الحضارية «رحلة في كتاب»
 السبت: 29/05/2010 

 

 

 

 

"التاريخ الاجتماعي للوسائط

مـن غتنبرج إلــى الإنترنت"

 

عرض وتحليل : د. محمد سالم غنيم (*)

 

 

 

الكتاب: التاريخ الاجتماعي للوسائط ، من غتنبرج إلى الإنترنت(**)

المؤلفان: آسا بريغز- بيتر بروك

ترجمة: مصطفى محمد قاسم ،

الناشر: عالم المعرفة- الكويت 2005

عرض وتحليل: د. محمد سالم غنيم

 

 

 

0- تمهيد

متعددةٌ هي المصطلحات الدالة على الحالة الراهنة التي نعيشها الآن, فمصطلحات مثل: "ثورة المعلومات", و"انفجار المعلومات" مرورًا بـ"فجوة المعلومات" ثم "عصر المعلومات" فـ "مجتمع المعلومات" أو"المجتمع الرقمي" جميعها تستخدم بشكل تبادلي للتعبير عن الحقبة الراهنة؛ التي تمثل دون جدل أهم ما يميز عالمنا هذا عن تلك العوالم التي سبقته, فتلك الثورة التي حدثت في مجال الاتصالات والمعلومات والوسائط حتى أصبح الكثيرون من المتخصصين وغيرهم، وهم محقون في ذلك، يختزلون كل هذا التقدم الذي أنجزه العالم المعاصر في تلك النقلة النوعية في تكنولوجيا الاتصالات والوسائط، فإذا كانت العصور السابقة قد حظيت بمسميات تجزيئية، من قبل "عصر الصحافة" أو "عصر الإذاعة" أو "عصر السينما أو التلفزيون" ...إلخ, فإن العصر الحالي , على خلاف ذلك, تقاربت فيه كل هذه العصور بتكنولوجيتها مع الانطلاقات التكنولوجية الحديثة لتطبع العالم المعاصر وتسميه بالتقدم في مجال الوسائط والاتصالات عمومًا, ومن هنا جاءت مسميات عصرنا الحالي مرتبطة جميعًا بالطفرة في مجال الوسائط والاتصالات, بداية من أوسع المقولات "العولمة" إلى تلك النقطة الدقيقة المتصلة مباشرة بتكنولوجيا الاتصالات والوسائط مثل عصر " ثورة المعلومات والاتصالات" أو "مجتمع المعلومات" أو "الانفجار المعرفي" أو "الثورة المعلوماتية" .. إلى غيرها من مصطلحات قاموس عصر التكنولوجيا غير المستقر , حتى غدت تلك المصطلحات والمفردات تمثل أكثر المفردات ترددًا , ليس فقط بين الأكاديميين وعلى أسنة أقلامهم التي ستقل الحاجة إليها بالطبع بعد قيام الحواسيب بوظيفتها , وإنما أيضًا على ألسنة وفي مناقشات العامة الذين غزت التكنولوجيا حياتهم على كل مستوياتها وبكل أشكالها, ويرى المترجم في هذا الكتاب أنه ينتمي وفق المصطلح الغربي إلى نوعية الكتب التي تحوي "قصصًا كبيرة" إذ أن الكتاب يعرض بين سطوره لقصة الحضارة الغربية برمتها , تلك الحضارة التي قامت في الأساس على التقدم التكنولوجي, في صميمه تكنولوجيا الاتصالات والوسائط.

ويعرض الكتاب بصفته هذه , لقصة الوسائط ووسائل الاتصال على طولها منذ اختراع "غتنبرج" الطباعة, وما قبلها مرورًا حتى بوسائل النقل المادي, إذ آثر على نفسه ألا يترك شيئـًًا وجاء مع ذلك كتابًا جديرًا بالقراءة , عميقًا في الفكر والمعالجة. وهي قصة تتخللها السياسة والدين والاقتصاد والاجتماع والفلسفة والتعليم وعلم النفس والفن ....الخ , إلى جانب التكنولوجيا والتاريخ بالطبع.

