى توجيهه هذه الرسالة متوسلاً عند سيدة الملك لأن يمنحه ثوباً ليتسنى له
تغيير ثوبه الوحيد ويمنحه دابتين للركوب والعمل في الحقل، وقد استنتج الأستاذ
پرپولا (simoparpola) من دراسته المستفيضة لهذه الرسالة بوجود حالة غير مرضية وغير
مناسبة للمثقفين، إذ يستطرد قائلاً: (ان العلم وحياة الترف لا يتماشيان حقاً بشكل
جيد، وان هذه القضية تبدو حقيقة في الأزمان القديمة، كما هي اليوم أيضاً مثال ذلك:
كبير النسّاخ الذي كان يعمل في البلاط الآشوري، فهذا الرجل كان بالتأكيد واحداً ضمن
أكثر الأشخاص ثقافة في عصره، ففضلاً عن انه مستشار شخصي للملك وموظفاً مرموقاً في
البلاط يمكن مقارنته بالحكماء الأسطوريين (الافكل) في عصور ما قبل الطوفان، كما ورد
في المثل الآشوري المعروف (ان بيت كبير النساخ حقير حتى ان الحمار لا يرتضي لنفسه
دخوله).
نتقبس مقتطفات من هذه الرسالة:
ـ إلى سيدي الملك، من خادمك ورد كولا: أتمنى لسيدي الملك موفور الصحة وعسى مردوخ
وصربانيتم، نبو وتشميتم، عشتار ـ نينوى وعشتار ـ اربيل، ننورتا وكولا، ونرجال ولاص
(las) أن ينعموا ببركاتهم الوافرة على سيدي الملك العادل.... وان تبارك الآلهة
العظام في السماء والأرض ملوكيتك على الدوام،.... وعسى ان تجعل ملوكيتك نافعة للناس
قاطبة مثلما ينفع الزيت الخالص النقي.... وان يلتفت سيدي الملك إلى قضية خادمه وان
ينظر إلى الموضوع برمته، أقول ابتداء انني كنت في أيام ابيك الملك رجلاً فقيراً
وابن رجل فقير كنت كلباً ميتاً وشخصاً وضيعاً محاصراً فانتشلني أبوك من المزبلة
وأصبحت اتسلم منه الهدايات وصار اسمي يذكر بين أسماء الرجال المحظوظين، وأخذت
استمتع بأكل (الفضالة) الدسمة واعتاد ان يعطيني من وقت لآخر بغلاً أو ثوراً، وفي كل
عام كنت أحصل على (مَن) أو (مَنّين) من الفضة وفي أيام سيدي عندما كان ولياً للعهد
كنت أتسلم (الفضالة) مع العرافين، كنت أقف عند فتحات النوافذ وأراقب... ولم أدخل
بيت خصمي أو بيت احد من رجال الحاشية،.... والآن وقد خلف أباه، فان سيدي الملك عزز
السمعة الطيبة التي حققها، أما أنا فلم أكافأ على ما حققته من أعمال، لقد عانيت
بشكل لم يسبق له مثيل حتى كدت أن أسلـّم (الروح)، ان سوء السلوك والنميمة وإفشاء
السر أشياء مقرفة، أما أنا فقد صنت امتيازات سيدي الملك وحميتها، غير ان أحداً، لم
يمد لي يد الإحسان... فإذا كان من اللائق ان يتسلـّم العلماء من الصنف الأول
ومساعدوهم، بغالاً، يكون من المناسب حقاً أن، يعطى لي حمار، وبالمثل، فطالما ان
الثيران توزع في شهر كانون الأول يكون من المناسب أيضاً ان يعطى لي ثور،... لقد
بعثت برسالة إلى سيدي الملك بواسطة ـ شرو ـ نوري ـ الخصي، حملتها كل ما ينتاب قلبي
من أحزان.... سيدي الملك انني لا أقدر على شراء نعل، أو أجرة خياط ولا أملك ثوباً
بديلاً، وقد تراكم بذمتي دين لمبلغ (6) مَنّ من الفضة، فضلاً عن الفائدة، كما اني
بلغت من العمر خمسين عاماً، وهم يقولون لي: عندما تتقدم في السن... مَنْ الذي يعينك؟
... الملك غير راضٍ عني واذهب إلى القصر دون جدوى، فاتجهت إلى العراف لكنني لم أجد
أي أمل... لقد كان متشائماً ولم ير شيئاً كبيراً، يا سيدي الملك ان رؤياك لسعادة
وان عطفك لحظ عظيم، فعسى أن يرق قلبك سيدي الملك وان تبعث لي دابتين على الأقل.
