الحضارية «تاريخ العراق»
 

 

من سومر إلى الإسلام

(فصل من كتاب /العودة الى الأهوار)

كافن يونغ
ترجمة: علي البدران
(خاص للمعهد)

باستثناء الطوفان العظيم، كان على العراقيين القدماء أن يواجهوا سلسلة غير متناهية من الفيضانات الأقل حجما بعزيمة لا تقل عن عزيمتهم على مواجهة الأوبئة. يقول الدكتور فؤاد صفر، عالم السومريات العراقي المعروف: إن مياه دجلة كانت تغمر بانتظام وبشكل مدمر مساحات واسعة إلى الشمال والشمال الشرقي والجنوب الشرقي مما يعرف اليوم بمدينة العمارة. إن سومر الحقيقية وغالبية سكانها كانوا يقطنون المنطقة التي تعرف اليوم بـ «المنتفج» وهي المنطقة التي تمتد من ما يعرف اليوم بالناصرية وسوق الشيوخ والشطرة وصولا إلى بابل شمالا.

لا يوجد اليوم خبيران يتفقان تماما على الشكل الدقيق الذي اتخذته الأهوار في ذلك الوقت، بل حتى المجاري السابقة للنهرين العظيمين اللذين تعتمد عليهما الجداول وقنوات الري والأهوار في الجنوب لا يوجد شيء مؤكد عنها. أما اليوم طبعا فهما ينبعان من مرتفعات أرمينيا ويلتقيان في «القرنة» لينحدرا معا جنوبا نحو البحر من خلال شط العرب، وعلى الخارطة يبدوان وكأنهما شوكة رنين ضخمة. لكن من الممكن جدا أن يكون الفرات في يوم ما قد انحدر جنوب مدينة السماوة بشكل منفرد نحو البحر. عندما تنظر إلى أرض سومر من الأعلى تجدها تشبه حالة سيئة من حالات جدري الماء، فترى ببساطة هناك آلاف التلال والمرتفعات تنقط صورة المشهد الطبيعي،لتدل على مواقع العديد من القرى والمدن والبلدات، أغلبها ما يزال إلى الآن راقدا هناك بشكل غريب وغامض بانتظار وصول المستكشفين وعلماء الحفريات، حيث لم يتم التعرف عليه ولم يعط أسم لحد الآن. العديد من هذه المرتفعات القديمة تنتشر بشكل عشوائي في الأهوار، وغالبا ما أزور أحدها في «أبو شذر» في الأهوار الوسطى، والذي يبلغ ارتفاعه حوالي 300 قدم وعرضه 200 قدم فيما يرتفع حوالي عشرات الأقدام فوق سطح الماء عندما يكون منسوب الماء في أعلى مستوى له. وتسكن هذا المكان اليوم عشيرة «بيت نصر الله»، وهم من عرب الأهوار، مع جاموسهم ومواشيهم، وتدور حول هذا المكان حكايات مخيفة. اعتاد رجال العشائر المحليون على القول بأن ذهبا قد تم دفنه في هذه المنطقة، ولكن على حد علمي لم يتم العثور على أي ذهب هناك. من ناحية أخرى، عرض شخص على «ذيسكر» ختما قديما وقطعة من الرصاص نقش عليها، كما قيل له، رموزا فينيقية. كما قام «جون جوروج تايلور» في عام 1853 وهو نائب القنصل البريطاني في البصرة باكتشاف أجزاء من «البحيرة الكلدانية» كما كان يسمي الأهوار، وقد عثر هو الآخر على لفات من رقائق رصاصية في جرار مدفونة نقش عليها أدعية وتعويذات. يقول الخبراء اليوم، أن جميع تلك النقوش تعود إلى القرن السادس الميلادي وهي مكتوبة باللغة المندائية وهي لغة الصابئة، وهي طائفة قديمة ما تزال إلى اليوم تقطن المنطقة. فإذا كانت تلك الأختام قد وجدت قبل ألف وثلاثمائة سنة فإن من المحتمل أن تكون تلك الجزرـ المرتفعات ـ قد وجدت في عصر ما قبل الإسلام بل وحتى في العهد السومري، وبعضها كان صلبا كصلابة الأرض لا كصلابة الصخور، وهي مرتفعة جدا.