يفند الكتاب بين سطوره كل المفاهيم والنظريات التي راجت عالميًا , وعربيًا بالطبع, ومن أهمها: "مجتمع المعلومات" أو "عصر التكنولوجيا" , و "الانفجار المعرفي", و"الانفجار المعلوماتي" و"ثورة الاتصالات" يرُدها إلى السياقات التي نشأت فيها. على أن الكتاب – إلى جانب تفنيده لروئ ونظرات كثير من المفكرين – يستبعد فكرة "الثورة" من عالم الوسائط وتكنولوجيا الاتصال, من قبيل الثورة التكنولوجية أو ثورة الاتصالات, ويؤكد بدلاً من ذلك التطور التدريجي والتراكمي, وتداخل التأثيرات بين الوسائط بأنواعها المختلفة وغيرها من العوامل الاجتماعية في صناعة ما آل إليه العالم المعاصر, وتلك هي الرسالة العامة للكتاب – "وضع الوسائط في التاريخ" , و"وضع التاريخ في الوسائط".

إن التناول التاريخي والاجتماعي للوسائط وتكنولوجيا الاتصالات فضلاً عن ذلك , يمثل أهمية كبيرة , ليس للمشتغلين بهذه الفروع وطالبي المعرفة فحسب بل لرؤى المجتمعات ككل وفلسفتها ونظرتها إلى التقدم والتكنولوجيا, وهو ما يعول عليه دائمًا في دراسة التاريخ، كاستجابات المجتمعات والأفراد للتكنولوجيا الجديدة كانت في العوامل الحاسمة في التقدم, شأنها شأن الاختراعات والابتكارات ذاتها, وليس من شك في أن التقدم الغربي كان محصلة للتقدم التكنولوجي, والدعم لهذه التكنولوجيا من جانب آخر, الذي دونه كان يستحيل لهذه التكنولوجيا أن تبقى وتزدهر, إذ أنه لابد للتقدم التكنولوجي من بيئة مواتية تحفز هذا التقدم وترشد خطاه؛ فالطباعة مثلاً كانت في حاجة إلى ظروف اجتماعية وثقافية مواتية, مثل الروح العلمية وتقدير الثقافة المكتوبة في مقابل الثقافة الشفوية, إلى جانب اتساع دائرة المعرفة بالقراءة والكتابة, لكي تؤتي ثمرتها المتمثلة في ثقافة الطباعة، وهو ما ينطبق على كل الاختراعات والتكنولوجيا الأخرى. وهو ما يعنى أن التكنولوجيا ليست سوى عامل واحد, على رغم أنه الأهم في تقدم الأمم.

والمكتبة العربية ولاشك , في حاجة إلى هذا العرض الشامل التأصيلي للوسائط وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات, فهذا الكتاب يتميز بهاتين النقطتين المهمتين: التناول الشمولي لكل وسائط الاتصال على إطلاقها وعلاقات التأثير والتأثر بين هذه الوسائط. إلى جانب العرض السياقي لهذه الوسائط من حيث الظروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية التي أنتجتها. والنتائج التي أحدثتها هذه الوسائط, بدورها على هذه الأصعدة, فضلاً على تجواله بأرض لم توطأ عربيًا إلا قليلاً في مجال الاتصالات ودراسات الوسائط, مثل تاريخ الاتصال الشفهي والاتصال بالمخطوطات الثقافية الشفهية, وما شابه. والكتاب بذلك يعوض نقصًا كبيرًا ويملأ فجوة واسعة في التناول العربي للوسائط, ذلك التناول الذي غالبًا ما يتجاهل السياق الذي انبعثت منه التكنولوجيا والوسائط الجديدة التي يجرى استيرادها منزوعة من سياقها, إضافة إلى تناول الوسائط كحزمة خلاف انتقائيتنا المعهودة.

ومما يعرضه الكتاب في هذا الصدد المعارضة التي بدأها العالم الإسلامي, متمثلاً في الخلافة العثمانية آنذاك, للطابعة , تلك المعارضة التي لم يسلم منها أي من التطورات التكنولوجية المتلاحقة ، إذ ليس ثمة اختراع قبلناه من الوهلة الوصلة الأولى دون جذب وإرخاء، ومما قد يدهش القارئ أن ردود أفعال الإنسان والمجتمع الغربيين تجاه كثير من هذه التكنولوجيات والوسائط اتسمت بالمقاومة أيضًا في بعض الأحيان، ومن هنا يمكن لهذا الكتاب أن يجعلنا نفيد من تجارب الآخرين. ليس في إحداث نقلة تكنولوجية فحسب بل أيضًا في التعامل مع هذه التكنولوجيا وتبنيها وغرسها في البيئة العربية.

