الحضارية «رحلة في كتاب»

 الثلاثاء: 03/02/2009

 

مغالطات العلوي في كتابه (شيعة السلطة وشيعة العراق)

د. علي عبد الهادي المرهج (*)
(خاص للمعهد)

 

اسم الكتاب : شيعة السلطة وشيعة العراق

اسم المؤلف : حسن العلوي                                                                                  

دار النشر : دار الزوراء ـ لندن 2009

حجم الكتاب : القطع المتوسط

عدد صفحات الكتاب : 312 صفحة

 

حاول العلوي في كتابه هذا أن يضع حدوداً فاصلة بين منطق السلطة ومنطق الدولة، فالأول يلغي دور المجتمع، بينما الثاني ينطوي ضرورةً على فاعلية المجتمع ووجوب احتكام السلطة لإرادته. وقد كان العلوي على غرار كتابه السابق (العراق الأمريكي) يحاول أن يقرأ طبيعة الحكم في الدولة العراقية الحديثة، عبر مقارنة تجربتين من الحكم في تاريخ العراق الحديث؛ الأولى هي تجربة الحكم مع البريطانيين ذات الطابع السني والتي سماها (العراق البريطاني) الذي كان فيه السنة أداة طيعة بيد البريطانيين لتحقيق أهوائهم والوصول إلى السلطة والقبض عليها بيد من حديد بعد تهميش الأغلبية من الطوائف والقوميات الأخرى، والثاني هو (العراق الأمريكي)الذي أصبح فيه الشيعة الواجهة لإدارة السلطة ومحاولة القبض على الحكم بعد أن فقدوه أيام البريطانيين، ومحاولة تهميش الأقليات الأخرى، حسب لعبة تبادل الأدوار بين الجلاد والضحية.

إن محاولة العلوي هذه للفصل بين سنة السلطة والسنة، وشيعة السلطة والشيعة، إنما تدفع باعتقادي إلى تكريس رؤية طائفية يكرسها سعي العلوي الدائم للفصل بين فئات الشعب على أساس التمييز الطائفي، بدءاً من كتابه(الشيعة والدولة القومية) . وهو وإن كان يحاول السعي جاهداً لإبعاد هذه النظرة، إلا أن الدفع باتجاه تكريس مثل هذه المفاهيم لا يدفع باعتقادنا إلا إلى محاولة الفصل بين السلطة والشعب فضلا عن نزعة الفصل التي تحملها مثل هكذا كتابات بين فئات الشعب نفسه.

الكتاب ـ موضوع القراءة ـ وهو شيعة السلطة وشيعة العراق يدور حول الفكرة المذكورة آنفاً، وهو من عنوانه يحمل في طياته نزعة إقصائية تحاول الفصل على أساس طائفي وعرقي ، باعتبار أن شيعة السلطة ذوو أصول غير عربية، ويدافعون عن مصالح غير عربية، ومن ثمّ ، هم يسعون إلى إقصاء مفهوم العروبة بأبعاده القومية لصالح القومية الفارسية، بحساب ولاءات هذه السلطة لمن ساندوهم من قبل. وكأن محاولة العلوي هذه هي إعادة صياغة لفكرة قديمة كان البعثيون الفاعل الأساس فيها، وهي تمييز الناس، إما على أساس العرق أو على أساس الطائفة. وهذا الكلام ليس دفاعاً عن السلطة، فلكل حكم سلبياته. ولكن علينا، عند محاولة النقد لحقبة حكم ما، أن نأخذ بنظر الاعتبار مدى التحولات التي كانت في هذه الحقبة. ولا يخفى على عاقل حجم المواجهة الشرسة التي مر بها المجتمع العراقي والحكومة على حد سواء.

وفي محاولة مثل هذه، يجب على الدارس المنصف أن يجرد نفسه قدر المستطاع، عن الذاتية والأنوية وغلبة الطابع الشخصي التي باعتقادنا قد حركت أغلب، إن لم نقل، كل مباحث الكتاب، عبر تركيز العلوي على مشاكله الشخصية مع قادة العراق اليوم الذين كان زميلا لهم في المعارضة في الأمس القريب!!

