قراءة في كتاب منهج البحث
الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية
قراءة: د. محمد بن نصر
اسم
الكتاب: منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية
تأليف:
محمد محمد أمزيان
الناشر:
المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1991م ، ط2 2008م
قراءة: د. محمد بن نصر

في مقال له بعنوان
"الإسلام والعلوم الاجتماعية: تساؤلات حول أسلمة المعرفة" ،
تساءل برهان غليون عن مصداقية الدعوة إلى أسلمة المعرفة
قائلاً: إلى أي مدى يعكس الانتشار المتزايد لهذا الشعار ميلاد
حركة تجديدية فعلية في مناطق العلوم الاجتماعية الحديثة، ويشكل
مصدراً لنمو مناهج علمية أصيلة وطريفة في المجتمعات الإسلامية
والعالمثالثية؟ وإلى أي مدى لا يعبر تنامي اللجوء إلى هذا
الشعار عن نشوء آلية تعويضيه، يحاول المجتمع بواسطتها التغلب
على مشاعر الخوف من انعدام الآفاق ومن القطعية التاريخية
والانحدار نحو الهامشية الناجمة عن الإخفاق في استيعاب هذا
العلم والتحكم به؟ وإلى أي حد لا يعبر رفض هذا العلم عن اليأس
من اكتسابه، كما يغطي الحديث عن أسلمته الفشل في السيطرة على
الطاقة الجبارة التي يمثلها، وإظهار هذا الفشل كما لو كان
اختياراً واعياً ينبع من التمسك بالذاتية والإخلاص لمتطلبات
حماية الهوية الوطنية أكثر من التعبير عن الخيبة"؟
من المنطقي جداً أن يتساءل
غليون كل هذه التساؤلات حول إسلامية المعرفة باعتباره قد انطلق
من مسلمة تقول بأن ولادة شعار أسلمة أو إسلامية العلوم كان
إفرازا طبيعيا لحالة التهميش التي يعيشها المسلمون وانهيار
الآمال والأحلام الكبيرة وإخفاق مشروع التنمية الاقتصادية
والاجتماعية العالمي، ولكن ليس من المنطقي ولا من حق غليون،
وهو الحريص على الموضوعية والعلمية، أن يحوّل هذه التساؤلات
إلى أحكام نهائية في خاتمة المقال المذكور، خاصة وأنه قد سلّم
في ثنايا المقال بأنه "كان من الممكن للدراسة العلمية للأدبيات
الصادرة عن المراكز العلمية التي جعلت من هذا الموضوع هاجسها
وغرضها الأول أن تشكل مدخلا هاما لفهم المقصود من أسلمة العلوم
وتحليل المعاني المختلفة التي تتجسد فيها التجربة البحثية
ذاتها ولكن لسوء الحظ، لمم يتسنى لي أن أطلع على أغلبها. أما
النماذج التي وقعت بين يدي حول مشكلة التأسيس الإسلامي للمعرفة
العلمية فلا تسمح لي باستنتاجات منظمة ومنهجية حول هذا النشاط
العلمي الجديد . وعلى الرغم من هذا النقص لا يمكّن صاحبه من
فهم هذا المشروع فضلاً عن إصدار أحكام نهائية علية فإننا لا
نريد أن نحمّل المسؤولية الكاملة لغليون. ذلك أن المعنيين بهذا
المجهود العلمي أنفسهم قد أكثروا من الحديث حوله دون أن يوازوا
ذلك بإنتاج منهجي ومنظم يجمع بين التأسيس النظري والتطبيق
العلمي. وحتى تلك المجاملات القليلة التي تم إنجازها في هذا
المجال لم تنل الاهتمام الكافي والمتميز من طرف الباحثين
الإسلاميين، باستثناء تلك المجهودات التي يبذلها، مشكوراً،
المعهد العالمي للفكر الإسلامي، حتى بدا هذا الشعار وكأنه دعوة
رفض مطلقة ومجانية لكل التراث المعرفي للإنسانية وفرض "الرقابة
الدينية" وأحكامها على كل المجهودات الفكرية والعلمية.
في هذا الإطار كان خيارنا
قراءة كتاب الدكتور محمد محمد امزيان الموسوم "منهج البحث
الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية"، حيث سنحاول في البداية
إبراز القضايا الأساسية والأفكار الرئيسية للكتاب، ثم نردف ذلك
ببعض الملاحظات المتعلقة بمنهجية الأطروحة ومضمونها.
يقع الكتاب في 516 صفحة من
الحجم المتوسط بما في ذلك لائحة المصادر والمراجع وفهرس الآيات
وكشاف الأحاديث والكشاف الموضوعي. وقد بناه المؤلف على أربعة
أبواب جاءت كما يأتي: الباب الأول، نقائص وسلبيات
"الميتودولوجيا" الوضعية، الباب الثاني، تمثيل المدارس الوضعية
في الوطن العربي والبديل المنهجي، الباب الثالث، بعنوان "أسلمة
العلوم الاجتماعية والضوابط المنهجية للبحث الاجتماعي، أما
الباب الرابع، فقد جاء تحت عنوان" نحو صياغة منهجية لدراسة
التراث الاجتماعي في الإسلام. وقد اشتمل كل واحد من هذه
الأبواب على عدد من الفصول.
ينطلق الكاتب من فكرة
أساسية كانت هي الخيط الناظم لكل أبواب الدراسة وفصولها،
مفادها أنه "لا يمكن أن نتصور في مجال العلوم الإنسانية منهجاً
محايداً مستقلاً عن الفلسفة التي انبثق عنها، والتي يصدر وفق
قراراتها وتوجيهاتها وأهدافها (...) فالفلسفات الوضعية
والمادية على الرغم من الاختلافات القائمة بينها تحتمي وراء
المناهج العلمية الحديثة في سبيل إعطاء تبرير مشروع لتصوراتها
المادية حول العالم والإنسان والحياة (ص15). انطلاقاً من هذا
الفهم، الذي يصفه المؤلف بالواعي، وانطلاقا من قناعته والتزامه
بالمضمون العقدي والمذهبي للإسلام، جاء هذا الاهتمام بموضوع
"منهج البحث الاجتماعي" وذلك في محاولة لتأصيل منهج ينبع من
منظومتنا الفكرية ذات النسق المتميز عن كل الفلسفات والمذاهب
والاتجاهات ذات النـزعة الإنسانية المحضة" كما يقول الكاتب (ص
15). وقبل أن ينطلق المؤلف في تقديم خصائص المنهج الإسلامي بدأ
بإثبات القضية الأولى المتمثلة في الارتباط الوثيق بين مناهج
البحث الغربية أو بالأحرى الوضعية نظراً إلى أنها أصبحت سائدة
في كل الجامعات ومراكز البحوث بما في ذلك العالم العربي
والإسلامي، ثم تعرض إلى محاولات التحرر من المناهج الوضعية
والبحث عن مناهج بديلة، وكيف كان مآلها الفشل لأنها، حسب تقدير
المؤلف، "ظلت ملتزمة بالمفاهيم الوضعية والمادية في تحليلها
لكثير من القضايا الاجتماعية، وظلت المفاهيم التي تستعملها
متشبعة بالروح المادية".
ويعترف الكاتب بأنه استفاد
من هذه المحاولات رغم الأخطاء القاتلة التي وقعت فيها ولكن هذا
لا يمنعه من القول بأن جهده "يعرض لموضوع التأسيس المنهجي لعلم
الاجتماع الإسلامي بشكل يستوعب جزئياته ويعطي تصوراً شاملاً
للضوابط التي ينبغي أن تحكم المنهج المتبع في الدراسات
الاجتماعية وفقاً لما تفرضه المذهبية الإسلامية من توجيهات
ومفاهيم وتصورات..." (ص17). إذن نحن أما كاتب على إحاطة ووعي
بالفلسفة التي تأسست عليها العلوم الاجتماعية، وعلى دارية
بمحاولات التأسيس لمذاهب جديدة أو بديلة في منطلقاتها العقدية
ويعبر بالفعل عن المذهبية الإسلامية وهو المنهج الوحيد، حسب
رأي الكاتب، القادر على تحرير المسلم من التناقضات التي يعيشها
في ذهنه وفي واقعه. ولكي نتعرف على الأفكار الأساسية في هذا
الكتاب يمكن أن ننطلق من أسئلة ثلاثة تكون بمثابة المعالم التي
توجهنا في قراءة الكتاب وفهم مراد الكاتب.