ومما يرتبط بذلك أن التناول التاريخي للكتاب يبدأ من ثورة الطباعة, أي من أوائل العصر الحديث, وهي الفترة التي بدأ الغرب فيها يبزنا ويقطع تلك الخطوات المتوالية التي باعدت بيننا وبينه في مضمار التقدم المادي, إذ كنا , قبل بداية عصره الحديث, والغرب كفرسي رهان, بل كنا نفوقه في كثير من المجالات وبخاصة العلمي منها, لكن يبدو أن تطور هذه التكنولوجيات في الغرب ليس عندنا – كان الفارق الذي أدى إلى ذلك التفاوت الكبير والفجوة الشاسعة بيننا وبينه, وهو ما يعنى أهمية كبيرة عند دراسة هذه الفترة من منظور الوسائط والتكنولوجيا, والوقوف على الحالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي صاحبت ذلك وأفضت إليه , لعلها تحمل لنا الدروس والعبرة.

إن من دواعي الأسى والأسف أنه عبر رحلة التقدم التكنولوجي الطويلة , التي كان لدول ومجتمعات كثيرة فيها إسهامات مختلف في حجمها وتأثيرها, لم يكن للعالمين العربي والإسلامي من دور يذكر, ففي تاريخ طويل كهذا لم يرد ذكرنا إلا من باب مقاومة التكنولوجيا الجديدة في البداية, أو باعتبارنا سوقـًًا من المستهلكين. ربما يرتبط بذلك إن الشرق – العربي الإسلامي – كان ماثلاً دائمًا في الأذهان في تعبيرات الفخر التي كانت تدوي حتى في السنوات والمراحل الأولى – قبل تطور مفهوم العولمة بقرون– للتقدم الغربي, فقد كان التقدم المادي في نظر الغرب سباقـًًا مع آخر كان مغيبًا لظروف أسهم فيها الغرب نفسه, لعل من أهمها الاستعمار, حالت دون أن يكون لنا إسهامنا في تاريخ التقدم والتكنولوجيا, ولكن بزاول هذه الظروف, ولو جزئيًا, ألم يحن لنا أن ننحت لأنفسنا مكانًا ونشق لتقدمنا طريقًا؟!

ومن هذا المنطق يأتي هذا العمل ليضم بين دفتيه مقدمة وثمانية فصول، فضلاً عن ثبت بالأحداث الرئيسية في تاريخ الوسائط وأمام كل تاريخ الحدث الذي وقع فيه.

1- المقدمة

يؤصل المؤلفان فيها للمصطلحات الواردة في ثنايا العمل من القواميس اللغوية وعلى رأسها قاموس أكسفورد للغة الانجليزية. ومن أهم المصطلحات التي أُصّل لها, مصطلح "الوسائط" و "الاتصال" و"الجماهير" كما أكد على فكرة الانتقالية بين الوسائط التي تعنى ببساطة أنه مع إدخال وسائط جديدة لا يجرى التخلي كلية عن الوسائط الأقدم, بل على العكس من ذلك تتعايش الوسائط القديمة وتتفاعل مع القادمين الجدد, فالمخطوطات مثلاً ظل لها دور في عصر الطباعة, تمامًا كما بقيت الكتب والإذاعة في عصر التلفزيون. لذلك من الضروري النظر إلى الوسائط كنظام في تغير دائم, تلعب فيه عناصر مختلفة أدوارًا متفاوتة التأثير. كما أن بعض الظواهر في الوسائط تعد أقدم مما هو عنها؛ فالمسلسلات التلفزيونية الحالية تتبع نموذج المسلسلات الإذاعية, التي بدورها امتداد للقصص التي كانت تنشر على نحو متسلسل في مجلات القرن التاسع عشر (الروائيون بدءًا من "ديكنز" إلى "دوستوفيسكي" كانت أعمالهم تنشر في الأصل بهذه الطريقة).

يركز الكتاب الذي بين أيدينا على الغرب الحديث من أواخر القرن الخامس عشر فصاعدًا. وتبدأ القصة بالطباعة (حوالي 1450 م) وليس بحروف الهجاء (حوالي 2000 ق. م) أو الكتابة (حوالي 500 ق. م) أو الكلام. وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة التي غالبًا ما تنسب إلى "جوهان غتنبرج" (حوالي 1400 – 1498م) , فإنه ليس ثمة حد فاصل أو نقطة صفر واضحة تبدأ القصة عندها, وعلى خلاف ذلك سيكون من الضروري أو الحتمي في بعض الأحيان, أن يتم الإشارة إلى فترات تاريخية أعمق, إلى العوالم القديمة وعوالم القرون الوسطى. [ص16, 17]