كتب ذيسكر أنه شاهد رابية جرداء داكنة ترتفع حوالي ثلاثين قدما فوق أطراف القصب، ومثل هذا المرتفع يسميه سكان الأهوار «إيشان»، ويعتقدون أنه موقع لمدينة منسية منذ القدم. كما شاهد «ذيسكر» مرتفع آخر يدعى «العزيزة» وقدّر ارتفاعها بخمسين قدما. تقع هاتان الرابيتان الكبيرتان في ريف «سويد» قرب الحدود الإيرانية شرق محافظة العمارة اليوم. يمكنك أيضا أن تجد قطعا من الأواني الفخارية، البعض منها ذو لون أزرق سمائي والبعض الآخر غير مزجج. واليوم يجد بعض سكان الأهوار بين الحين والآخر أحجارا مربعة الشكل مستوية تحمل نقوشا تشبه الرموز المسمارية، وأحيانا يجدون بعض قطع البناء المكسرة ذات لون أخضر غامق مزجج. قد يكون بعضها حديثة تعود للعصر الإسلامي، لكن في الواقع إن البعض الآخر والذي لا يزال قسم منه مدفونا وغير مرئي قد يعود إلى عصور قديمة جدا.
كانت الحياة جميلة في تلك الأزمنة البعيدة، الحدائق الخضراء النضرة، بساتين سومر وغابات النخيل التي تبدو وكأنها بلا نهاية، شبكات الري المعقدة والسدود الرائعة جعلت من بلاد مابين النهرين مخزن قمح لمنطقة الشرق الأدنى. الفلاحون الأثرياء والآلاف المؤلفة من المواشي والحيوانات، رجال الزوارق وهم يصطادون السمك ويغنون وسط غابات القصب العملاقة دون أن يقلقهم أحد، هكذا كان المشهد الذهبي عندما كان جنوب العراق فتيا، ذلك الفردوس الذي ضاع لاحقا بين الصراع والإهمال.
يعتقد أن السومريون هم الذين جلبوا جاموس الماء من الهند قبل حوالي 3000 سنة قبل الميلاد، يمكنك أن تراها الآن كما كانت آنذاك، بأجسامها الضخمة ذات اللون الأسود وهي جاثمة على مقربة من بيوت المعدان المبنية على جزر عائمة، أو بالقرب من بيوت المزارعين أيضا. وهي أليفة بالطبع كأبقارهم.
لقد نزحت الأقوام السامية المتنقلة ـ الأكديون والآراميون ـ من الشمال ومن الصحراء، ونتج من اختلاطهم مع السومريين غير الساميين ما يعرف بـ « البابليين». لكن سكان الأهوار من رعاة الجاموس وصيادي الأسماك الذين لم يتركوا ليعيشوا بسلام في أغلب الأحيان، فقد تعاقبت عليهم لعبة السلطة في مختلف ولايات بلاد الرافدين، لقد خضعوا على مدى قرون للحكم والحكم المضاد وإلى الصراع المرير بين الحكام، ثم جاء الرومان من الشرق القديم والآشوريون القساة بماكنتهم الحربية التي لا تقاوم ومزقت الأحداث المروعة تلك الفترة السلمية نسبيا والممتدة بين 1400 و 1000 قبل الميلاد، والتي أدرك خلالها ملوك القوى العظمى، كمصر وبابل وآشور ومملكة الحيثيين في الشمال، أن من الأفضل الحفاظ على توازن دقيق للقوى. في بابل قام الملك حمورابي بتنظيم القوانين وبنى المعابد وأصلح الزراعة. ولكن المشاكل كانت تتربص بهم فسرعان ما غزا الآشوريون المنطقة بهمجيتهم وقسوتهم التي لا توصف.
آشور ناصر بال وشلمانصر وادادنيراري وتيكلاثبايلسر وسنحاريب وآشوربانيبال كلها أسماء لملوك آشوريين مازالت ترن مثل صدى أجراس بربرية. سنحاريب هو الملك الذي هاجم عرب الأهوار أكثر من غيره، وبعد عام 705 قبل الميلاد أعلن نفسه «الملك العظيم، الملك الجبار، ملك الكون، ملك آشور، وملك أركان العالم الأربع» في عاصمته نينوى.
وسرعان ما مزقت إثنان من حملاته الخاطفة سلام الأهوا، فحروبه اجتاحت الشرق الأدنى والأوسط من مصر إلى جنوب الدولة الفارسية. وهو القائل في حملته الأولى في عام 703 قبل الميلاد: « أنقض مثل الأسد، وأثور مثل العاصفة». احتل بابل وزحفت جيوشه نحو الجنوب بمطاردة حامية لملكها ميروداكبالادان، لكن الملك الهارب كان محظوظا عندما لجأ إلى الأهوار واختبأ في أجمات القصب فهرع المعدان لنجدته فكان في مكان آمن.
برغم شعور سنحاريب بالاستياء، لكنه سجل في مذكراته: « لاحقته ـ أي الملك ـ وأرسلت جنودي إلى وسط مستنقعات الأهوار فبحثوا عنه لمدة خمسة أيام لكنهم لم يعثروا على محل اختفاءه».