ولا بد لي أن أعترف أنني لست ندا لكاتب مثل العلوي، ولا أمتلك فصاحته أو تجربته السياسية والحياتية، ولكني وجدت بعض ما اعتقدته سوء فهم ألمّ ببعض آراء العلوي في هذا الكتاب والذي يبقى قلمه بجرأته وقدرته النقدية على الرغم ما فيه من مباشرة حادة، يبقى باعتقادي ضرورة لا بد منها لتصحيح المسارات السياسية، حتى وإن كنا لا نتفق معه في بعض وجهات النظر، كونه عيناً أخرى هي عين المفكر والإعلامي البارع التي تكشف الجانب الذي لا يراه صاحب القرار.

يحمّل العلوي في (ص 12) (شيعة السلطة) أنهم لم يستطيعوا تأمين طريق دفن الموتى في مقبرة وادي السلام، ونسي العلوي أن أية دولة ترتبط إرادتها بسلطة الفرد فإنها تنهار بانهيار هذه السلطة الفردية، وهو ما حصل في دول عدة كبرى، ولنا مثال في ذلك ألمانيا، أو ما حصل إبان الثورة الفرنسية من مجازر، لم يستطع قادة الثورة السيطرة عليها. فكيف بسلطة كان الاحتلال فيها هو الفاعل الرئيس في إدارتها.هل بإستطاعة دولة مثل هذه ان تسيطر على الوضع الامني وكأنها دولة مكتملة المؤسسات.

يعقد العلوي مقارنة بين مجزرتي اليهود للفلسطينيين في صبرا وشاتيلا وبين ما حصل لمدينتي الصدر والشعلة، وبعبارتيه (صدرا) و(شعلا)، وكأنه يريد أن يشبه شيعة السلطة بالصهاينة، علماً أن أبناء هاتين المدينتين، على الرغم مما حصل بهما من مآسٍ، وهما فعلا مركزا نشاط التيار الصدري وجيش المهدي، إلا أن ما حصل لم يكن موجهاً إلى أبناء هذين الاتجاهين. فالمالكي يعلم تمام العلم أن التيار الصدري كان السبب في إيصاله إلى رأس السلطة في العراق، ولكن المواجهة التي اختارها المالكي كانت مع المجرمين الذين اتخذوا من اسم التيار الصدري واجهة لأفعالهم الإجرامية. والدليل على هذا أن التيار الصدري الآن بصدد عقد مباحثات وحوارات للمصالحة وإزالة اللبس مع حكومة المالكي. وأكثر من هذا، أن زعيم التيار الصدري، السيد مقتدى الصدر، قد تخلى عن كثير من الأسماء التي كانت مطلوبة للدولة، والتي اتهمت بأنها كانت السبب في تصعيد النزاع الطائفي. وليس أدل على ذلك من أن هذا المناطق الآن، وغيرها، تنعم بهدوء لم تشهده من قبل.

 في السياق نفسه، نجد العلوي يشير إلى أنه "لأول مرة في تاريخ التشيع يجري تفجير معمارية ضريح إمام من أهل البيت"!! وللتعليق على هذا القول، نقول: ما علاقة التشيع بتفجير ضريح الإمامين؟ ومعلوم أن المحاولة كانت إرهابية بحتة. وهل كان التشيع حاكماً على طول التاريخ، حتى تتحمل حكومة الشيعة اليوم تفجير الضريح. أعتقد أن العلوي أعلم بذلك. وإن كان ذلك من باب تحميل الحكومة مسؤولية هذه الأفعال، فإن الحكومة كانت في بداية تشكيلها والى الآن لا تستطيع أن تستلم الملف الأمني فيها بشكل كامل، لا سيما أن منطقة مثل سامراء كان يدير ملفها الأمني آنذاك قوات الاحتلال والحكومة المحلية.

لقد كُتب الكتاب كما يقول العلوي "بعقلية الصحفي... لا فعل المنظّر" (ص14)،ولكن من الواجب على الصحفي ان يغلب الموضوعي على الذاتي وليس العكس.

استمرارا من العلوي بعقليته الإقصائية ذات الأبعاد القوموية، نجده يحاول تشخيص سبب خراب بغداد في كونها تُغفل في التمثيل السياسي الراهن، "لأن مدينة رئيس الجمهورية وجغرافيته القومية تقع إلى شمالها الشرقي عند السليمانية!

ومدينة رئيس وزرائها تشتط به إلى بلدة (طويريج) ومدينة رئيس الائتلاف السيد عبد العزيز الحكيم هي النجف، بلا شك مثلما تشكل كربلاء مدينة ابراهيم الجعفري رئيس الوزارة الثانية للاحتلال.