2- ثورة الطباعة في السياق

يعرض هذا الفصل والذي يليه لأوربا في الفترة التي يسميها المؤرخون "أوائل العصر الحديث" ذلك العصر الذي يمتد من حوالي 1450م إلى حوالي 1789م, وهي الفترة نفسها التي تمتد من ثورة الطباعة إلى الثورتين الفرنسية والصناعية ، فعام 1450 هو التاريخ التقريبي لاختراع المطبعة في أوربا, التي يحتمل أن تكون من اختراع "جوهان غتنبرج" من مدينة مينز، الذي ربما يكون قد استلهم فكرتها من معاصر العنب التي كانت منتشرة في وادي الراين الذي ينتمي إليه غتنبرج، إذ تقوم كلتا الآلتين على فكرة القالب المعدني المتحرك.

وعلى الجانب الآخر في الصين واليابان كانت الطباعة تمارس من قبل ذلك بوقت طويل، منذ القرن الثامن إن لم يكن قبله، ولكن الطريقة التي كانت تستخدم هناك كانت تلك التي تعرف بطباعة القوالب، حيث يستخدم اللوح الخشبي المنقوش لطباعة صفحة واحدة من أي نص. وقد كانت هذه الطريقة تلاءم الثقافات التي تستخدم آلاف الصور والرموز وليس حروفـًًا هجائية لا تتجاوز الثلاثين حرفـًا.

3- الوسائط والحيز العام في أوربا أوائل العصر الحديث.

يقدم هذا الفصل سردًا للتغيرات التي حدثت في الوسائط، إذ يعرض تحليلاً تتابعيًا للأحداث الاتصالية من بداية العقد السادس من القرن الخامس عشر إلى العقد الأخير من القرن الثامن عشر، مركزًا على الأحداث أو سلاسل الأحداث التي أُلصقت بها مسميات: "حركة الإصلاح" و"الحروب الدينية" و"الحرب الأهلية الإنجليزية" و"الثورة المجيدة 1688م" و"الثورة الفرنسية 1789". كما يركز الفصل على موضوع نشأة الحيز العام، ونشأة ما يُعرف بالثقافة السياسية، أي تلك المعلومات والاتجاهات والقيم السياسية التي اشتركت فيها مجتمعات أوربية معينة أو جماعات اجتماعية معينة داخل المجتمع نفسه، مع بيان كيف أثرت الوسائط المختلفة في هذه الأحداث وكيف أثرت الأحداث ذاتها في نشوء وتعديل نظام الوسائط.

4- من البخار إلى كهرباء

إن لقوة البخار تاريخها الطويل، إذ تمتد بجذورها إلى العالم القديم، وقد كانت تستخدم في المناجم لعقود قبل أن تستخدم لتحريك الماكينات. ثم انتقل لدور البخار في ثراء المخترعات في أوروبا كلها ما استتبع ذلك من إنجازات في المواصلات والاتصالات. وكان من الشخصيات البارزة في هذه الفترة "كارل ماركس"(1818-1883) الذي رأى في اختراع المحرك أكبر تقدم في التاريخ الإنساني، فهو الاختراع الذي فصل الماضي عن الحاضر وفتح مستقبلاً ثوريًا. وأشار ماركس إلى أن: "الطبيعة لا تصنع ماكينات أو قاطرات أو سككـًًا حديدية أو أجهزة تلغراف كهربائية...إلخ، فهذه نتاج لكد الإنسان، بمعنى أن المواد الطبيعية تتحول إلى وسائل للإدارة الإنسانية". وإشارة ماركس إلى التلغراف الكهربائي تضمنت ذلك الاختراع الكهربائي الذي استهل عملية إعادة تشكيل ما سمي فيما بعد "الوسائط".

إن "ماركس" عندما تساءل: "ماذا حدث للشائعات والسمعة عندما بدأت صحيفة التايمز تنشر الأنباء في الداخل والخارج؟" كان يركز على البخار والعلاقة بين البخار والطباعة. كانت هذه الصحيفة تسمى في الأصل العام 1785 "السجل العمومي اليومي" ثم اتخذت اسمها المألوف بعد ذلك بثلاث سنوات على يد مالكها "جون ولتر الأول" الذي عمل في المكتب الرئيسي للصحيفة الكائن بشارع الصحافة مطبعة بخارية ضخمة مصنوعة من الحديد مسجلة في انجلترا باسم "فردريك كوينغ". وهذه المطبعة الجديدة لم توفر العمل فحسب، بل جعلت من الممكن أيضًا إنتاج 1000 ورقة في الساعة، وبذلك أصبحت الصحيفة قادرة على أن تطبع في وقت متأخر وتضم أحدث الأخبار.