مع ذلك لم يرجع سنحاريب إلى نينوى خالي اليدين، بل أخذ معه 208000 سجينا فضلا عن الخيول والماشية والأغنام. «الكلدانيون والآراميون الذين لم يستسلموا لإرادتي، انتزعتهم بعيدا عن أراضيهم، وجعلتهم يحملون السلال وقوالب الآجر. حصدت قصب الأهوار في بلاد الكلدان وجعلت رجال الأعداء الذين هزمتهم يداي يجرون قصبهم الجبار إلى (بلاد آشور)».
وفي حملة لاحقة في عام 694 قبل الميلاد هاجم سنحاريب عيلام، أي جنوب بلاد فارس على الخليج «البحر المر». وتهيأ لتلك الحملة ببناء السفن على دجلة في نينوى. وعندما أصبحت جاهزة تحركت بها كتائبه جنوبا نحو باب سالميت عند ثغر الفرات.
سجل سنحاريب: «جنودي الشجعان، اللذين لا يعرفون الراحة، حملتهم في السفن، وجهزتهم بمؤنة الرحلة، وبالعلف للخيل التي أبحرت معهم، ذهب جنودي أسفل النهر بينما بقيت إلى جانبهم على اليابسة»، ولكن فيضان الأهوار أوقف سفنه وجنوده خمسة أيام، فكتب «سفن جنودي بلغت المستنقعات في ثغر النهر، حيث يصب الفرات مياهه في البحر الرهيب».
بعد الآشوريين جاء الكلدانيون ثم الميديون الذين حطموا الإمبراطورية الآشورية. ثم جاء البابليون الجدد، الذين هزم ملكهم نبوخذ نصر الجيش المصري المعتدي في العام 605 قبل الميلاد، ولكن بابل كانت قد انهارت تقريبا بحلول 539 قبل الميلاد، فاحتلها عظيم فارس كورش، ثم اليونانيون من بعده. كما مر الاسكندر المقدوني في جنوب بلاد مابين النهرين، عند عودته من الهند إلى المدائن، حيث توفي هناك على نهر دجلة، ربما بسبب الحمى التي أصيب بها في المستنقعات. وكان قائده البحري «نيركوس» قد أنشأ ميناءً قرب مدينة البصرة (التي لم تكن موجودة آنذاك) بالقرب من مدينة «خرم شهر» اليوم، وقد سمي في بعض الفترات بـ «الأسكندرية» و «أنتطيوق» و «سبازيناوكاراكس»، ومرت عبره الكثير من البضائع من الهند إلى المنطقة العربية، ولكن اليوم لم يتبق منه أي أثر.
كان مجيء الإسلام هو الحدث الأبرز ليس في تاريخ الأهوار فحسب بل وفي تاريخ الشرقين الأدنى والأوسط. فحتى ذلك الحين كانت هجرة القبائل مستمرة من الصحراء العربية، بغض النظر عن دياناتهم سواء كانت مسيحية بيزنطية أم وثنية، فجنوب العراق هو جزء من العراق العربي.
في عام 634، أي بعد سنتين من وفاة النبي محمد في المدينة، ظهر القائد الإسلامي الجريء خالد بن الوليد الملقب (سيف الإسلام) على ضفاف دلتا الفرات بقوة تعدادها 18000 من رجال القبائل العربية. لقد كان نابليون عصره. عصف بواحات العراق بعد حملات ناجحة في شمال ووسط الجزيرة العربية. فحتى تلك اللحظة لم ير جنود خالد الداخلين تواً في الإسلام سوى الجبال والصحارى، لقد وقعت عيون عرب الصحراء الدهشى على نوع من أنواع الفردوس، وقد كانت كذلك بالفعل، فهم لم يشاهدوا من قبل مثل هذه القنوات والحقول الخضراء وحقول القمح المتموجة أو هذه المياه، ففي نهاية المطاف ها هم اليوم على وشك النزول في مهد جديد للحضارة والفنون، فهذه المنطقة كانت آنذاك مقاطعة فارسية يحكمها الدهاقنة ـ حكام المقاطعات الفرس ـ.
طغت الحضارة الجديدة على المجد القديم، فلم يبق آنذاك من أور وبابل ونمرود ونينوى الآشورية شيئا سوى رواب مندرسة. واليوم حتى تلك القوة والتي بدت راسخة ـ إمبراطورية الساسانيين الفارسية ـ جردت من امتازاتها بشكل سريع ومفاجئ.
في البداية شتت المقاتلون العرب جيشا للفرس مبهرجا بالأمراء والنبلاء عند آبار «حافر» على حافة الصحراء. ويذكر أن جنود الفرس كانوا موثقين إلى بعضهم البعض بسلاسل لمنعهم من الهرب، ولذلك عرفت المعركة بـ «ذات السلاسل».