1) ما سلبيات المنهجية
الوضعية ونقائصها التي أعاقت -حسب وجهة نظر الكاتب- العلوم
الإنسانية عن التقدم وإعطاء صورة أمثل لما ينبغي أن تكون عليه؟
2) ما المبررات التي جعلت
الكاتب يخلص إلى أن محاولات القائمين على دراسة التراث
السوسيولوجي في الوطن العربي والإسلامي قد جاءت في غالبها
انعكاسا وتكرارا للنظريات الاجتماعية على اختلاف اتجاهاتها
وتياراتها وتناقضاتها؟
3) ما الخصائص والمميزات
الأساسية للمنهجية الإسلامية في العلوم الإنسانية عامة وفي
العلوم الاجتماعية تحديداً؟ وكيف السبيل إلى تحقيق التوافق بين
النظرية الاجتماعية والأصول الإسلامية؟
سلبيات
المنهجية الوضعية ونقائصها؟
يجتهد الكاتب في البحث عن
الجذور البعيدة والخفية للمنهجية الوضعية وينطلق في ذلك من نص
لإميل بورترو، أحد الفلاسفة الفرنسيين. وهو نص ننقله هنا لأنه
على غاية من الأهمية عند المؤلف. يقول إميل بورترو: "إن أمر
العلاقات بين الدين والعلم، حين يراقب في ثنايا التاريخ، يثير
أشد العجب. فإنه على الرغم من تصالح العلم والدين مرة بعد مرة
وعلى الرغم من جهود أعاظم المفكرين التي بذلوها ملحين في حل
المشكل حلا عقلياً، لم يبرح العلم والدين قائمين على قدم
الكفاح، ولم ينقطع بينهما صراع يريد به كل منهما أن يدمر صاحبه
لا أن يغلبه فحسب. على أن هذين النظامين لا يزالان قائمين ولم
يكن مجديا أن تحاول العقائد الدينية تسخير العلم، فقد تحرر
العلم من هذا الرق وكأنما انعكست الآية مند ذاك وأخذ العلم
ينذر بفناء الأديان ولكن الأديان ظلت راسخة وشهد بما فيها من
قوة الحياة عنف الصراع" . يقول الكاتب إن "الذي يهمنا في
المقام هو تجسيده (النص) لأزمة الصراع بين النسقين الفكريين:
العلمي والديني، تلك الأزمة التي أنتهت إلى إقصاء النسق الديني
عن مجال الحياة وحصره داخل جدران المعابد، وطرده من مجال النظر
العقلي إلى مجال الإحساس والشعور". فالصراع لم يكن حقيقة
صراعاً بين العلم وجوهر الدين ولكنه كان صراعاً بين العلم ونوع
من التفكير الديني ظهرت آثاره في أسلوب التفكير اللاهوتي الذي
انتهجته الكنيسة واضطهادها للأسلوب العلمي في التفكير والتدخل
القسري لسلطانها في كل مجالات الحياة، فضلاً عن التحالف بين
النظام الإقطاعي والنظام اللاهوتي الذي ظل قائما طوال فترة
السيادة الدينية الأمر الذي دفع بالمفكرين الأحرار إلى الدعوة
إلى تقويض النظامين في ذات الوقت. ونظراً للتقاليد التي سار
عليها التفكير الديني المنهار، كان الاتجاه العلمي، كما يرى
الباحث، "يضع العلم المرتبط بالحياة وبكل ما هو واقعي بمثابة
النقيض للدين ويقف معه على طرفي نقيض، وتلك هي المأساة التي
انحدرت إليها العلمانية الناشئة والاتجاه الوضعي على السواء"،
(ص 38). ونتج عن ذلك اعتزاز العقل بنفسه وإحساسه بقدرته على أن
يأخذ مصير الإنسان بين يديه بعد إزالة كل عبودية للكنيسة،
وأصبح كل حدث تاريخي يخضع لميزان العقل بما في ذلك الدين نفسه،
وتأسست قيمة التعاون والأخوة الإنسانية على أساس من تقدير
العقل وحكمه، وبذلك انهارت القاعدة الدينية. انتقلت إذن عملية
التحرر من "الرق الديني" من مستوى التشكيك في العقائد الدينية
إلى مستوى القضاء عليها، وبذلك "مات الإله" في الغرب. ذلك هو
الإطار التاريخي العام الذي تأسست فيه المنهجية الوضعية وتسربت
إلى كل مجالات الحياة وأصبحت تشكل نظاماً عاما للتصورات تهدف
إلى دراسة كل الظواهر الإنسانية دراسة علمية. ويتتبع المؤلف
هذا التطور في تفكير كبار المؤسسين للمنهجية الوضعية فيتوقف
عند سان سيمون (1760-1825م) وعند أوجست كونت (1798-1857م) حيث
يبين أن نقطة الانطلاق عن هذين المفكرين هي تلك العقدة التي
تكمن في ضرورة تنحيه التفكير الديني الذي كان ما زال يزاحم
التفكير العلمي الممتد إلى كل المجالات الطبيعية والإنسانية.
ثم يتوقف أكثر عند إميل دور كايم (1858-1917م) الذي يرى
المؤرخون لعلم الاجتماع، كما يقول المؤلف، أنه قد قام بمهمة
أساسية في تثبيت النظام الوضعي. إن عمل دور كايم يعتبر في
الحقيقة أكبر مجهود مذهبي عمل على تحرير علم الاجتماع من
اللاهوت والفلسفة والسياسة، وقد سعى في نهاية الأمر إلى أن
يقلب الأدوار ليجد في علم الاجتماع التفسير الوحيد لعلم
اللاهوت والفلسفة (ص 49). لقد أراد دور كايم، من خلال جهوده في
تحديد القوانين المنهجية التي يجب أن يتأسس عليها التفكير
العلمي، البلوغ بالمنهج الوضعي إلى أقصى حدوده وإبعاده عن كل
تصور مرتبط بالميتافيزيقا أي نوع من الارتباط. يقول دور كايم
"إن العلم هو الذي أعد المفاهيم الأساسية التي تهيمن على
تفكيرنا. وقبل أن تتكون العلوم كان الدين يقوم بالمهمة نفسها
لأن كل "ميثولوجيا" تشتمل على تصور مهيئاً مبدئياً للإنسان
والكون وقد كان العلم وريثا للدين" في ظل هذه المصادرة
المعرفية، التي قامت على استبعاد الدين عن دائرة التفكير،
تبلورت الأسس المنهجية للوضعية التي تمثلت في :
أ. اعتبار الحس وحده
مصدراً للمعرفة الاجتماعية، ولا يرى الكاتب عيبا في ذلك فالحس
بالنسبة إليه "دعامة العلم الأساسية، ولكن العيب أن تنفي
الوضعية كل مصدر معرفي خارج هذا الإطار" (ص51)، فالأساس الوحيد
المعتمد عند الوضعية هو الطبيعة، وكل مصدر معرفي من وراء
الطبيعة هو خداع للحقيقة ونفي لها، وبذلك تكون العلوم
الإنسانية قد شقت طريقها الموطأ السالك، واستخدمت المناهج
نفسها التي استخدمتها العلوم الطبيعية، وبهذه النقلة النوعية
حققت الوضعية نجاحا كبيرا بتوحيدها لمنهج التفكير بغض النظر عن
الموضوع المدروس، وهي بذلك تكون قد سدت الطريق أمام ذلك
الانفصام، الذي كان يعاني منه جيل ما قبل الوضعية حينما كان
يستخدم المنهج الوضعي في معالجة العلوم الطبيعية، والمنهج
اللاهوتي في دراسة العلوم الإنسانية.
ب. إخضاع الظواهر
الاجتماعية والإنسانية بشكل عام للمنهج التجريبي، الذي قال عنه
المؤلف إنه يهدف بالدرجة الأولى إلى إقصاء التفكير التجريدي
والتأملي، فهو يستعيض عن الخيال بالملاحظة والتسجيل الدقيق
للوقائع واللجوء إلى التجربة ليس بدافع البحث عن المعرفة
اليقينية ولكن بدافع الحرص على سد الطريق أمام التفكير الديني.