5 – عمليات وأنماط

يتناول هذا الفصل قصة أدوات الاتصال الكثيرة الجديدة التي مهدت الطريق قبل الترانزستور بوقت طويل – لما سمي فيما بعد بثورة الوسائط في القرن العشرين– وفي مقدمة القصة تأتي السكك الحديدية، ذلك لأنها قدمت النموذج لأشياء أخرى كثيرة في الفن والأدب كما في التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة والإدارة. لم يكن من قبيل المصادفة إذن أن تعلق لوحات لقاطرات أمريكية عظيمة في العام 2000م في أروقة المركز الرئيسي لشركة "نوفيل" Novel وهي شركة التكنولوجيا المتقدمة في أواخر القرن العشرين بوادي السيليكون.

وإذا كان هناك في بريطانيا في العام 1818 من يصف السكك الحديدية بأنها أبعد نقطة وصلتها الحضارة الأوروبية، فإن الشيء نفسه يمكن أن يقال على السفن البخارية فيما يتعلق بالحضارة بين القارات. فالمرحلة الشاقة عبر الأطلنطي أصبحت أكثر سرعة من خلال قوة البخار. وقد كان الأمريكيون بارزين في تطوير البخار من أجل النقل المائي، مستفيدين في ذلك من ميزة وجود بحيرات وأنهار كثيرة كمصادر للطاقة المائية.

وينتقل المؤلف من السفن إلى البريد مؤكدًا على دوره الاتصالي القوي، ففي نهاية القرن كانت السفن أيضًا تحمل أيضًا البطاقات البريدية، وقد صدرت أول بطاقة بريدية تصدرها هيئة بريد في استراليا عام 1869م ثم أدخلت إلى ألمانيا وبريطانيا العام 1870م.

ومن البريد إلى التلغراف يصف المؤلف تلك الطفرة، التي وصفها رئيس الوزراء البريطاني مركيز "ساليسيري" عام 1889م ، بأنها اكتشاف غريب، وذو تأثير مباشر في الطبيعة والفعل الأخلاقيين والفكريين للبشرية، حيث جمع كل البشرية على سطح واحد كبير، يمكن لهم من خلاله رؤية كل شيء يجرى وسماع كل شيء يُقال، والحكم على كل سياسة تتبع في اللحظة نفسها التي تحدث فيها هذه الأحداث.

وصلت أولى مراحل تطور التلغراف إلى نهايتها في بريطانيا عام 1846م بإنشاء شركة التلغراف الكهربائي، قبل خمسة أعوام من اكتمال الكابل الممتد من لندن إلى باريس، وهو ماثلا إعلان الملكة فيكتوريا، التي لم تعد بعد إمبراطورة الهند، والتي كانت من المتحمسين للنظام الجديد كما كانت مع كل الاختراعات الأخرى. وبعد ذلك بعامين اندمجت شركة التلغراف الكهربائي مع منافستها شركة التلغراف المغناطيسي الإنجليزية الأيرلندية لينتج عن ذلك شركة Magnetic الجديدة التي كانت تمتلك مكاتب مهيبة بالقرب من بنك إنجلترا.

وعلى الجانب الآخر في الولايات المتحدة كان للدولة دور منذ البداية، عندما منحت "مورس" اعتمادات مالية حكومية لبناء خط أعمدة تجريبي من واشنطن إلى بلتيمور، وكانت أول رسالة شهيرة تبعث على هذا الخط هي: "من عمل الرب". وقد قرر المدير العام لهيئة البريد أن أداة بهذه القوة، سواء للخير أو الشر، لا يمكن تركها بأمان في أيدي أفراد خاصين لا يخضعون لسيطرة القانون. وفي عام 1845م طرح هذا المدير السؤال المهم: إلى أي مدى تسمح الحكومة للأفراد بأن يتقاسموا معها مشروعات نقل الأنباء؟ وقد حظي هذا السؤال باهتمام كبير من جانب الدستور. ونتيجة لعدم إقبال الاستثمار الخاص بالولايات المتحدة على تطوير نظام لم يجر تجريبه بعد، فسرعان ما أعيدت السيطرة إلى مورس ومؤيديه، وكان القرار بترك التلغراف لقطاع الأعمال، ذلك القرار بالغ الأهمية في تاريخ الاتصالات بالولايات المتحدة. إذ شكلت نتيجة لذلك شركة الاتحاد الغربي Western Union الضخمة التي اتخذت هذا الاسم عام 1854م.