ثم ما لبث جنود خالد بن الوليد أن اندفعوا بخيولهم نحو الفرات الذي سرعان ما اجتازوه إلى حافات آجام القصب. وكان إنذار خالد لسكان المنطقة كالآتي: « أسلموا تسلموا وإلا فعليكم الجزية، فإذا رفضتم فلا تلوموا إلا أنفسكم، فقد جئتكم بأناس يحبون الموت كما تحبون الحياة».
نجحت تهديدات خالد، فلم يتم التعرض لسكان الأهوار وحرفييهم، وظلوا محتفظين بأرضهم. أما القبائل المسيحية في المنطقة فقد وافقت على دفع الجزية وسمح لهم بالبقاء على دينهم من دون أي تدخل. لكن جيش المسلمين تعرض لاحقا إلى نكسة، ففي تشرين الثاني من عام 634 حشد البطل الفارسي والقائد الشجاع للإمبراطورية الفارسية المفككة، قواه وتقدم عبر الغراف بجيش معزز بالفيلة، التي كانت هوادجها المحملة بالجنود كأنها قلاع متحركة. فقد نشر راياته الإمبراطورية المصنوعة من جلد النمور، وهزم الجيش العربي ـ بل قضى عليه تقريبا ـ بالقرب من الحيرة غربي الفرات.
لكن الفرس هزموا أيضاً، فقد حشد المسلمون جيوشهم وهزموهم في معركة بويب عام 635 للميلاد، وقتل رستم في معركة القادسية ودمر جيشه بالكامل. وفي ذلك الوقت أمر الخليفة عمر بإنشاء مدينتين في جنوب العراق هما الكوفة والبصرة، وكلاهما كان عبارة عن قاعدة عسكرية. في البداية بنيت بيوت المدينتين من القصب، وكانت المساجد تبنى من القصب والطين ثم بعد ذلك من اللبن، ما لبثت المدينتان أن توسعتا لتصبحا مركزين مهمين من مراكز العالم الإسلامي، فقد جعل عمر من الكوفة عاصمة للبلد الذي تم فتحه حديثا، أما البصرة فقد أصبحت الميناء التجاري المزدحم بين العالمين الشرقي والغربي.
رحب السكان المحليون بالجنود العرب. كانت معظم قبائل بلاد ما بين النهرين في ذلك الوقت مسيحية، وكان غالبا ما تساء معاملتهم من قبل الفرس الزرادشتيين، وكانوا يشعرون بأن الفرس غرباء عنهم. أما الآن فإن علاقاتهم مع عرب الصحراء القوية أساسا قد تعززت أكثر. وعلى أثر النصر انتقلت الكثير من القبائل العربية الصحراوية للعيش في سهول بلاد ما بين النهرين الخصبة. اختلط هؤلاء العرب الخلص من مربي الجمال القادمين من صحراء الجزيرة العربية مع سكان الأهوار في الأسواق وفي الحقول المجاورة لمناطق الأهوار والمستنقعات، فتعلموا تقاليدهم وتزوجوا منهم وأعطوهم في المقابل عقيدتهم الجديدة وهي الإسلام.
في زمن الخليفة الرابع علي أصبحت البصرة والكوفة والمناطق المحيطة بهما مسرحا للصراع. فبعد تسلمه الخلافة نقل علي عاصمته من المدينة إلى الكوفة.
كان علي ابن عم النبي محمد وزوج ابنته إلا أن العديد من الناس رفضوا الاعتراف بخلافته بما فيهم زوجة الرسول المفضلة ذات المزاج الحاد عائشة، والزبير بن العوام وطلحة بن عبدالله، وهما من صحابة النبي محمد. قام هؤلاء الثلاثة بتشكيل جيش قبلي في البصرة لمحاربته، وبرغم الجهود الكبيرة التي بذلها علي، ذلك الرجل المتسامح، لتجنب هذه الحرب إلا أنه أجبر على خوض هذه المعركة. فكانت «معركة الجمل» التي وقعت بين جيش علي وجيش مناوئيه في كانون الأول من عام 656 للميلاد. كانت عائشة تمثل عامل حشد رهيب، حيث جلست في هودجها بشكل جلي على ظهر جمل ـ ومن هنا جاء اسم المعركة ـ الذي سرعان ما أصبح أشبه بوسادة لجمع الدبابيس لكثرة ما غرز فيه من السهام. لقد كان أمرا مأساوياً. فقد كان القتال عنيفا يقتل فيه الأخ أخيه، حيث قاتل بنو ربيعة الكوفة بني ربيعة البصرة، وانقسمت القبائل الأخرى على نفس الوتيرة. كان ضجيج الجيشين يشبه ذلك الذي تسببه ارتطام الأمواج بالشاطئ، وعند حلول المساء كان كل من طلحة والزبير قد قتلا، وأنزل علي عائشة وهي تصرخ بغضب من على جملها المصاب، وأرسلها إلى بيتها في المدينة بكل احترام. كان علي رجلا شهما، حيث بقي عدة أيام بعد المعركة في البصرة، وحفر خندقا كبيرا ودفن العدد الكبير من القتلى. وسميت إحدى المدن الصغيرة هناك على اسم الزبير وهي ما تزال قائمة لهذا اليوم بين بساتين السنط خارج البصرة. بعد ذلك القتال الدامي الأول الذي وقع بين المسلمين لابد وأن يكون سكان الأهوار قد عادوا إلى أهوارهم وهم أكثر وعيا.