ﺟ. دراسة الظواهر
الاجتماعية باعتبارها أشياء، فإذا كانت هناك وحدة في الطبيعة،
والظواهر الاجتماعية جزء من هذا العالم الموضوعي، فإن دراستها
يجب أن تخضع المقاييس نفسها التي تدرس على أساسها الأشياء
"الفيزيائية" أو الظواهر الطبيعية، وتبرر المنهجية الوضعية ذلك
بضرورة التحرر من كل فكرة سابقة. وهنا يعلق الكاتب على مقولة
التحرر من الأفكار المسبقة بأنها مقولة غير خاطئة في ذاتها،
فهي من مقومات الأسلوب العلمي، ولكنها مع المنهجية الوضعية
فقدت دلالتها المعرفية لتأخذ دلالة عقدية إيديولوجية. وقد كان
لهذه الأسس الأثر المباشر على النتائج التي انتهت إليها العلوم
الإنسانية حيث اختزلت الظواهر الاجتماعية في جوانبها المادية.
هذا التضخيم للعقل والمعرفة العلمية جعل العلم يتنقل من دائرة
العلم إلى دائرة الإيديولوجيا، دعوة إلى عقيدة جديدة تحل محل
العقائد الدينية وتقدم تصوراً بديلاً للكون والإنسان والحياة،
واستقلالا بإدراك الحقيقة. وهكذا لم تعد مناهج البحث مع
الوضعية تبحث عن العلة الأولى لوجود الظواهر ولكن عن أسبابها
المباشرة. فليس هناك حقيقة مطلقة ولكن حقائق نسبية متغيرة بحسب
الظروف البيئية والاجتماعية، وتم إحلال النسبي مكان المطلق في
الأشياء كلها واستقرت في أذهان الباحثين العديد من
"الأخلاقيات" العلمية تمثلت في التأكيد على الحياد الخلقي في
البحث الاجتماعي بحيث لم يعد من الجدوى البحث عن المثال ولكن
صار الواقع الاجتماعي هو المرجع.. فكل مشروعية لا بد من البحث
عنها في واقع المجتمع، فهو وحده القادر على استحسان أو استقباح
أي تصرف أو فعل. وهكذا أصبحت المهمة الحقيقية لعلم الاجتماع،
كما يقول الكاتب، الوصول بطريقة عليمة مشروعية التصورات
المادية للعالم والإنسان والقيم، وكان البديل الناجح لذلك
صياغة المفاهيم الإلحادية في قوالب سوسيولوجية تستبعد كل مضمون
غيبي أو خلقي للظواهر الاجتماعية.
ويرى امزيان أن المنهجية
الوضعية قد انتهت بالعلوم الإنسانية إلى الوقوع في تأملات
ميتافيزيقية -في ثوب مادي هذه المرة- لا تقل خطرا عن تأملات
الفكر اللاهوتي الذي حاربته، وذلك لأنها لم تميز بين نوعين من
الموضوعات: النوع الذي يشمل الحوادث القابلة للدراسة الوضعية
والمشاهدة الحسية، مثل ميدان التنظيم والإدارة والكفاية
الإنتاجية والروح المعنوية، والنوع الذي يتعلق بالبحث في أصل،
اللغات ونشأة الأديان، وطبيعة الأخلاق، ونشأة النظم الاجتماعية
كالأسرة والشرائع. وحتى الواقع الذي تدعي أنها أمسكت بالقوانين
التي تتحكم في تطوره أصبح واقعاً في قبضة النظرية التطورية
التي نظرت إلى الإنسان كما تريد أن تراه لا كما هو بالفعل.
ثم يستعرض الباحث أهم
المراحل التي قطعتها الحركة النقدية في الغرب، ملاحظا أن
"المنهج الوضعي قاصر عن الكشف عن حقيقة النظم الاجتماعية من
حيث أصلها ونشأتها، لأنه قاصر عن إدارك أبعاد التطور الإنساني
الضارب في التاريخ"، ولا بد من البحث عن مصدر آخر غير
المعلومات التاريخية والإثنوغرافية والانثروبولوجية
والأركولوجية"، فمهما كانت طبيعة هذه المعلومات فهي ناقصة،
واليقين لا يتحقق إلا بناء على استقراء تام يستوعب كل جوانب
الحياة الاجتماعية الماضية وهو ما لا سبيل إليه" (ص95). فهذه
النـزعة التي تتمثل في إعطاء تفسير لكل ظاهرة غابرة وحاضرة
أغرقت العلوم الاجتماعية، كما يعتقد المؤلف، في بحر من
التأويلات المتناقضة نتج عنها تعدد في المدارس وتشتت في
التصورات وتصدع في المنطلقات الفكرية الأمر الذي جعل ميشيل
ديون يقول: "إن علم الاجتماع تجتازه التيارات الفكرية الأكثر
اختلافاً تتحول فجأة إلى حزبية، ويمكن القول بأنه يوجد تقريبا
من أنواع علم الاجتماع بقدر ما يوجد من علماء الاجتماع حتى أنه
أصبح من المستحيل إيجاد قاسم مشترك بين علوم الفروع المتعددة
لعلم الاجتماع. وهكذا يخلص الكاتب إلى أن: الأزمة في النظرية
الاجتماعية هي أزمة هيكلية تدل على أن الإطار العام لعلم
الاجتماع ككل إطار غير متماسك وغير متجانس فكريا وعقائديا
ومنهجيا ونظريا وتطبيقيا" (ص127).
الاتجاه
الوضعي العربي بين أزمة الأسس وأزمة المخرج
يعد الكاتب الاتجاه الوضعي
العربي انعكاسا مباشرا لمثيله في الغرب، فعلى غرار تجربة
المناهج الغربية في نضالها المرير ضد التفكير الديني، كانت
انطلاقة الاتجاه الوضعي في الوطن العربي والعالم الإسلامي،
متجاهلاً بذلك الفروقات النوعية في التجربة التاريخية، وأساساً
علاقة الدين بالعلم، فدعا بقوة إلى تبني المقولات الوضعية وردد
ما قاله رواد المدرسة الاجتماعية الفرنسية بالخصوص ويلاحظ
امزيان أنه من المفارقات البينة أن هذا التيار لم يردد إلا ما
كان صدى للمعركة التي دارت بين الكنيسة والتيارات التي كانت
تسعى إلى التخلص من قبضتها، ولم يتوقف أحد عند ما كتبه كل من
سان سيمون وأوجست كونت حول الوضع في السياق الثقافي الإسلامي،
فقد كتب هذا الأخير، مثلاً، يقول: "وفي الوقت الذي كان فيه
الغرب المسيحي مشغولاً بقضايا لاهوتية عقيمة، كان العالم
الإسلامي ينفتح على العلم والمعرفة والفنون، وبالتالي أصل
اجتماعيته جنبا لجنب مع روحانيته.
إن التفوق الاجتماعي
وأهميته في التعاليم الإسلامية أهلت المسلم ليكون أكثر صلاحية
من غيره اجتماعيا وأهلته للعالمية. حاول الإسلام أن يحد من
سلبية القضايا التي يواجهها فكريا. وذلك بمناقشته الصريحة،
وحينما نتكلم عن تقهقر الإسلام -والمتحدث هنا هو كونت- فإنما
من الأولى أن نتحدث عن تقهقر المسلمين حين انشغالهم بأمور
ثانوية أبعدتهم عن تعميق تجاربهم الناجحة في ماضي التاريخ
وتكيفها مع طبيعة عصر اليوم عن طريق الاجتهاد العلمي وفي واقع
المجتمع ومعطياته الحالية، بل هذا، أي الاجتهاد، ما ينصح به
الإسلام... إن العبقرية الإسلامية قلما تتعارض مع الحديث
النهائي للدين الوضعي حيث أنها دائماً تتطلع متصعدة نحو الواقع
عن طريق اتجاهها العلمي وعقيدتها المبسطة" . بل على العكس من
ذلك تصور دعاة الوضعية أنه لا يمكن انتهاج الأسلوب العلمي في
تناول قضايا المجتمع والثقافة إلا بشرط إحداث القطيعة مع
التراث الديني الذي لا يزال يشكل عائقاً ابستومولوجيا فيوجه
المنهج العلمي. وخلافاً لأوجست كونت، اعتقد الوضعيون العرب أن
الثقافة الوسطية تقوم على المقومات "الإبستمية" (المعرفية)
نفسها والأسس المنهجية ذاتها. فالنظام اللاهوتي الذي تتحرك
إليه هو ذات النظام الذي تحركت فيه الثقافة القروسطية في
الغرب. وهكذا، يقول الكاتب، أقنع الوضعيون العرب أنفسهم أنهم
أمام البنية الفكرية نفسها. وبالتالي فإن المطروح عليهم هو
مواجهة التحديات نفسها وخوض المعارك ذاتها التي خاضها رواد
النهضة في الغرب. وانتهت الوضعية العربية إلى رفض كلّي للدين
وإسقاطه مصدراً ممكناً للمعرفة وخاصة عند تناول القضايا
الاجتماعية والإنسانية بشكل عام. إلا أن مهمته لم تكن مهمة
سهلة، فالإسلام قد كرّم العلم والعلماء ورفع من شأن العقل
وبالتالي فإن المطلوب إعطاء تفسيرات أخرى للآيات القرآنية التي
تحدثت عن العقل وحثت على التفكير، تفسيرات تستبعد فكرة تأسيس
القرآن للعقل الإنساني القادر على الفهم والتفسير السببي
وتأويل ذلك على أساس أنه مجرد حالة من حالات الوجدان والتأمل.