إن دفاتر نفوس رجال السلطة (والقول للعلوي ص21) وأعضاء البرلمان تشير إلى مسقط رؤوس بعيدة عن بغداد"، وكأنه يريد أن يعطي انطباعاً أن سبب خراب بغداد في كون الذين حكموها من خارجها، وكأن الحكومة التي مقرها العاصمة يجب أن تكون كلها من بغداد!! فضلا عن أن هذا القول يعطي انطباعاً أن بغداد في عصرها الذهبي كانت يحكمها البغداديون أنفسهم.

يبدو لي أن العلوي يعاني من هيمنة الأطراف على المركز، كونه ينطلق من عقلية حكم لا تؤمن إلا بالمركزية، وأن أناه تعاني الإقصاء وعقدة الذات بوصفها مركزاً متماهية مع عقدة المركز (العاصمة) بوصفها حكراً على أبنائها.

يقول العلوي في (ص23): "من الصدف العجيبة في عام 1968، كانت عبقريات بغداد تتفجر. فالشاعر العباسي مستمر في الجواهري، وطه باقر يفك رموز اللغة السومرية، ومهدي المخزومي يعيد مدرسة الكسائي ويجدد نحو الكوفة، ومحمد بهجت الأثري وعبد العزيز الدوري ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وعلي الوردي وعلي جواد طاهر وعبد الرزاق الحسني وفؤاد عباس وسالم الآلوسي وجعفر الخليلي والمعماري الشهير محمد مكية" هؤلاء المبدعون كلهم فجروا العبقرية البغدادية. والغريب في هذا الأمر أن العلوي حينما يأتي إلى السياسة يفصل السياسيين عن بغداد كون أغلبهم من خارجها،ويحمل الوافدين اليها من السياسين الخراب الذي حصل فيها وحينما يأتي إلى الإبداع ينسى أن أغلب الذين ذكرهم هم ليسوا عبقريات بغدادية، بقدر ما هم عبقريات عراقية ،فلماذا ينسب حركة الابداع لها إذا كانت مقاييسه معتمدة على التمييز بين من هو من داخل بغداد ومن هو من خارجها.

لماذا الدجيل، وليس سامراء أو حديثة؟ سؤال يطرحه العلوي (ص33)، ويأخذ أمثلة على جرائم صدام لشهداء من السنة. وأعتقد أن هذا أمر لا ينكره عاقل، وحتى جرائمه ضد البعث نفسه، ولكن هذه جرائم فردية لم يكن وقعها وأثرها على مدينة بأكملها. ولذلك حسبت جريمة الدجيل ضمن جرائم الإبادة الجماعية، أي أن صدام حسين حمّل الناس وزر أفعال أفراد. وليس الـ150 فقط ولكن جرائم التجريف والتجويع. أما قتله لمحمد جاسم مظلوم أو عبد الخالق السامرائي أو كردي الحديثي أو محمد صبري الحديثي الذي رضي لنفسه أخوه ناجي صبري الحديثي أن يكون وزيراً لخارجية صدام، فهذه أفعال فردية وإن طالت أناسا آخرين فإنما كان ذلك على مستوى الضرر المادي وليس الإبادة أو القتل الجماعي.

فضلا عن إننا نجده يلمّح، من دون دليل، إلى أن هذه المحاولة كانت مدعومة من جهات أجنبية، وكأنه يريد أن يحمل من أراد إسقاط الطاغية مسؤولية قتل العشرات من الناس الأبرياء!! بعذر أنهم يعرفون أن صدام طاغية ولا يرحم. فهل هذا يعني التسليم والخضوع، وكأنه قدر إلهي؟

يقول العلوي: "أشاع الإسلاميون المحسوبون على السياسة الايرانية مفهوما طالما كرسوه أن ضحايا النظام السابق كانوا من الشيعة الإسلاميين" (ص35) أعتقد أن هذا أمر مفروغ منه. وإن أكثر ضحايا النظام السابق كانوا من الشيعة الإسلاميين، وهذا لا يمنع ان يكون هناك شهداء من السنة فصدام ظلم الجميع، كل حسب نسبة معارضته. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن عدم المطالبة بحقوق الشهداء من السنة لا يتحمله سياسيو الشيعة، ولكن تتحمله الجهات التي كانوا ينتسبون لها ولم يطالبوا بحقوقهم. الغريب أن العلوي يريد أن يحمل اوزار الوضع الحالي على من سماهم شيعة السلطة ونسي أنه كان في زمن لاحق بعد بعثيته ضمن هذا التكتل الشيعي، فهل خبرته السياسية وخبرته في المعارضة لم تسعفه في إدراك ما سيكون عليه أم أنه لم يحصل على ما كان يتمناه بأن يكون جزءاً من (شيعة السلطة).