استمر صراع علي مع مناوئيه الأمويين المتمركزين في سوريا على الخلافة (يمكن تشبيه ذلك بالصدع الذي حدث بين البروتستانت والكاثوليك) حتى عام 661 للميلاد. حيث اغتيل ذلك الرجل النبيل والباسل وهو في طريقه إلى مسجد الكوفة، ودفن في النجف القريبة من الكوفة فأصبح مقدسا لدى المسلمين الشيعة.
علي يمثل بالنسبة للمسلمين، بل وللعرب جميعا، قيم الفروسية والشهامة، فهو النموذج الذي كتبت عنه دواوين الشعر والقصص والحكم. والشيء نفسه ينطبق على الحسين ولكن بدرجة أقل، الذي سار إلى الكوفة بمجموعة تتألف من 200 نفر من أصحابه ليطالب بخلافة أبيه القتيل من الحاكم الأموي في العراق. ولكنه حوصر في كربلاء بقوة تفوق قوته بكثير فهزم وقتل الحسين في اليوم العاشر من المحرم سنة 61 للهجرة (10 اكتوبر 680 للميلاد). العباس هو أحد أبناء علي، فقد كلتا ذراعيه ثم قتل وهو يحاول جلب الماء لأنصار أخيه المحاصرين. والقسم بالعباس يعد أكبر قسم ملزم لدى سكان الأهوار اليوم.
لقد برهنت تلك الأحداث التاريخية الحاسمة والمثيرة على أنها ذات تأثير مدمر على الاقتصاد الزراعي الذي يعتمد عليه العراق، فقصة بلاد الرافدين باختصار هي قصة الري، فالمهارات المبكرة للسومريين في استصلاح الأراضي كانت محط إعجاب خبراء الري منذ القدم. سدودهم التي طوقت مساحات شاسعة مكنتهم من بناء خمس مدن وقرى مزدهرة تحت مستوى سطح البحر. كانت المساحات المطوقة المستصلحة تروى عن طريق فتحات في جدران السدود، لكن هذه الاعمال خربت فيما بعد. في القرن الخامس كانت هناك فترات عديدة ساد فيها الاضطراب السياسي والإهمال الإداري، فغرقت المدن والحقول بسبب انهيار السدود المهملة، ثم أن سوء الإدارة أحبطت محاولات الاستصلاح اللاحقة. إن انهيار أكثر أنظمة السيطرة المائية براعة عرفها الإنسان، تعزز بعد فشل محاولات الملك الساساني غير المحظوظ في القرن السابع الميلادي. فقد حشد طاقات القادرين على العمل في محاولة إنقاذ يائسة، بل نفذ حكم الإعدام بشكل علني ـ صلبا- بأربعين من خبراء بناء السدود الذين فشلوا في رأب صدع مهلك في إحداها، غير أن جهوده باءت بالفشل.
كان العهد الذهبي للخليفة العباسي هارون الرشيد في بغداد (786- 809 م) يمثل فسحة للتنفس في خضم هذا الانحدار الكئيب. فهذا الحاكم العربي الرائع الذي كان أكثر تألقا من نظيره شارليمان، أشرف على برنامج حيوي لإعادة إصلاح السدود والقنوات أسفل نهري دجلة والفرات. وبعد ألف ومائة عام اضطر السير وليم ول كوكس إلى الاتفاق مع هارون الرشيد على أن أفضل طريقة لإعادة إرواء تلك المساحات هي بإعادة حفر وفتح القنوات التي أنشأها البابليون، وهذا ما حاول ولاة هارون الرشيد عمله بدلاً من المباشرة بتنفيذ برنامج جديد، وقد كانت النتائج طيبة فجاءت فترة أخرى من الثراء الزراعي، حيث ازدهرت زراعة الشعير والقمح والرز والتمر والسمسم والسكر على امتداد الأراضي لكنها لم تعمر طويلاً. فبعد هارون الرشيد وولده المأمون بدأ الانحدار على طول الخط. وبحلول عام 1000 ميلادي كان جبروت وعظمة إمبراطورية هارون الرشيد قد اختصر إلى مجرد ولاية ذات حكم ضعيف وفاسد. فقد خمدت الخلافة في بغداد وإلى الأبد في عام 1258 م باجتياح هولاكو، حفيد جنكيزخان، وجماعته من الجنود المغوليين بخيولهم الخشنة، ودمر: «المدينة المقدسة التي لا تضاهى».