فالنظام العلمي أو البرهاني له منهج خاص في التفكير وله تصور
عن الكون وعن الإنسان يختلف نوعياً عن التصورات التي أرستها
الثقافة الإسلامية والتي قامت على أساس من القرآن والحديث
وتجربة الأجيال الأولى للأمة.
ويتعرض الكاتب في ثنايا
حديثه عن هذا الموضوع بالتحليل والنقد للمفاهيم الوضعية لكبار
المفكرين العرب مثل محمد عابد الجابري ومحمد أركون. ويتتبع
تجليات المدارس الغربية في الوطن العربي وخاصة منها المدرسة
الدوركايمية والمدرسة الماركسية ليخلص إلى أن النتيجة المنطقية
التي أدى إليها الإسقاط المذهبي والإيديولوجي هو فشل هذه
الدراسات في فهم واقع المجتمع الإسلامي. فقد فشل كل من
الاتجاهين الوظيفي البنائي والماركسي في إدراك حقيقة واقع هذا
المجتمع على المستوى النظري والتطبيقي لأنهما في الحالتين كانا
يستعيران نظارتي غيرهما لينظرا من خلالهما إلى واقعها، ومن
الطبيعي أن تأتي الرؤية ضبابية وغير شفافة" (211).
أدى هذا الفشل إلى بروز
اتجاهات جديدة تدعو إلى العودة إلى الذات، وتجاوز مرحلة
التقليد، وتأسيس علم اجتماع تكون مركزاته الواقع والتراث
والقيم الإسلامية، تبلورت هذه المحاولات في اتجاهين اثنين:
الاتجاه القومي والاتجاه الإسلامي، نادى الاتجاه الأول بضرورة
إنشاء علم اجتماع عربي ينطلق من الخصائص القومية، ويعالج
القضايا القومية، ونادى الثاني بضرورة اعتماد الإسلام، بوصفه
إطاراً أيديولوجيا وعقديا، ويرى الكاتب أن هذه الاتجاهات التي
تدعو إلى العودة إلى الذات لم تصب الرمية مصدق دعواها. فما هي
هذه الذات التي يراد لنا أن نعود إليها؟ في تقدير الكاتب أنه
ليس في الدعوة القومية إلا تحديدا للأهداف التي ينبغي أن يعمل
لأجلها علم الاجتماع العربي ولكنها لا تحدد أسسا منهجية واضحة
يقوم عليها هذا العلم؟ (ص215)، فأين التجديد والتجاوز إذن؟ وما
طبيعة الأسس المنهجية التي تميز علم الاجتماع العربي بوصفه
بديلاً منهجياً عن بقية المناهج السائدة في الساحة الفكرة
العربية؟ ومن ثم لا يجد امزيان في مضمون هذه الدعوة مادة
تناسبها، فالتراث الاجتماعي الذي تستند إليه هو الإنتاج الفكري
الذي نما واكتمل في إطار المذهبية الإسلامية بغض النظر عن
مسألة الالتزام وعدم الالتزام بها. وعليه، يقول الكاتب:"كان
على أصحاب هذه الدعوة أن يكونوا منطقيين مع أنفسهم ومع
المقولات التي طرحوها فيبحثوا عن عناصر التأسيس لعلم الاجتماع
عربي خارج الإنتاج الحضاري للثقافة الإسلامية كالشعر الجاهلي
وعادات عرب ما قبل الإسلام وحكمهم. ويعود الكاتب إلى أعمال
نقدية من داخل هذا الاتجاه وخارجه ليؤكد في الأخير أن الضمان
الوحيد "لقيام علم اجتماع عربي فعلا هو مدى ارتباطه بوعائه
الحضاري، ومدى حضور الخلفية العقدية التي ينتمي إليها وتجسد
أصالته، فهي الوحيدة القادرة على تحرير علم الاجتماع في الوطن
العربي الإسلامي" ( ص225).
أما الدعوة إلى أسلمة
العلوم الاجتماعية فيميز الكاتب فيها بين طائفتين ووجهتين:
وجهة النظر القائمة على الأساس الموضوعي ووجهة النظر القائمة
على الأساس العقدي. وقد اعتمد الكاتب مقياس الوضوح في الرؤية
والفهم الذي يحمله أصحاب وجهة النظر هذه لمعنى أسلمة العلوم
الاجتماعية. فوجهة النظر الأولى تقوم على أساس موضوعي أي ربط
أسلمة العلوم الاجتماعية بالمواضيع المتصلة بالإسلام تراثاً
وواقعا وفكرا في حين تقوم الثانية على أساس منهجي عقدي أي ربط
أسلمة العلوم الاجتماعية بالعقائد الإسلامية. حيث تندرج
محاولات كل من زيدان عبد الباقي وسامية مصطفى الخضاب وزكي محمد
إسماعيل في الوجهة الأولى، في حين يمثل الوجهة الثانية محاولات
كل من شارات علي وعلي شريعتي وإسماعيل راجي الفاروقي.
ومن خلال تحليله لمحاولات
وجهة النظر القائمة على الأساس الموضوعي يخلص أمزيان إلى أن
الكتّاب الذين سبق ذكرهم قد انتهوا إلى نتائج متعارضة مع
المنطلقات الإسلامية رغم أنهم ألزموا أنفسهم بتحليل القضايا
الاجتماعية داخل إطار علم الاجتماع الإسلامي؟ والسبب في ذلك
يكمن حسب رأيه، في مفهومهم الصوري لمعنى الإسلامية، إذ أنهم
تصوروا أن يضفي صبغة الإسلامية على علم الاجتماع هو طبيعة
الموضوع؛ أي تخصيص موضوعات بعينها لها صلة بالثقافة الإسلامية
سواء تعلقت هذه الموضوعات بقضايا اجتماعية داخل الوطن العربي
الإسلامي أو بقضايا إسلامية عاشها المجتمع الإسلامي أو بقضايا
ثقافية أفرزها المفكرون المسلمون، ولذلك كانت جل القضايا التي
تناولوها بالدراسة تصب في هذا المجال" (ص234). فالذي يميز علم
الاجتماع الإسلامي في رأي الكاتب ليس موضوع بحثه وإنما المنهج
المعتمد في دراسة موضوع ما مهما كان إطاره الثقافي أو
الجغرافي. فالإطار العقدي هو المحدد لطبيعة علم الاجتماعي
الإسلامي؛ أما بالنسبة لوجهة النظر القائمة على الأساس العقدي،
فإن الكاتب يعتبرها محاولة "موفقة في طريق أسلمة العلوم
الاجتماعية وتأسيس منهج إسلامي يستجيب لمقررات العقيدة
والتصورات التي تفرضها المذهبية الإسلامية في فهم قضايا
الإنسان والمجتمع" (ص237). فمع أصحاب هذه الوجهة لم تعد
الإسلامية مجرد ارتباط بقضايا متعلقة بالمجتمع الإسلامي،
تاريخا وثقافة، بل أصبحت نظرة منهجية ملتزمة بأسس العقيدة
الإسلامية في معالجتها لكل قضايا الإنسان في أي مجتمع وفي أية
فترة زمنية. ويتعجب الكاتب من التجاهل التي تبديه المنظمات
الكبرى الناطقة أو الراصدة للفكر العربي والإسلامي، مثل هيئة
كبار العلماء والمجلس الأعلى للبحوث الإسلامية ومعهد الدراسات
العربية العالية إزاء هذه القضية الحساسة، حيث لم تتعرض في
تاريخها لموضوع فلسفة العلوم بكل تفريعاتها، ثم يشيد بالجهود
التي يقوم عليها المعهد العالمي للفكر الإسلامي بأمريكا. وتلك
مفارقة أخرى فللمرة الثانية في تاريخ هذه الأمة تأتي مبادرة
الإصلاح الفكري من خارج أراضيها. والآن ما هي خصائص هذه
المنهجية الإسلامية ومميزاتها التي تعدّ حجز الزاوية في نظر
المؤلف؟ ذلك ما سعى أمزيان إلى تفصيل القول فيه في الباب
الثالث من دراسته.