في موقف العلوي من إعدام صدام نجده يتناقض مع نفسه فمرة يعزوه إلى الأمريكان بوصفها صفقة بين الجانبين، الإيراني والأمريكي (ص33)، وأخرى نجده يعزوه لرغبة الحكومة الانتقامية لضحايا الشيعة (ص41). وهذا من العجائب، إذ كيف يمكن لسلطة مرتبطة ارادتها بالاحتلال أن تنفذ قتل صدام طبقا لرغباتها، وهي فاقدة للإرادة، وكيف يكون مرة أخرى صفقة بين الاحتلال وإيران؟

حاول العلوي أن يعقد مقارنة بين صولة الفرسان التي حصلت في البصرة لفرض القانون، وبين صولة الجحوش الاكراد؟ ولا أعتقد أن هذه المقارنة لها ما يبررها. فالجحوش الأكراد كانوا يقمعون أناساً من جنسهم ذوي إرادة وطنية للتغيير مطالبين بحقوقهم التي غيبها النظام السابق، بينما نجد صولة الفرسان كانت محاولة لفرض هيبة الدولة واستتباب القانون. والدليل على هذا، هو مقارنة اوضاع البصرة قبل صولة الفرسان وبعدها، وأي منصف سيعرف الفرق بين هذه وتلك.

يقول العلوي: لم يستوعب سنة العراق رؤية الشيعة مسيطرين (ص47) وهذا مما يُتفق عليه. إذ كانت الحكومة يحكمها الخطاب السني لأكثر من 1300 عام ولكل فعل رد فعل، وهذا يعني أن هناك سعيا من المعارضة التي أصبحت سلطة لتغييب خطاب السلطة السابقة. وهذه طبيعة انسانية حتى في صراع الأفكار، فحينما تحضر فكرة في الذهن فذلك يعني غياب فكرة أو أفكار أخرى. فهذا التغييب الايديولوجي قصدي وغير قصدي في الوقت نفسه. وكان قبول السنة بأن يكونوا قاعدة للإرهاب السلفي قد شكل ردة الفعل على تصرف الحكومة الجديدة، وأصبح هناك توازن بين الفعل ورد الفعل حتى آلت الأمور إلى الاحتكام إلى العقل وقبول التنوع والآخر بوصفه الوجه الثاني للأنا، وذلك كان السبب في حصول استقرار في العراق.

يشبه العلوي موقف الضاري من الاحتلال الأمريكي بموقف الخالصي من الاحتلال البريطاني (ص50) ولا ندري كيف يمكن قبول هذه المقارنة؟ إذ أن الضاري كان جزءا من آلية الاستبداد الحكومي بشكلها الديني، بل جزءا من ديمومة الحكومة بخطابها الاحادي (الطائفي)، ومعارضته للوضع الحالي كانت ولا زالت تعتمد على تحقيق مصالح ذاتية وحتى غير سنية، بينما الخالصي لم يكن من السلطة السابقة إبان الاحتلال البريطاني ولم يكن جزءا من ديمومة خطابها الأحادي إبان حكم العثمانيين. ولكن حينما جاء الاحتلال البريطاني رفضه كون أن العثمانيين ـ رغم استبدادهم ـ يمثلون شكلا من أشكال الحكم الإسلامي. ومن ثمّ، الأفضل القبول بسلطتهم إذا كان البديل هو الاحتلال من دين آخر، ويهدد مصالح الإسلام. فمواجهة الخالصي للاحتلال لم تكن لصالح الشيعة، وليست لمصلحته الفردية، بل للمصلحة الجماعية التي يشكل الإسلام وجهها الرئيس.