4 ـ الشاعر والعراف ساكيل ـ كينم ـ اوبيب:
تعرفنا عليه مؤلفاً لقصيدة العدل الإلهي، المدونة على مجموعة من ألواح الطين معظم
نسخها وجدت في مكتبة آشوربانيبال في نينوى من القرن السابع نظمت على شكل حوار بين
شخص معذب متشكك وبين صديقه. امتازت بأسلوب فني من التأليف الشعرية اللفظية، استوجبت
من الشاعر الالتزام بحرف معين في بداية كل بيت من أبيات القصيدة وهي صناعة شعرية
صعبة تتطلب مهارة عالية ومهارة شعرية ولغوية واسعة، وهو ما يُعرف بالمصطلح (الاكروستك
Acrostic) والذي يطلق على تلك القصيدة التي لو جمعت أوائل أبياتها لكونت جملة مفيدة
(أنا ساكيل ـ كينم ـ اوبيب كاهن الرقى عابد الإله والملك)، فالقصيدة تتكون من سبعة
وعشرين دوراً قوام كل دور أحد عشر بيتاً شعرياً، هذه الصياغة الشعرية الفنية تذكرنا
بنماذج مشابهة في القصيدة العربية، وفحوى القصيدة يدور حول التشكك والسخرية من جانب
المعذب الذي يدفعه تشككه في بعض المواقف إلى درجة التجديف والكفر، وتعتبر القصيدة
من الناحية الفنية الأدبية أمتع وأروع من بقية القصائد ذات العلاقة بالعدل الإلهي،
والتي سوف سنتناولها بشيء من التفصيل في مبحث لاحق.
وندون في أدناه تلخيص مضمون القصيدة:
المعذب: أنا طفل يتيم المولد، ماتت أمي أثناء الولادة وتركتني يتيماً.
الصديق: الموت نصيب جميع الناس.
المعذب: أنا في صحة رديئة، كئيب ومعسر.
الصديق: تكافئ الآلهة بالتالي المتقين.
المعذب: هناك أناس في رفاهية بدون تقوى، ولكني كنت تقياً بدون رفاهية.
الصديق: اننا لا نفهم طرق الآلهة، فغير الصالح الذي يترف مؤقتاً يُهجر في النهاية.
المعذب: حسب ملاحظاتي لم تكن الحالة كذلك.
الصديق: ان من الكفر ان تجادل قرارات الآلهة.
المعذب: هناك ميزات للحياة كمتسول دون مسؤوليات نحو الجميع.
الصديق: هذا جنون.
ويستمر الحوار ويضع نظرية العقاب المقدس على الممارسات المتشعبة للحياة العقلية،
ويتفق المتحاوران أخيراً على الاقتناع بأن البشر غير عادلين، وأنهم كذلك لان الآلهة
خلقتهم كذلك.
5 ـ الناسخ كوَ ـ ايا.
الذي قام باستنساخ ثلاثة رقم طينية تضم ما مجموعه (1245)سطراً لقصة الطوفان
اتراخاسيس من زمن حكم العاهل آمي صدوقيا ملك بابل (1702م ـ 1682 ق ـ م). كما أشير
إلى اسم الناسخ بصيغة (Ellet-ku) من قبل بعض المختصين في دراسات سابقة، وبأنه عمل
في مدينة سبار في زمن الملك نفسه، لكن إيضاحات أحد المختصين حول الألفاظ الأساسية
للعلامة (ku)، وخاصة عند استعمالها في التركيبات اللغوية السومرية. إذ أوضح ملابسات
تعدد الاسم بصيغ مختلفة، ومهما يكن فقد أوضحت الدراسات الحديثة كون اسم الناسخ (نور،
ايا) بدلاً من القراءات السابقة، إذ لم تكن هذه التعديلات الجديدة غريبة، فقد سبق
ان لاحظنا تبديل اسم المصطلح اوركاجينا وأصبح اوروانمكينا، واسم الجبل الذي رست
عليه سفينة الطوفان بجبل نيموش بدل جبل تيسير.
6 ـ رئيس الكتـّاب سين ـ لقي ـ اونني من الحقبة الكاشية:
عُرف من خلال الانتشار الواسع لملحمة كلكامش ذائعة الصيت بمعالجتها بالعبارة (طبق
سين ـ لقي ـ اونني) الكاهن من صنف مشمشو، ويرجح ان هذه الصيغة النهائية للملحمة قد
دونت على يد هذا الكاتب بحدود 1250 ق.م.
المصدر: الدكتور صلاح
سلمان رميض الجبوري، أدب الحكمة في وادي الرافدين، دار الشؤون الثقافية العامة،
بغداد، 2000م.
|