خصائص
المنهجية الإسلامية في العلوم الاجتماعية ومميزاتها
يبدأ امزيان حديثه عن
أسلمة العلوم الاجتماعية بنقد المفاهيم السائدة عن مفهوم
العلمية حيث يرى أن الذين يجعلون القياس الكمي والملاحظة
الحسية والتجربة شرطا لتحقيق علمية العلوم الإنسانية يتجاهلون
الفوارق الموضوعية والمنهجية من تفصيل بين العلوم الطبيعية
والفيزيائية من جهة، والعلوم الإنسانية الاجتماعية من جهة
أخرى. ولذلك لابد، في رأيه، من توضيح هذه الفوراق حتى يمكن
إعادة تحديد مفهوم العلمية. وتتمثل الموضوعية في الاختلاف في
نوعية العلاقات المنظمة لكل من الظواهر الطبيعية والإنسانية.
فالعلاقات التي تنظم الظواهر الطبيعية تتميز بأنها علاقات
سببية يناسب أن تستخدم فيها مصطلحات كمية وقياسات عددية متصلة
بالحجم والمسافة، في حين أن العلاقات التي تنظم الظواهر
الإنسانية علاقات قديمة تستعمل مصطلحات كيفية متصلة بالواجب
والغاية والدوافع والأغراض. كما أن هناك وجهاً آخر للتمايز حيث
يتعامل الباحث مع الظواهر الطبيعية والفيزيائية باستقلال تام،
معتمداً بالأساس على الملاحظة الخارجية. فالباحث، كما يقول
الكاتب، يتعامل مع هياكل ميتة مجردة من كل شعور أو تجاوب أو
تفاعل"؛ وهذه البساطة في التعامل مع الظواهر المادية لا يمكن
أن تتوفر مع الظواهر الإنسانية التي تمتاز بالتعقيد والحركية
وبالتفاعلات المستمرة، الأمر الذي يجعل الملاحظة الخارجية غير
كافية لإدارك حقيقة هذه الظواهر ومن هنا، يقول الكاتب، تأتي
ضرورة التمييز بين "العلوم الطبيعية التي تعتمد على الملاحظة
الخارجية والعلوم الإنسانية التي تعتمد على الملاحظة
الداخلية"، لأن هذه الأخيرة تعقيدها مزدوج: تعقيد على مستوى
الفرد أو الشخصية الإنسانية في تكوينها الداخلي، وتعقيد على
مستوى تفاعل الأفراد والشخصيات فيما بينها، وفي طبيعة العلاقات
التي تربط بينها. فنحن في هذه الحالة أمام ظاهرة فيها حراك
وتجدد دائمين. وعليه ليس من الممكن تطبيق المنهج نفسه في دراسة
الموضوعات الإنسانية والموضوعات الطبيعية الفيزيائية. ولهذا،
يقول المؤلف،" إن المذهبية الإسلامية تقرر أن الحقيقة العلمية
ليست حكراً على التجربة وأن الوجود الواقعي ليس حكراً على
الوجود المادي وأن التزام الأسلوب العلمي في دراسة الظواهر
الاجتماعية لا يتحول بالضرورة إلى الاعتقاد في العلم طريقاً
وحيداً مشروعاً ، ورفض ما عداه من الطرق" (ص259).
من هنا وجب التمييز بين
ثلاثة أساليب للعلمية: المنهج الاستنباطي والمنهج التجريبي
والمنهج التاريخي حيث تضيف المنهجية الإسلامية منهجاً رابعاً
يستند إلى الوحي بوصفه مصدراً من مصادر المعرفة في المجال
الاجتماعي، وفي غيره من المجالات. ويرى الكاتب أن هذه الإضافة
على درجة كبيرة من الأهمية لأنها تتمتع بقدر أكبر من اليقينية
والصدق والموضعية يفوق درجة المصداقية في الأساليب أو المناهج
الثلاثة الأخرى. ولذلك فهو يدعو إلى ضرورة أن يكون الوحي ضمن
المصادر المعرفية لعلم الاجتماع. فالوحي بإمكانه أن يصحح أخطاء
علم الاجتماع وتصوراته لقيام المؤسسات والنظم الاجتماعية
وتصوراته للإنسان وحركته التاريخية بمستقبل الإنسانية". وهذا
التصحيح يمكن أن يتم في مستويات ثلاثة: ترشيد المصادر المعرفية
لعلم الاجتماع وتصحيح أخطاء ميتافيزيقا علم الاجتماع، وصياغة
القوانين الاجتماعية.
ويحاول الباحث تقديم أمثلة
تطبيقية تبرز من خلالها أهمية الوحي في كل هذه المستويات
ملاحظاً أنه لا يمكن للباحث المسلم أن يشعر بهذه الأهمية للوحي
إذا لم يعدّ التوحيد أساسا نظرياً ومنهجياً ومذهبياً بديلاً،
وذلك على مستوى الرؤية، والتصور الاعتقادي، وكذلك على مستوى
التأسيس المنهجي والبناء والتغير الحضاري؛ مؤكداً أن حضور قيمة
التوحيد في كل هذه المستويات هو الضمان الوحيد للتحرر من
النـزعات الذاتية والتوجيهات الإيديولوجية. وهذه المقدمات
المنهجية، كما يعتقد امزيان، تخرج العلم من دائرة العقل التي
سجن فيها باسم الحياد الأخلاقي، والتي أفقدته دلالته ووظفيته.
فالباحث الاجتماعي المسلم لا يقف عند الدراسة الواعية
الاستطلاعية بل عليه أن يتخذ موقفاً تقدمياً انطلاقا من
المعايير الأخلاقية الإسلامية، حيث يدرس ويقارن في ضوء الصورة
التي يحملها عن النموذج الاجتماعي الإسلامي في إطار الوعي الذي
يميز ما هو ثابت وما هو متغير. وهذه المعالم، في رأي الكاتب،
قادرة على حماية الباحث المسلم من الوقوع في سلبيات المنهجية
الوضعية ونقائصها. وقد حاول الباحث أن يطبق هذه الضوابط في
دراسة التراث الاجتماعي الذي خلفه العلماء المسلمون أو الذي
أثمرته البيئة الثقافية التي خلقت شروطها الحضارة الإسلامية
مؤكداً على ضرورة التمييز بين "ما هو نابع من الإسلام نفسه
وأنتجه العقل المسلم الملتزم بعقائديته وينضبط بالوحي
ومسلماته، وما هو دخيل ولا ينتسب إلى الإسلام إلا من حيث ظهوره
في البيئة الإسلامية وفي ظل ظروف وعوامل تاريخية وثقافية
واجتماعية خاصة" (ص295)، وذلك من خلال نماذج من الإنتاج
الفلسفي والشرعي والتاريخي والاجتماعي الإسلامي.
تلك هي أهم الأفكار
الواردة في الكتاب، حاولنا أن نتتبعها من خلال الأسئلة الثلاثة
التي طرحناها، ولا يخفى على القارئ الكريم انه مهما اجتهدنا في
إبراز المهم من الكتاب فإنه من الصعب أن نحيط بكل القضايا التي
جرت معالجتها.