ثم يدلف المؤلف إلى التطورات التكنولوجية اللاحقة ودورها الاجتماعي وتأثيرها على شكل الاتصال، فيعرض للتلغراف ثم التليفون فاللاسلكي ثم السينما والتليفزيون فالغراموفون.

6- المعلومات والتعليم والتسلية

يبدأ هذا الفصل بظهور الصحافة ثم ينتقل فجأة إلى التغيرات التي لحقت بالاتصالات في العقد الأخير من القرن العشرين. فالالكترونات الدقيقة والحاسب منذ وصولها أُلصقت بها كلمة ثورة. وإن كان ذلك على نحو غير دقيق في بعض الأحيان.

يركز هذا الفصل مثله في ذلك الفصل الثاني، على فترات محدودة وسلاسل معينة من الأحداث والشخصيات والاتجاهات، منتقيًا أربع فترات متشابكة في هذا الوقت: عصر السلطة الرابعة، وعصر البث، وعصر السينما، وعصر التليفزيون. وفي كل من هذه الفترات أو السلاسل يتعامل الفصل باختصار مع ثلاث وظائف للوسائط تحظي بقبول عام: المعلومات (الأخبار) والتعليم والترفيه، ويصف الطرق المختلفة لتعامل الوسائط مع هذه الوظائف الثلاث.

يعد المؤرخ "ماكوالي" أول من أبتكر تعبير " السلطة الرابعة "، على الرغم من أنه كان يشير إلى رواق الصحافة في البرلمان وليس إلى التايمز أو الصحافة ككل. وفي عام 1850م اتخذ الصحافي "نايت هونت" المصطلح الجديد – " السلطة الرابعة" عنوانًا لكتابه عن الصحافة، و قد لقي هذا المصطلح قبولاً، ليس في بريطانيا فحسب، ولكن أيضًا في دول أوروبية أخرى كثيرة.. وحتى الولايات المتحدة حتى أنه في القرن العشرين كانت الدورية الأمريكية "البث" تفخر بأنها تكتب على غلافها "السلطة الخامسة".

أما ما يتعلق بالبث الإذاعي ومن ثم التلفزيوني، فمن الضروري أن تكون البداية مع هيئة الإذاعة البريطانية التي بدأ معها "بث الصوت".. جاء بعدها مؤسسات أخرى مثل NBC في الولايات المتحدة.قام ذلك البث الذي حطم خرافة المسافة أو البعد. والبرامج الإذاعية التي تبدو الآن عديمة القيمة كسجلات تاريخية، عملت في وقتها على جعل كل الأشياء حية ، وبين العامين 1939م و 1945م أصبح الميكرفون في كل الدول الديمقراطية والشمولية سلاحًا فعالاً، وقت استغلاله في الثلاثينيات من جانب "هتلر" ومدير آلته الدعائية النازية "غيوبليز" . كما جرى استغلاله من قبل ذلك في الاتحاد السوفيتي.

وبحلول منتصف الثلاثينيات، كان البث الصوتي على جانبي الأطلنطي وفي أجزاء أخرى من العالم، أيًا كان شكله وأسلوبه، قد أصبح مؤسسًا بشكل جيد، إلى درجة أنه لم يكن من السهل أبدًا على المنخرطين فيه، سواء أكانوا من أصحاب المشروعات أم المديرين أم المقدمين أم المؤدين، أن يقبلوا أن بإمكان التلفزيون بتاريخه السابق الطويل أن يجاريه.

7- التقارب

يعالج هذا الفصل من الكتاب ما كان ينظر إليه، حتى في حينه وما زال ينظر إليه في وقتنا هذا باعتباره طفرة كبيرة في التاريخ الإنساني، والتقارب يرتبط مباشرة بالحاسب بتاريخه المعروف: الترانزستور، والدوائر المتكاملة، والشرائح ذات السرعة الفائقة... وهو تاريخ موجز لكنه من الضروري سرده، وهو مع ذلك، يتضمن أكثر من التكنولوجيا، على الرغم أن بعضها كان باهرًا ومهولاً، ومع عملية التجديد المستمر، بدا أن التحدي هو اختراع المستقبل.