يقول العلوي: سنة السلطة حكموا بمشاريع ملكية وجمهورية وقومية ولم يحكموا باعتبارهم سنة (ص55)... وإن الحاكم كان سنيا ولم يكن الحكم كذلك (ص57). وفي الحالة الثانية (حكم الشيعة)، لم يكتف الحاكم بأن يكون شيعياً إنما يسعى لأن يكون الحكم شيعيا (ص58). أعتقد أن الحكم لو كان سنيا لكان أرقى مما لو كان فرديا استبدادياً، يوظف الملكية والقومية والجمهورية لصالح نزوعه الطائفي، ليس حبا في الطائفة، بل لخدمة نزوعه الفردي في ادارة السلطة. فهذا الحكم بهذا الشكل إقصاء للتشيع من اجل التسنن، ويلغي القوميات الأخرى لصالح العروبة. ويلغي الوطنية لصالح نزوعه القومي، ويلغي الجميع لصالح نزوعه الدكتاتوري وأناه المتضخمة. أما الحكم الذي يصفه بأنه حكم شيعة السلطة فهو حكم حسب وجهة نظر العلوي، هو فاقد للإرادة، فكيف يمكن أن يحكم باسم تلك الطائفة أو تلك القومية؟ فضلا عن ذلك، فهو مقيد بإرادة دولية وبأسلوب في الحكم قائم على الانتخابات، وهذا الشكل من الحكم فرضته الإرادة الدولية. ومن ثمّ لم يكن مبنيا على الإقصاء بقدر ما كان مبنيا على التنوع حتى وإن استغلت بعض الأحزاب نزوعها الطائفي. مضافا إلى ذلك، إن هذا الكتاب ـ محط القراءة ـ كُتب في أواخر عام 2008، وهناك سنة في إدارة الدولة يمكن تسميتهم (سنة السلطة)، فلماذا لم يحمل العلوي هؤلاء مسؤولية غياب حضورهم السياسي، إذا كان ذلك كذلك، علما أنهم كثيرا ما يؤثرون على القرار السياسي.

يقول العلوي: لم يُحارَب الشيعة الاسلاميون لأنهم شيعة، بل لأنهم إسلاميون (ص72). صحيح أن حزب البعث في نزوعه القومي كان يحارب التوجهات الإسلامية ذات الابعاد غير القومية وإن كان مؤسسه (ميشيل عفلق) يؤكد على دور الإسلام في بلورة الوعي القومي العربي، لكن البعث سكت عن حركات إسلامية ذات أبعاد تهدد المد الشيعي لا سيما في مناطق الجنوب، مثل الكسنزانية والوهابية، وأيضا محاربة القوميين من الشيعة، إذ نادرا ما يكون هؤلاء على رأس السلطة، وهم موضع شك في ولائهم بشكل مستمر. فكيف بالشيعي ذي الميول المذهبية؟!!

ختاماً: بعد أن يستطرد العلوي في ذكر مجموعة من الذكريات حول شخصيات المعارضة التي أصبحت ضمن السلطة اليوم وكيف كانت علاقته بهم وكيف تصرفوا معه حينما أصبحوا في السلطة وكيف هو يمثل ضمير العلوي الثائر؟ وكلامه عن تقوية علاقات بعض رجال السلطة من الشيعة بدول الخليج، وكل هذه المعلومات التي يذكرها في صفحات مطولة حسب ظني تحتاج إلى رد من هذه الشخصيات التي مر على ذكرها والتي اتسمت هذه الذكريات بطابع التهجم ورفع الأنا إلى حد تضخيمها.

هنا وفي النهاية نصل إلى بيت القصيد في هذا الكتاب، كما أعتقد. (ص274) الذي يذكر فيها العلوي "صدور مرسوم جمهوري بتعيينه مع عدد آخر سفراء في ديوان وزارة الخارجية (التي يعلم أنها وحسب روايته في هذا الكتاب من حملة كواتم الصوت) والعمل سفيرا للعراق في دمشق". والغريب أنه كيف يوافق على عمل في وزارة يعلم تمام العلم أنها من حملة كواتم الصوت، وهي استمرار لشخصيات كانت من الحكم السابق من ذوي التاريخ الأسود. هذا إذا عرفنا أن العلوي يعرف الحكومة الحالية حق المعرفة ولديه سجل عن أغلب شخصياتها إن لم يكن كلها. ولا أعرف إن كان العلوي هو الذي غادر المنصب بسبب اعتراضه على حملة كواتم الصوت كما يقول، أم أن المنصب هو الذي غادره؟

وحتى لا أغمط العلوي حقه، فلا بد لي من القول أن هناك الكثير في هذا الكتاب ما يمكن التوقف عنده والاعتبار به في إدارة الدولة.

 

 

 

 ................................

(*) أستاذ الفلسفة المساعد في كلية الاداب الجامعة المستنصرية، معهد الابحاث والتنمية الحضارية