ونريد في هذا المقام أن
نسجل أن كتاب محمد محمد امزيان من المحاولات النادرة التي
استطاعت أن تنتقل بمسألة إسلامية المعرفة من مستوى الشعار
الأيديولوجي إلى مستوى الصياغة الفعلية لمنهجية بديلة في مجال
العلوم الاجتماعية وهو أيضاً من الدراسات القليلة التي تعاملت
مع التجربة الفكرية الغربية بروح نقدية فاحصة سواء على مستوى
المنهج أو على مستوى المضمون. ومن المفارقات التي يمكن تسجيلها
في هذا الإطار أن المنشغلين بالتفكير في أداة التفكير، أي
العقل وتحديدا العقل العربي، قد انتهوا إلى أنه عقل لا يعرف
الإبداع، فهو إما شارح أو مفسر نظراً لأنه مكبّل بمسلمات تعسر
إعادة النظر فيها، وفي رأيهم لا يمكن لهذا العقل أن يتجدد إلا
إذا استطاع أن يجعل من النص الديني (قرآنا وحديثا) مادة بحث
تخضع لمقاييسه. إلا أنه رغم هذه الدعوة الملحة لتحرير العقل من
رق النص الديني لا يجد عندهم الجرأة المماثلة إزاء المنهجية
الغربية التي لم توضع موضع التساؤل، ولم ينادوا بتحريرها من
التصورات الإيديولوجية والتأملات الميتافيزيقية التي تستبطنها
المقولات العلمية وخاصة في مجال العلوم الإنسانية. وقد تساءل
أحمد فؤاد باشا محقا فقال: "وهل جميع ما يوهمنا به علماء
المناهج من أن قضية المنهج العلمي فد بُتّ فيها ولم تعد تحتاج
إلى نظر جديد وأنه ما علينا إذا أردنا أن نجني ثمار البحث
العلمي كما يجنيها غيرنا إلا أن نعرف ذلك المنهج الذي ألفوا
ترديده منسوبا إلى بيكون ومل وديكارت حتى أوشكنا على تصوره
لائحة أو قائمة بالتعليمات والإرشادات التي لا ينبغي الانحراف
عن تطبيقها، كأنها طائفة من الوصفات التجربة الناجعة يتعين على
أي باحث الالتزام بها في المجالات التي يريد دراستها ويسعى إلى
إدراك الشيء عن حقيقتها؟" من هنا تأتي أهمية هذه المحاولة التي
بين أيدينا، فصاحب "منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية
والمعيارية" لم يقف موقف المنبهر أمام المنهج الوضعي وإنما
تناول مقولاته بالعرض والتحليل؛ ورغم اختلافه معها فإنه قد
يكون أصدق تعبير عنها أو بالأحرى عن طابعها البشري الاجتهادي.
ومن المؤكد أنه كان أقرب إلى روحها من أولك الذين يتعاملون
معها وكأنها قائمة تعليمات وإرشادات كما ورد في النص الذي
استشهدنا به. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بعد قراءة الكتاب هو:
إذا سلمنا بأن تجاوز المنهجية الوضعية الراهنة بات أمر
ضرورياً، وخاصة في مجال العلوم الإنسانية، فإلى أي مدى يمكن أن
نسلم بأن المنهجية التي يقترحها محمد محمد امزيان قادرة بالفعل
على تجاوز السلبيات والنقائص التي سجلها على المنهجية الوضعية؟
نحن نسلم مع الكاتب بأن
المنطق الذي حكم المنهجية الوضعية منذ انطلاقها هو استبعاد
الدين من دائرة التوجيه والفعل الإنسانيين، ونسلم معه أيضاً
بأن شعار الموضوعية وخاصة في مجال العلوم الاجتماعية كان في
غالب الأحيان غطاء لالتزامها بخدمة أهداف حكومية وقومية وطبقية
واستعمارية. ولكن هل يمكن تطوير العلوم إذا استبدلنا الذاتية
الغربية المتغلغلة في علم الاجتماع بذاتية إسلامية أو بالذاتية
الإسلامية؟ وما قيمة علم لا يفهمه إلا أصحابه ولا يتعامل به
إلا من أنتجه؟ هذه الأسئلة نطرحها بغية التفاعل الإيجابي مع ما
طرحه الدكتور امزيان وبغية تحريك هذه القضايا الحساسة. لكن قبل
ذلك نود أن نبدي بعض الملاحظات الأولية:
- في الفصل الذي عالج فيه
المؤلف التراث السوسيولوجي في الوطن العربي، قال ما يأتي: "في
الوقت الذي أعلن فيه بعض علماء الاجتماع فشلهم بخصوص البحث عن
أصول الظواهر الاجتماعية ومراحل تطورها، واعتبروا ذلك ضربا من
التفكير الميتافيزيقي، نجد الكتّاب العرب ينقلون إلى اللغة
العربية السخافات التي انتهت إليها النظريات الاجتماعية حول
أصول النظم وتطورها ونشأة الظواهر وكأنها حقائق لا تقبل النقاش
رغم التعارض الصارخ الموجود بين المذهبين: العقائدية التي
ينتمي إليها هؤلاء والأفكار التي ينقلونها عن التراث الاجتماعي
الوضعي"(ص179). في الحقيقة لم يكن هناك تعارض بين عقائدية
الكتاب الذين ذكرهم الأفكار التي ينقلونها عن التراث الاجتماعي
الوضعي، بل بالعكس هناك انسجام كامل بين تصوراتهم حول الكون
والإنسان والنظريات والمناهج الاجتماعية. وليس صحيحا أنهم
ينقلونها "وكأنها حقائق لا تقبل النقاش"، فهم يتابعون حركة
النقد داخل المنظومات الفكرية الغربية وينتقلون في محطاتها
الكبرى. ولا أرى في ذلك مشكلة في حد ذاتها، ذلك أن الله سبحانه
ونـز قد أعطى للإنسان ملكة يميز بها بين الخير والشر وترك له
الحرية الكاملة في أن يؤمن بالعقائد التي يراها مناسبة، ولكن
المشكل يكمن في أن هذا الانسجام الذي تحدثنا عنه هو انسجام
ذاتي وليس اجتماعيا، بمعنى أن هؤلاء يعيشون في حالة من
اللاتوازن بينهم وبين مجتمعهم.
ومن المفارقات المثيرة
التي يجدر بنا تسجيلها هنا أن الذين يحملون تصورات تتناقض مع
التصورات الإسلامية يعيشون في حالة اغتراب مع ثقافة مجتمعاتهم،
والذي يحملون تصورات إسلامية يعيشون في حالة تصادم مع
حكوماتهم. والمشكلة الأم في كل هذا هي مشكلة الحرية وغياب معنى
التسامح وثقافة التعدد. فليس المطلوب أن يكون هؤلاء منتمين
عقديا للإسلام ولكن المطلوب أن يحققوا مطلب الانتماء الحضاري
فيدافعوا عن تصوراتهم كما هي في حقيقتها ولا يلجأوا إلى البحث
عن أصول لها في ثقافتنا الدينية أو أن يتحولوا في إطار هذا
الوعي الرث إلى مفسرين للقرآن والحديث ومجتهدين لا يؤمنون
بالتوحيد أصلاً وقد ذكر الكاتب -وهو بصدد الحديث عن الاتجاه
القومي- كلاما قريبا من هذا المعنى: "أما أن يستند هذا الاتجاه
إلى التراث الإسلامي ليبني أمجاده على حابه فهي مفارقة عجيبة
لا يستسيغها المنطق السليم، فالتراث الإسلامي لم يقم أبداً على
العروبة ولم تكن الإسهامات العربية فيه لتظهر إلا بعد أن
انصهرت بالإسلام وثقافته" ( 228).
هذا صحيح، ولكن علينا أن
نتساءل: إلى متى سيظل المثقفون عندنا يعيشون حالة المفارقة
التي تتجسد في مقولة "المعاش غير المفكر والمفكر فيه غير
المعاش"؟
- أكد الكاتب في أكثر من
موضع أن النظرة التي وجهت مفهوم العلمية تكمن في التخلص من كل
تفكير باعتباره تفكيراً لاهويتاً أسطورياً مناقضاُ لنظام العلم
وهذا أمر لا يستطيع أحد إنكاره بل أن العديد من علماء الاجتماع
وخاصة بعض الذين تخرجوا من المدرسة الفرنسية، يفتخرون بذلك
ويربطون ربط النتيجة بالسبب بين اللادينية والعلمية ومع ذلك
فإن الأمر ليس بهذه الحدية التي تصورها البعض، ذلك أن موضوع
العلمية في العلوم الإنسانية ليس مسألة منتهية بل إن الحركة
النقدية داخل المنظمة الفكرية الغربية ما فتئت تعيد طرح
الموضوع وتقلب النظر فيه.