إن كلمتي "المعلومات" و"التقارب" اللتين جُمع بينهما بالفعل في الستينيات كانتا في طريقهما إلى مزيد من الارتباط في السبعينيات والثمانينيات. في غضون ذلك عمل تطور التكنولوجيا الجديدة، التي وصلت ذروتها مع الإنترنت والشبكة العالمية العنكبوتية، على دفع المؤرخين إلى إعادة فحص مضامين مجموعة اختراعات القرن التاسع عشر، تمامًا كما دفع التلفزيون مؤرخي الوسائط إلى إعادة النظر في مضامين اختراع الطباعة، ففي عام 1998م كتب "توم سانداغ"، والإنترنت في مركز الصورة، كتابًا حول التلغراف ورواده المباشرين بعنوان: "الإنترنت الفيكتوري" أكد فيه: أن مستخدمي الإنترنت اليوم هم ورثة التقاليد التلغرافية في جوانب كثيرة، وهو ما يعني أننا اليوم في وضع متفرد لفهم التلغراف، والتلغراف بدوره يمكن أن يوفر لنا منظورًا ساحرًا على تحديات وفرص ومخاطر الإنترنت.

وكلمة التقارب مفيدة، وإن كانت قد فقدت قيمتها الدلالية، وقد استخدمها "بول" بحرية قبل أن تصبح شائعة الاستخدام، وهي تطلق منذ العقد الأخير من القرن العشرين على تطور التكنولوجيا الرقمية أي دمج النص والصور والصوت والعناصر المختلفة في الوسائط والتي كان كل منها وسيطـًًا مستقلاً قبل ذلك، ومع ذلك فحتى عام 1970م كانت الكلمة تستخدم للإشارة إلى أشياء أخرى كثيرة، وبخاصة ما أسماه الآن "ستون" :"الزواج الذي عقد في السماء" بين أجهزة الحاسب والاتصالات عن بعد. وقد استخدمت الكلمة الهجين "الاتصالات الحاسوبية" Compunctions كوصف لهذا الزواج في مراحله الأولى.

وفيما بعد طبقت كلمة " التقارب " على المنظمات إلى جانب العمليات، وبخاصة الاقتراب بين صناعات الوسائط والاتصالات عن بعد. وفضلاً عن ذلك كان لهذه الكلمة استخدامات مختلفة وأوسع في مجتمعات وثقافات كاملة، منها المجتمع والثقافة البريطانيان في الثلاثينيات، اللذان فيهما فحص "ليماهيو" مفهوم الثقافة المشتركة وحدودها في كتابة التنويري "ثقافة من أجل الديمقراطية" الذي خصص فيه فصلاً بعنوان: "الصورة والصوت: دراسات في التقارب"، كما اختار "جيرمي بلاك" كلمة التقارب كجزء من عنوان كتابه حول: "بريطانيا وأوربا التقارب أو التباعد: بريطانيا والقارة الأوربية" (1994)، في حين استخدمها "بورستين" بمعناها العام في كتابه الأخاذ، الذي أصبح قديمًا الآن "جمهورية التكنولوجيا" (1978)، "وهو اتجاه كل الأشياء لأن تصبح مثل كل الأشياء الأخرى أكثر فأكثر"، وأضاف "بورستين" أولاً أن "التكنولوجيا تُضعف وتفكك الأيديولوجيا"، وثانيًا والأكثر تنويرًا أنه "في حين كان الاتصال يعتبر في السابق بديلاً أدني للنقل أصبح الآن البديل المفضل"

8- الخلاصة: إلى الفضاء الرمزي

يعد المترجم كلمة الرمزي هي أفضل ترجمة عربية – حتى الآن – لمصطلح Cyberspace، وهو ما يتفق مع ما ذهب إليه د."نبيل علي" في كتابه "الثقافة العربية في عصر المعلومات" الذي صدر أيضًا ضمن سلسلة عالم المعرفة، العدد 276 العام 2001م.

ويقول المؤلف في تصديره لهذا الفصل: أن الفصول الثلاثة الأخيرة، التي طافت بإيجاز وانتقائية بأرض لم تحدد تضاريسها بعد، كشفت عن أن جدة التطورات الحديثة في مجال الاتصالات، وبخاصة التكنولوجيا منها، يمكن المبالغة فيها إلى حد بعيد، وإنه أيًا كانت التزامنات أو التقاربات فلم يكن ثمة خط واحد للتطور. على أن إلصاق مسميات من قبيل "العصر الرقمي" بظواهر الماضي أو الحاضر، حتى إن كان موحيًا و مفيدًا، ينبئ في أفضل الأحوال عن مدركاتنا، أكثر مما ينبئ عن الحقائق . فهي ظواهر تتسم في الأساس بالتعقد. وينتهي العمل بسرد للأحداث الرئيسية في تاريخ الوسائط منذ عام 5000 ق.م وحتى نهاية عام 2001م .