لقد صنع هولاكو هرما مروعا من جماجم علماء بغداد وشعرائها وفقهائها، وحولها إلى ولاية خاضعة لسيطرة الحاكم المغولي في إيران. ودمر هولاكو نظام الري المتقن ـ شبكة السدود المثالية التي استطاع بواسطتها هارون الرشيد استصلاح أراضي الأهوار- واستكملت جيوش تيمورلنك تدميرها في عام 1401 ميلادية. تفسخت الولاية ذات الجنائن، أغنى الولايات في زمن الخلافة العباسية، إلى منطقة غارقة بالمياه لقبائل رعوية ذات عدد متضائل من السكان في عدة مدن. فردوس مفقود لكنه يجب أن يسترد. أخذت مياه دجلة منذ ذلك التاريخ تفيض دون عوائق في الجانبين الشرقي والغربي جنوب مدينة الكوت وعلى جانبي مدينة العمارة. أما الفرات فيسفح مياهه جنوبا باتجاه البحر بدأً من سوق الشيوخ، وقد خلقت مياه الفيضانات تلك أهواراً دائمة جديدة.
ارتفع عدد سكان الأهوار أثناء ذلك بسبب موجات اللاجئين العرب الهاربين من مذابح المغول. وقد انظم إلى المعدان، من دون شك، من بقي على قيد الحياة بعد انتفاضة العبيد الكبرى في منطقة البصرة، ضد خليفة بغداد في القرن التاسع الميلادي. فقائدها علي بن محمد جعل مقره في الأهوار، وقاد حرب العصابات على شكل كمائن وغارات ليلية من ملجأه هناك. وتمكن من فرض سيطرته على البصرة بشكل حقيقي قبل أن يلقى عليه القبض ويقتل بعد ذلك بأربعة عشر عاما. وقد أرسل قائد الخليفة رأسه إلى بغداد، وتم تشتيت جيشه الثوري كليا. فكم من هارب وجد له في الأهوار ملتجأ آمنا؟ البعض منهم بالتأكيد.
بعد كارثة الاجتياح المغولي الشهيرة أصبح تاريخ العراق أسيرا للصراع الفارسي التركي. تفاصيل ذلك الصراع لم تقلق عرب الأهوار بشكل مباشر. من المعروف أن الحاكم العربي في البصرة كان يدفع ضرائب سنوية للشاه أبان السيطرة الفارسية. وعندما سقطت بغداد بيد السلطان التركي سليمان الكبير في عام 1533 م، خضعت له عشائر أهوار البصرة والحويزة والأهوار الوسطى بسرعة. لكن ذلك لا يعني أنها أذعنت ذليلة للباشا التركي في بغداد بعد ذلك التاريخ، بل على العكس بقيت تلك العشائر معادية له بشكل كبير. فمثلا،في عام 1546م، اضطرت تركيا لتجهيز حملة عسكرية كبيرة (ساهمت فيها 300 باخرة) لمواجهة تلك العشائر في البصرة. وقد لوحقت العشائر بعد معركة وقعت قرب الجبايش حتى حافات البردي. ومع ذلك أعادوا الكرة في العام 1549م. حينذاك هزمهم علي باشا تمارود قائد الإنكشاريين، وهم أفضل جنود السلطان، عند نهر الفرات. لكن المعدان الذين لا يعرفون الهزيمة استمروا بتهديد أطراف البصرة.
بحلول عام 1500م أصبحت التقاليد العربية هي السائدة في العراق. فقد سادت اللغة والثقافة العربيتان المتأصلتان في الإسلام، من الموصل حتى البصرة. ففي الجنوب كان إلى جانب البصرة، كانت هناك نواحي مثل «الدير» (على شط العرب)، «نهر عنتر»، «المنصورية»، و«كوت المعامر». أما المدن الحديثة كالعمارة والكوت والناصرية فلم تكن موجودة قبل القرن التاسع عشر. أصدر السلطان التركي مرسوما بجعل البصرة ولاية تابعة للباشا في بغداد. أما والي الحويزة فقد حكم القبائل العربية في عربستان ـ وأبرزها قبيلة بني كعب ـ التي امتهنت زراعة الرز وتربية الجاموس في الأهوار والبراري الممتدة عبر الحدود الحالية بين العراق وإيران، من القرنة وشط العرب حتى الأهواز.