ونستطيع القول إنها خلصت
إلى أن الفوارق الموضوعية والمنهجية بين العلوم الطبيعية
والعلوم الأنسانية باتت مسألة لا جدال فيها، بل أن العديد من
الكتابات قد طعنت في مفهوم العلمية الصارم حتى في مجال ما
تعودنا على تسميته بـ "العلوم الصحيحة". ولا أتصور أن هذا
الأمر قد غاب عن ذهن الكاتب، فأغلب الاستشهادات التي استند
إليها في دحض مفهوم العلمية كما تم تحديده في القرن التاسع عشر
كانت لمفكرين غربيين ممن أخذوا تكوينهم العلمي في المدارس
الوضعية. ولم تكن مسألة "العلمية" في العلوم الإنسانية نتيجة
مباشرة لاستبعاد الدين بوصفه مصدراً من مصادر المعرفة ولكنها
كانت تحت التأثير المباشر للنجاحات العلمية في مجال العلوم
الطبيعية والفيزيائية على الأنشطة الفكرية الأخرى. وبالتالي
فإن المتبع للكتابات المتأخرة في مجال العلوم الإنسانية قلما
يظفر بكاتب يجادل في الاختلاف في قابلية الإدراك بين الظواهر
الطبيعية الفيزيائية والظواهر الإنسانية، أو يجادل في الاختلاف
في درجة التعقيد.
- لا شك أن الثقافة
السائدة في الغرب وخاصة في أوساط المفكرين والمثقفين بشكل عام
ثقافة معادية للدين ومحاربة له، ولكن هذا لا يعني خلو الساحة
تماما من مفكرين حاولوا دحض الفلسفات المادية السائدة والإعلاء
من شأن البعد الروحي والديني لدى الإنسان. أردنا بهذا أن نشير
إلى أن المؤلف قد غفل تماما عن ذكر تلك الطائفة من المفكرين
الذين التقوا حول فلسفة برجسون وقاموا بنقد الفلسفات المادية،
وكذلك جهود المفكر البلجيكي مرسيه في الدفاع عن الاتجاه الروحي
في القرن الماضي. ويعُود المجهود الأكبر في هذا المجال
للفيلسوف الفرنسي جاك ماريتان الذي كان بروتستانتيا ثم اعتنق
الكاثوليكية على يد الأب الدومينيكاني كليرسال الذي تزعم حلقة
الدراسات التوماوية بفرنسا وتجمع حوله نخبة من المثقفين
المسيحيين كان بينهم من الفلاسفة ايثيان جيلسون ميرلوبونتي
وجابرييل مارسيل ونيقولا بردياييف، ومن الأدباء برنانوس وبول
كلوديل وفرنسوا مورياك وجان كوكنو وجويلان. فلا بد إذن من
إبراز هذه الأدبيات التي كانت قد سبقت إلى نقد الأسس النظرية
التي قامت عليها المنهجية الوضعية.
أما الملاحظة الثالثة
فتتعلق بالمفاهيم السائدة عندنا حول مسيرة العقلانية في الغرب.
فالمفكرون الإسلاميون ما فتئوا يرددون "أن العقل في الغرب قد
حل محل الإله"، ومضمون هذه المقولة يوحي بأن مكانة العقل في
تصاعد مستمر ووصلت إلى درجة التضخم والعظمة. والحقيقة أن مثل
هذا الكلام الذي نورده دون تمحيص يعوزه الكثير من الدقة. بل
أزعم أنه يسير في اتجاه معاكس للمكانة الراهنة للعقل في الغرب.
ولا شك أن فكر حركة الاستنارة فكر عقلاني ومادي في ذات الوقت،
وهو الفكر الذي طرح مقولة أن العالم مكتف بذاته تحكمه قوانين
يمكن للعقل الإنساني أن يدركها ويتحكم في توجيهها والاستفادة
منها. ولكن المتمعن في مضامين فكر الاستنارة يلاحظ أن هناك
اتجاهين متناقضين لمفهوم العقلانية ولدور العقل تحديدا: اتجاه
عقلاني يعطي المركزية للعقل بوصفها المصدر الأساسي أو بالأحرى
الوحيد للمعرفة، فهو أداة عاقلة ترفض أي حقيقة متجاوزة للواقع
المادي المحسوس، ويملك جملة من الأفكار الفطرية، والمقولات
التحليلية، يستطيع من خلالها التحكم في الواقع، والهيمنة عليه
وتوظيفه بغية تحقيق السعادة الإنسانية.
ومن الواضح أن هذا الاتجاه
يجعل من الإنسان مركز الكون. ويمكن في هذا المستوى أن نقول إن
العقل حل فعلا محل الإله. ولكن الاتجاه الآخر يؤكد على الطبيعة
أو المادة فهي مركز الكون، فالعقل بهذا المفهوم ليس إلا جزءاً
لا يتجزأ من الطبيعة، فهو في موقع سلبي للغاية، يتقبل كل ما
ينطبع عليه من أحاسيس مادية ومن ثم لا يوجد في العقل شيء إلا
وقد سبق وجوده في الحس. وهذا التصور للعقل يجعل الإنسان خاضعا
كل الخضوع لقوانين الطبيعة الصارمة وفاقدا لكل استقلالية ووجود
متميز، فهو ليس إلا جزءاً متسقا مع النظام الطبيعي، فالذي حل
محل الإله هنا إذن ليس العقل ولكن الطبيعة. وهكذا تفتت العقل
داخل جبروت الطبيعة وتبددت الأهمية التي كانت قد أعطيت له
وانتهى ما تعارفنا عليه بحركة الاستنارة إلى حركة استجابة
لقوانين المادة تمثل هزيمة العقل أمام المادة، وضياع الإنسان
بضياع كل نظرة معيارية للوجود الإنساني.
ويمكننا أن نخلص من هذا
التوضيح إلى أن الطريق لعودة المعايير الدينية والأخلاقية يبدأ
بإعادة العقل إلى موقعه التوجيهي والانتهاء مع مفاهيم الطبيعة
التي لم تؤد إلا إلى تهميش الإنسان الحامل للأمانة. أنها دعوة
إلى المثقفين الإسلاميين إلى عدم التساهل في الحط من شأن العقل
ولعل غيرة بعض الكتاب -كما لاحظنا في هذا الكتاب-، في الدفاع
عن الوحي بوصفه مصدراً معرفياً تنتهي بهم إلى التقليل من شأن
هذه الملكة التي أصبح بها الإنسان الكائن الوحيد المكلف.
نأتي الآن إلى السؤال
المركزي الذي طرحناه في بداية هذه الملاحظات السريعة حول كتاب
الدكتور محمد محمد امزيان وكنا قد وضعناه كالآتي: إذا سلمنا
بأن تجاوز المنهجية الوضعية الراهنة بات أمراً ضروريا وخاصة في
مجال العلوم الإنسانية، فإلى أي مدى يمكن أن نسلم بأن المنهجية
التي يقترحها الكاتب قادرة بالفعل على تجاوز السلبيات والنقائص
التي سجلها على المنهجية الوضعية؟
يقول الدكتور امزيان:
"التوحيد هو الأساس الفلسفي أو الاعتقادي الذي ترتكز عليه
المذهبية الإسلامية وتقيم عليه تصورها وتحدد وفقه أهدافها
ومناهجها. فالعلوم الاجتماعية المؤسسة على العقائد الإسلامية
لا بد أن تعترف أن الإنسان يعيش في ملكوت الله ويخضع لنظامه
وسننه في الوجود والاجتماع...، ومن ثم فإن المهمة الأولى
للعلوم الاجتماعية أن تكتشف النموذج الإلهي في الأخلاق
والسياسة والاجتماع وكل النظم وأن تعيد تنظيم نفسها وتديره في
ضوء هذا المذهب" (ص303). لا جدال أيضاً في أنه هو المحدد
للمنطلق وللغاية... ولكن هذه القاعدة الأساسية ليست خاصة
بالعلوم الاجتماعية وحدها، بل هي القاعدة التي تؤسس لحركة
الإنسان المؤمن في الوجود، الحركة بمعناها الشامل، وهو كل ما
تعينه كلمة الاستخلاف.