9- تعليق عام

يحمل هذا العمل الذي ينتمي إلى فئة الأعمال أحادية الموضوع تاريخًا طويلاً للوسائط يمتد من عام 5000 ق.م وحتى الآن مع التركيز على المتغيرات الاجتماعية والثقافية المختلفة التي صاحبت هذا التاريخ . فهو بحق كتاب جدير بالقراءة أكثر منه مراجعة متعجلة لحقل واسع، فهو كتاب شامل بمعنى الكلمة على حد تعبير الناشر في كلمته.

ويعتقد كاتب هذه السطور أنه هذا العمل بموسوعيته تلك وثراء المعلومات به والتاريخ الممتد الذي يغطيه هام جدًا لطلاب ودارسي علوم الاتصال والمعلومات على امتداد العالم العربي ... كما أنه هام وحيوي للمثقف العام والقارئ المتابع للتاريخ الاجتماع والثقافي لوسائط الاتصال والسياقات الاجتماعية والثقافية التي انبثقت وتطورت عبر الزمن . فقد تعقب المؤلفان مسالك التطور المعقدة والمتشابكة والمتعددة، مرتادين العلاقات البينية المتداخلة بين الوسائط وغيرها من جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية.

هذا وإن كان هناك بعض الملاحظات التي يجب تسجيلها على نحو لا يقلل بأي حال من الأحوال من قيمة الكتاب وقيمة الترجمة العربية له؛ تتعلق أولى هذه الملاحظات بعدم وجود قائمة بالمراجع أصلاً، لا في نهايات الفصول، أو بنهاية العمل بوجه عام ... ولا حتى إشارات مرجعية أسفل الصفحات، والسؤال الآن هل يرجع ذلك للعمل الأصلي، وعدم توفر ذلك فيه؟ أم أن المترجم قام بحذف تلك المراجع والإشارات؟!

الملاحظة الثانية تتعلق بالترجمة والمصطلحات، ولها جانبان الأول تبنى المترجم لبعض الترجمات غير المعروفة أحيانًا للقارئ العربي، كأن يترجم "مارس" للتعبير عن كوكب "المريخ" المعروف، و "هومر" للتعبير عن شاعر الإغريق الشهير "هوميروس"، وغيرها من الترجمات التي قد يستغربها القارئ العربي بعض الشيء. أما الجانب الثاني فيتعلق بافتقاد العمل لمسرد بالمصطلحات ومقابلاتها العربية، يرصد فيها المترجم قناعاته الخاصة المتعلقة بترجمة تلك المصطلحات.

وأخيرًا كان حريًا بهذا العمل أن يشتمل على كشاف تحليلي لمحتويات العمل، فالعمل يحمل بين طياته أسماء لدول وشركات ومخترعات ومشروعات كثيرة جدًا ، كان من شأن مثل هذا الكشاف أن يسهل على القارئ والباحث الوصول إلى دقائق العمل في أسرع وقت وبأقل الجهد .

وفي النهاية يتقدم كاتب السطور - بالنيابة عن القارئ العربي لمترجم العمل لاختياره الموفق لهذا العمل وترجمته على هذا النحو الرائع- بالشكر الجزيل وعظيم التقدير، والشكر موصول للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت على تحمسه لنشر هذا العمل و تقديمهم لعمل رائع مع مطلع كل شهر.

 

 

...........................

(*) أستاذ المكتبات وعلم المعلومات المساعد ، جامعة الملك سعود - عمادة شؤون المكتبات

 

 

 

..................

(**) بريغز، آسا و بورك، بيتر. التاريخ الاجتماعي للوسائط من غتنبرج إلى الإنترنت؛ ترجمة مصطفى محمد قاسم. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، مايو ٢٠٠٥.- 446 ص. (عالم المعرفة ؛ ٣١٥)

ترجمة لـ: A Social History of The Media: from Gutenberg to the Internet/ Edited by Asa Briggs and Peter Burke.- Polity Press, UK, 2002.

 

 

 

  

...........................

المصدر : من الموقع :

http://bklibinfo.blogspot.com/2009/02/blog-post_23.html