في الثلاثمائة سنة أو أكثر اللاحقة، كانت هناك فترات أقل ما يقال عنها أنها مضطربة. فالبصرة ظلت مركزا للمتاعب بالنسبة إلى الحكام العثمانيين على الرغم من الحملات العسكرية التأديبية المتعاقبة المرسلة من بغداد، فلم تنفع كافة الوسائل التي اتبعها الباشوات للقضاء على المشاغبين العرب ـ فلا ضربات كتائب الانكشاريين ولا الغرامات ولا السجون ـ فلا الجيوش ولا العقوبات القاسية لها تأثير دائم. في الواقع أصبح العداء العربي ـ في القرن السابع عشر ـ من الكثافة بحيث أن الباشا التركي في البصرة لم يستطع الاستمرار في المقاومة، ففر متنازلا عن السلطة (لقاء مبلغ من المال) إلى قائد عربي لا يعرف عنه الشيء الكثير ويدعى «أفراسياب». لكن ابنه الشجاع علي باشا تمكن وبمساعد البحرية البرتغالية، من صد الهجوم الفارسي على القرنة في عام 1624 م. عموما كان علي باشا رجلا بمنتهى التهذيب ومثالا للنبل العشائري. البعض قارن محكمته في البصرة بمحكمة هارون الرشيد نفسه. وازدهرت الفنون وأصبحت الحكومة أكثر إنسانية وليبرالية في هذه الدولة التي تقع ضمن الدولة التركية. وحتى عرب الأهوار تمت ترضيتهم لبعض الوقت، لكن لبعض الوقت فقط. فحسين باشا الذي أعقب عليا كان رجل تعوزه اللياقة، فهو لم يكن متسامحا مع المعدان كما كان متوقعا، وفرض ضريبة على الجاموس، لهذا عندما حاصره جيش السلطان في القرنة عند نهاية المطاف لم يجد من يسانده من أبناء العشائر الذين تلاشوا في غابات البردي.
أصبحت قبائل جنوب العراق الموحدة قوة يحسب لها حساب. فقد تشكلت أحلاف قبلية قوية. فقد شكل «حفاظ» ـ وهو حفيد أحد أفخاذ بني لام ـ حلف بني لام الكبير، وذلك في المساحة التي تقع وسط وأسفل دجلة، نتيجة للنزاع مع الحاكم الأعلى لمنطقة الحويزة. كما تشكلت في القرن السابع عشر أيضا تجمعات البو محمد إلى الجنوب الشرقي والجنوب الغربي من مدينة العمارة الحالية، والتي دخلت في نزاع مع بني لام امتد لقرون. في القرن الثامن عشر كتب الرحالة الشهير «كارستن نيبور» عن بني لام قائلا: «هي قبيلة كبيرة.... يأخذون رسوما على البضائع التي تنقل من بغداد إلى البصرة، وهؤلاء العرب يسلبون القوافل في بعض الأحيان، فيرسل باشا بغداد آنذاك قواته لمطاردتهم، وأحيانا يعاقبهم بقطع رؤوس شيوخهم، ولكن ورثة الشيوخ المقتولين دائما يكونون أشد عداءً للأتراك وأكثر تحمسا للحفاظ على حريتهم كما كان أسلافهم».
أكثر الأحلاف قوة كانت تلك التي أنشأت في الفرات الأدنى. فبعد مدة طويلة من القتال والثأر، اتحدت القبائل الرئيسية ـ بني مالك وآل جواد وبني سعيد ـ في المنطقة بين السماوة وهور الحمار- وكان ذلك تحت قيادة آل شبيب. وأصبحت تلك الأحلاف مشهورة حتى خارج العراق، كما هو الحال مع «المنتفج» في العام 1770م. يشير نيبور إلى أن شيخهم الكبير كان مقيم في «نهرعنتر» بالقرب من القرنة، ويقال أنهم فرضوا سيطرتهم على عدد كبير من القبائل التابعة لهم وبضمنها «مربي الجاموس» ولاحظ أن «الأراضي الواقعة بين دجلة والفرات تتشابك فيها أعداد كبيرة من القنوات وتسكنها قبائل تمتهن الزراعة، أو المعدان».