وقد سبق للكاتب أن تحفّظ
على المنهج الوضعي المتبع في دراسة مجموع الظواهر التي يهتم
علم الاجتماع بتتبعها بالدراسة والوصف والتفسير ودعا في تحفظه
ذلك إلى التمييز بين نوعين من الموضوعات التي تناولها علم
الاجتماع وهذا التمييز الضروري لأنه سيعين الحدود التي ينبغي
أن تقف عندها الدراسات السوسيولوجية إذا أرادت أن تضمن لنفسها
قدراً كبيراً من الموضوعية العلمية. وبعد أن ميّز بين "الحوادث
الاجتماعية القابلة للدراسة الوضعية والمشاهدة الحسية والأمور
التي لا يمكن إخضاعها لطرائق البحث العلمي كما هو الحال في
الأولى لاختلاف موضوعها كالبحث في أصل اللغات ونشأة الأديان،
وطبيعة الأخلاق ونشأة مختلف النظم الاجتماعية كالأسرة والزواج
والشرائع، قال: إن النوع الأول (وهو يقصد التنظيم والإدارة
والكفاية الإنتاجية...) هو الذي يمكن أن يكون علما إلى حد
كبير، وإن كانت درجة هذه العلمية لا تبلغ ما تبلغه البحوث في
الظواهر الطبيعية لتعقد الظواهر الاجتماعية واستحالة إخضاعها
لما تخضع له الظواهر الطبيعية من طرائق ومناهج وتجارب. كيف إذن
تصبح مهمة علم الاجتماع الأولى في المذهبية الإسلامية كشف
النموذج الإلهي في الأخلاق والسياسة والاجتماع وكل النظم؟ هكذا
لم يعد الاجتماع علم العمران البشري ولكنه صار شريعة، وتصبح في
دائرة مغلقة، نفهم الشريعة بفهم المجتمع ونفهم المجتمع بفهم
الشريعة، ويتحول الواقع إلى كومة من التفاسير لا تساعدنا أبداً
في فهم مجتمعاتنا وفهم ما يعتمل فيها من المشكلات.
ولا بد هنا من التأكيد على
أننا لا نختلف مع الكاتب إطلاقاً في ضرورة أن يكون للباحث
المسلم إطار نظري عقدي ولا نختلف معه كذلك في ضرورة أن تكون له
نظرة تقويمية على ضوء المعايير الإسلامية النظيرة لكل الظواهر
الاجتماعية التي يتناولها بالدراسة ولكن بشرط أن تتم هذه
المرحلة الضرورية بعد الانتهاء من مرحلة الوصف والكشف عن
الآليات والقوانين التي تتحكم في الظاهرة موضوع الدراسة، ليس
لأن علماء الاجتماع الغربيين بمختلف انتماءاتهم الأيديولوجية
لم يحتكموا إلى مبدأ الموضوعية ولم يحترموه، وإنما لأنهم جعلوا
منه شعار يخدم أهدافهم ويصدق مرئياتهم فالكاتب يقرر وبشكل واضح
فيقول "فالالتزام الأيديولوجي للباحث وتحيزه لقناعته الشخصية
أصبحت كأنها حتمية من حتميات العلوم الإنسانية والاجتماعية، لا
مناص من التخلص منه، لأن واقع الدراسات الاجتماعية يثبت بالفعل
أن التخلي عن التوجيه الأيديولوجي أمر مستحيل" (ص327).
إن الموضوعية التي نؤكد
عليها هي الاجتهاد قدر الإمكان في معرفة الظواهر معرفة عليمة
وهذا الأمر وجه من وجوه الصدق الذي يجب أن يتحلى به المؤمن وهو
مظهر من مظاهر الالتزام العلمي. ونحسب أن الإضافة النوعية في
مجال العلوم الإسلامية لا تكمن في استخراج القوانين الاجتماعية
من القرآن الكريم كما اجتهد البعض في أن يجد أصلا قرآنيا لكل
المكتشفات العلمية، من نوع أن نقول إن "التلازم بين طاعة الله
والنصر، وبين عصيانه والهزيمة" قانون اجتماعي. فكيف نفسر إذن
هزائمنا المتلاحقة؟ قد يسارع بعضُ فيقول "لأننا لم نطع الله
قولا وعملا؛ إذن لماذا ينتصر الكفار ويطغون ويعلون علوا كبيرا؟
نعم، الطاعة شرط من شروط التمكين، وهو أوسع من النصر ولكن
الطاعة ليست هي الشرط الوحيد. ولذلك كان علي شريعتي يدعو
فيقول: "اللهم ارزق المتعصبين منا التفهم وارزق المتفهمين منا
التعصب". لا بد إذن من فهم شامل لأسباب التمكين وأسباب
الهامشية التي تعيشها المجتمعات المسلمة.
الإضافة النوعية للمذهبية
الإسلامية تكمن في تخليص العلوم الإنسانية من سيطرة
الأيديولوجيات عليها، ومن التيه الذي وقعت فيه بعد أن انقطعت
بها الأسباب، أسباب الوصل بالهادي الإلهي وتقديم مادة علمية
حول الظواهر الاجتماعية وحول المجتمعات البشرية بشكل عام،
ولكنها ليست مادة إيديولوجية باهتة، وإنما مادة علمية مصحوبة
بتقويم على أساس من المبادئ الإسلامية العامة، مادة علمية
يفهمها أصحابها وغير أصحابها، ولا تكون فقط مستهلكة من طرف من
أنتجها. ويكمن الاختلاف الرئيسي بين المنهجية الإسلامية
والمنهجية الوضعية في أن الأساس الفلسفي الذي تقوم عليه
المنهجية الإسلامية محدد ابتداء وليس هو من الموضوعات التي
يخوض فيها علم الاجتماع ويقدم فيها آراء حاسمة. ويشمل هذا
الأساس النظري كل ما يتعلق بالقضايا الغيبية من حيث أصول
النشأة ومن حيث المصير. فكل هذه الموضوعات قد أعطى فيها الوحي
أجوبته النهائية وهذه المصادرة، تفترض، من دون شك، الإيمان
بالوحي منطلقاً. وأما نقاط الالتقاء بين المنهجية الإسلامية
والمنهجية الوضعية فهي كثيرة، فأغلب، إن لم نقل كل، الطرق التي
أنتجتها المنهجية الوضعية لفهم آليات وقوانين الظواهر الحادثة
في المستوى الاجتماعي، وفي غيره من المجالات يمكن استيعابها
وتطويرها. ولذلك فإنه مطلوب من أصحاب المنهجية الإسلامية أن
يستوعبوا طرق البحث هذه استيعابا وافيا، وأن يضيفوا إليها
الاجتهاد في تحريرها من العناصر الذاتية الكامنة فيها ومن
هيمنة الأيديولوجيات. والباحث المسلم ليس مطالبا بأن يسجن نفسه
في إطار الثنائيات الشائعة في العلوم الاجتماعية الوضعية مثل
ثنائية الصراع والتوازن ، فكل واقع يتعين له من المعطيات
والعناصر الثابتة والمتغيرة التي يستطيع الباحث من خلالها
تحديد طبيعة تطوره. والعامل والمحدد معينة قد يكون ثانوياً في
حالة أخرى بما في ذلك العامل الديني، فهو جزء من شبكة من
العوامل التي تتفاعل فيما بينها سلبا وإيجابا، فعملية إقحامه
في كل شيء لها النتائج نفسها التي لعملية إقاصئه من كل شيء.
هذه بعض الملاحظات التي
أثرناها بعد قراءة الكتاب يحكمها منطق التفاعل الإيجابي مع
أطروحة الكاتب التي نحسبها من المحالاوت الجدية النادرة في هذا
المجال، وتقديم الكتاب للقراء الكرام التي يهدف إلى الارتفاع
بالحوار في هذه المسألة وتقديم نماذج تطبيقية للمنهجية
الإسلامية وإثبات فعاليتها في دراسة مشكلات مجتمعاتنا العربية
والإسلامية ومشكلات الإنسانية.
...........................
المصدر : مجلة إسلامية المعرفة ، السنة الأولى ، العدد 01 ،
الموقع :
http://www.eiiit.org/resources/eiiit.asp