وعن الناس العاديين يقول نيبور: «إنهم فقراء كما يجب أن يكون عليه أتباع أولئك الشيوخ الذين يعيشون في بحبوحة، ولكنهم لا يميلون إلى تعذيب فلاحيهم ليصبحوا أكثر غنى» (الرجل الذي كتب هذا لم يكن لبراليا سابقا لأوانه، بل هو ضابط دانيماركي صغير). ومع ذلك، وبالرغم من كونهم فقراء لكنهم كانوا قادرين على القتال. ففي عام 1775م، وبعد ثلاث سنوات من نشر كتاب نيبور،تصدى مزيج من المدافعين إلى هجوم فارسي واسع على البصرة. فقد جلب شيخ المنتفج ثامر السعدون مقاتليه إلى البصرة المحاصرة، فيما احتل أخوه عبدالله، الزبير. وبعد ثلاث سنوات أوقعت عشائره هزيمة قاسية بقوة فارسية غازية مؤلفة من 12000 رجل من المشاة والفرسان. فقد استدرج ثامر، شيخ المنتفج، الفرس إلى مكيدة قرب السماوة، وحينما توغلوا في الأهوار هجم عليهم برجاله وقتل منهم المئات. يقال أن ثلاثة فقط من الفرس نجو بحياتهم ووصلوا البصرة. فيما بقيت عظام القتلى شاهدة على مكان المعركة لجيل كامل.
يضيف نيبور: «تستقي القبائل أسماءها من شخص منتفجي جاء من الحجاز، وينتمي لعائلة شريفة يعود تاريخها إلى ما قبل الرسول محمد، والشيء الوحيد المؤكد هو أن المنحدرين من هذا المنتفجي كانوا غرباء (مقيمين) في هذا البلد منذ القدم». هناك على أية حال شك معتبر حول مصدر كلمة المنتفج ـ برغم آراء نيبور المثيرة للإعجاب ـ ويعتقد البعض أنها مشتقة من الكلمة العربية «اتفاق».
يعلق نيبور كذلك على قبيلتين واقعتين شرقي الفرات، شيخ إحداهما يدعى «فونتل» (Fontil) وشيخ الأخرى يدعى «حمود»: «كان بإمكانهما تحشيد 2000 فارس وعدد مناسب من المشاة، وكان والي بغداد قد حارب هؤلاء الناس بنجاح متعثر مؤخرا، تلك القبائل المنحدرة من أصل عربي خالص، تعيش على لحوم المواشي والجاموس وزراعة الأراضي.... ويدعون معدان».
في ضوء معرفتنا للتطور السياسي في العراق، سيكون من الممتع قراءة ما كتبه نيبور عام 1770م وجاء فيه: « أن الحروب العديدة التي جرت بين القبائل من جهة وبين باشا بغداد من جهة أخرى كانت دلالة على استقلال العرب، على الرغم من أن الضباط العثمانيين اعتبروها تمردا».
إن أبناء القصب المعزولين قد كبروا. ألم يكونوا سوى صيادي أسماك مسالمين من سومر، ثم أصبحوا حماة للاجئين من «ملك الكون» الآشوري، وخيالة المغول؟ فيما وجدهم بعد ذلك شاهات وخانات الفرس أناس من نوع آخر. مرت عليهم قرون طويلة من التعامل مع وافدين مكروهين ـ جنود أجانب، جباة ضرائب، سارقي ماشية، ومعاوني حكام قساة- كل ذلك ولّد لديهم شكوكا حول القادمين، وجعلهم بارعين في إخفاء مشاعرهم الحقيقية، كما اكتشفت ذلك لا حقا، فقد لاحظتهم وهم يتكلمون مع موظفي الحكومة بأدب شديد ووجوه جامدة ويقظة كوجوه لاعبي البوكر.
لكن هناك تغييراً آخر قد طرأ عليهم، فقد تغير المعدان بسبب الغرس المستمر لدماء القبائل العربية الحارة منذ أيام خالد بن الوليد والخليفة علي بن أبي طالب فنازلا. وبالرغم من أنهم استمروا بصيد السمك وتربية الجاموس وزراعة الرز، إلا أنهم أصبحوا مقاتلين أيضاً، وتعلم الباشاوات أيضا أن عليهم أن يفكروا مليا قبل أن يرسلوا الجيوش لأجل ترويضهم. وأصبح سكان الأهوار عرب الأهوار بنفس الروحية المتوثبة لأقاربهم من عرب الصحراء. فهم يسمون الرجل الشجاع «سبع» أي أسد، ويسمون الناس الماكرين بأنهم «مثل الفيران» يعيشون على دهائهم تحت الأرض بهدوء وحذر. لهذا فأن الرجل المثالي عند المعدان هو الذي يعيش نصف أسد ونصف فأر، مخلوق غريب ولكن لا يمكن الإيقاع به بسهولة في بيئته الخاصة.